المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في ذكر بدء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف تراءى الملك له وإلقاؤه الوحي إليه وتقريره له أنه يأتيه من عند الله عز وجل وأنه قد صار يوحى إليه نبيا ورسولا إلى الناس جميعا - إمتاع الأسماع - جـ ٢

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثاني]

- ‌[تتمة غزوة الفتح]

- ‌هدية الخمر

- ‌تحريم شحوم الميتة

- ‌العفو عن بعض أهل مكة

- ‌حد شارب الخمر

- ‌إسلام جبر

- ‌نذر رجل الصلاة في بيت المقدس

- ‌نذر ميمونة أم المؤمنين

- ‌نساء قريش وجمالهن

- ‌هدية هند بنت عتبة بعد إسلامها

- ‌إحدى نساء بني سعد وخبر وفاة حليمة السعدية

- ‌السرايا وهدم الأصنام

- ‌مدة المقام بمكة

- ‌بعثة خالد بن الوليد إلى بني جذيمة وقتلهم، وكانوا مسلمين

- ‌بعثة عليّ بالديات إلى بني جذيمة

- ‌فتح مكة

- ‌غزوة حنين «هوازن»

- ‌جموع هوازن وثقيف

- ‌منزل هوازن

- ‌خروج رسول اللَّه إلى حنين

- ‌إعجاب المسلمين بكثرتهم يوم حنين

- ‌عارية السلاح

- ‌خبر ذات الأنواط

- ‌خبر الرجل الّذي أراد قتل رسول اللَّه

- ‌عيون هوازن ورعب المشركين

- ‌خروج غير المسلمين إلى حنين

- ‌تعبئة المسلمين

- ‌المسير إلى القتال

- ‌انهزام المسلمين

- ‌انهزام المشركين بغير قتال

- ‌الذين ثبتوا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الهزيمة

- ‌دعوة المنهزمين

- ‌عدد من ثبت معه

- ‌خبر على وقتاله يوم حنين

- ‌قتال أم عمارة وصواحباتها

- ‌موقف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌تحريض أم سليم

- ‌النهي عن قتل الذرية

- ‌خبر النمل

- ‌نصر الملائكة

- ‌القتلى في ثقيف

- ‌إسلام شيبة بن عثمان

- ‌خبر المنافقين

- ‌النهي عن قتل النساء والمماليك

- ‌خبر بني سليم

- ‌خبر بجاد السعدي

- ‌هزيمة هوازن وقتل دريد بن الصمة

- ‌أبو عامر الأشعري

- ‌الغنائم والسبي

- ‌دية عامر بن الأضبط

- ‌شارب الخمر

- ‌الشهداء والسبي

- ‌غزوة الطائف

- ‌بعثة خالد بن الوليد على المقدمة

- ‌منزل المسلمين بالطائف

- ‌مصلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌محاصرة حصن الطائف

- ‌النازلون من حصن الطائف

- ‌خير هيت وماتع

- ‌خبر خولة بنت حكيم

- ‌أذان عمر بالرحيل عن الطائف

- ‌خبر أبي رهم

- ‌خبر سراقة بن مالك بن جعشم

- ‌هدية رجل من أسلم

- ‌سؤال الأعراب

- ‌منزله بالجعرانة

- ‌عطاء المؤلفة قلوبهم

- ‌عطاء أبي سفيان

- ‌عطاء حكيم بن حزام

- ‌عطاء النضير بن الحارث

- ‌عطاء صفوان بن أمية

- ‌عطاء جماعة من المؤلفة قلوبهم

- ‌منع جعيل بن سراقة من العطاء

- ‌خبر ذي الخويصرة التميمي

- ‌مقالة رجل من المنافقين

- ‌إحصاء الناس والغنائم وقسمتها

- ‌وفد هوازن وإسلامهم

- ‌جواب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌رضي المهاجرين والأنصار ورد غيرهم

