الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في حفظ اللَّه لنبيه صلى الله عليه وسلم في تثبيته عن أقذار الجاهلية ومعايبها تكرمة له وصيانة
قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: فتثبت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مع أبي طالب يكلؤه اللَّه عز وجل ويحفظه من أقذار الجاهلية ومعايبها لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين [ (1) ] ، لما جمع اللَّه فيه من الأمور الصالحة. وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما
[ (1) ] قال أبو نعيم في (دلائل النبوة) باب ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام ثانيا مع ميسرة غلام خديجة رضي الله عنها، وقصة نسطورا الراهب: ومما يدخل في هذا الباب مما خصّ اللَّه به نبيه في الجاهلية الجهلاء، أن وفقه لوضع الحجر الأسود موضعه بيده لما اختلفت قريش في وضعه، دلالة بصحة نبوته، حديث رقم (113) : حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن القاسم بن مشاور قال: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي قال: حدثنا عباد بن العوام، عن هلال بن خبّاب عن مجاهد قال: حدثني مولاي عبد اللَّه بن السائب قال: «كنت فيمن بني البيت وأخذت حجرا فسوّيته ووضعته إلى جنب البيت، وإن قريشا قد اختلفوا في الحجر حيث أرادوا وضعه، حتى كاد أن يكون بينهم قتال بالسيوف، فقالوا: اجعلوا بينكم أول رجل يدخل من الباب، فدخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكانوا يسمونه في الجاهلية [الأمين] ، فقالوا: قد دخل الأمين، فقالوا: يا محمد، قد رضينا بك، فدعا بثوب فبسطه، ثم وضع الحجر فيه، ثم قال لهذا البطن ولهذا البطن، لجميع البطون من قريش: ليأخذ كلّ رجل من كل بطن منكم بناحية من الثوب، فرفعوه، فأخذه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فوضعه» .
هذا الحديث أخرجه الحاكم في (المستدرك) 1/ 458، حديث رقم (1683/ 75) باختلاف يسير، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه، وله شاهد صحيح على شرطه. قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) : 11/ 68 ترجمة رقم (123) : هلال بن خباب العبديّ أبو العلاء البصري، مولى زيد بن صوحان. سكن المدائن ومات بها. روى عن أبي جحيفة، ويحى بن جعدة بن هبيرة، وعكرمة مولى ابن عباس وميسرة أبي صالح وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد، ومجاهد بن جبير، والحسن بن محمد بن الحنفية وغيرهم، وعنه الثوري ومعر، ويونس بن أبي إسحاق، وثابت بن زيد أبو يزيد الأحول، وعبد الواحد بن زياد، وهشيم وأبو عوانه، وآخرون.
وقال أبو بكر بن أبي الأسود، عن يحيى بن سعيد القطان: أتيت هلال بن خباب وكان قد تغيّر قبل موته، وقال إبراهيم بن الجنيد: سألت ابن معين عن هلال بن خباب وقلت: إن يحى القطان يزعم أنه تغير قبل أن يموت واختلط، فقال يحى: لا، ما اختلط ولا تغيّر، قلت ليحيى: فثقة هو؟ قال: ثقة مأمون،
ذكر لي يحدّث عما كان يحفظه اللَّه به في صغره،
فحدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنه قال فيما يذكر من حفظ اللَّه إياه: إن لمعي غلمان هم أسناني [ (1) ]، قد جعلنا أزرنا [ (2) ] على أعناقنا لحجارة ننقلها نلعب بها إذ لكمني لاكم لكمة شديدة ثم قال: اشدد عليك إزارك [ (3) ] .
[ () ] وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف، وقال ابن عمار الموصلي، والمفضل بن غسان الغلابي ثقة. (تهذيب التهذيب) : 11/ 68- 69، ترجمة رقم (123)، (الثقات) : 7/ 574.
وقال ابن سعد: فلما انتهوا إلى حيث يوضع الركن من البيت، قالت كل قبيلة: نحن أحق بوضعه، واختلفوا حتى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم أول من يدخل من باب بني شيبة، فيكون هو الّذي يضعه، وقالوا: رضينا وسلمنا، فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أول من دخل من باب بني شيبة،
فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا بما قضى بيننا، ثم أخبروه الخبر، فوضع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رداءه، وبسطه في الأرض، ثم وضع الركن فيه، ثم قال: ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل، فكان في ربع بني عبد مناف عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني أبو زمعة، وكان في الربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، وكان في الربع الرابع قيس بن عديّ.
ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب، ثم ارفعوه جميعا، فرفعوه، ثم وضعه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده موضعه ذلك،
فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي صلى الله عليه وسلم حجرا يشدّ به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا، ونحّاه، وناول العباس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حجرا فشدّ به الركن، فغضب النجديّ حيث نحيّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليس يبني معنا في البيت إلّا منّا،
فقال النجديّ: يا عجبا لقوم أهل شرف، وعقول، وسنّ، وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنّا، وأقلهم مالا، فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له، أما واللَّه ليفوتنهم سبقا، وليقسمن بينهم حظوظا وجدودا! ويقال: إنه إبليس، فقال أبو طالب:
إن لنا أوله وآخره
…
في الحكم والعدل الّذي لا ننكره
وقد جهدنا جهدنا لنعمره
…
وقد عمرنا خيره وأكثره
فإن يكن حقا ففينا أوفره.
(طبقات ابن سعد) : 1/ 146.
[ (1) ] يقال: فلان سنّ فلان، إذا كان مثله في السنّ (لسان العرب) 13/ 222.
[ (2) ] جمع إزار.
[ (3) ] إسحاق بن يسار مولى قيس بن مخرمة، والد محمد بن إسحاق صاحب (المغازي) ، روي عن مقسم مولى عبد اللَّه بن الحارث، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، روى عنه ابنه محمد بن إسحاق، سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك، زاد أبي: وروى عنه ابن طحلاء. وزاد أبو زرعة: يعدّ في المدينيين. قال:
وسئل أبو زرعة عنه، فقال: ثقة، هو أوثق من ابنه.
