الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في طاعة ربه ومداومته على عبادته
خرّج البخاري من حديث حيوة عن أبي الأسود، سمع عروة عن عائشة رضي الله عنها أن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطر [ (1) ] قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟ فلما كثر لحمه صلّى جالسا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع [ (2) ] .
[ (1) ] تتفطر: تتشقق
[ (2) ](فتح الباري) ج 8 ص 751، كتاب التفسير، سورة (48) : باب (2) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً حديث رقم (4837) .
وحيوة: هو ابن شريح المصري. وأبو الأسود: هو محمد بن عبد الرحمن النوفلي المعروف بيتيم عروة، ونصف هذا الإسناد مصريون ونصفه مدنيون. قوله:«فلما كثر لحمه» ، أنكره الداوديّ وقال:
المحفوظ «فلما بدن» أي كبر، فكأن الراويّ تأوله على كثرة اللحم.
وتعقبه أيضا ابن الجوزي فقال: لم يصفه أحد بالسمن أصلا، ولقد مات صلى الله عليه وسلم وما شبع من خبز الشعير في يوم مرتين، وأحسب بعض الرواة لما رأى «بدن» ظنه كثر لحمه، وليس كذلك، وإنما هو بدن تبدينا أي أسنّ، قاله أبو عبيدة.
قال الحافظ ابن حجر: وفي استدلاله بأنه لم يشبع من خبز الشعير نظر، فإنه يكون من جملة المعجزات، كما في كثرة الجماع، وطوافه في الليلة الواحدة على تسع وإحدى عشرة، مع عدم الشبع وضيق العيش، وأي فرق بين تكثير المني مع الجوع، وبين وجود كثرة اللحم في البدن مع قلة الأكل؟
وقد أخرج مسلم من طريق عبد اللَّه بن عروة، عن عائشة قالت:«لما بدن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وثقل كان أكثر صلاته جالسا» ، لكن يمكن تأويل قوله:«ثقل» ، أي ثقل عليه حمل لحمه، وإن كان قليلا لدخوله في السن.
قوله: «صلّى جالسا، فإن أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع» في رواية هشام بن عروة عن أبيه، «قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع» ، أخرجاه.
وأخرجا من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة بلفظ، «فإذا بقي من قراءته نحو من ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأها وهو قائم ثم ركع» .
ولمسلم من طريق عمرة عن عائشة: «فإذا أراد أن يركع قام فقرأ قدر ما يقرأ إنسان أربعين آية» .
وقد روى مسلم من طريق عبد اللَّه بن شقيق عن عائشة في صفة تطوعه صلى الله عليه وسلم، وفيه:«وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد» . وهذا محمول على حالته الأولى قبل أن يدخل في السنّ جمعا بين الحديثين. (المرجع السابق) : 752.
وخرّجه مسلم من حديث أبي صخر عن ابن قسيط عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا صلّى قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول اللَّه! أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:
أفلا أكون عبدا شكورا؟ [ (1) ] .
ولهما من حديث أبي عوانة عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ [ (2) ] .
وللبخاريّ من حديث مسعر [ (3) ] عن زياد قال: سمعت المغيرة يقول: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم أو يصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا؟ [ (4) ] .
[ (1) ](مسلم بشرح النووي) : ج 17 ص 168 كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث رقم (81- 2820) .
والتفطر: التشقق، قالوا: ومنه فطر الصائم، وأفطره لأنه خرق صومه وشقه، قال القاضي:
الشكر، معرفة إحسان المحسن والتحدث به، وسميت المجازاة على فعل الجميل شكرا، لأنها تتضمن الثناء عليه، وشكر العبد للَّه تعالى اعترافه بنعمه وثناؤه عليه، وتمام مواظبته على طاعته، وأما شكر اللَّه تعالى أفعال عباده، فمجازاته إياهم عليها، وتضعيف ثوابها، وثناؤه بما أنعم به عليهم، فهو المعطي والمثنى سبحانه، والشكور: من أسمائه سبحانه وتعالى بهذا المعنى، واللَّه أعلم. (المرجع السابق) :
ص 168- 169.
[ (2) ](مسلم بشرح النووي) ج 17 ص 168 كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث رقم (79- 2819) .
[ (3) ] في (خ) : «مسعود» وما أثبتناه من (البخاري) .
[ (4) ](فتح الباري) : ج 3 ص 18 حديث رقم (1130) . قال الحافظ ابن حجر: الفاء في قوله: «أفلا أكون» للسببية، وهي عن محذوف تقديره: أأترك تهجدي فلا أكون عبدا شكورا، والمعنى: أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا فكيف أتركه؟
قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضرّ ذلك ببدنه، لأنه صلى الله عليه وسلم إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك، فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار.
ومحل ذلك ما إذا لم يفض إلى الملال، لأن حال النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه وإن أضرّ ذلك ببدنه، بل صح
أنه قال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» ، كما أخرجه النسائي من حديث أنس،
فأما غيره صلى الله عليه وسلم فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يكره نفسه، وعليه يحمل
قوله صلى الله عليه وسلم «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يمل حتى تملوا» .
وله من حديث أبي عيينة، أخبرنا زياد أنه سمع المغيرة يقول: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال:
أفلا أكون عبدا شكورا؟ [ (1) ] .
وخرّج قاسم بن أصبغ من حديث سفيان عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: جعلت قرة عيني الصلاة [ (2) ] ، وكان يصلي حتى ترم قدماه، قال: فقيل له يا رسول اللَّه! أليس قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟
وله من حديث شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟
وخرّج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب أن عليا قال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما أصبح ببدر من الغد أحيا تلك الليلة كلها وهو مسافر [ (3) ] .
[ () ] وفيه: مشروعية الصلاة للشكر، وفيه أن الشكر يكون بالعمل، كما يكون باللسان، كما قال تعالى:
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وقال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد اللَّه خوفا من الذنوب وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة، وإيصال النّعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك.
والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمّي شكورا، ومن ثم قال سبحانه وتعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وفيه: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الاجتهاد في العبادة، والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدّة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة اللَّه تعالى عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوقه أعظم من أن يقوم بها العباد. وطرفه في الحديث رقم (6471) .
[ (1) ]
(المرجع السابق) : ج 8 ص 751 حديث رقم (4836) : «حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، حدثنا زياد أنه سمع المغيرة يقول: «قام النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا» .
[ (2) ](البداية والنهاية) : ج 6 ص 30، (كنز العمال) : ج 7 ص 286 حديث رقم (18912) ، الطبراني عن أنس.
[ (3) ](الإحسان) : ج 11 ص 73، حديث رقم (4759) ، إسناده حسن، رجاله رجال الشيخين،
ومن حديث شعبة عن حارثة بن مضرب عن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح [ (1) ]
وخرّج الإمام أحمد من حديث مالك عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر عن أبي يوسف مولى عائشة عن عائشة أن [رجلا سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم] فقال: يا رسول اللَّه، تدركني الصلاة وأنا جنب، وأنا أريد الصيام فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم، فقال الرجل: إنا لسنا مثلك، قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول اللَّه وقال:
واللَّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه عز وجل وأعلمكم بما أتقى [ (2) ]
وخرّج ابن عساكر من حديث آدم، أخبرنا أبو شيبة عن عطاء الخراساني عن أبي عمران الجوني عن عائشة قالت: كان أحب الأعمال إلى رسول اللَّه أربعة، فعملان يجهدان ماله وعملان يجهدان جسده، فأما اللذان يجهدان ماله فالجهاد والصدقة، وأما اللذان يجهدان جسده فالصوم والصلاة [ (3) ] .
وخرّج من حديث عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريح قال: قال عبد اللَّه بن أبي مليكة: سمعت أهل عائشة يذكرون عنها أنها كانت تقول: كان رسول اللَّه شديد الإنصاب لجسده في العبادة، غير أنه حين دخل في السن وثقل من اللحم كان أكثر ما يصلي وهو قاعد [ (3) ] .