- ‌خطبة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أمر هوازن

- ‌سؤاله عن مالك بن عوف

- ‌مقالة الأنصار إذ منعوا العطاء

- ‌خطبة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌مقامة بالجعرانة

- ‌مسيره إلى المدينة

- ‌خبر الفتح بالمدينة

- ‌بعثة عمرو بن العاص إلى ابني الجلندي

- ‌مولد إبراهيم عليه السلام

- ‌فريضة الصدقات وبعثه المصدقين

- ‌خبر بسر على صدقات بني كعب

- ‌خبر خزاعة

- ‌وفد بني تميم

- ‌خطبة عطارد بن حاجب

- ‌جواب ثابت بن قيس

- ‌شعر الزبرقان بن بدر

- ‌شعر حسان

- ‌ما نزل من القرآن في وفد بني تميم

- ‌رد أسرى بني تميم

- ‌رئيس وفد بني تميم

- ‌بعثة الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق

- ‌سرية قطبة بن عامر إلى خثعم

- ‌سرية الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب

- ‌كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى بني حارثة بن عمرو

- ‌خبر رعية السحيمي

- ‌سرية علقمة بن مجزر إلى الشعيبة

- ‌سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس صنم طيِّئ

- ‌خبر سفانة بنت حاتم الطائي

- ‌موت النجاشي

- ‌غزوة تبوك

- ‌الخبر عن الغزو والبعثة إلى القبائل

- ‌صدقات المسلمين للغزو

- ‌صدقات النساء

- ‌خبر المخلفين

- ‌البكاءون

- ‌النهي عن خروج أصحاب الضعف

- ‌المنافقون

- ‌تخليف علي بن أبي طالب

- ‌الأمر بحمل النعال

- ‌تخلف المنافقين

- ‌الألوية

- ‌خبر العبد المملوك

- ‌عدة المسلمين

- ‌تخلف نفر من المسلمين

- ‌المتخلفون

- ‌خبر أبي ذر

- ‌خبر أبي رهم

- ‌جهد المسلمين

- ‌مقالة المنافقين

- ‌وادي القرى

- ‌نزول الحجر وهبوب الريح

- ‌هدية بني عريض

- ‌خبر بئر الحجر

- ‌قلة الماء ودعاء رسول اللَّه بالمطر

- ‌خبر ناقة رسول اللَّه التي ضلّت ومقالة المنافق

- ‌نبوءة الفتوح

- ‌تأخره صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح

- ‌صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بصلاة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

- ‌خبر الأجير ورجل من العسكر

- ‌نهيه صلى الله عليه وسلم عن الشرب من عين تبوك حتى يقدم

- ‌خبر الحية التي سلمت عليه صلى الله عليه وسلم

- ‌رقاده صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر

- ‌خطبته صلى الله عليه وسلم بتبوك

- ‌عظته صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالناس

- ‌قوله صلى الله عليه وسلم في أهل اليمن وأهل المشرق

- ‌خبر البركة في الطعام

- ‌بعثة هرقل رجلا من غسان

- ‌المشورة في السّير إلى القتال

- ‌هبوب الريح لموت المنافق

- ‌النهي عن إخصاء الخيل

- ‌غزوة أكيدر بدومة الجندل

- ‌فتح الحصن

- ‌الرجوع بأكيدر إلى المدينة

- ‌كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأكيدر

- ‌عودة أكيدر

- ‌قدوم يوحنا بن رؤبة وأهل أيلة

- ‌كتابه صلى الله عليه وسلم لأهل أيلة ويوحنا بن رؤبة

- ‌كتابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل جرباء

- ‌كتابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل أذرح

- ‌كتابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل مقنا

- ‌تحريم النهبة

- ‌أفضل الصدقة

- ‌الحرس بتبوك

- ‌وفد بني سعد هذيم

- ‌الصيد في تبوك

- ‌آية الطعام يوم تبوك

- ‌موت ذي البجادين

- ‌مدة الإقامة بتبوك

- ‌العسرة والجوع وآية النبوة

- ‌خبر النهي عن الماء وخلاف المنافقين

- ‌خبر أبي قتادة

- ‌التعريس، والنوم عن الصلاة

- ‌ظمأ الجيش بتبوك

- ‌آيات النبوة في الماء بتبوك

- ‌كيد المنافقين بإلقاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الثنية

- ‌التقاط ما سقط من المتاع

- ‌أمر المنافقين

- ‌مشورة أسيد بن الحضير في قتل المنافقين

- ‌عدة أهل العقبة أصحاب الكيد

- ‌أصحاب مسجد الضرار

- ‌الوحي بخبر المسجد وإرصاده لأبي عامر الفاسق

- ‌هدم المسجد وتحريقه

- ‌هجران أرض المسجد وشؤم أخشابه

- ‌عدة من بني مسجد الضرار

- ‌من خبر المنافقين أصحاب المسجد

- ‌ما نزل فيهم من القرآن

- ‌المتخلفون عن تبوك

- ‌مقدمة إلى المدينة ودعاؤه صلى الله عليه وسلم

- ‌دخول المسجد والنهي عن كلام المتخلفين

- ‌المعذرون وقبول أعذارهم

- ‌خبر كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين خلّفوا

- ‌هلال بن أمية

- ‌النهي عن كلام الثلاثة وتمام أخبارهم

- ‌التوبة على الثلاثة وما نزل من القرآن

- ‌انخلاع كعب من ماله

- ‌ما نزل في المعذرين الكاذبين

- ‌توهم المسلمين انقطاع الجهاد

- ‌ما نزل من القرآن في تبوك

- ‌وفد ثقيف وإسلام عروة بن معتب

- ‌دعاؤه ثقيف

- ‌مشورة ثقيف عمرو بن أمية

- ‌وفد ثقيف والأحلاف

- ‌مقدم الوفد إلى المدينة

- ‌ضيافة الوفد

- ‌بعض اعتراضهم

- ‌إسلام عثمان بن أبي العاص

- ‌جدال الوفد في الزنا والربا والخمر

- ‌كتاب الصلح

- ‌هدم ربّة ثقيف

- ‌كتابه صلى الله عليه وسلم لثقيف

- ‌حمي وج

- ‌إسلام كعب بن زهير

- ‌خبره وخبر البردة

- ‌الوفود

- ‌وفد بني أسد:

- ‌وفد بهراء:

- ‌وفود أخر:

- ‌موت عبد اللَّه بن أبيّ

- ‌حضور رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌الصلاة عليه واعتراض عمر في ذلك