حدثنا عبد الرحمن، أخبرنا يعقوب بن إسحاق الهروي، فيما كتب إليّ، حدثنا عثمان بن سعيد قال:
سألت يحيى بن معين قلت: والد محمد بن إسحاق، كيف حاله؟ قال: ثقة. (الجرح والتعديل) :
وخرج البخاري ومسلم من حديث روح بن عبادة قال: أخبرنا زكريا بن إسحاق، أخبرنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه يحدث أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة، قال:
فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشيا عليه، قال: فما رئي بعد ذلك اليوم عريانا.
لفظهما فيه سواء [ (1) ] .
وخرجا أيضا من حديث ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابر ابن عبد اللَّه يقول: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان حجارة- وقال البخاري: الحجارة- فقال عباس للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على عاتقك- وقال
[ (2) ] / 238، ترجمة رقم (838) .
والحديث أخرجه البيهقي في (الدلائل) 2/ 30- 31، باب ما جاء في حفظ اللَّه عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم في شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعايبها، لما يريد به من كرامته برسالته حتى بعثه رسولا، وزاد بقية الخير في الهامش وعزاها إلى ابن هشام في (السيرة) 1/ 197:«قال: فأخذته وشددته عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري عليّ من بين أصحابي» .
[ (1) ] حديث روح بن عبادة أخرجه البخاري ومسلم، وقد أورده الحافظ أبو نعيم في (الدلائل) :
1/ 188- 189، الفصل الثالث عشر، باب: ومما عظّم به صلى الله عليه وسلم وحرس منه أن لا يتعرى كفعل قومه وأهله، وإذا حفظ من التعري فما فوقه أولى أن يعصم منه، وينهى عنه، حديث رقم (132) :
قوله: «إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم» أي مع قريش لما بنوا الكعبة، وكان ذلك قبل البعثة، فرواية جابر لذلك من مراسيل الصحابة، فإما أن يكون سمع ذلك من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أو من بعض من حضر ذلك من الصحابة. والّذي يظهر أنه العباس، وقد حدّث به عن العباس أيضا ابنه عبد اللَّه، وسياقه أتم. (فتح الباري) : 1/ 625، كتاب الصلاة، باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها، حديث رقم (364) .
قوله: «عن جابر رضي الله عنه» هذا الحديث مرسل صحابي، وقد قدمنا أن العلماء من الطوائف متفقون على الاحتجاج بمرسل الصحابي، إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني منه أنه لا يحتج به. وسميت الكعبة كعبة لعلوها وارتفاعها، وقيل لاستدارتها وعلوها.
قوله: «اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة» معناه ليقيك من الحجارة، أو من أجل الحجارة.
والعاتق ما بين المنكب والعنق، وجمعه عواتق وعتق، وهو مذكر وقد يؤنث.
قوله: «فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء» ، معنى خرّ سقط، وطمحت بفتح الطاء والميم، أي ارتفعت. وفي هذا الحديث بيان بعض ما أكرم اللَّه سبحانه وتعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم كان مصونا في صغره عن القبائح وأخلاق الجاهلية. وجاء في رواية غير الصحيحين أن الملك نزل فشدّ عليه صلى الله عليه وسلم إزاره. واللَّه أعلم. (مسلم بشرح النووي) : 4/ 273- 274، كتاب الحيض، باب الاعتناء بحفظ العورة، حديث رقم (76- (340)) .
البخاري: على رقبتك- يقك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق فقال: إزاري إزاري فشدّ عليه إزاره [ (1) ] . ورواه ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر نحوه.
ورواه عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس عن أبيه قال: كنا ننقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، وأفردت قريش رجلين رجلين ينقلون الحجارة، والنساء تنقل الشّيد، وكنت أنا وابن أخي وكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا اتزرنا، فبينما أمشي ومحمد عليه السلام قدامي ليس عليه شيء، فخر محمد فانبطح على وجهه، قال: فجئت أسعى وألقيت حجري، قال وهو ينظر إليّ السماء فوقه فقلت: ما شأنك؟ قال: فأخذ إزاره ثم قال:
نهيت أن أمشي عريانا، قلت: اكتمها الناس مخافة أن يقولوا: مجنون [ (2) ] .
ورواه شعيب عن عكرمة عن ابن عباس مثله [ (3) ] .
وروى إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن جده عن عكرمة عن ابن عباس
[ (1) ] قوله: «يقك من الحجارة فخرّ إلى الأرض» ، فيه حذف تقديره: ففعل ذلك فخر. وفي حديث أبي الطفيل: «فبينما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة معهم إذا انكشفت عورته، فنودي: يا محمد غط عورتك. فذلك أول ما نودي، فما رئيت له عورة قبل ولا بعد» . (فتح الباري) :
7/ 184- 185، كتاب مناقب الأنصار، باب بنيان الكعبة، حديث رقم (3829) .
وأخرجه الإمام أحمد في (المسند) : 4/ 248 حديث رقم (13922) ، 4/ 286 حديث رقم (14168) ، 6/ 635 حديث رقم (23282) .
وأبو نعيم في (الدلائل) : 1/ 189. حديث رقم (133) .
[ (2) ](دلائل النبوة للبيهقي) : 2/ 33، والشّيد: كل ما طلي به البناء من جصّ أو نحوة. وأخرجه أيضا أبو نعيم في (الدلائل) 1/ 198- 199، حديث رقم (134)، وقال فيه:«نهيت أن أمشي عريانا قال: فكتمته حتى أظهر اللَّه عز وجل نبوّته» .
[ (3) ] رواية شعيب بن خالد، كلهم عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، حدثني أبي العباس بن عبد المطلب قال: «لما بنت قريش الكعبة، انفردت رجلين رجلين ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي، جعلنا نأخذ أزرنا فنضعها على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من الناس لبسنا أزرنا، فبينما هو أمامي إذ صرع، فسعيت وهو شاخص ببصره إلى السماء،
قال: فقلت لابن أخي: ما شأنك؟
قال: نهيت أن أمشي عريانا، قال: فكتمته حتى أظهر اللَّه نبوته» . تابعه الحكم بن أبان عن عكرمة، وروى ذلك أيضا من طريق النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس ليس فيه العباس، وقال في آخره:«فكان أول شيء رأى من النبوة» ،
والنضر ضعيف، وقد خبط في إسناده وفي متنه، فإنه جعل القصة في معالجة زمزم بأمر أبي طالب وهو غلام. (فتح الباري) : 3/ 563، كتاب الحج.
قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم غسّله عليّ والفضل، وكان العباس يناول الماء من وراء الستر، وقال العباس، ما منعني أن أغسله إلا أنا كنا صبيانا نحمل الحجارة إلى المسجد يعني لبناء الكعبة، فننزع أزرنا ونضعها على أكتافنا ونضع الحجر عليها فبينما نحن كذلك ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ وقع وسقط الحجر وأنا قائم فقلت: يا ابن أخي! قم، وإني لا أرى بك بأسا ولا أرى الحجر ضرك [فقام] ثم نظر إلي فقال: اشدد عليك إزارك، فإنّي قد نهيت أن أتعرى بعد هذا اليوم.
قال العباس: هذا أول ما رأيت منه.
وروى محمد بن إسماعيل [الأحمسيّ][ (1) ] عن المجازي، حدثنا النضر عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان أبو طالب يعالج زمزم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة وهو غلام، فأخذ إزاره واتقى به الحجارة، [فغشي عليه] [ (2) ] فقيل لأبي طالب عن غشيته: الحق ابنك قد غشي عليه، فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم من غشيته سأله أبو طالب عن غشيته فقال: أتاني آت عليه ثياب بياض فقال لي: استتر،
قال ابن عباس:
فكان أول شيء رأى النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة أن قيل له: استتر، فما رئيت عورته من يومئذ.
ورواه الأحمسيّ عن الحماني عن النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: أول شيء أتي النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة وهو غلام أن قيل له استتر، فما رئيت عورته من يومئذ.
ورواه الحسن بن حماد الوراق عن الحماني عن النضر مثله.
وخرجه الحاكم من حديث الحماني عبد الحميد بن عبد الرحمن، حدثنا النضر به ونحوه. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد [ (3) ] .
[ (1) ] في (خ)«الأحمس» وما أثبتناه من (تهذيب التهذيب) : 9/ 58 ترجمة رقم 58.
[ (2) ] زيادة للسياق من (المستدرك) .
[ (3) ](المستدرك) : 4/ 198، حديث رقم (7356/ 3) ولفظه: «حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا أبو يحيى الحماني عبد الحميد بن عبد الرحمن، حدثنا النضر أبو عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبو طالب يعالج زمزم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ممن ينقل الحجارة، وهو يومئذ غلام، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم إزاره فتعري واتقى به الحجر، فغشي عليه، فقيل لأبي طالب: أدرك ابنك فقد غشي عليه،
فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم من غشيته، سأله أبو طالب عن غشيته فقال:«أتاني آت عليه ثياب بيض فقال لي: استتر»
فقال ابن عباس: فكان ذلك
وقال الحسن بن سفيان: حدثنا زهير بن سلام، حدثنا عمرو بن محمد عن طلحة بن عمرو عن عطاء أن أبا طالب كان يرسل بنيه ومحمد عليه السلام، معهم صبيان صغار ينقلون الحجارة إلى صفة زمزم، فأخذ محمد صلى الله عليه وسلم نمرة [ (1) ] صغيرة كانت عليه على عنقه، ثم
حمل عليها حجرين فطرح عنه الحجرين وأغمى عليه ساعة، ثم قام فشد نمرته [ (1) ] عليه، فقال له بنو عمه: مالك يا محمد؟ قال: نهيت عن التعري [ (2) ] .
وقال عبد الأعلى بن حماد: حدثنا داود العطار، حدثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم عن أبي الطفيل قال: قلت له: يا خال، حدثنا عن بنيان الكعبة قبل أن تبنها قريش، قال: كانت رضمه [ (3) ] يابس ليس بمدر [ (4) ] ينزوة [ (5) ] العناق [ (6) ] ، وتوضع الكسوة على الجدر ثم تدلي، ثم إن سفينة الروم أقبلت حتى إذا كانت بالشعيبة انكسرت، فسمعت بها قريش فركبوا إليها، فأخذوا خشبها، وروى كذا: يقال بالقوم نجاريان، فلما قدموا مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا، فاجتمعوا كذلك ونقلوا الحجارة من أجياد الضواحي،
فبينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينقلها إذ انكشفت نمرته، فنودي: يا محمد عورتك،
فذلك أول ما نودي واللَّه أعلم، فما رئيت له عورة قبل ولا بعد.
ورواه الحسن بن الربيع وداود بن مهران عن داود العطار مثله.
[ () ] أول ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة أن قيل له: «استتر، فما رئيت عورته من يومئذ» .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وشاهده حديث أبي الطفيل، وهو الحديث رقم (7357/ 4) :«أخبرنا محمد بن عبد الحميد الصّنعاني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن أبي الطفيل قال: «لما بني البيت كان الناس ينقلون الحجارة، والنبي صلى الله عليه وسلم ينقل معهم، فأخذ الثوب ووضعه على عاتقه فنودي: «لا تكشف عورتك» ، فألقي الحجر ولبس ثوبه. (المرجع السابق)، وذكره البيهقي في (الدلائل) : ص 190 حديث رقم (135) ، وابن سعد في (الطبقات) 1/ 157 مختصرا.
[ (1) ] نمرة: شملة مخططة من مآزر الأعراب النهاية ج 5 ص 111.
[ (2) ](فتح الباري) : 3/ 563، كتاب الحج، باب (42) .
[ (3) ] هذه الكلمة ممجوجة في (خ) وأثبتناها من (عرائس المجالس للثعالبي) ص 78، والرضام: صخور عظام يرضم بعضها فوق بعض في الأبنية (ترتيب القاموس) ج 2 ص 349.
[ (4) ] المدر: قطع الطين اليابس (المرجع السابق) ج 4 ص 216.
[ (5) ] نزت الحمر: وثبت من المراح (المرجع السابق) ج 4 ص 359.
[ (6) ] العناق (بفتح العين) : الدواب ونحوها (المرجع السابق) ج 3 ص 329.
وقال عبد الرازق عن معمر عن عبد اللَّه بن عثمان بن حشيم عن أبي الطفيل قال: كانت الكعبة مبنية بالرضم ليس فيها مدر، وكان قدر ما تقتحمها العناق وكانت غير مسقوفة، إنما توضع ثيابها عليها ثم تسدل سدلا عليها، وكان الركن الأسود موضوعا على سورها باديا، وكان ذات ركنين كهيئة الحلقة، فأقبلت سفينة من أرض الروم حتى إذا كانوا قريبا من جدة انكسرت، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فذكروا بناء البيت، وقال: فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقة، فترى عورته من صغر النمرة، فنودي: يا محمد خمّر عورتك، فلم ير عريانا بعد ذلك، وكان بين بنيان الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين [ (1) ] .
