المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بمعنى لو الشرطية؛ أي: لو كان معه تعالى آلهة أخرى - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٩

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

الفصل: بمعنى لو الشرطية؛ أي: لو كان معه تعالى آلهة أخرى

بمعنى لو الشرطية؛ أي: لو كان معه تعالى آلهة أخرى كما يقولون لذهب كل إله؛ أي: لانفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه، وامتاز ملكه عن ملك الآخرين؛ أي: لو قدر تعدد الآلهة .. لانفرد كل منهم بما خلق، إذ لكل صانع ضرب من الصنعة يغاير صنعة غيره، فكان يحصل التباين في نظم الخلق والإيجاد، ويوجد الاختلاف بين المخلوقات المتحدة الأنواع فلا ينتظم الكون، والمشاهد أنه منتظم متسق، وهو الغاية في الكمال، كما قال:{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} .

2 -

{ولـ} وقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب و {عَلَا بَعْضُهُمْ} ؛ أي: ولغلب بعضهم {عَلَى بَعْضٍ} ؛ أي: ولغلب القوي منهم الضعيف، وقهره وأخذ ملكه كعادة ملوك الدنيا، وإذا لم تروا أثرًا للتحارب والتغالب، فاعلموا أنه إله واحد، بيده ملكوت كل شيء، وإله ترجعون.

وبعد أن وضح الحق، وصار كفلق الصباح، جاء بما هو كالنتيجة لذلك، فقال:{سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159)} ، ويضيفونه إليه تعالى من الأولاد والشركاء؛ أي: تنزه ربنا وتقدس عما يقوله الكافرون، من أن له ولدًا أو شريكًا، أو نزهوه تنزيهًا، وقرىء:{عما تصفون} بتاء الخطاب.

‌92

- {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} ؛ أي: عالم السر والعلانية، بالجر على أنه بدل من الجلالة، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو سبحانه وتعالى العالم بما غاب عن خلقه من الأشياء، فلا يرونه، ولا يشاهدونه، وبما يرونه ويبصرونه؟.

والمراد (1): أن الذين قالوا بالولد والشريك مخطئون فيما قالوا، فإنهم يقولون عن غير علم، وأن الذي يعلم الأشياء شاهدها وغائبها، ولا تخفى عليه خافية من أمرهما قد نفى ذلك، فخبره هو الحق دون خبرهم.

وقرأ الإبنان (2) - ابن كثير وابن عامر - وأبو عمرو هو حفص: {عالم} بالجر

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

ص: 137

صفة للجلالة وقرأ باقي السبعة، وابن أبي عبلة وأبو حيوة وأبو بحرية بالرفع. قال الأخفش: الجر أجود؛ ليكون الكلام من وجه واحد. وقال ابن عطية: الرفع عندي أبرع، والغيب ما غاب عن الناس، والشهادة ما شاهدوه.

ثم إن الغيب بالنسبة إلينا، لا بالنسبة إليه تعالى، فهو عالم به وبالشهادة على سواء، وهو دليل آخر على انتفاء الشريك، بناءً على توفقهم في تفرده تعالى بذلك، ولذلك رتب عليه بالفاء في قوله:{فَتَعَالَى} الله وتنزه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} به مما لا يعلم شيئًا من الغيب، ولا يتكامل عليه بالشهادة، فإن تفرده بذلك موجب لتعاليه عن أن يكون له شريك؛ أي: تقدس عما يقول الجاحدون والظالمون. و {الفاء} : في قوله: {فَتَعَالَى} عاطفة على محذوف معلوم من السياق، فكأنه قال: علم الغيب فتعالى، كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته؛ أي: شجع فعظمت، أو يكون على إضمار القول؛ أي: أقول فتعالى الله. والمعنى: أنه سبحانه متعالٍ عن أن يكون له شريك في الملك. والله أعلم.

الإعراب

{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)} .

{بَلْ} : حرف ابتداء وإضراب (1) للانتقال إلى أحوال الكفار المحكية فيما سبق بقوله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ} الخ. والجمل التي بينهما وهي قوله: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ} إلى قوله: {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} اعتراض في خلال الكلام، المتعلق بالكفار {قُلُوبُهُمْ}: مبتدأ. {فِي غَمْرَةٍ} : خبر. {مِنْ هَذَا} : جار ومجرور صفة لـ {غَمْرَةٍ} ؛ أي: كائنة من هذا الذي وصف به المؤمنون، والجملة الاسمية مستأنفة. {وَلَهُمْ}:{الواو} : عاطفة، {لهم}: جار ومجرور خبر مقدم. {أَعْمَالٌ} : مبتدأ مؤخر. {مِنْ دُونِ ذَلِكَ} : جار ومجرور صفة أولى لـ {أَعْمَالٌ} ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. {هُمْ}: مبتدأ. {لَهَا} : جار ومجرور متعلق بـ {عَامِلُونَ} {عَامِلُونَ} : خبرهم؛ أي: مستمرون عليها، ومعنى من دون

(1) الفتوحات.

ص: 138

ذلك؛ أي: متجاوزة متخطية لما وصف به المؤمنون، والجملة الاسمية في محل الرفع صفة ثانية لأعمال.

{حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64)}

{حَتَّى} : حرف ابتداء يبدأ بها الكلام. {إِذَا} : ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه وهو يجأرون، في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بالجواب. {أَخَذْنَا}: فعل وفاعل. {مُتْرَفِيهِمْ} : مفعول به ومضاف إليه. {بِالْعَذَابِ} : متعلق بـ {أَخَذْنَا} . والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة {إذا} إليها على كونها فعل شرط لها. {إذا} الثانية: فجائية، قائمة مقام فاء الجزاء في الربط، حرف لا محل لها من الإعراب، كأنه قيل: فهم لا يجأرون على حد قوله. وتخلف الفاء إذا المفاجاة. {هُمْ} : مبتدأ. وجملة {يَجْأَرُون} : خبره، والجملة الاسمية جواب {إِذَا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إِذَا} مستأنفة. وقيل:{حَتَّى} حرف جر، وغاية. وجملة {إذا} الشرطية: في محل الجر بها، والتقدير: لا يزالون يعملون أعمالهم الخبيثة، إلى مفاجأة جؤارهم وقت أخذنا إياهم بالعذاب الشديد.

{لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66)} .

{لَا} : ناهية جازمة. {تَجْأَرُوا} : فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية. {الْيَوْمَ} : ظرف متعلق بـ {تَجْأَرُوا} ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: فيقال لهم: لا تجأروا اليوم. {إِنَّكُمْ} : ناصب واسمه. {مِنَّا} : جار ومجرور متعلق بتنصرون. {لا} نافية. {تُنْصَرُونَ} : فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة إن مستأنفة، مسوقة لتعليل النهي المذكور قبلها. {قَدْ}: حرف تحقيق. {كَانَتْ آيَاتِي} : فعل ناقص واسمه. {تُتْلَى} : فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر فيه. {عَلَيْكُمْ}: متعلق بـ {تُتْلَى} ، وجملة {تُتْلَى}: في محل النصب خبر (كان)، وجملة (كان) مستأنفة. {فَكُنْتُمْ}: الفاء: عاطفة. {كنتم} : فعل ناقص واسمه. {عَلَى أَعْقَابِكُمْ} :

ص: 139

جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ {تَنْكِصُون} ، وجملة {تَنْكِصُون}: في محل النصب خبر {كان} ، وجملة {كان}: معطوفة على جملة (كان) الأولى.

{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68)}

{مُسْتَكْبِرِينَ} : حال أولى من فاعل {تَنْكِصُونَ} . {بِهِ} : متعلق بـ {مُسْتَكْبِرِينَ} ؛ أي: بسببه، والضمير للحرم أو للبيت، أو الضمير عائد إلى القرآن. وبه بمعنى فيه متعلق بسامرا. {سَامِرًا}: حال ثانية من فاعل {تَنْكِصُونَ} أيضًا. وجملة {تَهْجُرُونَ} : حال ثانية منه أيضًا، فالثلاثة: إما أحوال مترادفة من الواو في {تَنْكِصُونَ} ، أو متداخلة؛ أي: كل واحدة حال مما قبلها. {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا} : الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و {الفاء}: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفعل الكفار ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجر. {فلم يدبروا} : {لم} : حرف نفي وجزم. {يدبروا} : فعل وفاعل مجزوم بـ {لم} . {الْقَوْلَ} : مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، {أم} عاطفة بمعنى بل الانتقالية. وهمزة الاستفهام التقريري؛ أي: بل أجاءهم. {جَاءَهُمْ} : فعل ومفعول به. {مَا} : موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل {جاء} ، والجملة معطوفة على جملة {لم يدبروا}. {لَمْ يَأْتِ}: جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على {مَا}. {آبَاءَهُمُ}: مفعول به. {الْأَوَّلِينَ} : صفة لـ {آبَاءَهُمُ} ، وجملة {يَأْتِ}: صلة لـ {مَا} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير الفاعل.

{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)} .

{أَمْ} : حرف عطف، بمعنى بل الانتقالية، وهمزة الاستفهام التقريري؛ أي: بل ألم يعرفوا. {لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ} : جازم وفعل وفاعل ومفعول معطوف على جملة {لم يدبروا} : {فَهُمْ} : {الفاء} : حرف عطف وتفريع. {هُمْ} : مبتدأ. {له} : متعلق بمنكرون. {مُنْكِرُونَ} : خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة مفرعة على جملة {لَمْ يَعْرِفُوا} .

ص: 140

{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)} .

{أَمْ} : حرف عطف بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام التقريري؛ أي: بل أيقولون. {يَقُولُونَ} : فعل وفاعل معطوف على جملة {لم يدبروا} . {بِهِ} : خبر مقدم. {جِنَّةٌ} : مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول لـ {يَقُولُونَ}. {بَلْ}: حرف إضراب للإضراب الإبطالي. {جَاءَهُمْ} : فعل ومفعول وفاعل مستتر معطوف على {يَقُولُونَ} . {بِالْحَقِّ} : جار ومجرور، حال من فاعل جاء؛ أي: بل جاءهم محمد حال كونه ملتبسًا بالحق. {وَأَكْثَرُهُمْ} : {الواو} : حالية {أكثرهم} : مبتدأ ومضاف إليه. {لِلْحَقِّ} : متعلق بـ {كَارِهُونَ} . {كَارِهُونَ} : خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ضمير المفعول في {جَاءَهُمْ} .