- ‌ما نزل من القرآن في المنافقين

- ‌دفن عبد اللَّه واجتماع المنافقين

- ‌ابنته وحزنها

- ‌حج أبي بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌حج المشركين

- ‌الخروج إلى الحج

- ‌صفة الحج

- ‌قراءة براءة

- ‌خطبة أبي بكر

- ‌سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قبل براءة

- ‌وفود غسان وغامد ونجران

- ‌إسلامهم وكتاب النبي لهم

- ‌المباهلة

- ‌سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن

- ‌وصية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم له

- ‌الغنائم

- ‌قسمة الغنائم إلا الخمس

- ‌خبر أبي رافع في الإعطاء من الخمس

- ‌قدوم علي في الحج

- ‌وفد الأزد

- ‌وفد مراد

- ‌وفد فروة الجذامي

- ‌وفد زبيد

- ‌وفد عبد القيس

- ‌وفد بني حنيفة

- ‌وفد كندة

- ‌وفد محارب

- ‌وفد عبس والصّدف وخولان وبني عامر بن صعصعة

- ‌وفد طيِّئ

- ‌كتاب مسيلمة الكذاب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إليه

- ‌البعثة على الصدقات

- ‌بعثة علي رضي الله عنه إلى نجران

- ‌ حجّة الوداع

- ‌المسير وصفه إحرامه صلى الله عليه وسلم

- ‌الهدي

- ‌إحرام عائشة

- ‌الصلاة

- ‌الإهلال بالعمرة والحج

- ‌منازل السير

- ‌خبر غلام أبي بكر الّذي أضل بعيره

- ‌رواية أخرى في خبر غلام أبي بكر

- ‌طعام آل نضلة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌مجيء البعير، وبعير سعد بن عبادة

- ‌سيادة بيت سعد بن عبادة

- ‌احتجام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومسيره

- ‌خبر المرأة وصغيرها

- ‌دخول مكة وعمل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقوله

- ‌نهي عمر عن مزاحمة الطائف

- ‌صفة سعيه بين الصفا والمروة

- ‌فسخ حج من لم يسق الهدي إلى عمره

- ‌نزول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالأبطح

- ‌دخوله الكعبة وصلاته بها

- ‌مدة إقامته بمكة

- ‌مسيره إلى منى

- ‌مسيره إلى عرفة

- ‌صلاته بعرفة وخطبته صلى الله عليه وسلم

- ‌خطبة عرفة

- ‌المبلغ عنه بعرفة

- ‌ذكر المناسك

- ‌دعاؤه صلى الله عليه وسلم بعرفة

- ‌الاختلاف في صيامه بعرفة

- ‌ما نزل من القرآن بعرفة

- ‌النفر من عرفة

- ‌الإفاضة

- ‌النزول إلى المزدلفة

- ‌الدفع من مزدلفة

- ‌موقفه بمنى

- ‌جمع الجمرات من مزدلفة

- ‌نحر الهدي وتفريقه والأكل منه

- ‌التحليق

- ‌ناصية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد، وحديث أبي بكر في أمر خالد

- ‌تفريق شعره صلى الله عليه وسلم بين الناس

- ‌المحلقون والمقصرون

- ‌النهي عن الصيام أيام منى

- ‌الإفاضة يوم النحر إلى مكة

- ‌الشرب من زمزم

- ‌رمي الجمرات

- ‌النهي عن المبيت بسوى منى

- ‌عدة الخطب في حجة الوداع

- ‌ خطبة يوم النّحر بمنى

- ‌يوم الصدر

- ‌خبر صفية وعائشة

- ‌الرجوع إلى المدينة ومدة إقامة المهاجر بمكة

- ‌عيادة سعد بن أبي وقاص

- ‌موت سعد بن خولة بمكة

- ‌وداع البيت الحرام

- ‌النزول بالمعرس والنهي عن طروق النساء ليلا

- ‌إسلام جرير بن عبد اللَّه البجلي

- ‌إسلام فيروز وباذان بن منبه، ووفد النخع

- ‌بعث أسامة بن زيد إلى أبني «غزو الروم»

- ‌أمر أسامة بالغزو وتأميره

- ‌ابتداء مرض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ووصيته لأسامة

- ‌خروج أسامة وجيشه

- ‌طعن رجال من المهاجرين في تأمير أسامة

- ‌خطبة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أمر أسامة رضي الله عنه