قال الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد الأصفهاني: وحديث أبي الطفيل جائز أن يكون وقوعه في حالة ثالثة، وهي انكشاف الثوب لا سقوطه، والحالتان المتقدمتان، بسقوط الثوب مرة بفعله وأخرى بغير فعله تنبيها له صلى الله عليه وسلم في الأحوال الثلاث، قال: وإذا حفظ من التعري فما فوقه أولى أن يعصم منه وينهى عنه [ (2) ] .
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد اللَّه بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن أبي طالب رضي الله عنه قال:
سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا ليلتين من الدهر، كلتاهما يعصمني اللَّه فيها، قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر فيها كما يسمر الفتيان [ (3) ]، قال: فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير، فقلت: ما هذا؟ فقيل: تزوج فلان، فجلست انظر، وضرب اللَّه على أذني، فو اللَّه ما أيقظني إلا مسّ الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال:
ما فعلت؟ قلت ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت له ليلة أخرى:
أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الّذي سمعت تلك الليلة، فسألت، فقيل: فلان نكح فلانة، فجلست انظر فضرب اللَّه
[ (1) ](فتح الباري) : 3/ 563، كتاب الحج، باب (42) .
[ (2) ](دلائل النبوة لأبي نعيم) : 188.
[ (3) ] في (خ) : بعد قوله: «الفتيان» عبارة: «فقال بلى» والسياق يقتضي حذفها.
على أذني، فو اللَّه ما أيقظني إلا مسّ الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال:
ما فعلت؟ فقلت: لا شيء ثم أخبرته الخبر، فو اللَّه ما هممت ولا عدت بعدها لشيء من ذلك حتى أكرمني اللَّه بنبوته [ (1) ] .
وخرجه الحاكم [ (2) ] بنحوه وقال: حديث صحيح على شرط مسلم.
وخرج الحافظ أبو نعيم من حديث مسعر بن كدام [ (3) ] عن العباس بن ذريح [ (4) ] الكلبي عن زياد بن عبد اللَّه النخعي قال: حدثني عمار بن ياسر رضي الله عنه أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، هل أتيت في الجاهلية من النساء شيئا؟ قال: لا، وقد كنت منه على ميعادين، أما أحدهما فغلبتني عيناي، وأما الآخر فحال بيني وبينهم سامر قوم [ (5) ] .
[ (1) ](عيون الأثر) : 1/ 44- 45، (دلائل النبوة للبيهقي) : 2/ 33- 34، (دلائل النبوة لأبي نعيم) : 1/ 186، حديث رقم (128) ، أخرجه إسحاق بن راهويه في مسندة، وابن إسحاق، والبزار، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر، كلهم عن علي بن أبي طالب. وقال ابن حجر: إسناده حسن متصل، ورجاله ثقات، والحاكم في (المستدرك) : 4/ 272، حديث رقم (7619/ 19) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم. وقال في التلخيص: على شرط مسلم.
[ (2) ] في (خ)«الحاكم بن نحوه» .
[ (3) ] في (خ)«مسعد بن لرام» وما أثبتناه من (تهذيب التهذيب) ج 10 ص 102 ترجمة رقم 210.
[ (4) ](خ)«موبح» وما أثبتناه من (تهذيب التهذيب) ج 5 ص 116 ترجمة رقم 202، قال ابن معين:
ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطنيّ: ثقة.
[ (5) ] لم أجده، ويؤيّد
بحديث: «ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا مرتين في الدهر» .
وفي (الدلائل) للبيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن عبد اللَّه بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء إلا ليلتين، كلتاهما عصمني اللَّه تعالى
…
» وذكر باقي الحديث بنحوه. إحداهما المذكورة بقوله: «ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا مرتين الدهر، كلتاهما يعصمني اللَّه عز وجل منهما» (دلائل أبي نعيم) : 186، حديث رقم (128) .
والسياقة الأخرى بقوله «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء إلا ليلتين، كلتاهما عصمني اللَّه تعالى فيهما» (دلائل البيهقي) : 2/ 33.
وقال في (الإحسان) : إسناده حسن، ومحمد ابن إسحاق روى له البخاري تعليقا، ومسلم متابعة، وهو صدوق، وقد صرح بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسة، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح، غير محمد بن عبد اللَّه بن قيس بن مخرمة، فقد روى عنه جمع، وذكره المؤلف في الثقات 7/ 380، وله ترجمة عند ابن أبي حاتم 7/ 303، والبخاري في التاريخ الكبير 9/ 130، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وذكر صاحب (الكمال) : أن الشيخين
وخرج من حديث أبي سنان عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن علي رضي الله عنه قال: قيل للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: هل عبدت وثنا قط؟ قال: لا، قال:
شربت خمرا قط؟ قال: لا، وما زلت أعرف أن الّذي هم عليه كفر، وما كنت أدرى ما الكتاب ولا الإيمان، وبذلك نزل القرآن: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ (1) ] .
[ () ] أخرجا حديثه، وقال المزي فيما نقله عن الإمام الذهبي والحافظ ابن حجر: لم أقف على رواية أحدهما.
قال محقق (الإحسان) : ولم يرد له ذكر في كتاب رجال مسلم لابن منجويه، ولا في الجمع بين رجال الصحيحين لابن طاهر، ولا في رجال البخاري للكلاباذي.
وأخرجه الحاكم في (المستدرك) : 4/ 273، حديث رقم (7619/ 19) ، من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق، وعلقه البخاري في (تاريخه) 1/ 130 باختصار، فقال: قال لي شهاب:
حدثنا بكر بن سليمان، عن ابن إسحاق به، (البداية والنهاية) : 2/ 351.
[ (1) ](الشورى: 52)، قال الزمخشريّ: فإن قلت: قد علم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما كان يدري ما القرآن قبل نزوله عليه، فما معنى قوله تعالى: وَلَا الْإِيمانُ، والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من النظر والاستدلال، أن يخطئهم الإيمان باللَّه وتوحيده، ويجب أن يكونوا معصومين من ارتكاب الكبائر، ومن الصغائر التي يكون فيها تنفير قبل المبعث وبعده، فكيف لا يعصمون من الكفر؟.