[ () ] غير حارثة بن مضرب، فقد روى له أصحاب السنن، وهو ثقة، والأزرق بن علي، ذكره المؤلف في الثقات وقال: يغرب، وروى عنه أبو يعلي، وابن عاصم، وعبد اللَّه بن أحمد، وأبو زرعة، وغيرهم، وأخرج له الحاكم في (المستدرك) ، وقد اعتمد الشيخان رواية يوسف بن أبي إسحاق، وهو يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، عن جده.
[ (1) ](المرجع السابق) : ج 6 ص 32 حديث رقم (2257) ، وإسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب، وهو ثقة روى له أصحاب السنن.
[ (2) ](مسند أحمد) : ج 7 ص 100، حديث رقم (23864) ، ص 349، حديث رقم (25552) باختلاف يسير، من حديث عائشة أيضا.
[ (3) ] لم أظفر بهما فيما بين يديّ من مراجع.
وخرّج البخاري [ (1) ] ومسلم [ (2) ] وأبو داود [ (3) ] من حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قلت: يا أم المؤمنين، كيف كان عمل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيّكم تستطيعون ما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستطيع. ذكره البخاري في كتاب الرقاق، وفي كتاب الصيام [ (4) ]
وخرّج البخاري من حديث عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثني أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إياكم والوصال، قال:
قلت: فإنك تواصل يا رسول اللَّه، قال: إني لست في ذاكم مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما لكم به طاقة [ (5) ] . وخرّجه مسلم من
[ (1) ](فتح الباري) : ج 4 ص 295، حديث رقم (1987) ولفظه: حدثنا مسدّد، حدثنا يحيى عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة «قلت لعائشة رضي الله عنها: هل كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يختصّ من الأيام شيئا؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يطيق» ؟ و (المرجع السابق) : ج 11 ص 355، حديث رقم (6466)، «سألت أم المؤمنين عائشة قلت: يا أم المؤمنين، كيف كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم، هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستطيع» ؟
قوله: «كان عمله ديمة» ، بكسر الدال المهملة وسكون التحتانية أي دائما، والديمة في الأصل المطر المستمر مع سكون بلا رعد ولا برق، ثم استعمل في غيره، وأصلها الواو، فانقلبت بالكسرة قبلها ياء.
قوله: «وأيكم يستطيع» أي في العبادة، كمية كانت أو كيفية من خشوع وخضوع وإخبات وإخلاص. واللَّه أعلم. (المرجع السابق) .
[ (2) ](مسلم بشرح النووي) : ج 6 ص 319 حديث رقم (217- 783) ، «حدثنا زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، قال زهير: حدثنا جرير عن منصور، عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة، قال: قلت: يا أم المؤمنين، كيف كان عمل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هل كان يخص شيئا من الأيام؟
قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستطيع» ؟.
[ (3) ](عون المعبود) : ج 4 ص 170، حديث رقم (1367) .
[ (4) ] وأخرجه أيضا:
الإمام أحمد في (المسند) : ج 7 ص 66، حديث رقم (23642) ، ص 83، حديث رقم (23761) ، ص 271، حديث رقم (25034)، وفي (الزهد) : ص 8.
ابن حبان في صحيحه، (الإحسان) : ج 2 ص 26، حديث رقم (322) ، ج 8 ص 408، حديث رقم (3647) .
[ (5) ](فتح الباري) : ج 4 ص 258، حديث رقم (1966)، قوله:«بما تطيقون» ، في رواية أحمد:
«بما لكم به طاقة» ، وكذا لمسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج. قوله:«يطعمني ويسقيني» ، أي
أوجه [ (1) ] .
وخرّجا معناه من حديث ابن عمر وأنس وعائشة والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة من [حديث] سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد اللَّه عن خالد بن عبد اللَّه بن الحسين قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما رأيت أحدا أكثر أن يقول:
أستغفر اللَّه وأتوب إليه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم مائة مرة [ (2) ] .
[ () ] يشغلني بالتفكر في عظمته، والتملي بمشاهدته، والتغذي بمعارفه، وقره العين بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه عن الطعام والشراب. وإلى هذا جنح ابن القيم وقال: قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح، عن كثير من الغذاء الجسماني.
ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه، الّذي قرت عينه بمحبوبه. (المرجع السابق)
[ (1) ](مسلم بشرح النووي) : ج 7 ص 220، حديث رقم (58- (
…
)) ، قوله:«إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» معناه: يجعل اللَّه تعالى في قوة الطاعم والشارب، وقيل: هو على ظاهره، وأنه يطعم من طعام الجنة كرامة له، والصحيح الأول، لأنه لو أكل حقيقة، لم يكن مواصلا.، قوله:
«فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون» ، هو بفتح اللام، ومعناه: خذوا وتحملوا. (المرجع السابق) .
وخرجه أيضا: الإمام أحمد في (المسند) : ج 2 ص 461، حديث رقم (7122) ، وص 484، حديث رقم (7286) .
البيهقي في (السنن الكبرى) ج 4 ص 282، باب النهي عن الوصال في الصوم.
مالك في (الموطأ) : ج 2 ص 240، حديث رقم (676) ، باب النهي عن الوصال في الصيام، وص 243، حديث رقم (677)، قوله:(إني لست كهيئتكم) ، أي ليس حالي كحالكم، والمراد لست كأحدكم. (شرح الزرقاني على الموطأ) .
الدارميّ في (السنن) : ج 2 ص 8 باب النهي عن الوصال في الصوم.
[ (2) ](مسند أحمد) : ج 3 ص 202، حديث رقم (9515)، (حلية الأولياء) : ج 2 ص 88، ترجمة رقم (173)، أبو بكر بن عبد الرحمن وقال فيه «أكثر من سبعين مرة» ثم قال: رواه عقيل وغيره عن الزهري، ولم يروه عن موسى بن عقبة إلا سليمان، (فتح الباري) : ج 11 ص 121، حديث رقم (6307) باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة،
قوله: إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه»
ظاهره أنه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثاني ما
أخرجه النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«أستغفر اللَّه الّذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة» .
وله من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ «إنا كنا لنعد لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المجلس:
رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور، مائة مرة» ، (كنز العمال) : ج 1 ص 483 حديث رقم (2113- 2114) ، (صحيح سنن ابن ماجة) ج 2 ص 321، حديث رقم (3076- 3815)، وقال فيه:«مائة مرة» ، قال الألباني: حسن صحيح، (المرجع السابق) :
وله من حديث مغيرة بن أبي الخواء الكندي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال: جاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونحن جلوس فقال: ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت اللَّه فيها مائة مرة [ (1) ] .
وله من حديث عفان عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أبي بردة عن [الأغر المزني][ (2) ] قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: إنه ليغان على قلبي حتى استغفر اللَّه في كل يوم مائة مرة [ (3) ] .
[ () ] حديث رقم (3077- 3816) ، وقال فيه «سبعين مرة» ، قال الألباني: صحيح.
[ (1) ](المطالب العالية) : ج 3 ص 197، حديث رقم (2342) ، رواه الطبراني بغير هذا اللفظ، وبزيادة. «وأتوب إليه» قال الهيثمي: رجال أحد إسناديه رجال الصحيح (10/ 209) ، وصحح إسناده البوصيري (3/ 96) .
[ (2) ] ما بين القوسين غير واضح في (خ) ، وما أثبتناه من (صحيح مسلم) .
[ (3) ](مسلم بشرح النووي) : ج 17 ص 26- 27، حديث رقم (41- 2702) باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، وقال فيه:«إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مائة مرة» .
قال أهل اللغة: الغين والغيم بمعنى، والمراد هنا ما يتغشّى القلب. قال القاضي:
قيل: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الّذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل، عدّ ذلك ذنبا واستغفر منه.
وقيل: هو همه بسبب أمته، وما أطلع عليه من أحوالها بعده فيستغفر لهم.
وقيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة، ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنبا بالنسبة إلي عظيم منزلته، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال، فهي نزول عن عالي درجته، ورفيع مقامه، من حضوره مع اللَّه تعالى، ومشاهدته، ومراقبته، وفراغه مما سواه، فيستغفر لذلك.