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)} .

{وَلَوِ} {الواو} : استئنافية. {لو} : حرف شرط. {اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية فعل شرط لـ (لو). {لَفَسَدَتِ}:(اللام): رابطة لجواب {لو} . {فسدت} : فعل ماض. {السَّمَاوَاتُ} : فاعل. {وَالْأَرْضُ} : معطوف عليه، والجملة جواب {لو} الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة {لو} الشرطية: مستأنفة معترضة لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. {وَمَنْ} : اسم موصول في محل الرفع معطوف على السموات {فِيهِنَّ} : جار ومجرور صلة من الموصولة. {بَلْ} : حرف إضراب للإضراب الانتقالي {أَتَيْنَاهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول. {بِذِكْرِهِمْ} : متعلق بأتيناهم، والجملة مستأنفة {فَهُمْ}:{الفاء} : عاطفة. {هم} : مبتدأ. {عَنْ ذِكْرِهِمْ} : متعلق بما بعده. {مُعْرِضُونَ} : خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها.

{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73)}

{أَمْ} : عاطفة بمعنى بل الانتقالية. وهمزة الاستفهام التوبيخي الإنكاري؛

ص: 141

أي: بل أتسألهم. {تَسْأَلُهُمْ} : فعل ومفعول أول، وفاعل مستتر يعود على محمد. {خَرْجًا}: مفعول ثان والجملة معطوفة على جملة قوله: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} ، وما بينهما اعتراض. {فَخَرَاجُ}:{الفاء} : تعليلية. {خراج} : مبتدأ. {رَبِّكَ} : مضاف إليه. {خَيْرٌ} : خبر، والجملة الاسمية في محل الجر، معللة لنفي السؤال المستفاد من الإنكار؛ أي: لا تسألهم ذلك؛ لأن خراج ربك خير. {وَهُوَ} : مبتدأ. {خَيْرُ الرَّازِقِينَ} : خبر ومضاف إليه، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. {وَإِنَّكَ}:{الواو} : استئنافية. {إن} : حرف نصب. و {الكاف} : اسمها: {لَتَدْعُوهُمْ} : (اللام): حرف ابتداء. {تدعوهم} : فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن}: مستأنفة. {إِلَى صِرَاطٍ} متعلق بتدعوهم. {مُسْتَقِيمٍ} : صفة {صراط} .

{وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)} .

{وَإِنَّ} {الواو} : عاطفة. {إن} : حرف نصب. {الَّذِينَ} : في محل النصب اسمها. {لَا يُؤْمِنُونَ} : فعل وفاعل صلة الموصول. {بِالْآخِرَةِ} : متعلق بـ {يُؤْمِنُونَ} . {عَنِ الصِّرَاطِ} : متعلق بناكبون. {لَنَاكِبُونَ} : (اللام): حرف ابتداء. {ناكبون} : خبر {إن} ، وجملة {إن} معطوفة على جملة {إن} الأولى.

{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)} .

{وَلَوْ} {الواو} : استئنافية: {لو} : حرف شرط. {رَحِمْنَاهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ {لو} ، لا محل لها من الإعراب. {وَكَشَفْنَا}: فعل وفاعل معطوف على {رحمنا} . {مَا} : موصولة في محل النصب مفعول به. {بِهِمْ} : جار ومجرور صلة لـ {مَا} ؛ أي: ما نزل بهم من القحط والجدب. {مِنْ ضُرٍّ} : جار ومجرور، حال من {مَا} الموصولة. {لَلَجُّوا}:{اللام} : رابطة لجواب {لو} الشرطية. {لجوا} : فعل وفاعل. {فِي طُغْيَانِهِمْ} : متعلق به، أو بـ {يَعْمَهُونَ} . والجملة جواب {لو} الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة {لو} الشرطية: مستأنفة، وجملة {يَعْمَهُونَ}: في محل النصب حال من فاعل {لجوا} .

ص: 142

{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)} .

{وَلَقَدْ} {الواو} : عاطفة. و {اللام} : موطئة للقسم. {قد} : حرف تحقيق. {أَخَذْنَاهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ}. {بِالْعَذَابِ}: متعلق بـ {أخذنا} . {فَمَا} : {الفاء} : عاطفة. {مَا} : نافية. {اسْتَكَانُوا} : فعل وفاعل معطوف على أخدنا. {لِرَبِّهِمْ} : متعلق بـ {اسْتَكَانُوا} . {وَمَا} : {الواو} : عاطفة. {مَا} : نافية. {يَتَضَرَّعُونَ} : فعل وفاعل معطوف على {اسْتَكَانُوا} .

{حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78)} .