قلت: الإيمان اسم يتناول أشياء، بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل، وذلك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي، ألا ترى أنه فسّر الإيمان في قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ بالصلاة، لأنها بعض ما يتناوله الإيمان.
(الكشاف) : 3/ 409- 410.
قال الإمام ناصر الدين أحمد بن المنير الاسكندري المالكي: لما كان معتقد الزمخشريّ أن الإيمان اسم التصديق مضافا إليه كثير من الطاعات فعلا وتركا، حتى لا يتناول الموحد العاصي ولو بكبيرة واحدة اسم الإيمان، ولا يناله وعد المؤمنين، وتفطن لإمكان الاستدلال على صحة معتقده بهذه الآية، عدّها فرصة لينتهزها، وغنيمة ليحرزها، وأبعد الظن بإرادة مذهب أهل السنة على صورة السؤال، ليجيب عنه بصورة معتقده، فكأنه يقول: لو كان الإيمان وهو مجرد التوحيد والتصديق، كما تقول أهل السنة، للزم أن ينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث بهذه الآية كونه مصدّقا، ولما كان التصديق ثابتا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم قبل البعث باتفاق الفريقين، لزم أن لا يكون الإيمان المنفي في هذه الآية عبارة عما اتفق على ثبوته، وحينئذ يتعين صرفه إلى مجموع أشياع من جملتها التصديق، ومن جملتها كثير من الطاعات التي لم تعلم إلا بالوحي، وحينئذ يستقيم نفيه قبل البعث، وهذا الّذي طمع فيه، لا يبلغ منه ما أراد، وذلك أن أهل السنة وإن قالوا أن الإيمان هو التصديق خاصة، حتى يتصف به كل موحد وإن كان فاسقا، يخصون التصديق باللَّه وبرسوله، فالنبيّ صلى الله عليه وسلم مخاطب في الإيمان بالتصديق برسالة نفسه، كما أن أمته مخاطبون بتصديقه، ولا شك أنه قبل الوحي لم يكن يعلم أنه رسول اللَّه، وما علم ذلك إلا بالوحي، وإذا كان الإيمان عند أهل السنة هو التصديق باللَّه ورسوله. ولم يكن هذا المجموع ثابتا قبل الوحي، بل كان الثابت هو التصديق باللَّه تعالى خاصة استقام نفي الإيمان قبل الوحي على هذه الطريقة الواضحة، واللَّه أعلم. (الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال) : 3/ 410.
وخرج من حديث عمر بن صبح عن ثور بن يزيد عن مكحول عن شداد بن أوس قال: بينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يحدثنا على باب الحجرات فقال: لما ولدتني أمي فنشأت بغّضت إلي أوثان قريش وبغض إليّ الشعر [ (1) ] .
وخرج البيهقي من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة قال: كان صنم من نحاس يقال له إساف أو نائلة، يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: لا تمسه، قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى انظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ألم تنه؟ قال زيد: فو الّذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صنما حتى أكرمه اللَّه بالذي أكرمه وأنزل عليه [ (2) ] .
وسيأتي في قصة بحيرا الراهب حين قيل لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو غلام: أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك، فقال عليه السلام: لا تسألني باللات والعزى، فو اللَّه ما أبغضت شيئا بغضهما [ (3) ] .
وخرج أبو نعيم من حديث حسين بن عبد اللَّه عن عكرمة عن ابن عباس قال:
حدثتني أم أيمن قالت: كانت ببوانة [ (4) ] صنما تحضره قريش، وتعظمه، وتنسك له النسائك، ويحلقون رءوسهم عنده، ويعكفون عنده يوما إلى الليل وذلك يوم في السنة، وكان أبو طالب يحضره مع قومه، فيأبى رسول اللَّه [صلى الله عليه وسلم][ (5) ] حتى رأيت
[ () ] وقالوا: معنى الآية: ما كنت تدري قبل الوحي كيف تقرأ القرآن ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان، وقيل: كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلا وفي المهد.
وقال الحسين بن الفضل: إنه على حذف مضاف: أي ولا أهل الإيمان، وقيل: المراد بالإيمان دين الإسلام، وقيل: الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل ما كلّف اللَّه به العباد. (فتح القدير) : 4/ 764.
[ (1) ] لم أجده.
[ (2) ]
(دلائل البيهقي) : 2/ 34، (البداية والنهاية) : 2/ 351، وذكر أبو نعيم في (الدلائل) :
187-
188: حدثنا أبو عمر بن حمدان، قال: حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس:«أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقوم مع بني عمه عند الصنم الّذي عند زمزم، واسمه «إساف» فرفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بصره إلى الكعبة ساعة ثم انصرف، فقال له بنو عمه: ما لك يا محمد؟ قال: نهيت أن أقوم عند هذا الصنم» .
[ (3) ](البداية والنهاية) : 2/ 346، (دلائل البيهقي) : 2/ 35.
[ (4) ] بوانة: هضبة وراء بلدة ينبع (معجم البلدان) : 2/ 599 موضع رقم (2213) .
[ (5) ] زيادة للسياق من كتب السيرة.
أبا طالب غضب عليه أسوأ غضب، فيقول: إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا، وجعل يقول: ما ترى يا محمد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا، قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء اللَّه ثم رجع إلينا مرعوبا، فقلن عماته: ما دهاك؟ [قال إني أخشى أن يكون بي لمم، فقلن ما كان اللَّه ليبتليك وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الّذي رأيت؟][ (1) ] قال إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد! لا تمسّه، قالت أم أيمن:
فما عاد إلى عيد لهم صلى الله عليه وسلم [حتى تنبّأ][ (1) ] .
وخرج من حديث المنذر بن عبد اللَّه بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: مرّ عليّ جبريل وميكائيل عليهما السلام وأنا بين النائم واليقظان بين الركن وزمزم، فقال أحدهما للآخر: هو هو؟ قال نعم ونعم المرء هو لولا أنه يمسح الأوثان. قال النبي صلى الله عليه وسلم فما مسحتهن حتى أكرمني اللَّه بالنّبوّة خمس حجج.