وقيل: يحتمل أن يكون هذا الغين هو السكينة التي تغشي قلبه، لقوله تعالى: فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ (آية 18/ الفتح) ، ويكون استغفاره إظهارا للعبودية والافتقار، وملازمة الخشوع، وشكرا لما أولاه.
وقيل: يحتمل أن يكون هذا الغين حال خشية وإعظام يغشي القلب، ويكون استغفاره شكرا كما سبق.
وقيل: هو شيء يعتري القلوب الصافية، مما تتحدث به النفس، فهو شأنها، واللَّه أعلم. (المرجع السابق) .
(عون المعبود) : ج 4 ص 265، حديث رقم (1512) وقال فيه:«في كل يوم مائة مرة» ، قال في النهاية: وغينت السماء تغان إذا أطبق عليها الغيم، وقيل: الغين شجر ملتف. أراد ما يغشاه من السهو الّذي لا يخلو منه البشر، لأن قلبه أبدا كان مشغولا باللَّه تعالى، فإن عرض له وقتا ما عارض بشريّ يشغله عن أمور الأمة أو الملة ومصالحهما، عدّ ذلك ذنبا وتقصيرا، فيفرغ إلى الاستغفار.
ومن حديث جعفر بن سليمان عن ثابت عن أبي بردة عن رجل من أصحابه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبي فأستغفر اللَّه كل يوم مائة مرة.
ومن حديث سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: حدثني أبو بردة قال:
جلست إلى رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه، فسمعته يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه واستغفروه فإنّي أتوب إلى اللَّه وأستغفره كل يوم [مائة] مرة، أو قال: أكثر من مائة مرة [ (1) ] .
[ () ] وقال السيوطي: هذا من المتشابه الّذي لا يعلم معناه. وقد وقف الأصمعي إمام اللغة على تفسيره وقال: لو كان قلب غير النبي صلى الله عليه وسلم لتكلمت عليه.
وقال السنديّ: وحقيقته بالنظر إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم لا تدري، وإن قدره صلى الله عليه وسلم أجلّ وأعظم مما يخطر في كثير من الأوهام، فالتفويض في مثله أحسن، نعم القدر المقصود بالإفهام مفهوم، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان يحصل له حالة داعية إلي الاستغفار، فيستغفر كل يوم مائة مرة، فكيف غيره. واللَّه أعلم. (المرجع السابق) .
(مسند أحمد) : ج 5 ص 242، حديث رقم (17392)، وقال فيه: فإنّي أستغفر اللَّه» ، وحديث رقم (17393)، وقال فيه:«حتى أستغفر اللَّه» . كلاهما من حديث الأغرّ المزنيّ رضى اللَّه تعالى عنه.
(السنن الكبرى للبيقهي) : ج 7 ص 52 باب: كان يغان على قلبه، فيستغفر اللَّه ويتوب إليه في اليوم مائة مرة.
(إتحاف السادة المتقين) : ج 5 ص 284، كتاب الأذكار والدعوات، الباب الثاني: قوله: «إنه ليغان على قلبي» ، الغين: شيء رقيق من الصدأ يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية، وهو كالغيم الرقيق الّذي يعرض في الهواء، فال يحجب الشمس، لكنه يمنع ضوءها. والمزني، له صحبه، روى عنه معاوية ابن قرة، وأبو بردة. (المرجع السابق) .
(جامع الأصول) : ج 4 ص 386، حديث رقم (2443)، قوله:«ليغان على قلبي» ، أي ليغطي ويغشى، والمراد به: السهو، لأنه كان لا يزال في مزيد من الذكر والقربة، ودوام المراقبة، فإذا سها عن شيء منها في بعض الأوقات، أو نسي، عدّه ذنبا على نفسه، ففزع إلى الاستغفار. (المرجع السابق) .
(كنز العمال) : ج 1 ص 476) ، حديث رقم (2075) .
[ (1) ](مسلم بشرح النووي) ج 17 ص 27، حديث رقم (42- (
…
)) ،
وقوله: «يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه فإنّي أتوب في اليوم مائة مرة» ،
هذا الأمر بالتوبة موافق لقوله تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً، (آية 31/ النور) ، (آية 8/ التحريم) على الترتيب. وقد سبق في الباب قبله بيان سبب استغفاره وتوبته صلى الله عليه وسلم، ونحن إلى الاستغفار والتوبة أحوج.
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: للتوبة ثلاثة شروط: أن يقلع عن المعصية، وأن يندم على فعلها،
ورواه النضر بن شميل من حديث محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في كل يوم مائة مرة [ (1) ] .
وخرج الإمام أحمد من حديث داود عن الشعبي عن مسروق قال: قالت عائشة: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يكثر في آخر أمره من قول: سبحان اللَّه وبحمده أستغفر اللَّه وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه! ما لي أراك تكثر من قول سبحان اللَّه وبحمده أستغفر اللَّه وأتوب إليه؟ قال: إني ربي عز وجل كان أخبرني أني
[ () ] وأن يعزم عزما جازما أن لا يعود إلى مثلها، فإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فلها شرط رابع، وهو رد الظلامة إلى صاحبها، أو تحصيل البراءة منه. والتوبة من أهم قواعد الإسلام، وهي أول مقامات سالكي طريق الآخرة. (المرجع السابق) .
(مسند أحمد) : ج 5 ص 242، حديث رقم (17394) من حديث الأغرّ المزني، ص 222، حديث رقم (17828) من حديث الأغر المزني أيضا، ص 322، حديث رقم (1729) عن رجل رضي الله عنه، حديث رقم (17830) ، من حديث رجل من المهاجرين رضي الله عنه، لعل الرجل المجهول في هذين الحديثين هو الأغرّ المزني، ج 6 ص 570، حديث رقم (22977) ، من حديث شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس عن حميد بن هلال، عن أبي بردة قال: جلست إلي شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد الكوفة، فحدثني فقال:
سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أو قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه واستغفروه، فإنّي أتوب إلى اللَّه وأستغفره كل يوم مائة مرة، فقلت: اللَّهمّ إني أستغفرك اثنتان، قال: هو ما أقول لك.
(علل الحديث) : ج 2 ص 137 حديث رقم (1904) : سألت أبي عن حديث رواه يحيى القطان، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي برزة، عن رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه
…
فذكر الحديث. قال أبي: يقال إن هذا الرجل هو الأغر المزني، وله صحبه. (المرجع السابق) .
(المجموعة الصحيحة) : ج 3 ص 435، حديث رقم (1452)، قال الألباني: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وجهالة الصحابي لا تضر، ويبدو أنه الأغر المزني.
[ (1) ](سنن ابن ماجة) : ج 2 ص 1254، كتاب الأدب، حديث رقم (3815) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال فيه:«مائة مرة» وحديث رقم (3816) : حدثنا على بن محمد، حدثنا وكيع، عن مغيرة بن أبي الحرّ، عن سعيد ابن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن جده، وقال فيه:«سبعين مرة» .
(صحيح سنن ابن ماجة» : ج 2 ص 321، باب الاستغفار، حديث رقم (3076- 3815)، قال الألباني: حسن صحيح، وحديث رقم (3077- 3816) ، قال الألباني، صحيح.
سأرى علامة في أمتي وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابا، فقد رأيتها، إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [ (1) ] .
وخرّج البخاري ومسلم من حديث الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السليماني عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليّ القرآن، فقلت: يا رسول اللَّه! أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، قال:
[فقرأت عليه] حتى إذا بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ (2) ]، فرفعت بصري أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل. وقال البخاري: إني أحب أن أسمعه من غيري- وهنا انتهى حديثه- لم يذكر ما بعده. ترجم عليه باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره، وذكره في باب البكاء عند قراءة القرآن [ (3) ] .
[ (1) ] سورة النصر
(مسند أحمد) : ج 7 ص 54، حديث رقم (23545) من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها.