{حَتَّى} : حرف ابتداء لدخولها على الجملة التي يبتدأ بها. وقيل: هي حرف جر وغاية. {إذا} : ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، والشرط متعلق بالجواب الآتي، أعني قوله:{مُبْلِسُونَ} . {فَتَحْنَا} : فعل وفاعل. {عَلَيْهِمْ} : متعلق بـ {فَتَحْنَا} . {بَابًا} : مفعول به. {ذَا عَذَابٍ} : صفة لـ {بَابًا} ، ومضاف إليه. {شَدِيدٍ}: صفة لـ {عَذَابٍ} ، والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ {إذا} على كونها فعل شرط لها. {إذا}: فجائية، قائمة مقام الفاء في ربط الجواب. {هُمْ}: مبتدأ. {فِيهِ} : متعلق بما بعده. {مُبْلِسُونَ} : خبر المبتدأ والجملة الاسمية جواب لـ {إذا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إذا}: مستأنفة، وقيل: جملة إذا في محل الجر بحتى، على أنها جارة متعلقة بـ {اسْتَكَانُوا} ، والتقدير: فما استكانوا لربهم وما يتضرعون إلى إبلاسهم من رحمتنا، وقت فتحنا عليهم بابًا ذا عذاب شديد. {وَهُوَ}:{الواو} : استئنافية. {هو الذي} : مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. {أَنْشَأَ}: فعل وفاعل مستتر. {لَكُمُ} : متعلق به. {السَّمْعَ} : مفعول به. {وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} : معطوفات عليه، والجملة صلة الموصول. {قَلِيلًا}: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، وهو المفعول المطلق حقيقة، تقديره: شكرًا قليلًا. {مَا} : زائدة، زيدت لتأكيد القلة المفادة بالتنكير بمعنى حقًا. {تَشْكُرُون}: فعل

ص: 143

وفاعل، والجملة في محل النصب، حال من ضمير المخاطبين، تقديره: وهو الذي أنشا لكم هذه الأعضاء، حالة كونكم شاكرين له شكرًا قليلًا.

{وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81)} .

{وَهُوَ الَّذِي} : مبتدأ وخبر. والجملة معطوفة على جملة قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ} {ذَرَأَكُمْ} : فعل وفاعل مستتر ومفعول به. {فِي الْأَرْضِ} : متعلق بـ {ذَرَأَكُمْ} ، والجملة صلة الموصول. {وَإِلَيْهِ}: متعلق بـ {تُحْشَرُونَ} . {تُحْشَرُونَ} : فعل ونائب فاعل معطوف على جملة الصلة. {وَهُوَ الَّذِي} : مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله: وهو الذي أنشأ لكم. {يُحْيِي} : فعل وفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول. {وَيُمِيتُ}: معطوف على {يحي} . {وَلَهُ} : خبر مقدم. {اخْتِلَافُ اللَّيْلِ} : مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. {وَالنَّهَارِ} : معطوف على الليل، والجملة معطوفة على جملة الصلة. {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}:(الهمزة)؛ للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف. و {الفاء} : عاطفة على ذلك المحذوف. {لا} : نافية. {تَعْقِلُونَ} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: أتغفلون عن تلك الآيات فلا تعقلون، والجملة المحذوفة مستأنفة. {بَلْ}: حرف عطف وإضراب انتقالي. {قَالُوا} : فعل وفاعل. {مِثْلَ} : منصوب على المفعولية؛ لأنه صفة لمصدر محذوف هو المفعول المطلق أصالة. {مَا} : مصدرية. {قَالَ الْأَوَّلُونَ} : فعل وفاعل صلة ما المصدرية، وجملة ما المصدرية مع صلتها، في تأويل مصدر مجرور بإضافة مثلي إليه. والتقدير: بل قالوا قولًا مثل قول الأولين، والجملة الفعلية معطوفة على محذوف، يقتضيه المقام، والتقدير: لم يعقلوا تلك الآيات السابقة، بل قالوا مثل ما قال الأولون.

{قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} .

{قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {أَإِذَا} (الهمزة): للاستفهام الإنكاري الاستبعادي داخلة على محذوف معلوم من جواب إذا. {إذا} : ظرف لما يستقبل من الزمان. {مِتْنَا} : فعل وفاعل، والجملة في محل الجر بإضافة إذا

ص: 144

إليها. {وَكُنَّا تُرَابًا} : فعل ناقص واسمه وخبره. {وَعِظَامًا} : معطوف على {ترابًا} ، وجملة كان معطوفة على جملة متنا، وجملة متنا في محل الجر، مضاف إليه لـ {إذا} ، لكونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بمحذوف، معلوم من الجواب، لا بالجواب؛ لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها، كما سبق. {أَإِنَّا}:(الهمزة): للاستفهام الإنكارى التعجبي. {إنا} ا: ناصب واسمه. {لَمَبْعُوثُونَ} : (اللام): للابتداء. {مبعوثوّن} : خبر {إن} : وجملة {إن} جواب {أَإِذَا} ، وجملهْ {أَإِذَا}: في محل النصب مقول {قَالُوا} .

{لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)} :

{لَقَدْ وُعِدْنَا} : (اللام): موطئة للقسم. {قد} : حرف تحقيق. {وُعِدْنَا} : فعل ونائب فاعل والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم في محل النصب مقول قالوا. {نَحْنُ}: تأكيد لضمير النائب ليصح العطف عليه. {وَآبَاؤُنَا} : معطوف على ضمير النائب. {هَذَا} : مفعول ثان لوعدنا. {مِنْ قَبْلُ} : متعلق بـ {وعدنا} . {إن} : نافية. {هَذَا} : مبتدأ. {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ. {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : خبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول (قالوا).

{قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87)} .