وخرج من حديث دواد بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم بأجياد رأى ملكا واضعا إحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء يصيح: يا محمد! أنا جبريل، فذعر من ذلك وجعل يراه كلما رفع رأسه إلى السماء ورجع سريعا إلى خديجة رضي الله عنها فأخبرها خبره فقال: يا خديجة، ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط ولا آلهتكن.
وخرج من حديث عمرو بن محمد حدثنا طلحة بن عمر عن عطاء عن ابن عباس أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقوم مع بني عمه عند الصنم الّذي عند زمزم واسمه إساف، فرفع رأسه إلى ظهر الكعبة ساعة ثم انصرف، فقال له بنو عمه: ما لك يا محمد؟ قال: نهيت أن أقوم عند هذا الصنم [ (2) ] .
وخرج الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن سفيان الثوري عن عبد اللَّه بن عقيل عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال:
[ (1) ] ما بين القوسين سقط من (خ) وما أثبتناه من كتب السيرة، والحديث أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) :
186-
187، حديث رقم (129)، وابن سعد في (الطبقات) : 1/ 158.
[ (2) ] سبق الإشارة إليه.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يشهد مع المشركين مشاهدهم، قال: فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى نقوم خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم. قال أبو القاسم الطبراني في تفسير قول جابر: وإنما عهده باستلام الأصنام يعني أنه شهد مع من استلم الأصنام وذلك قبل أن يوحى إليه [ (1) ] .
[ (1) ](المطالب العالية) : 4/ 179، حديث رقم (4261) قال في هامشه: «هذا الحديث أنكره الناس على عثمان بن أبي شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الملك أنه قال: عهده باستلام الأصنام، فإن ظاهره أنه باشر الاستلام، وليس ذلك مرادا، بل المراد أن الملك أنكر شهوده لمباشرة المشركين قبل البعثة منكرا عليهم.
وقال البوصيري: رواه أبو يعلي بسند فيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل. وقال الهيثمي: فيه عبد اللَّه بن محمد، ولا يحتمل هذا من مثله، إلا أن يكون يشهد تلك المشاهد للإنكار، وهذا يتجه. وبقية رجاله رجال الصحيح 80/ 266.
وفي الباب بعده: باب البيان بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مسّ الصنم إنما مسّه موبّخا لعابديه، حديث رقم (4262) : ابن بريدة عن أبيه قال: دخل جبريل المسجد الحرام فطفق ينقلب، فبصر بالنبيّ صلى الله عليه وسلم نائما في ظل الكعبة، فأيقظه، فقام، وهو ينفض رأسه ولحيته من التراب، فانطلق به نحو باب بني شيبة، فتلقاهما ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل: ما منعك أن تصافح النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أجد من يده ريح النحاس، وكأن جبريل أنكر ذلك، فقال: أفعلت ذلك؟ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم نسي، ثم ذكر فقال:
«صدق أخي، مررت أوّل من أمس على إساف ونائلة، فوضعت يدي على أحدهما فقلت: إن قوما رضوا بكما إلها مع اللَّه قوم سوء» . هذا الحديث ضعّف البوصيري سنده لضعف صالح بن حبان، وقد استدل به الحافظ على كون الحديث الأول (4261) مصروفا عن الظاهر.
وأيضا
في (المطالب العالية) 4/ 95- 96، حديث رقم (4057) : زيد بن حارثة قال: خرجت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوما حارا من أيام مكة، وهو مردفى إلى نصب من الأنصاب، وقد ذبحنا له شاة فأنضجناها قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا زيد! ما لي أرى قومك قد شنفوا لك؟» -[شنف له:
إذا أبغضه]- قال: واللَّه يا محمد إن ذلك لغير نائلة لي منهم، ولكني خرجت أبتغي هذا الدين حتى أقدم على أحبار فدك، فوجدتهم يعبدون اللَّه ويشركون به، فقلت: ما هذا الدين الّذي أبتغي، فقال شيخ منهم: إنك لتسأل عن دين ما نعلم أن أحدا يعبد اللَّه به إلا شيخا بالحيرة، فخرجت، حتى أقدم فلما رآني قال: ممّن أنت؟ قلت: من أهل بيت اللَّه ومن أهل الشوك والقرظ-[ورق السلم يدبغ به]- فقال: إن الّذي تطلب قد ظهر ببلادك، قد بعث نبي قد طلع نجمه، وجميع من رأيتهم في ضلال، فلم أحسّ بشيء بعد يا محمد، قال: فقرب إليه السفرة فقال: ما هذا؟ قال: «شاة ذبحناها لنصب من الأنصاب» فقال: ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم اللَّه عليه، قال زيد بن حارثة: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم البيت فطاف به وأنا معه، وبالصفا والمروة، وكان عند الصفا والمروة صنمان من نحاس، أحدهما يقال له:
يساف، والآخر يقال له: نائلة، وكان المشركون إذا طافوا مسحوا بهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا تمسحهما فإنّهما رجس» فقلت في نفسي: لأمسّهما حتى انظر ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، فمسحتهما، فقال:«ألم تنه؟» .
وقد أنكر الإمام أحمد هذا الحديث جدا وقال: هذا موضوع أو شبيه بالموضوع. وقال الدارقطنيّ: أن عثمان وهم في إسناده. قال القاضي عياض:
والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه، والمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه عند أهل العلم من قوله: بغضت إلى الأصنام [ (1) ] .
وخرج أبو نعيم من حديث موسى بن عقبة، أخبرني سالم أنه سمع عبد اللَّه بن عمر يحدث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح وذلك قبل أن ينزل على رسول اللَّه الوحي فقدم إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سفرة [ (2) ] فيها لحم فأبى أن يأكل، قال: لا آكل ما يذبحون على أنصابهم، إني لا آكل إلا مما ذكر اسم اللَّه عليه [ (3) ] ،
وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها اللَّه وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض المرعى، ثم يذبحونها على غير اسم اللَّه إنكارا لذلك وإعظاما له.
[ (1) ] قال الهيثمي: رواه أبو يعلي، والبزار، ورجالهما ورجال أحد أسانيد الطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن علقمة، وهو حسن الحديث (9/ 418) . وقال البوصيري: رواه النسائي في الكبرى في كتاب الحج بسند رجاله ثقات. (المرجع السابق)، وذكره ابن كثير في (البداية والنهاية) :
2/ 352، وفي (السيرة الشامية) : المراد بالمشاهد مشاهد الحلف ونحوها، لا مشاهد استلام الأصنام.