(ابن كثير في التفسير) ج 4 ص 602 قال: ورواه مسلم من طريق داود بن هند به، وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص، حدثنا عاصم عن الشعبي، عن أم سلمة قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيئ إلا قال:«سبحان اللَّه وبحمده، فقلت: يا رسول اللَّه! رأيتك تكثر من سبحان اللَّه وبحمده، لا تذهب ولا تجئ، ولا تقوم ولا تقعد، إلا قلت: «سبحان اللَّه وبحمده» ؟ قال: إني أمرت بها، فقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخر السورة. غريب.
ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عمرو بن مرة، عن شعبة، عن إسحاق به.
والمراد بالفتح هنا، فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح اللَّه عليه مكة دخلوا في دين اللَّه أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام. وللَّه الحمد والمنة. (المرجع السابق) .
[ (2) ] آية 41/ النساء
[ (3) ](اللؤلؤ والمرجان) ج 1 ص 155 باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظه للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر، حديث رقم (463) .
(فتح الباري) : ج 9 ص 115، باب (32) من أحبّ أن يستمع القرآن من غيره، وباب (33) قول المقرئ للقارئ: حسبك، حديث رقم (5049)، (5050) . قال ابن بطال:
يحتمل أن يكون أحبّ أن يسمعه من غيره، ليكون عرض القرآن سنة. ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة
وفي رواية لمسلم: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر اقرأ عليّ، فذكره [ (1) ] .
وذكر البخاري في كتاب التفسير من حديث سفيان عن سليمان عن إبراهيم عن عبيده عن عبد اللَّه قال يحيى بعض الحديث «عن عمرو بن مرة قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ عليّ، قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال: أمسك، فإذا عيناه تذرفان» [ (2) ] .
وذكره في فضائل القرآن وكرره [ (3) ] . وذكر له مسلم عدة طرق.
وخرج الترمذي من حديث عبد اللَّه بن المبارك، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي،
[ () ] وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو صلى الله عليه وسلم على أبيّ بن كعب، فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة، ومخارج الحروف، ونحو ذلك. باختصار من (المرجع السابق) .
(المرجع السابق) : ص 121، باب 35 البكاء عند قراءة القرآن، حديث رقم (5055)، (5056) . قال الغزالي: يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف، بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد، والمواثيق والعهود، ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن فليبك على ذلك، فإنه من أعظم المصائب.
قال ابن بطال: إنما يبكي عند تلاوة هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة حال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء.
والّذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته، لأنّه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيما، فقد يفضي إلى تعذيبهم. واللَّه أعلم. (المرجع السابق) .
[ (1) ](مسلم بشرح النووي) : ج 6 ص 334- 335، باب (40) ، فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظ للاستماع والبكاء عند القراءة والتتبع حديث رقم (247- 800) ، وحديث رقم (248-
…
) ، وفي هذا الحديث من الفوائد:
استحباب استماع القراءة والإصغاء لها، والبكاء عندها، وتدبرها، واستحباب طلب القراءة من غيره ليستمع له، وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه، وفيه تواضع أهل العلم والفضل، ولو مع أتباعهم. (المرجع السابق) .
[ (2) ](فتح الباري) : ج 8 ص 317، كتاب التفسير، حديث رقم (4582)
[ (3) ](المرجع السابق) : ج 9 ص 115، كتاب فضائل القرآن باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره، حديث رقم (5049)، باب قول المقرئ للقارئ: حسبك، حديث رقم (5050) .
ولجوفه أزيز [ (1) ] كأزيز المرجل (من البكاء)[ (2) ] .
وخرجه ابن حبان من حديث هدبة عن حماد بمثله سواء [ (3) ] .
ورواه يزيد بن هارون عن حماد عن ثابت عن مطرف عن أبيه أنه قال: رأيت
[ (1) ] أزيز: أي خنين من الخوف بالخاء المعجمة، وهو صوت البكاء، وقيل: هو أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء. (النهاية) : ج 1 ص 45، ومنه الحديث:«فإن المسجد يتأزز» أي يموج فيه الناس وفي حديث الأستر: «كان الّذي أزّ أم المؤمنين على الخروج ابن الزبير» ، أي هو الّذي حرّكها وأزعجها وحملها على الخروج، وفي رواية أخرى:«أن طلحة والزبير أزّا عائشة حتى خرجت» . وقال الحربي:
الأزّ أن تحمل إنسانا على أمر بحيلة ورفق حتى يفعله. (المرجع السابق)، وفي التنزيل: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا آية 83/ مريم.، (الشمائل المحمدية) : ص 263 باب ما جاء في بكاء الرسول صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (323) .
[ (2) ] ما بين القوسين زيادة من المرجع السابق.
[ (3) ](الإحسان) : ج 2 ص 439، كتاب الرقاق، باب الخوف، والتقوى، ذكر البيان بأن المرء إذا تهجّد بالليل وخلا بالطاعات، يجب أن تكون حالة الخوف عليه غالبة لئلا يعجب بها وإن كان فاضلا في نفسه، تقيا في دينه، حديث رقم (665) : أخبرنا أبو يعلي، حدثنا حوثرة بن أشرس العدوي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرّف بن عبد اللَّه بن الشّخّير، عن أبيه قال:«دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم المسجد وهو قائم يصلي، وبصدره أزيز كأزيز المرجل» . إسناده صحيح، حوثرة بن أشرس: روي عنه أبو حاتم وأبو زرعة فيما ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) : ج 3 ص 283، ترجمة رقم (1262) . وقال ابن حجر في (تعجيل المنفعة) : ص 109، ترجمة رقم (243) : روى عن حماد ابن سلمة، وأبي الأشهب وجماعة، وروى عنه عبد اللَّه بن أحمد، ومسلم بن الحجاج خارج الصحيح، وأبو يعلي وغيرهم، مات سنه إحدى وثلاثين ومائة، ذكره ابن حبان في (الثقات) ج 8 ص 215 وقال:«حوثرة بن أشرس العدوي، أبو عامر، من أهل البصرة، يروي عن حماد بن سلمة والبصريين، حدثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلي» . وباقي رجاله ثقات على شرط الصحيح.
و (الإحسان) ج 3 ص 30- 31، حديث رقم (753) من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بهذا الإسناد، وقال في آخره:«من البكاء» .
قال أبو حاتم رضي الله عنه: في هذا الخبر بيان واضح أن التحزن الّذي أذن اللَّه، جلّ وعلا، فيه بالقرآن، واستمع إليه وهو التحزن بالصوت مع بدايته ونهايته، لأن بداءته هو العزم الصحيح على الانقلاع عن المزجورات، ونهايته وفور التشمير في أنواع العبادات، فإذا اشتمل التحزن على البداية التي وصفتها، والنهاية التي ذكرتها، صار المتحزن بالقرآن كأنه قذف بنفسه في مقلاع القربة إلي مولاه، ولم يتعلق بشيء دونه.
و (مسند أحمد) : ج 4 ص 604، حديث رقم (15882) ، عن عبد الرحمن بن مهدي، حديث رقم (15891) ، عن عفان، كلاهما من حديث مطرف بن عبد اللَّه عن أبيه رضي اللَّه تعالى عنهما.
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز أزيز الرحى من البكاء [ (1) ] .
وخرج الترمذي من حديث أبي كريب، أخبرنا معاوية بن هشام عن شيبان عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول اللَّه! أراك شبت! قال: شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه [ (2) ] .
[ (1) ](عون المعبود) : ج 3 ص 121، باب البكاء في الصلاة، حديث رقم (899)، «المرجل» :
القدر من حديد، أو حجر، أو خزف، لأنه إذا نصب كأنه أقيم على الرجل.
وفي الحديث دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة سواء ظهر منه حرفان أم لا، وقد قيل: إن البكاء من خشية اللَّه لم يبطل، وهذا الحديث يدل عليه. ويدل عليه أيضا ما
رواه ابن حبان بسنده إلى علي بن أبي طالب قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود، ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح» ،
وبوّب عليه: ذكر الإباحة للمرء أن يبكي من خشية اللَّه.
واستدل على جواز البكاء في الصلاة بقوله تعالى: إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا آية 58/ مريم.