{قُلْ} : فعل أمر، وضمير مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {لِمَنِ}:{اللام} : حرف جر. {من} : اسم استفهام في محل الجر باللام، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر، مقدم وجوبًا. {الْأَرْضُ}: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول {قُلْ}. {وَمَن}: اسم موصول، في محل الرفع معطوف على الأرض. {فِيهَا}: جار ومجرور، صلة (من) الموصولة. {إن}: حرف شرط. {كُنْتُمْ} : فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجملة {تَعْلَمُونَ} في محل النصب، خبر (كان) وجواب

ص: 145

{إن} الشرطية محذوف، تقديره: إن كنتم تعلمون ذلك، فأخبروني بخالقهما، وفي هذا تلويح بغباوتهم. {سَيَقُولُونَ}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة للإخبار من الله تعالى، عما يقع منهم، في الجواب قبل وقوعه. {لِلَّهِ}: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هي كائنة، والجملة في محل النصب مقول القول. {قُلْ}: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {أَفَلَا}: الهمزة: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، و {الفاء}: عاطفة على ذلك المحذوف والجملة المحذوفة في محل النصب مقول {قُلْ} . والتقدير: أتقولون ذلك وتنكرون البعث. {لا} : نافية، وجملة {تَذَكَّرُونَ}: معطوفة على تلك المحذوفة. {قُلْ} : فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. {مَن}: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. {رَبُّ السَّمَاوَاتِ} : خبر ومضاف إليه. {السَّبْعِ} ؛ صفة لـ {السَّمَاوَاتِ} . والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قُلْ} . {وَرَبُّ الْعَرْشِ} : معطوف على {رَبُّ السَّمَاوَاتِ} . {الْعَظِيمِ} بالجر: صفة للعرش، وبالرفع صفة لرب. {سَيَقُولُونَ}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {لِلَّهِ}: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هما لله سبحانه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ {سَيَقُولُونَ}. {قُلْ}: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد. والجملة مستأنفة. {أَفَلَا تَتَّقُونَ} (الهمزة): للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف. و {الفاء} : عاطفة على المحذوف، والتقدير: أتعلمون ذلك فلا تتقون عذابه، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول لـ {قُلْ}. {لا}: نافية. {تَتَّقُونَ} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة.

{قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88)} .

{قُلْ} : فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {مَنْ}: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. {بِيَدِهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم. {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} : مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الاسمية خبر من الاستفهامية، وجملة {مَنْ} الاستفهامية: في محل النصب مقول {قُلْ} .

ص: 146

{وَهُوَ} : {الواو} : عاطفة أو حالية. {هو} : مبتدأ، وجملة {يُجِيرُ}: خبره، والجملة في محل النصب حال من الضمير المستكن في الخبر، أو معطوفة على جملة (من) الاستفهامية. {وَلَا يُجَارُ}: فعل مضارع مغير الصيغة. {عَلَيْهِ} : جار ومجرور نائب فاعل له، والجملة معطوفة على جملة يجير. {إن} شرطية، {كُنْتُمْ}: فعل ناقص واسمه وجملة {تَعْلَمُونَ} خبره، وجواب {إِن} الشرطية محذوف، تقديره: إن كنتم تعلمون ذلك، فأخبروني، وجملة {إِن} الشرطية: في محل النصب مقول لـ {قُلْ} .

{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} .

{سَيَقُولُونَ} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {لِلَّهِ}: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: ملكوت كل شيء لله سبحانه، والجملة في محل النصب مقول القول. {قُلْ}: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {فَأَنَّى}:{الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ذلك، فأقول لكم:{أنى تسحرون} . {أنى} : اسم استفهام، بمعنى: كيف، في محل النصب على الحال من نائب فاعل {تُسْحَرُونَ}. {تُسْحَرُونَ}: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول {قُلْ}. {بَل}: حرف إضراب وابتداء. {أَتَيْنَاهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول. {بِالْحَقِّ} : متعلق به، أو حال من فاعل {أَتَيْنَاهُمْ}؛ أي: حالة كوننا متلبسين بالحق، والجملة مستأنفة. {وَإِنَّهُمْ}: ناصب واسمه. {لَكَاذِبُونَ} : {اللام} : حرف ابتداء. {كاذبون} : خبر {إن} ، وجملة {إن}: معطوفة على جملة {أَتَيْنَاهُمْ} ، أو في محل النصب حال من مفعول {أَتَيْنَاهُمْ}. {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ}: فعل وفاعل ومفعول، و {ما} نافية و {مِن}: زائدة. والجملة مستأنفة. {وَمَا كَان} : {الواو} : عاطفة. {مَا} : نافية. {كَانَ} : فعل ناقص. {مَعَهُ} : ظرف مكان ومضاف إليه خبر مقدم لـ {كَانَ} . {مِنْ} : زائدة. {إِلَهٍ} : اسم كان مؤخر، والجملة معطوفة على جملة {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} .

ص: 147

{إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)} .