(هامش المرجع السابق)، ونحوه في (دلائل البيهقي) : 2/ 34- 36.
[ (2) ] السفرة: السفرة بالضم طعام المسافر (ترتيب القاموس) ج 2 ص 571.
[ (3) ] كذا
في (خ) وباختلاف يسير في اللفظ في السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 251 وصحيح البخاري ج 3 ص 310 ومسند أحمد ج 2 ص 69، ص 89 وفيهم (إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم) بدلا من (لا آكل ما يذبحون على أنصابهم) .
وخرج من حديث عبد اللَّه بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب أكل ما ذبح لغير اللَّه، فما ذقت شيئا ذبح على النصب حتى أكرمني اللَّه بما أكرمني به من رسالته.
وقال عمرو بن شيبة: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا ابن وهب، حدثنا عبد اللَّه بن عمر أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أول ما أوقع اللَّه في نفس هذا الأمر أن عمي أبا طالب ذبح للأنصاب فبعثني بلحم على حمار إليها، فمررت بزيد بن عمرو بن نفيل [ (1) ] فقلت: يا عم، ألا نأكل من هذا اللحم؟ قال: يا ابن أخي، إني
[ (1) ] هو زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، كان ممن فرّ إلى اللَّه من عبادة الأصنام، وساح في أرض الشام يتطلّب الدين القيم، فرأى اليهود والنصارى، فكره دينهم، وقال: اللَّهمّ إني على دين إبراهيم، ولكن لم يظفر بشريعة إبراهيم عليه السلام كما ينبغي، ولا رأى من يوقفه عليها، وهو من أهل النجاة، فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعش حتى بعث.
وروى هشام بن عروة فيما نقله عن ابن أبي الزناد، أنه بلغه أن زيد بن عمرو كان بالشام، فلما بلغه خبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أقبل يريده، فقتله أهل ميفة بالشام. وروى الواقدي أنه مات فدفن بأصل حراء، وقال ابن إسحاق: قتل ببلاد لحم. والظاهر أن زيدا رحمه الله توفى قبل المبعث، فقد نقل ابن إسحاق أن ورقة بن نوفل رثاه بأبيات منها:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما
…
تجنّبت تنّورا من النّار حاميا
بدينك ربا ليس ربّ كمثله
…
وتركك أوثان الطواغي كما هيا
(تهذيب سير أعلام النبلاء) : 1/ 17، ترجمة رقم (7) .
وقال الحافظ ابن حجر: إنّ زيد بن عمرو، وورقة بن نوفل، خرجا يلتمسان الدين، حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد بن عمرو: من أين أقبلت يا صاحب البعير؟ فقال: من بنيّه إبراهيم، قال:
وما تلتمس؟ قال: ألتمس الدين، قال: ارجع، فإنه يوشك أن يظهر الّذي تطلب في أرضك، فأمّا ورقة فتنصّر، وأما أنا فعرضت عليّ النصرانية، فلم يوافقني، فرجع وهو يقول:
لبيك حقّا حقّا
…
تعبّدا ورقّا
البرّ أبغي لا الخال
…
وهل يرى مهجرا كمن قال
آمنت بما أمر به إبراهيم ثم يقول:
أنفي لربّ البيت عان راغم
…
مهما تجشّمني فإنّي جاشم
لا آكل من ذبائحكم هذه [ (1) ] .
وخرج البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس [ (2) ] ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر اللَّه نبيه أن
[ () ]
عذت بما عاذ به إبراهيم
…
مستقبل القبلة وهو قائم
ثم يخر فيسجد [ذو خال: أي كبر، المهجّر: المسافر في الهاجرة، قال: من القيلولة]
قال: وجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، إن أبي كان كما رأيت وكما بلغك فاستغفر له، قال:«نعم، فإنه يبعث يوم القيامة أمّة وحده» . (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية) 4/ 94- 95 باب (زيد بن عمرو بن نفيل العدوي والد سعيد، أحد العشرة، وورقة) ، حديث رقم (4055)، انظر أيضا:(البداية والنهاية) : 2/ 296- 302.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا معلي بن أسد، حدثنا عبد العزيز- يعني ابن المختار- أخبرنا موسى ابن عقبة قال: أخبرني سالم أنه سمع عبد اللَّه يحدث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذاك قبل أن ينزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الوحي، «فقدم إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سفرة لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذكر اسم اللَّه عليه» ،
وفي الرواية التي في آخر المناقب: «فقدم إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سفره» وللكشميهنى: «فقدم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سفرة» وجمع ابن المنير بين هذا الاختلاف بأن القوم الذين كانوا هناك قدموا السفرة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقدمها لزيد، فقال زيد مخاطبا لأولئك القوم ما قال. (فتح الباري) : 9/ 785- 786 كتاب الذبائح والصيد، باب ما ذبح على النصب والأصنام، حديث رقم (5499) ، ونحوه 7/ 179- 180 كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، حديث رقم (3826)، وزاد فيه بعد قوله:«ولا آكل إلا ما ذكر اسم اللَّه عليه» ، «وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها اللَّه، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم اللَّه، إنكارا لذلك وإعظاما له» .
[ (1) ](المطالب العالية) : 4/ 95، وفيه: وأتي زيد بن عمرو على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة، وهما يأكلان من سفرة لهما، فدعواه لطعامهما، فقال زيد بن عمرو للنّبيّ صلى الله عليه وسلم:«انا لا نأكل مما ذبح على النّصب» قال الهيثمي: رواه أحمد وفيه المسعودي وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات.
[ (2) ] التحمّس: التشدّد، وكانوا قد ذهبوا في ذلك مذهب التزهّد والتألّه، فكانت نساؤهم لا ينسجن الشّعر ولا الوبر، وكانوا لا يسلئون السمن، وسلأ السمن: أن يطبخ الزبد حتى يصير سمنا، ومن القبائل التي آمنت مع قريش بالحمس: كنانة، وخزاعة. (الروض الأنف) : 1/ 299- 230.