(صحيح سنن أبي داود) : ج 1 ص 170 باب البكاء في الصلاة، حديث رقم 7991- 904) قال الألباني: صحيح.
وأخرجه الحاكم في (المستدرك) : ج 1 ص 396، حديث رقم (971- 298)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. والبيهقي في (السنن الكبرى) ج 2 ص 251، باب من بكى في صلاته فلم يظهر من صوته ما يكون كلاما له هجاء، إلا أنه قال:«ولجوفه أزيز كأزيز المرجل» ، من طريق يزيد بن هارون.
و (النسائي) : ج 3 ص 18، كتاب السهو، باب البكاء في الصلاة، حديث رقم (1213) .
(صحيح سنن النسائي) : ج 1 ص 260 حديث رقم (1156) . قال الألباني: صحيح.
[ (2) ](الشمائل المحمدية) ص 56- 57، حديث رقم (41)، وفيه:«يا رسول اللَّه قد شبت» . وهو صحيح بشواهده، أخرجه الترمذيّ في (الجامع الصحيح) : ج 5 حديث رقم (3297)، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه، وروى عليّ بن صالح هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة نحو هذا. وروي عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة شيء من هذا مرسلا.
وروى أبو بكر بن عيّاش عن أبي إسحاق عن عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث شيبان عن أبي إسحاق، ولم يذكر فيه عن ابن عباس، حدثنا بذلك هاشم بن الوليد الهرويّ، حدثنا أبو بكر بن عيّاش.
(صحيح سنن الترمذي) : ج 3 ص 113 حديث رقم (2627- 3528) ، قال الألباني صحيح.
(الصحيحة) : ج 2 ص 676، حديث رقم (955) .
وروى علي بن صالح هذا الحديث عن أبي إسحاق عن أبي جحيفه نحو هذا [ (1) ] ، وقد روى عن أبي الحق عن أبي ميسرة شيء من هذا مرسلا، ورواه معاوية ابن هشام أيضا عن شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول اللَّه! أسرع عليك الشيب! فقال: شيبتني هود، وأخواتها: الواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت [ (2) ] .
وقال سيف بن عمر عن محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس قال: ألظّ [ (3) ] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالواقعة والحاقة، وعم يتساءلون، والنازعات، وإذا
[ () ] وأخرجه الحاكم في (المستدرك) : ج 2 ص 518، حديث رقم (3777/ 914) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وابن سعد في (الطبقات) : ج 1 ص 435: أخبرنا يعلي بن عبيد، أخبرنا حجاج بن دينار بن محمد بن واسع قال: قيل: «يا رسول اللَّه أسرع عليك الشيب! قال صلى الله عليه وسلم: شيبتني الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ وأخواتها» ،
وعن الزهري عن أبي سلمة قال: قيل: «يا رسول اللَّه نرى في رأسك شيبا! قال: ما لي لا أشيب وأنا أقرأ هودا وإذا الشمس كورت؟» .
[ (1) ] أخرجه أيضا أبو نعيم في (الحلية) ج 4 ص 350، وقال: اختلف على أبي إسحاق، فرواه أبو إسحاق عن أبي جحيفة، وروى عنه عمرو بن شرحبيل، عن أبي بكر، وروى عنه عن مسروق عن أبي بكر، وروى عنه مصعب بن سعد عن أبيه، وروى عنه عن عامر بن سعد عن أبي بكر، وروى عنه عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، رضي اللَّه تعالى عنهم. (المرجع السابق) .
والبيهقي في (الدلائل) ج 1 ص 357- 358، وللحديث شواهد من حديث عقبة بن عامر، وأنس، وعمران بن حصين، وأبي سعيد، وسهل بن سعد وغيرهم.
وأخرجه الخطيب في (تاريخ بغداد) ج 3 ص 145 من حديث ابن سيرين عنه بلفظ «شيبتني هود وأخواتها» عند ترجمة محمد بن غالب أبو جعفر التمتام رقم (1176) .
[ (2) ] الحديث صحيح بشواهده كما سبق.
[ (3) ] ألظّ بالمكان، وألظّ عليه: أقام به وألحّ. وألظّ بالكلمة: لزمها. والإلظاظ: لزوم الشيء والمثابرة عليه.
يقال: ألظظت به ألظ إلظاظا. وألظّ فلان إذا لزمه. ولظّ بالشيء: لزمه مثل ألظّ به. (النهاية) : 4/ 252، (لسان العرب) : 7/ 159، (الفائق) : 3/ 317. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الّذي أخرجه الإمام أحمد في (المسند) : 5/ 189، حديث رقم (17143) ، وابن كثير في (التفسير) :
4/ 301 في تفسير سورة الرحمن: «ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام» وهذا الحديث أخرجه ابن حجر في (الكافي الشافي) : ص 62، حديث رقم (77) ، الترمذي من رواية يزيد الرقاشيّ. عن أنس، ويزيد ضعيف، ومن رواية مؤمل عن حماد بن حميد عن أنس مرفوعا، وقال غيره: مخفوضا، وإنما هو عن حماد عن حميد عن الحسن مرسلا وهو أصح، وأخرجه من رواية مؤمل إسحاق وابن أبي شيبة وبالثاني أبو يعلي والبزار. قال ابن أبي حاتم في (العلل) : 2/ 170، 2/ 192، عن أبيه: أخطأ فيه مؤمل،
الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، فاستطار [ (1) ] فيه القتير [ (2) ] فقال له أبو بكر رضي الله عنه: أسرع فيك القتير [ (2) ] ! بأبي أنت وأمي، فقال: شيبتني هود وصواحباتها [ (3) ] هذه، وفيها، والمرسلات.
وخرّج البخاري من حديث أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لن ينجى أحدا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟
قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة، سدّدوا، وقاربوا، وأغدوا، وروحوا، وشيء من الدّلجة، والقصد القصد (تبلغوا)[ (4) ] ذكره في الرقاق [ (5) ]
[ () ] والصحيح ما رواه أبو سلمة عن حماد عن ثابت. وحميد عن الحسن مرسلا، ورواه ابن مردويه من رواية روح بن عبادة، عن حماد، عن حميد عن أنس موصولا أيضا، وهذه متابعة قوية لمؤمل.
وفي الباب عن ربيعة بن عامر بن نجاد، أخرجه الحاكم في (المستدرك) : 1/ 676، حديث رقم (1836/ 36)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، وفيه رشد بن سعد، وهو ضعيف، وعن ابن عمر أخرجه ابن مردويه، وإسناده ضعيف.
[ (1) ] استطار: انتشر وتفرق كأنه طار في نواحيها، ومنه استطار الصدع في الحائط إذا انتشر فيه، واستطار البرق إذا انتشر في السماء. (لسان العرب) : 4/ 513.
[ (2) ] القتير: الشيب (سنن أبي داود) : ج 2 ص 581، كتاب النكاح، باب في تزويج من لم يولد، وقال في (لسان العرب) : القتير: هو الشيب، أول ما يظهر منه، وفي الحديث:«ويقرن أيّ النساء هي اليوم؟ قال: قد رأت القتير» ، قال الخطابي: يريد بسنّ أيّ النساء هي، والقرن: بنو سنّ واحد، يقال: هؤلاء قرن زمان، وفي النهاية: بقرن أي النساء هي؟ أي بسنّ أيتهن؟، قد رأت القتير: كناية عن تجاوزها سنّ التزويج. (عون المعبود) : 3/ 93، (لسان العرب) : 5/ 72.
[ (3) ] لم أقف على حديث شيبتني هود بلفظ (صواحباتها) .
[ (4) ] تتمه من البخاري.
[ (5) ]
(فتح الباري) : 11/ 355، حديث رقم (6463)، وبعده حديث رقم (6464) :«عن عائشة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «سدّدوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال إلى اللَّه أدومها وإن قلّ»
قوله: «ينجي» ، أي يخلص، والنجاة من الشيء: التخلص منه، قال ابن بطال في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ما محصله: أن تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب الأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها، ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فصرح بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال، وأجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، والتقدير:
ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول.