- ‌توديع الغزاة

- ‌الأمر بإنفاذ بعث أسامة

- ‌دخول أسامة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ودعاؤه له

- ‌خروج أبي بكر إلى السنح

- ‌خروج الجيش

- ‌إبلاغ خبر وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لجيش أسامة

- ‌يوم وفاته صلى الله عليه وسلم

- ‌رجوع الغزاة إلى المدينة

- ‌أمر أبي بكر بتوجيه الغزو

- ‌تشييع أبي بكر أسامة

- ‌غزو أسامة

- ‌خبر وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونعيه إلى نفسه

- ‌عرض القرآن في رمضان

- ‌الخروج إلى البقيع والاستغفار لأهله

- ‌التخيير

- ‌خبر شكوى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌مدة الشكوى

- ‌صفة الشكوى

- ‌أكلة خيبر من الشاة المسمومة

- ‌الخروج إلى الصلاة

- ‌خبر اللدود

- ‌أمره ألا يبقى في البيت أحد إلا لدّ

- ‌إقامته صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة رضي الله عنها

- ‌طوافه علي نسائه في شكواه

- ‌هبة أمهات المؤمنين أيامهن لعائشة

- ‌اشتداد الحمى وإراقة الماء عليه

- ‌خطبته قبل وفاته

- ‌ذكر التخيير

- ‌خبر كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند موته

- ‌خبر الكنيسة التي بالحبشة

- ‌مقالته في شكواه

- ‌التخيير بين الشفاء والغفران

- ‌مقالته في كرب الموت

- ‌وفاته في حجر عائشة وخبر الذهب

- ‌مسارة فاطمة

- ‌إمامة أبي بكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل موته

- ‌وفاته

- ‌حيث دفن

- ‌جهاز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌الغسل

- ‌الكفن

- ‌الصلاة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌أول من صلّى على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌خبر أمهات المؤمنين

- ‌الصلاة عليه

- ‌يوم دفنه

- ‌لحده ومن دخل فيه

- ‌عمره عند وفاته صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر كنية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر صفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فأما صفة رأسه المقدس

- ‌وأما وجهه الكريم

- ‌وأما صفة لونه

- ‌أما صفة جبينه وأنفه وحاجبيه وفمه وأسنانه ونكهته

- ‌وأما بلوغ صوته حيث لا يبلغ صوت غيره

- ‌وأما صفة لحيته

- ‌وأما صفة شعره

- ‌وأما صفة عنقه وبعد ما بين منكبيه

- ‌وأما صفة صدره وبطنه

- ‌أما صفة كفيه وقدميه وإبطيه وذراعيه وساقيه وصدره

- ‌وأما قامته

- ‌وأما اعتدال خلقه ورقة بشرته

- ‌وأما حسنه وطيب رائحته وبرودة يده ولينها في يد من مسها وصفة قوته

- ‌وأما صفة خاتم النبوة

- ‌فصل جامع في صفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر شمائل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأخلاقه

- ‌أما حسن خلقه

- ‌وأما شجاعته

- ‌وأما سعة جوده صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما تواضعه وقربه

- ‌وأما رقته ورحمته ولطفه

- ‌وأما حسن عهده عليه السلام

- ‌وأما كراهته للمدح والإطراء

- ‌وأما حلمه وصفحه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما شفقته ومداراته

- ‌وأما اشتراطه على ربه أن يجعل سبه لمن سب من أمته أجرا

- ‌وأما مزاحه وملاعبته

- ‌فصل في ذكر آداب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسمته وهديه

- ‌فأما جعله يمناه لطهوره ويسراه لدفع الأذى

- ‌وأما محبته التيمن في أفعاله

- ‌وأما فعله عند العطاس

- ‌وأما جلسته واحتباؤه واتكاؤه واستلقاؤه

- ‌وأما صمته وإعادته الكلام والسلام ثلاثا وهديه في الكلام وفصاحته

- ‌وأما تكلمه بالفارسية

- ‌وأما سماعه الشعر واستنشاؤه وتمثله به

- ‌وأمّا تبسّمه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما محبته الفأل وتركه الطيرة وتغييره الاسم القبيح

- ‌وأما قبوله الهدية ومثوبته عليها

- ‌وأما مشاورته أصحابه

- ‌وأمّا ما يفعله عند نزول المطر

- ‌وأمّا احتياطه في نفي التّهمة عنه

- ‌وأمّا ما يفعله إذا ورد عليه ما يسرّه

- ‌وأمّا ظهور الرضى والغضب في وجهه

- ‌وأما مخالطته الناس وحذره واحتراسه منهم وتفقده أصحابه

- ‌وأمّا يمينه إذا حلف

- ‌وأمّا قوله إذا أراد القيام من مجلسه

- ‌فصل في ذكر زهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الدنيا وإعراضه عنها وصبره على القوت الشديد فيها واقتناعه باليسير منها وأنه كان لا يدخر إلّا قوت أهله، وصفة عيشه، وأنه اختار اللَّه والدار الآخرة

- ‌وأما زهده في الدنيا وإعراضه [ (2) ] عنها

- ‌وأما صبره على القوت الشديد وقنعه من الدنيا بالشيء اليسير

- ‌وأما أنه لا يدّخر إلّا قوت أهله

- ‌وأما صفة عيشه وعيش أهله [ (2) ]

- ‌وأمّا تبسّمه [ (2) ] صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما محبته الفأل [ (3) ] وتركه الطيرة [ (4) ] وتغيير الاسم القبيح

- ‌فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في طاعة ربه ومداومته على عبادته

- ‌فصل في حفظ اللَّه لنبيه صلى الله عليه وسلم في تثبيته عن أقذار الجاهلية ومعايبها تكرمة له وصيانة

- ‌فصل في ذكر ما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يتديّن به قبل أن يوحي إليه