{إِذًا} : حرف جواب وجزاء مهمل، قائم مقام لو الشرطية، المحذوفة مع فعل شرطها، تقديره: ولو كان معه آلهة أخرى. {لَذَهَبَ} : {اللام} : رابطة لجواب الشرط المحذوف. {ذهب كل إله} : فعل وفاعل، والجملة جواب {لو} المحذوفة مع فعل شرطها، وجملة الشرط المحذوف مع جوابه معطوفة، تعاطف مقدر على جملة {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ}. {بِمَا}: جار ومجرور متعلق بذهب. {خَلَقَ} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على كل إله، والجملة صلة لـ {مَا} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: بما خلقه. {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ} : فعل وفاعل معطوف على قوله: {لَذَهَبَ} ، و {اللام}: فيه لام الربط. {عَلَى بَعْضٍ} : متعلق بعلا. {سُبْحَانَ اللَّهِ} : منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبح الله سبحانًا، أو سبحوا الله سبحانًا. {عَمَّا}: جار ومجرور متعلق بـ {سُبْحَانَ} ، وجملة {يَصِفُونَ}: صلة لـ {مَا} الموصولة والعائد محذوف، تقديره: عما يصفونه به، ويجوز أن تكون {مَا} مصدرية؛ أي: عن وصفهم. {عَالِمِ الْغَيْبِ} بالجر: بدل من الجلالة، أو صفة له، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف. {الْغَيْبِ}: مضاف إليه. {وَالشَّهَادَةِ} : معطوفة عليه. {فَتَعَالَى} : {الفاء} : حرف عطف وتفريع على محذوف، كأنه قيل: علم الله الغيب فتعالى، والجملة مستأنفة. {تعالى}: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة. {عَمَّا}: متعلق بـ {تعالى} : {يُشْرِكُونَ} : فعل وفاعل صلة لـ {مَا} ، والعائد محذوف، تقديره: عما يشركون به، ويجوز أن تكون ما مصدرية؛ أي: عن إشراكهم.

التصريف ومفردات اللغة

{فِي غَمْرَةٍ} : الغمرة: الجهالة والضلالة، وفي الأصل: ماء يغمر قامة الإنسان {مُتْرَفِيهِمْ} : أي: أغنياءهم ورؤساءهم، جمع مترف، اسم مفعول من أترف الرباعي. {يَجْأَرُونَ}؛ أي: يصيحون ويصرخون، ويبتهلون ويستغيثون

ص: 148

بربهم، ويلتجئون إليه في كشف العذاب عنهم، ومع ذلك لا ينفعهم، ولذلك قيل: لا تجأروا اليوم. وفي "القاموس" جأر: كمنع، جأرًا وجؤارًا إذا رفع صوته بالدعاء، وتضرع واستغاث، وجأرت البقرة والثور، إذا صاحا، وجأر النبات إذا طال، وجأرت الأرض؛ إذا طال نبتها، والجؤار: من النبت الغض والكثير، والرجل الضخم. اهـ.

وقال في "اللسان": والأساس، الجؤار: الصراخ باستغاثة، ويقال: جأر الرجل، إذا صاح ورفع صوته.

{لَا تُنْصَرُونَ} ؛ أي: لا تمنعون من عذابنا؛ أي: لا يجيركم أحد ولا ينصركم {أَعْقَابِكُمْ} جمع عقب، وهو مؤخر القدم، ورجوع الشخص على عقبه، رجوعه في طريقه الأولى، كما يقال: رجع على بدئه.

{تَنْكِصُونَ} ؛ أي: تعرضون عن سماعها، وأصل النكوص الرجوع على الأعقاب؛ أي: ترجعون القهقرى؛ أي: إلى جهة الخلف، وهذه أقبح المشيات، وهذا كناية عن إعراضهم عن الآيات، وفي "المختار"، ما يدل على أنه من بابي جلس ودخل.

{سَامِرًا} السامر: مأخوذ من السمر، وهو سهر الليل. وقال الراغب: قيل: معناه: سمارًا. فوضع الواحد موضع الجميع، تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه. وقيل: بل السامر الليل المظلم، والسمر سواد الليل، ومنه قيل: للحديث بالليل سمر، وسمر فلان إذا تحدث ليلًا، وقيل: اسم جمع كحاج وحاضر وراكب وغائب، كما مر.

{تَهْجُرُونَ} : بفتح التاء وضم الجيم، مضارع هجر الثلاثي، من باب قتل، من الهجران وهو الترك، أو من هجر هجرًا، إذا هذى وتكلم بغير معقول لمرض، أو لغيره؛ أي: تتكلمون في القرآن مالا ينبغي. وقرىء بضم التاء وكسر الجيم من أهجر إهجارًا، إذا أفحش في كلامه، يقال أهجر يهجر إهجارًا، كأكرم يكرم إكرامًا، واسم المصدر الهجر بضم الهاء، وهو التكلم بالفحش.

ص: 149

{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} قال الراغب: التدبر: التفكر في دبر الأمور. {بِهِ جِنَّةٌ} ؛ أي: جنون.

{خَرْجًا} ؛ أي: أجرًا وجعلًا، ويغلب في الخرج أن يكون مال العتق، وفي الخراج مال العقار، ونقيض الدخل. وقيل: الخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه. والوجه: أن الخرج أخص من الخراج.

ومعنى الآية: أم تسالهم على هدايتك لهم قليلًا من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير لك.