وقال القاضي عياض: طريق الجمع أن الحديث فسّر ما أجمل في الآية، فذكر نحوا من كلام ابن بطال
_________
[ () ] الأخير، وأن من رحمة اللَّه توفيقه للعمل، وهدايته للطاعة، وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل اللَّه ورحمته.
وقال ابن الجوزي: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: الأول أن التوفيق للعمل من رحمة اللَّه، ولولا رحمة اللَّه السابقة ما حصل الإيمان، ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة. الثاني، أن منافع العبد لسيده، فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله.
الثالث، جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة اللَّه، واقتسام الدرجات بالأعمال.
الرابع، أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا ينفد، والإنعام الّذي لا ينفد في جزاء ما ينفذ بالفضل لا بمقابلة الأعمال.
وقال ابن القيم في كتاب (مفتاح دار السعادة) : الباء المقتضية للدخول، غير الباء الماضية، فالأولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والثانية بالمعاوضة، نحو اشتريت منه بكذا، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا رحمة اللَّه لعبده لما أدخله الجنة، لأن العمل بمجرده ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة، ولا أن يكون عوضا لها، لأنه لو وقع على الوجه الّذي يحبه اللَّه لا يقاوم نعمة اللَّه، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها، وهو لم يوفها حق شكرها، فلو عذّبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم، وإذا رحمه في هذه الحالة، كانت رحمته خيرا من عمله، كما في حديث أبيّ بن كعب، الّذي أخرجه أبو داود وابن ماجة في ذكر القدر، ففيه:«لو أن اللَّه عذّب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم» .
قال: وهذا فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببا في دخول الجنة من كل وجه. والقدرية الذين زعموا أن الجنة عوض العمل وأنها ثمنه، وأن دخولها بمحض الأعمال. والحديث يبطل دعوى الطائفتين.
قوله: «قالوا ولا أنت يا رسول اللَّه» ؟ قال الكرماني: إذا كان كل الناس لا يدخلون الجنة إلا برحمة اللَّه، فوجه تخصيص رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالذكر أنه إذا كان مقطوعا له بأنه يدخل الجنة ثم لا يدخلها إلا برحمة اللَّه، فغيره يكون في ذلك بطريق الأولى.
قوله: «برحمة» ،
في رواية أبي عبيد: «بفضل ورحمة» ،
وفي رواية الكشميني من طريقه: «بفضل رحمته» ،
وفي رواية الأعمش: «برحمة وفضل» ،
وفي رواية بشر بن سعيد: «منه برحمة» ،
وفي رواية ابن عون: «بمغفرة ورحمة»
قال أبو عبيد: المراد بالتغمد، الستر، وما أظنه إلا مأخوذا من غمد السيف، لأنك إذا أغمدت السيف فقد ألبسته الغمد وسترته به.
قال الرافعي: في الحديث أن العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب النجاة ونيل الدرجات، لأنه إنما عمل بتوفيق اللَّه، وإنما ترك المعصية بعصمة اللَّه، فكل ذلك بفضله ورحمته.
قوله: «سدّدوا» ، في رواية بشر بن سعيد، عن أبي هريرة عند مسلم:«ولكن سدّدوا» ، ومعناه: اقصدوا السداد، أي الصواب، ومعنى هذا الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة العمل، فكأنه قيل: بل له فائدة، وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل العامل الجنة، فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب، أي اتباع السنة من الإخلاص وغيره ليقبل عملكم، فينزل عليكم
وخرّجه مسلم من حديث ليث عن بكير عن بسر بن سعيد عن أبي هريرة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لن ينجي أحدا منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول اللَّه؟ قال: ولا إياي إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمة، ولكن سددوا [ (1) ] . وفي رواية له: قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: يا رسول اللَّه، ولا أنت؟ قال: وقال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة منه وفضل [ (2) ] .
[ () ] الرحمة. قوله «قاربوا» ، أي لا تفرطوا، فتجهدوا أنفسكم في العبادة، لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال، فتتركوا العمل فتفرطوا.
قوله: «واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة» المراد بالغدو السير من أول النهار، وبالرواح السير من أول النصف الثاني من النهار، والدلجة (بضم المهملة وسكون اللام ويجوز فتحها وبعد اللام جيم» سير الليل، يقال: سار دجلة من الليل، أي ساعة، فلذلك قال: شيئا من الدجلة لعسر سير جميع الليل.
فكأنه فيه إشارة إلى صيام جميع النهار، وقيام بعض الليل، وإلى أعمّ من ذلك من سائر أوجه العبادة، وفيه إشارة إلى الحث على الترفق في العبادة، وهو الموافق للترجمة، وعبّر بما يدل على السّير، لأن العابد كالسائر إلى محل إقامته وهو الجنة. و «شيئا» منصوب بفعل محذوف، أي افعلوا.
قوله: «والقصد القصد» ، بالنصب على الإغراء، أي الزموا الطريق الوسط المعتدل. (المرجع السابق) .
[ (1) ](مسلم بشرح النووي) : 17/ 164 باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة اللَّه تعالى: حديث رقم (71- 2816)، قال الإمام النووي: اعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب، ولا عقاب، ولا إيجاب، ولا تحريم، ولا غيرهما من أنواع التكليف، ولا تثبت هذه كلها ولا غيرها إلا بالشرع. ومذهب أهل السنة أيضا أن اللَّه تعالى لا يجب عليه شيء- تعالى اللَّه- بل العالم ملكه، والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذّب المطيعين والصالحين أجمعين وأدخلهم النار، كان عدلا منه، وإذا أكرمهم ونعّمهم وأدخلهم الجنة، فهو فضل منه، ولو نعّم الكافرين وأدخلهم الجنة، كان له ذلك، ولكنه أخبر وخبره صدق، أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب المنافقين ويدخلهم في النار عدلا منه.
وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالفعل، ويوجبون ثواب الأعمال، ويوجبون الأصل، ويمنعون خلاف هذا، في ضبط طويل لهم، تعالى اللَّه عن اختراعاتهم الباطلة، المنابذة لنصوص الشرع.
وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق، أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته، وأما قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال، والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة اللَّه تعالى وفضله، فيصبح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال، أي بسببها، وهي من الرحمة، واللَّه أعلم. (المرجع السابق) .
[ (2) ](المرجع السابق) : ص 166، حديث رقم (76- (
…
)) .
وله من حديث معقل عن أبي الزبير عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من أحد يدخله عمله الجنة، فقيل له: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة. [ (1) ]
وذكره من طرق عديدة.
وللبخاريّ [ (2) ] ومسلم [ (3) ] من حديث موسى بن عقبة قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمته، واعلموا أن أحب العمل إلى اللَّه أدومه وإن قل.
ولابن حبان من حديث جعفر بن عوف قال: حدثنا أبو جناب الكلبي، حدثنا عطاء قال: دخلت أنا وعبد اللَّه بن عمر وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها، فقال ابن عمر: حدثيني بأعجب ما رأيت من رسول اللَّه، فسكتت ثم قالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى إذا دخل معني في لحافي، وألصق جلده بجلدي، قال: يا عائشة، ائذني لي في ليلتي لربي، فقلت، إني أحب قربك وهواك، فقام إلى قربة في البيت، فما أكثر صب الماء، ثم قام فقرأ القرآن ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت حجره، ثم اتكأ على جنبه الأيمن، ووضع يده اليمنى تحت خده، ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت الأرض، قالت: فجاءه بلال فآذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول اللَّه! أتبكي وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ وقال: أفلا أبكي وقد أنزل علي الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ (4) ] ،
[ (1) ](المرجع السابق) : ص 167، حديث رقم (77- 2817) .
[ (2) ](فتح الباري) : 11/ 355، حديث رقم (6467)، وقال:«بمغفرة ورحمة» .
[ (3) ](مسلم بشرح النووي) : 17/ 167 حديث رقم (78- 2818) .
[ (4) ] سورة آل عمران الآيات 190- 191
وويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكر فيها [ (1) ] .
وله من حديث شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت حارثة بن مضرب يحدث عن علي رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، يعني ليلة القدر [ (2) ] .