- ‌ذكر ما ورد في أنه عقّ عن نفسه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكيف تراءى الملك له وإلقاؤه الوحي إليه وتقريره له أنه يأتيه من عند اللَّه عز وجل وأنه قد صار يوحى إليه نبيا ورسولا إلى الناس جميعا

- ‌أنواع الوحي وأقسامه

- ‌[فصل في أمارات نبوته صلى الله عليه وسلم التي رآها قبل البعثة]

الفصل: ‌فصل في ذكر بدء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف تراءى الملك له وإلقاؤه الوحي إليه وتقريره له أنه يأتيه من عند الله عز وجل وأنه قد صار يوحى إليه نبيا ورسولا إلى الناس جميعا

‌فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكيف تراءى الملك له وإلقاؤه الوحي إليه وتقريره له أنه يأتيه من عند اللَّه عز وجل وأنه قد صار يوحى إليه نبيا ورسولا إلى الناس جميعا

قال ابن سيده في كتاب المحكم: وجاء وحيا: كتب، والوحي المكتوب أيضا وعلى ذلك جمعوا فقالوا: أوحى، وأوحى إليه: ألهمه [ (1) ]، وفي التنزيل: وَأَوْحى

[ (1) ] الوحي: ما يقع به الإشارة القائمة مقام العبارة من غير عبارة، فإن العبارة يجوز منها إلى المعنى المقصود بها، ولذا سميت عبارة، بخلاف الإشارة التي هي الوحي فإنّها ذات المشار إليه، والوحي هو المفهوم الأول، والإفهام الأول، ولا تعجب من أن يكون عين الفهم عين الإفهام عين المفهوم منه، فإن لم تحصل لك هذه النكتة فلست بصاحب وحي، ألا ترى أن الوحي هو السرعة، ولا سرعة أسرع مما ذكرنا، فهذا الضرب من الكلام يسمى وحيا، ولما كان بهذه المثابة وأنه تجلّ ذاتي، لهذا ورد في الحديث الّذي رواه ابن حبان في صحيحه، والقسطلاني في (إرشاد الساري) 1/ 167 من عدة طرق، وبألفاظ تزيد وتنقص، وكلها متقاربة المعنى:«أنّ اللَّه إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاة فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم فزّع عن قلوبهم [كشف عنهم الخوف] فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربّك؟ فيقول: الحقّ، فينادون الحق وهو العلي الكبير» ، وما سألت الملائكة عن هذه الحقيقة وإنما عن السبب من حيث هويته.

فالوحي: ما يسرع أثره من كلام الحق في نفس السامع، ولا يعرف هذا إلا العارفون بالشئون الآلهية، فإنّها عين الوحي الإلهي في العالم وهم لا يشعرون. وقد يكون الوحي إسراع الروح الإلهي بالإيمان بما يقع به الإخبار والمفطور عليه كلّ شيء مما لا كسب فيه من الوحي أيضا، كالمولود يلتقم ثدي أمه، ذلك من أثر الوحي الإلهي كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة: 85]، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة: 154] ، وقال تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، [النحل:

68] ، فلولا أنها فهمت من اللَّه وحيه لما صدر منها ما صدر، ولهذا لا تتصوّر معه المخالفة إذا كان الكلام وحيا، فإن سلطانه أقوى من أن يقاوم، وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص: 7] ، ولذا فعلت ولم تخالف، والحالة تؤذن بالهلاك ولم تخالف ولا تردّدت، ولا حكمت عليها البشرية بأن هذا من أخطر الأشياء، فدلّ على أن الوحي أقوى سلطانا في نفس الموحى إليه من طبعه الّذي هو عين نفسه، قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16] ، وحبل الوريد من ذاته.

فإذا زعمت يا وليّ بأن اللَّه أوحى إليك فانظر نفسك في التردّد والمخالفة، فإن وجدت لذاك أثر تدبير أو تفضيل أو تفكّر فلست بصاحب وحي، فإن حكم عليك وأعماك وأصمّك وحال بينك وبين فكرك وتدبيرك وأمضى حكمه فيك، فذلك هو الوحي، وأنت عند ذلك صاحب وحي، وعلمت عند ذلك أن.

ص: 365

_________

[ () ] رفعتك وعلوّ مرتبتك أن تلحق بمن يقول إنه دونك من حيوان أو نبات أو جماد، فإن كل شيء مفطور على العلم باللَّه، إلا أن مجموع الإنس والجانّ فإنه من حيث تفصيله منطو على العلم باللَّه كسائر ما سواهما من المخلوقات، من ملك، وحيوان، ونبات، وجماد، فما من شيء فيه شعر، وجلد، ولحم، وعصب، ودم، وروح، ونفس، وظفر، وناب، إلا هو عالم باللَّه، حتى ينظر ويفكّر، ويرجع إلى نفسه، فيعلم أن له صانعا صنعه، وخالقا خلقه، فلو أسمعه اللَّه نطق جلده، أو يده، أو لسانه، أو عينه، لسمعه ناطقا بمعرفته بربه، مسبّحا لجلاله، مقدّسا لجماله يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ [النور: 24] ، الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس: 65] ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [فصلت: 21] . فالإنسان من حيث تفصيله عالم باللَّه، ومن حيث جملته جاهل باللَّه حتى يعلم، أي يعلم بما في تفصيله، فهو العالم الجاهل، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17] .