{لَنَاكِبُونَ} ؛ أي: لعادلون عن طريق الرشاد، يقال: نكب عن الطريق إذا زاغ عنه، وكل من لا يؤمن بالآخرة فهو ناكب، وفي "المصباح" نكب عن الطريق نكوبًا من باب قعد إذا عدل عنه ومال إليه غيره، والنكوب والنكب: العدول والميل، ومنه النكباء للريح بين ريحين، سميت بذلك؛ لعدولها عن المهاب، ونكبت حوادث الدهر؛ أي: هبت هبوب النكباء اهـ. "سمين".

{الصِّرَاطِ} في اللغة: الطريق، فسمي الدين طريقًا؛ لأنها تؤدي إليه تعالى. {للجوا} جواب لو، وقد توالى فيه لامان، وفيه تضعيف لقول من قال: إن جوابها إذا نفي بلم ونحوها مما صدر فيه حرف النفي باللام، أنه لا يجوز دخول اللام، فإذا قلت: لو قام زيد للم يقم عمرو لم يجز. قال ذلك القائل: لئلا يتوالى اللامان، وهذا موجود في الإيجاب كهذه الآية، ولم يمتنع، وإلا فما الفرق بين النفي والإثبات في ذلك. اهـ. "فتوحات". وفي "المصباح" لج في الأمر لججًا من باب تعب، ولجاجًا ولجاجة فهو لجوج ولجوجة، مبالغة إذا لازم الشيء وواظبه. وباب ضرب لغةٌ. اهـ.

{فِي طُغْيَانِهِمْ} : الطغيان: مجاوزة الحد في الشيء، وكل مجاوز حده في الطغيان طاغ. {يَعْمَهُونَ}: في "المصباح" عمه في طغيانه عمها، من باب تعب إذا تردد متحيرًا، وتعامه مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه وأعمه. {فَمَا اسْتَكَانُوا} يقال: استكان؛ أي: انتقل من كون إلى كون، كاستحال إذا انتقل من حال إلى حال. وأصله استكون، نقلت

ص: 150

حركة الواو إلى ما قبلها، ثم قلبت ألفًا. هذا ما قاله علماء اللغة، ولكن اعترض بعضهم على هذا التنظير، وحجته أن استكان على تأويله أحد أقسام استفعل الذي معناه التحول، كقولهم استحجر الطين استنوق الجمل. وأما استحال فثلاثية، حال إذا انتقل من حال إلى حال، وإذا كان الثلاثي يفيد التحول لم يبق لصيغة استفعل فيه أثر، فليس استحال من استفعل للتحول، ولكنه من استفعل بمعنى فعل، وهو أحد أقسامه إذا لم يزد السداسي فيه على الثلاثي معنىً، ثم نعود إلى تأويله، فنقول: المعنى عليه فما انتقلوا من كون التكبر والتجبر والاعتياص إلى كون الخضوع والضراعة إلى الله.

{مُبْلِسُونَ} في "المصباح" البلاس مثل سلام: المسح، وهو فارسي معرب، والجمع بلس بضمتين. مثل عناق وعنق، وأبلس الرجل إبلاسًا سكت. وأبلس أيس، وفي التنزيل فإذا هم مبلسون. اهـ. ومنه إبليس ليأسه من رحمة الله. اهـ.

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَار} ؛ أي: لتحسوا بهما ما نصب من الآيات، وفيه تنبيه، على أن من لم يعمل هذه الأعضاء، فيما خلقت له .. فهو بمنزلة عادمها. {ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ}؛ أي: خلقكم وبثكم فيها. {اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} ؛ أي: تعاقبهما من قولهم: فلان يختلف إلى فلان؛ أي: يتردد عليه بالمجيء والذهاب. {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} واحدها أسطورة، كاحدوثة وأعجوبة، قاله المبرد وجماعة. {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أصله تتذكرون، فقلبت التاء الثانية ذالًا فأدغمت الذال في الذال.

{مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} : والواو والتاء في الملكوت زائدتان: للمبالغة كزيادتهما في الرحموت والرهبوت والجبروت للمبالغة في الرحمة والرهبة والجبر. {وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} يقال: أجرت فلانًا إذا استغاث بك فحميته، وأجرت عليه إذا حميت عنه. {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}؛ أي: فكيف تخدعون وتصرفون عن الرشد.

{عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال الراغب: شرك الإنسان في الدين ضربان:

أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، يقال: أشرك فلان

ص: 151

بالله، وذلك أعظم كفر.

والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وذلك كالرياء والسمعة والنفاق. وفي الحديث:"والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا" نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المنقطعين عما سواه. والعاملين بالله لله في الله.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} .

ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: {فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} حيث مثل إعراضهم عن الحق، بالرجوع القهقرى إلى الخلف، وذكر شيئًا من لوازمه وهو الإعقاب.

ومنها: تخصيص اليوم بالذكر في قوله: {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ} وهو يوم القيامة؛ لتهويله والإيذان بتفويتهم وقت الجؤار.

ومنها: الاستفهام في قوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا} ؛ لإنكار الواقع واستقباحه.

ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: {فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} ؛ للتأكيد والتشنيع عليهم.

ومنها: الجناس المماثل الناقص بين {خَرْجًا} و {فَخَرَاجُ} وهو في غاية البلاغة، حيث ذكر الأول: في جانب عوضهم، والثاني: في جانب ما يعطيه الله سبحانه، فالخراج، أبلغ من الخرج بلا ألف؛ لأن الخرج يقال لما يدفع مرة، ولا يجب تكراره، والخراج بالألف يقال للملتزم الذي يجب تكراره، كخراج الأرض.