وخرّج البخاري من حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها [ (3) ] .
وخرّجاه من طرق متعددة.
[ (1) ]
(الإحسان) : 2/ 386، كتاب الرقائق، باب التوبة، ذكر البيان بأن المرء إذا تخلى لزوم البكاء على ما ارتكب من الحوبات وإن كان بائنا عنها مجتهدا في إثبات ضدها، حديث رقم (620) : أخبرنا عمران ابن موسى بن مجاشع، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النّخعيّ، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمّه كما قال الأول: زر غبّا تزدد حبّا. قال: فقالت:
دعونا من طانتكم هذه. قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:
فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: «يا عائشة ذريني أتعبّد الليلة لربي» . قلت: والله إني لأحبّ قربك، وأحبّ ما سرّك. قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي. قالت: فلم يزل يبكي حتى بلّ حجره، قالت: ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول اللَّه، لم تبكي وقد غفر اللَّه لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا، لقد نزلت عليّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية كلها. إسناده قوي على شرط مسلم، وأخرجه أبو الشيخ في (أخلاق النبي) :
ص 186 عن الفريابي، عن عثمان بن أبي شيبة، بهذا الإسناد.
وله طريق أخرى عن عطاء عند أبي الشيخ ص 190- 991 وفيه أبو جناب الكلبي يحي بن أبي حية، ضعفوه لكثرة تدليسه، لكن صرّح بالتحديث هنا، فانتفت شبهة تدليسه.
[ (2) ] سبق الإشارة إليه.
[ (3) ]
(جامع الأصول) : 4/ 657، حديث رقم (2748) ، البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، البخاري في الزكاة وفي الجهاد، ومسلم في تحريم الزكاة على النبي وآله.
قوله: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التّمرة ساقطة على فراشي ثم أرفعها لأكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها» ،
وفيه تحريم الصدقة عليه صلى الله عليه وسلم وأنه لا فرق بين صدقة الفرض والتطوع،
لقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها»
فهي تعم النوعين، ولم يقل الزكاة، وفيه استعمال الورع، لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال، لكن الورع تركها. وفيه أن التمرة ونحوها من محقرات الأموال لا يجب تعريفها، بل يباح أكلها والتصرف فيها في الحال، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة، وهذا الحكم متفق عليه، وعلله أصحابنا وغيرهم بأن صاحبها في العادة لا يطلبها، ولا يبقى له فيها
وخرّج الحاكم من حديث عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا أسامة بن زيد عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تصور ذات ليلة فقيل له: ما أسهرك؟ قال: إني وجدت تمرة ساقطة فأكلتها ثم ذكرت تمرا كان عندنا من تمر الصدقة، فما أدري أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلي؟ فذلك أسهرني.
قال:
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه [ (1) ] .
وله من حديث المعافي بن عمران عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم عن ضمرة ابن حبيب عن أم عبد اللَّه أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره، وذلك في طول النهار وشدة الحر، فرد إليها الرسول: أنى لك هذا اللبن؟ قالت: من شاة لي، قال: أنى لك هذه الشاة؟ قالت: اشتريتها من مالي، فشرب فلما أن كان من الغد أتت أمّ عبد اللَّه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللَّه! بعثت إليك بذلك اللبن مرثيّة لك من شدة الحر وطول النهار، فرددتها إلي مع الرسول! فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«بذلك أمرت الرسل، أن لا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا»
قال: هذا حديث صحيح الإسناد [ (2) ] .
وخرّج أبو داود في كتاب الجهاد عن مخلد بن خالد [ (3) ] ، وخرّج الترمذي في السير عن محمد بن المثنى [ (4) ] ، وخرّج ابن ماجة عن عبدة بن عبد اللَّه، وخرّج محمد
[ () ] مطمع. واللَّه أعلم. (مسلم بشرح النووي) : 7/ 183، حديث رقم (162- 1070)، (السنن الكبرى للبيهقي) : 5/ 325، كتاب البيوع، باب كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم. (كنز العمال) 6/ 455، حديث رقم (16509)، (الحلية) : 8/ 187، وقال فيه:
«على فراشي فلا أدري أمن تمر الصدقة هي أم من تمر أهلي فلا آكلها» وقال في أخرى: صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن المبارك عن معمر.
[ (1) ](المستدرك) : 2/ 17، حديث رقم (2173/ 44) . قال في التلخيص: صحيح.
[ (2) ](المرجع السابق) : 4/ 140، حديث رقم (7159/ 88) . قال في التلخيص: ابن أبي مريم واه.
[ (3) ](صحيح سنن أبي داود) : 2/ 534، حديث رقم (2412- 2774)، قال الألباني:
«صحيح» ، ولفظه:«كان إذا جاءه أمر سرور، أو بشّر به، خرّ ساجدا شاكرا» .
[ (4) ](صحيح سنن الترمذي) : 2/ 112، حديث رقم (1282- 1642) . قال الألباني:
«حسن» ، ولفظه:«أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أمر فسرّ به، فخرّ ساجدا» ، قال أبو عيسى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا سجدة الشكر.
(صحيح سنن ابن ماجة) : 1/ 233، حديث رقم (1143- 1394)، قال الألباني:
«حسن» .
ابن يوسف أربعتهم عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن أبي بكرة بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسرّه ويسرّ به خرّ ساجدا [ (1) ] .
وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الأسدي، أخبرنا كثير بن زيد عن زياد بن أبي زياد مولى عياش بن أبي ربيعة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: كانتا خصلتان لا يكلهما، إلى أحد: الوضوء من الليل حين يقوم والسائل يقوم حتى يعطيه [ (2) ] .
وله من طريق الليث بن سعد أن معاوية بن صالح حدثه أن أبا حمزة حدثه أنّ عائشة قالت: ما خيّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، [قالت] :[ (3) ] وما انتقم رسول اللَّه لنفسه من أحد قط إلا أن يؤذى في اللَّه فينتقم، ولا رأيت رسول اللَّه وكل صدقته إلى غير نفسه حتى يكون هو الّذي يضعها في يد السائل، ولا رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكل [في وضوئه][ (4) ] إلى غير نفسه حتى يكون هو
[ (1) ] وقد ذهب إلى شرعية سجود الشكر، الشافعيّ وأحمد، خلافا لمالك ورواية أبي حنيفة بأنه لا كراهة فيها ولا ندب، والحديث دليل للأولين.
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقد روى الإمام أحمد في مسندة عن أبي بكرة: «أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم- ورأسه في حجر عائشة- فقام فخرّ ساجدا» .
وفي المسند أيضا عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة فخرّ ساجدا، فأطال السجود ثم رفع رأسه وقال: إن جبريل أتاني فبشرني فقال: إن اللَّه عز وجل يقول لك: من صلّى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت للَّه شكرا»
واعلم أنه قد اختلف هل يشترط لها الطهارة أم لا؟ فقيل: يشترط قياسا على الصلاة، وقيل:
لا يشترط، وهو الأقرب.
وليس في أحاديث سجود الشكر ما يدل على التكبير. وفي (زاد المعاد) : وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشر، دليل ظاهر على أن تلك كانت عادة الصحابة، وهو سجود الشكر عند النعم المتجددة، والنقم المندفعة. وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب، وسجد عليّ لما وجد ذا الثدية مقتولا في الخوارج، وسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين بشّره جبريل أنه من صلّى عليه مرة، صلّى اللَّه عليه بها عشرا، وسجد حين شفع لأمته فشفّعه فيهم ثلاث مرات، وأتاه بشير فبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة رضي الله عنها، فقام فخرّ ساجدا. وقد جاء حديث سجدة الشكر من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما بإسناد صحيح، ومن حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، وغير ذلك.
[ (2) ](طبقات ابن سعد) : 1/ 369.
[ (3) ] زيادة في (خ) .
[ (4) ] في (ابن سعد) : «وكل وضوءة»
الّذي يهيئ وضوءه لنفسه حتى يقوم من الليل [ (1) ] .