قال أبو القاسم الأصفهانيّ: الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمّن السّرعة قيل: أمر وحيّ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز أو التعريض فالرمز: الصوت الخفيّ، أو الإشارة بالشّفة، والتعريض:

خلاف التصريح، وهو تورية في القول، ولحن الكلام- وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكتابة، وقد حمل على كل ذلك قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: 11]، فقد قيل: رمز، وقيل: أشار، وقيل كتب، وحمل على هذه الوجوه أيضا قوله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: 112]، وقوله: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [الأنعام: 121]، فلذلك بالوسواس المشار إليه بقوله: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [الناس: 4]

وبقوله صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطان لمّة» .

ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحي، وذلك أضرب حسب ما دلّ عليه قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى: 51] ، وذلك إما برسول مشاهد ترى ذاته، ويسمع كلامه، كتبليغ جبريل عليه السلام للنّبيّ صلى الله عليه وسلم في صورة معيّنة، وإما بسماع كلام من غير معاينة، كسماع موسى عليه السلام كلام اللَّه تعالى.

وإما بإلقاء في الرّوع [القلب أو النفس] ، كما

ذكر صلى الله عليه وسلم: «إن روح القدس نفث في روعي» [رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة] ،

وإما بإلهام نحو قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: 7]، وإما بتسخير نحو قوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل: 68] وإما بمنام كما

قال صلى الله عليه وسلم: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» [الحديث أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، عن ابن عباس، وأول الحديث:

«أيها الناس، لم يبق من مبشرات النبوة

] .

فالإلهام، والتسخير، والمنام، دلّ عليه قوله تعالى: إِلَّا وَحْياً [الشورى: 51] ، وسماع الكلام من غير معاينة، دلّ عليه قوله تعالى: مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: 51] ، وسماع الكلام من غير معاينة، دلّ عليه قوله تعالى: مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: 51] ، وتبليغ جبريل عليه السلام في صورة معيّنة، دل عليه قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى: 51] .

ص: 366

رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ (1) ]، وفيه: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ (2) ] أي إليها، فمعنى هذا:

أمرها، ووحي في هذا المعنى وأوحى إليه ووحي إليه: أومأ. وفي التنزيل:

فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ (3) ] .

وقال الحافظ أبو نعيم [ (4) ] : ومعنى الوحي مأخوذ من الوحا، وهو العجلة، فلما

[ () ] وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام: 93] ، فذلك ذم لمن يدعي شيئا من أنواع ما ذكرنا من الوحي، أي نوع ادّعاه من غير أن يكون حصل له.

وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ [الأنبياء: 25] ، فهذا الوحي هو عامّ في جميع أنواعه، وذلك أن معرفة وحدانية اللَّه تعالى، ومعرفة وجوب عبادته، ليست مقصورة على الوحي المختص بأولي العزم من الرسل، بل ذلك يعرف بالعقل ولإلهام، كما يعرف بالسمع، فإذا القصد من الآية تنبيه أنه من المحال أن يكون رسول لا يعرف وحدانية اللَّه تعالى ووجوب عبادته.

وقوله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي [المائدة 111] ، فذلك وحي بسواطة عيسى عليه السلام.

وقوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ [الأنبياء: 73] فذلك وحي إلى الأمم بواسطة الأنبياء عليهم السلام.

ومن الوحي المختص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام: 106]، وقوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ [يونس: 87] ، فوحيه إلى موسى بوساطة جبريل، وهارون بواسطة موسى عليهما السلام.

وقوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ [الأنفال: 12] ، فذلك وحي إليهم بوساطة اللوح والقلم فيما قبل.

وقوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [فصلت: 12] ، فإن كان الوحي إلى أهل السماء فقط، فالموحي إليه محذوف ذكره، كأنه قال: أوحى إلى الملائكة، لأن أهل السماء هم الملائكة، ويكون كقوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ [الأنفال: 12] ، وإن كان الموحي إليه هي السماوات، فذلك تسخير عند من يجعل السماء غير حيّ، ونطق عند من يجعله حيا.

وقوله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: 5] ، قريب من الأول.

وقوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه: 114] ، فحث على التثبت في السّماع، وعلى ترك الاستعجال في تلقيه وتلقّنه. (بصائر ذوي التمييز) :

5/ 177- 182.

[ (1) ] النحل: 68.

[ (2) ] الزلزلة: 5.

[ (3) ] مريم: 11.

[ (4) ] هو أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران المهراني الأصبهاني، نسبة إلى أصبهان، وهي بلدة في وسط إيران.

وينقل ابن خلكان في (وفيات الأعيان) عن أبي نعيم نفسه أنه قد ذكر أن جده «مهران» قد أسلم، وكأنه يشير بذلك إلى أنه أول من أسلم من أجداده، وقد كان «مهران» هذا مولى لعبد اللَّه بن جعفر، هذا.

ص: 367

_________

[ () ] نسبه من جهة أبيه.