ومنها: التأكيد بالجملة القسمية في قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} للشرطية

ص: 152

قبلها، أعني قوله:{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ} .

ومنها: عطف المضارع على الماضي في قوله: {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أحق ، بخلاف التضرع، فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال، وأما الاستكانة، فقد توجد منهم. اهـ. "سمين".

ومنها: الامتنان بالنعم العظيمة عليهم في قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} تذكيرًا لهم.

ومنها: إفراد السمع دون الأبصار والأفئدة، في قوله المذكور لوحدة المسموع، وهو الصوت دون المبصرات والمفكرات أو لأنه مصدر في الأصل، والمصادر لا تجمع فلمح فيه إلى الأصل.

ومنها: الطباق في قوله: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} .

ومنها: التنكير إفادةً للتقليل في قوله: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} .

ومنها: زيادة ما فيه تأكيدًا للقلة المستفادة من التنكير، والمعنى: شكرًا قليلًا، وهو كناية عن عدم الشكر.

ومنها: الفصل في قوله: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81)} ؛ أي: قطع إحدى الجملتين عن الأخرى للاتحاد فقد فصل {قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا} الخ. عما قبله لقصد البدل لكونه أوفى بالمقصود من الأول؛ لأن ما قال الأولون أقوال كثيرة، ولا يدرى أي قول يراد من تلك الأقوال، والأحسن أن يقال: إن أريد بقوله: مثل ما قال الأولون ما نقل عنهم من قولهم: أئذا متنا الخ. وهو الظاهر كان بدل كل من كل.

ومنها: الاستفهام الذي غرضه الإنكار والتوبيخ في قوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} وقوله: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} وقوله: {أَفَلَا تَتَّقُونَ} .

ومنها: حذف جواب الشرط ثقة بدلالة اللفظ عليه في قوله: {إِنْ كُنْتُمْ

ص: 153

تَعْلَمُونَ}؛ أي: إن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني.

ومنها: طباق السلب في قوله: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} .

ومنها: تأكيد الكلام بذكر حرف الجر الزائد في قوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} وقوله: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} ؛ أي: ما اتخذ ولدًا، وما كان معه إله تأكيدًا وتثبيتًا للنفي.

ومنها: الطباق في قوله: {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة} .

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 154

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)} .

المناسبة

قوله تعالى: {رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر (1) ما لهم من مقالات السوء، كإنكار البعث والجزاء واتخاذ الولد، ووصف الله بما لا يليق، وكان كل هذا مما يدعو إلى استئصالهم وأخذهم بالعذاب .. أمر رسوله أن يدعوه، بأن لا يجعله قرينًا

(1) المراغي.

ص: 155

لهم، فيما يحيق بهم من العذاب، ثم ذكر أنه قدير على أن يعجل لهم العذاب، ولكنه أخره ليوم معلوم، ثم أرشده إلى الترياق النافع في مخالطة الناس، وهو إحسان المرء إلى من يسيء إليه، حتى تعود عداوته صداقةً، وعنفه لينًا، كما قال:

أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوْبَهُمُ

فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ

ثم أمره أن يستعيذ من حيل الشياطين، وأن يحضروه في أي عمل من أعماله، ولا يكون كالكافرين الذين قبلوا همزها، وأطاعوا وسوستها حتى إذا ما حان وقت الاحتضار، تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا ليعملوا صالحًا، وأنه لا يسمع لمثل هؤلاء دعاء، فإنه لا رجعة لهم بعد هذا، وأمامهم حاجز يحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا إلى يوم البعث.

قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر أن وراء الرجوع إلى الدنيا حاجزًا إلى يوم القيامة .. أعقب ذلك بذكر أحوال هذا اليوم، فبين أنه عند البعث وإعادة الأرواح في الأجسام، لا تنفع الأحساب، ولا يسأل القريب قريبه، وهو يبصره، وأن من رجحت حسناته على سيئاته، فاز ونجا من النار، ودخل الجنة، ومن ثقلت سيئاته على حسناته خاب وهلك، وأدخل النار خالدًا فيها أبدًا، وكان عابس الوجه متقلص الشفتين من شدة الاحتراق، وأنه يقال: لأهل النار توبيخًا لهم على ما ارتكبوا من الكفر والآثام، ألست قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم الكتب، فيقولون: بلى، ولكنا لم ننقد لها ولم نتبعها فضللنا، ربنا ارددنا إلى دار الدنيا، فإن نحن عدنا فإنا ظالمون مستحقون العقوبة، فيجيبهم ربهم: أمكثوا في النار صاغرين أذلاء، ولا تعودوا إلى سؤالكم هذا إنكم كنتم تستهزئون بعبادي المؤمنين، وكنتم منهم تضحكون، إنهم اليوم هم الفائزون، جزاء صبرهم على أذاكم واستهزائكم بهم.

قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر إنكارهم للبعث، وأنهم لا يعترفون بحياة إلا ما كان في هذه الدنيا، وأنه بعد الفناء لا حياة، ولا إعادة ..

ص: 156