قال ابن إسحاق: وقد كانت قريش- لا أدري أقبل الفيل أم بعده- ابتدعت رأي الحمس رأيا رأوه فقالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطّان مكة وساكنها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظّموا شيئا من الحلّ كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفّت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل
يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله عز وجل: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [ (1) ] . ذكره البخاري في كتاب التفسير [ (2) ] ، وخرجه أبو داود
[ () ] ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ويرون لسائر العرب أن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة، ولا نعظم غيرها، كما نعظهما نحن الحمس، والحمس: أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الّذي لهم بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم.
قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة النحويّ: أن بني عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك.
قال ابن إسحاق: ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم، حتى قالوا: لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط، ولا يسئلوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا- إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما، ثم رفعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحلّ إلى الحرم إذا جاءوا حجّاجا أو عمّارا، ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس. فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة.
ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحلّ ألقاها، فلم ينتفع بها هو ولا غيره، وكانت العرب تسمي تلك الثياب: اللّقى، فحملوا على ذلك العرب فدانت به، ووقفوا على عرفات وأفاضوا منها، وطافوا بالبيت عراة، أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع إحداهنّ ثيابها كلّها إلا درعا مفرّجا عليها، ثم تطوف فيه، فقالت امرأة من العرب، وهي كذلك تطوف بالبيت:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه
…
وما بدا منه فلا أحلّه
ويذكر أن هذه المرأة هي: ضباعة بنت عامر بن صعصعة، ثم من بني سلمة بن قشير.
وذكر محمد بن حبيب أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطبها، فذكرت له عنها كبرة، فتركها، فقيل إنها ماتت كمدا وحزنا على ذلك. قال ابن حبيب: إن كان صح هذا، فما أخّرها عن تكون أما للمؤمنين، وزوجا لرسول رب العالمين إلا قولها «اليوم يبدو بعضه أو كلّه» تكرمة من اللَّه لنبيه، وعلما منه بغيرته، واللَّه أغير منه ومن اللّقى: حديث فاختة أم حكيم بن حزام، وكانت دخلت الكعبة، وهي حامل متمّ بحكيم بن حزام، فأجاءها المخاض، فلم تستطع الخروج من الكعبة، فوضعته فيها، فلفّت في الأنطاع هي وجنينها، وطرح مثبرها [المثبر: مسقط الولد] وثيابها التي كانت عليها، فجعلت لقي لا تقرب.
ومما ذكر من تعرّيهم في الطواف أنّ رجلا وامرأة طافا كذلك، فانضم الرجل إلى المرأة تلذّذا واستمتاعا، فلصق عضده بعضدها، ففزعا عند ذلك، وخرجا من المسجد، وهما ملتصقان، ولم يقدر أحد على فك عضده من عضدها، حتى قال لهما قائل: توبا مما كان في ضميركما، وأخلصا للَّه التوبة، ففعلا، فانحلّ أحدهما من الآخر.
(سيرة ابن هشام) : 2/ 21- 26.
[ (1) ](البقرة: 199) .
[ (2) ](فتح الباري) : 8/ 236، كتاب التفسير، باب ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ حديث رقم (4520) .
بمثله [ (1) ] .
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد اللَّه بن أبي [أحمد بن جحش] عن عثمان بن أبي سليمان عن نافع بن جبير عن أبيه قال: لقد لقيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو على دين قومه وهو يقف على بعرفات من بين قومه حتى يدفع بعدهم توفيقا من اللَّه له [ (2) ] .
وقد خرج البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو، سمع محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واقفا مع الناس بعرفة فقلت: واللَّه إن هذا لمن الحمس، فما شأنه ها هنا؟ وكانت قريش تعد من الحمس [ (3) ] .
[ (1) ](عون المعبود) : 5/ 271- 272، كتاب المناسك، باب الوقوف بعرفة، حديث رقم (1907)، (تحفة الأحوذي) : 3/ 532، أبواب الحج، باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء فيها، حديث رقم (885)، وقال فيه:«يقفون بالمزدلفة يقولون: نحن قطين اللَّه» قال في القاموس:
قطن قطونا: أقام، وفلانا خدمه فهو قاطن، والجمع قطان، وقاطنة، وقطين، وقطين اللَّه، على حذف المضاف، أي سكان بيت اللَّه.
قال أبو عيسى: هذا الحديث حسن صحيح. ومعنى الحديث: أن أهل مكة كانوا لا يخرجون من الحرم، وعرفات خارج من الحرم، فأهل مكة كانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن قطين اللَّه، يعني سكان اللَّه، ومن سوى أهل مكة كانوا يقفون بعرفات، فأنزل اللَّه تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ (المرجع السابق) : 533.
[ (2) ](البداية والنهاية) : 2/ 352، و (دلائل البيهقي) : 2/ 37، وقال البيهقي: قوله: «على دين قومه» معناه: على ما كان قد بقي فيهم من إرث إبراهيم وإسماعيل، في حجّهم، ومناكحهم، وبيوعهم، دون الشرك، فإنه لم يشرك باللَّه قط. وما بين القوسين زيادة من المرجعين السابقين.
[ (3) ](فتح الباري) : 3/ 657، كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، حديث رقم (1664)، قال الكرماني: وقفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعرفة كانت سنة عشر، وكان جبير حينئذ مسلما لأنه أسلم يوم الفتح فإن كان سؤاله عنه إنكارا وتعجبا، فلعله لم يبلغه نزول قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ، وإن كان للاستفهام عن حكمة المخالفة عما كانت عليه الحمس فلا إشكال، ويحتمل أن يكون لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقفة بعرفة قبل الهجرة. (المرجع السابق) . وفي (البداية والنهاية) : 2/ 352:
ويفهم من قوله هذا أيضا أنه كان يقف بعرفات قبل الوحي إليه، وهذا توفيق من اللَّه له.
وخرجه الإمام أحمد من حديث جبير بن مطعم قال: «حدثنا عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم الأنصاري، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن عمه نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال: «رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس حتى يدفع معهم منها، توفيقا من اللَّه له» . (مسند أحمد) : 5/ 38، حديث رقم (16316) .
وأخرجه أبو بكر البرقاني وزاد بعد قوله: هذا من الحمس: فما باله خرج من الحرم، وكان سائر الناس تقف بعرفة، وذلك قول اللَّه عز وجل: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ، قال سفيان: الأحمس: الشديد في دينه.