أما نسبه من جهة أمه، فقد ذكر في (تذكرة الحفاظ) أن أبا نعيم هو سبط-[ولد الولد ويغلب إطلاقه على ابن البنت]- محمد بن يوسف البناء، ومحمد بن يوسف البناء هذا كان عابدا، زاهدا، له شهرته في تلك البلاد، وله ذكر في غيرها من بلاد الإسلام والمسلمين، تخرج عليه جماعة من العباد الزهاد، قال عنه أبو نعيم في مقدمته لحلية الأولياء:«فقد كان جدي محمد بن يوسف البناء رحمه الله، أحد من نشر اللَّه عز وجل به ذكر بعض المنقطعين إليه، وعمّر به أحوال كثير من المقبلين عليه» ، ترجم له ابن الجوزي في (صفة الصفوة) وعدّه من المصطفين من أهل أصبهان.

وفي يوم مشرق من أيام رجب عام ست وثلاثين وثلاثمائة، كانت الولادة السعيدة لأبي نعيم، ولد ولادة عادية. دون أن يدري أحد من مستقبل هذا الطفل شيئا، وما أن فتح عينيه إلى النور، حتى رأى الناس جميعا وميض الذكاء فيهما، فتنبئوا له بمستقبل زاهر، إن تمّ له ما يتطلبه هذا الذكاء الفذّ من رعاية وتوجيه.

بدت معالم الذكاء على أبي نعيم منذ نعومة أظفاره، ولذلك وجّهه والده الوجهة العلمية، لأن ذلك أحسن ميدان للذكاء، تتفتّح فيه العبقرية، ويعظم الأثر، وفعلا فقد بدأ الغلام بمجالسة العلماء، والسماع منهم في سنّ مبكرة جدا، ولم تمض سنوات حتى ذاع صيته بين العلماء، وامتدت شهرته في الآفاق، وأجاز له مشايخ الدنيا سنة نيف وأربعين وثلاثمائة، وقد كان له من العمر ست سنين.

فأجاز له من واسط: المعمر عبد اللَّه بن عمر بن شوذب، ومن نيسابور: شيخها أبو العباس الأصمّ، ومن الشام: شيخها خيثمة بن سليمان الأطرابلسي، ومن بغداد: جعفر الخلدي، وأبو سهل بن زياد، وغيرهم خلق كثير، كلهم من علية القوم ورءوس العلماء، وقد كان بعض هؤلاء الذين أجازوه ممسكا عن الإجازة، ومع ذلك فقد أجازوا لأبي نعيم. قال الذهبي: وأجازه طائفة تفرّد في الدنيا بإجازتهم» .

ولم يكن أبو نعيم من الذين يفترون بذكائهم وقوة حافظتهم فيعرضون عن الدّأب، بل كان يرى أن ما وهبه اللَّه من قوة الحافظة نعمة يجب أن يستغلها حق الاستغلال، مؤديا حق اللَّه تعالى فيها، ولذلك كان دائبا على العلم، عاكفا على المطالعة، فلم تكن تراه إلا مدرّسا، أو دارسا، أو مصنّفا، حتى قال عنه أحمد بن محمد بن مردويه:«لم يكن له غذاء سوى التسميع والتصنيف» ، فاجتمعت لأبي نعيم الأسباب الرئيسية التي تحمل الإنسان إلى المراتب، وهي الذكاء، والدأب، واللذة بما يعمل، فقد وصل أبو نعيم فعلا إلى أعلى المراتب العلمية في عصرة، وأطلق عليه ابن كثير في (البداية والنهاية) لقب «الحافظ الكبير» ، فقال: أبو نعيم هو الحافظ الكبير ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة. وقال عنه ابن خلكان في (وفيات الأعيان) : كان أبو نعيم من أعلام المحدثين وأكابر الحفاظ الثقات. أما الحافظ الذهبي، فقد أطلق عليه «محدّث العصر» فقال: أبو نعيم الحافظ الكبير محدّث العصر

رحلت الحفاظ إلى بابه لعلمه وحفظ أسانيده. ويقول أحمد بن محمد بن مردويه: كان أبو نعيم في وقته مرحولا إليه، لم يكن في أفق من الآفاق أحد أحفظ منه ولا أسند منه، فإن حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، وكل يوم نوبة أحد منهم، يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذا قام أبو نعيم إلى داره، ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزءا، وكان لا يضجر. أما الخطيب البغدادي فإنه يقول: لم أر أحدا أطلق عليه اسم الحافظ غير أبي نعيم وأبي حازم العبدري.

ص: 368

_________

[ () ] ويذكر حمزة بن العباس العلويّ أنّ أصحاب الحديث قد قالوا: بقي أبو نعيم فترة طويلة من الزمن وهو لا نظير له أبدا، فقال: كان أصحاب الحديث يقولون: بقي الحافظ أبو نعيم أربع عشر سنة بلا نظير لا يوجد شرقا ولا غربا أعلى إسنادا منه، ولا أحفظ منه.

وهكذا نجد أن المحدثين جميعا قد اتفقوا على أن أبا نعيم كان محدث عصره، وأنه لم يكن له نظير في كثرة ما يحفظ، ولا في علو الإسناد، والإسناد العالي: هو الّذي قلّ عدد رجاله مع سلامتهم من الضعيف، وهو على خمسة أقسام:[1] قربه من الرسول صلى الله عليه وسلم، [2] قربه من إمام من أئمة الحديث، [3] العلو بالنسبة إلى رواية الصحيحين، أو أحدهما، أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمدة، [4] العلو المستفاد من تقدم وفاة الراويّ، [5] العلو المستفاد من تقدم السماع.