وقال محمد بن حمير حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: اشترى أسامة بن زيد بمائة دينار إلى شهر، فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«لا تعجبوا من أسامة المشتري إلى شهر، إن أسامة لطويل الإبل، والّذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفراى لا يلتقيان حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أن لا أسيغها حتى أغصّ بها من الموت» ، ثم قال:«يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والّذي نفسي بيده إنما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين» [ (2) ] .
وقال ابن لهيعة عن أبي هريرة عن حيثر عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يهريق الماء فيمسح التراب، فأقول: يا رسول اللَّه! الماء منك قريب، فيقول:«وما يدريني لعلي لا أبلغه» .
وخرج الإمام أحمد من حديث مسلم بن محمد بن زائدة، قال عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت: ما رفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء إلا قال: «يا مصرف القلوب ثبت قلبي على طاعتك» [ (3) ] .
وقال ابن المبارك: حدثنا الحسن بن صالح، عن منصور عن إبراهيم قال:
حدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير خارجا من الغائط قط إلا توضأ [ (4) ] .
وذكر ابن عساكر من حديث محمد بن الحجاج عن محمد بن عبد الرحمن بن
[ (1) ](المرجع السابق) : 1/ 369- 370.
[ (2) ] مسند أبي سعيد الخدريّ في (مسند أحمد) : 3/ 367، يبدأ من الحديث رقم (10602) إلى الحديث رقم (11529) ، لم أجد من بينهم هذا الحديث.
[ (3) ](مسند أحمد) : 3/ 146، حديث رقم (9139) .
[ (4) ] اختلف العلماء في موجب الوضوء: فقيل: يجب بالحدث وجوبا موسعا. وقيل: به وبالقيام إلى الصلاة معا، ورجحه جماعة من الشافعية. وقيل بالقيام إلى الصلاة حسب، ويدل له ما رواه أصحاب السنن عن ابن عباس مرفوعا: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة. (المواهب اللدنية) : 4/ 22- 23.
حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال: حدثنا شعبة عن أبي معاذ- واسمه عطاء بن أبي ميمونة- قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته أجيء وأنا غلام، معنا إداوة من ماء، يعني يستنجي به. (فتح الباري) : 1/ 333، حديث رقم (150) ، وأطرافه في (151) ، (152) ، (217) ، (500) .
سفينة عن أبيه عن سفينة قال: تعبّد النبي صلى الله عليه وسلم واعتزل النساء حتى صار كالشن [ (1) ] البالي قبل موته بشهرين [ (2) ] .
[ (1) ] الشن: القربة (النهاية) : 1/ 506.
[ (2) ]
هذا الحديث يتعارض مع ما أخرجه (البخاري) في النكاح باب (1) حديث رقم (5063) ، و (مسلم) في النكاح باب (1) حديث رقم (1401) ، و (النسائي) في النكاح باب (5) ، و (أبو داود) في النكاح باب (3) ، و (أحمد) 3/ 241، حديث رقم (13122)، كلهم عن أنس: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم:
أما فأنا أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا. فجاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»
واللفظ للبخاريّ. وفي رواية ثابت عند (مسلم)«أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» ، ولا منافاة بينهما، فالرهط من ثلاثة إلى عشرة، والنفر من ثلاثة إلى تسعة، كل منهما اسم جمع لا واحد له من لفظه.
ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عن عبد الرزاق، أن الثلاثة المذكورين هم علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون. وعند ابن مردويه من من طريق الحسن العدني:
«كان عليّ في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات، فنزلت الآية في المائدة» .
ووقع في (أسباب النزول للواحدي) بغير إسناد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم «ذكّر الناس وخوّفهم، فاجتمع عشرة من الصحابة وهم: أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبو ذرّ وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد وسلمان وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص ومعقل بن مقرن- في بيت عثمان بن مظعون، فاتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، ولا يقربوا النساء ويحبوا مذاكيرهم» فإن كان هذا محفوظا، احتمل أن يكون الرهط الثلاثة هم الذين باشروا السؤال، فنسب ذلك إليهم بخصوصهم تارة، ونسب تارة للجميع لاشتراكهم في طلبة، ويؤيد أنهم كانوا أكثر من ثلاثة في الجملة، ما روى مسلم من طريق سعيد بن هشام أنه «قدم المدينة، فأراد أن يبيع عقاره فيجعله في سبيل اللَّه، ويجاهد الروم حتى الموت، فلقي ناسا بالمدينة فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فنهاهم، فلما حدثوه ذلك راجع امرأته وكان قد طلقها» يعني بسبب ذلك، لكن في عدّ عبد اللَّه بن عمرو معهم نظر، لأن عثمان بن مظعون مات قبل أن يهاجر عبد اللَّه فيما أحسب.
قوله: «إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له» فيه إشارة إلى ردّ ما بنوا عليه أمرهم، من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره، فأعلمهم أنه مع كونه يبالغ في التشديد في العبادة أخشى اللَّه وأتقى من الذين يشددون، وإنما كان كذلك لأن المشدّد لا يأمن من الملل بخلاف المقتصد، فإنه أمكن لاستمراره، وخير العمل ما داوم عليه صاحبه، وقد أرشد إلى ذلك
قوله في الحديث الآخر «المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» .
قوله: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»
المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. والمراد: من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني، ولمح بذلك إلى طريقة الرهبانية، فإنّهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم اللَّه تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة، فيفطر ليقوى على الصوم، وينام ليقوى على القيام، ويتزوج لكسر
[تنبيه] : حديث وجود التمر في بعض طرقه: لقي تمرة على فراشه، وفي بعضها لقي تمرة في منزلة، وفي أخرى لقي تمرة في الطريق، فكان في ذلك ثلاث رتب في الورع، متفاوتة في التأكيد، أيسرها تمرة الفراش، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يقبل الصدقة، ولا تدخل منزله غالبا، فكيف بأخص منزله وهو الفراش، فيندر كونها من تمر الصدقة، وفوق ذلك في التأكيد تمرة المنزل، وآكدها تمرة الطريق لكثرة مرور الصدقات فيها، هذا كله مع أن تمر الصدقة قليل بالنسبة إلى جنس التمر، فآكد هذه الصور الثلاث لا يجاوز الورع في المباح، ولا تنتهي التمرة به إلى حد النهي، لكن مقام النبوة كريم، والورع به جدير.
[ () ] الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل.
وقوله: «فليس مني»
إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه، فمعنى
«فليس مني»
أي على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحيّة عمله، فمعنى
«فليس مني»
ليس على ملتي، لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر، وفي الحديث دلالة على فضل النكاح والترغيب فيه.
وفيه تتبع أحوال الأكابر للتأسي بأفعالهم وأنه إذا تعذرت معرفته من الرجال جاز استكشافه من النساء، وأن من عزم على عمل بر واحتاج إلى إظهاره حيث يأمن الرياء لم يكن ذلك ممنوعا.
وفيه تقديم الحمد والثناء على اللَّه عند إلقاء مسائل العلم وبيان الأحكام للمكلفين، وإزالة الشبهة عن المجتهدين، وأن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة والاستحباب.
وقال الطبري: فيه الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة من الملابس وآثر غليظ الثياب وخشن الأكل. قال عياض: هذا مما اختلف فيه السلف، فمنهم من نحا إلى ما قال الطبري، ومنهم من عكس واحتج بقوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا، قال: والحق أن هذه الآية في الكفار، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأمرين، كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا، وترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة، وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط. (فتح الباري) : 9/ 129- 132.
وقد أخرج الإمام أحمد في (المسند) : 4/ 25، 26، 414، حديث رقم (15880)«من صام الدهر ضيقت عليه جهنم» ، لأنه رغب رخصة اللَّه تعالى ويسره، والراغب عن الرخصة كالراغب عن العزم، وكلاهما مستحق للعقوبة. (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة) ص 135
وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في صائم الدهر: «ولا صام ولا أفطر» . أخرجه مسلم في كتاب الصيام (13) ، (14) ، وأبو داود في كتاب الصوم (14) ، (53)، والنسائي:(22) كتاب الصوم. قال يحى: وهو حديث حسن.