وحيازة محدث الأسانيد العالية، ميزة ترجحه على غيره من المحدثين، فالمحدثون يتحرون الأسانيد العالية، ويرحلون في طلبها، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه:«طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف» ، وذلك لأن العلوّ يبعد الإسناد عن الخلل، لأن كل رجل من رجال السند يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوا أو عمدا، ففي قلتهم قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل، ولهذا رجح الحافظ أبو نعيم على غيره من محدثي عصره، فهو يحدث بأسانيد عالية لم تجتمع لأحد غيره من محدثي عصره.

وقد أخذ أبو نعيم العلم من مسند أصبهان المعمّر أبي محمد بن فارس، وأبي أحمد العسّال، وأحمد بن محمد القصّار، وأبي بحر بن كوثر، وأبي القاسم الطبراني، وإبراهيم بن عبد اللَّه بن أبي العزائم الكوفي، وغيرهم كثير فأكثر وأجاد. قال الحافظ الذّهبي:«وتهيّأ له من لقيا الكبار ما لم يقع لحافظ» .

وقد أخذ العلم من أبي نعيم خلق كثير، منهم: الخطيب البغدادي، وأبو صالح المؤذن، وأبو بكر محمد ابن إبراهيم العطار، وغيرهم كثير، حتى قال علي بن المفضل الحافظ: قد جمع شيخنا السلفي أخبار أبي نعيم، فسمي نحوا من ثمانين نفسا حدثوا عنه.

ومما أخذه العلماء على أبي نعيم، أنه كان يخلط المسموع له بالمجاز، ولا يوضح أحدهما من الآخر، وأجاب الحافظ الذهبي عن هذه الدعوى وقال: ربما فعله نادرا. ومن هذه المآخذ: روايته الأحاديث الموضوعة دون التنبيه إليها في كثير من الأحيان، حتى قال في ميزان الاعتدال: هو عندي مقبول، لا أعلم له ذنبا أكبر من روايته الموضوعات ساكتا عنها، وهذه كبيرة من أبي نعيم لأن من كان مثله لا ينبغي له أن يروي شيئا من هذه الموضوعات دون التنبيه عليها، ولكن ذلك لا يقدح في عدالته وإمامته، ولعل أبا نعيم كان يكتفي بذكر السند عن التنبيه عليها.

وقد أحسن أبو نعيم التصنيف، ولهذا فقد عدّه ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوريّ، المتوفى سنة [643 هـ] في مقدمته واحدا من سبعة من الذين أحسنوا التأليف، وعظمت الاستفادة من مصنفاتهم، فقال:«سبعة من الحفاظ في ساقتهم أحسنوا التصنيف، وعظم الانتفاع بتصانيفهم في عصرنا، منهم أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني الحافظ» .

ومن أشهر مؤلفات أبي نعيم: [1] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، وقد طبع كتاب الحلية في عشر مجلدات، وقد حاز إعجاب العلماء في حسن تصنيفه، وغزارة مادته، فقال عنه ابن خلكان:«كتاب الحلية من أحسن الكتب» ، وقال عنه ابن كثير: «من كتب أبي نعيم الحلية، دلّ على رواية أبي نعيم،

ص: 369

كان الرسول متعجلا لما يفهم قيل لذلك التفهيم: وحي، وله مراتب ووجوه في القرآن:

- وحي إلى الرسول، وهو أن يخاطبه الملك شفاها ويلقي ذلك في روعه، وذلك قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ (1) ] يريد بذلك خطابا يلقي فهمه في قلبه حتى يعيه ويحفظه.

- وما عداه من غير خطاب، فإنما هو ابتداء إعلام وإلهام وتوقيف من غير كلام ولا خطاب كقوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ (2) ] ، وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [ (3) ] وما في معناهما.

[ () ] وكثرة مشايخة، وقوة اطلاعه في مخارج الحديث

» ، ويذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ، أن أبا نعيم لما صنف كتاب الحلية، حمل الكتاب إلى نيسابور، فاشتروه بأربعمائة دينار» .

[2]

كتاب دلائل النبوة، فقد ساق أبو نعيم في هذا الكتاب الأحاديث بإسناده، دون أن ينبه إلى صحتها أو عدم صحتها، ودون أن يتكلم على أحد من رجال هذه الأسانيد، ودون أن يشير إلى وجودها في شيء من كتب المحدثين الذين تقدموه، وقد حوى هذا الكتاب خمسة وثلاثين فصلا، تحدثت عن أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم، واشتهار أمره قبل مبعثه، وذكر الكتب السماوية له، وتحدثها عن صفاته، وما خصه اللَّه به، وغير ذلك، وقد طبع الكتاب في الهند بعد مرة، في جزء واحد، بدون تحقيق، ثم طبع في دار النفائس [بيروت- لبنان] بتحقيق كل من: الدكتور/ محمد روّاس والأستاذ عبد البر عباس.

وبعد أن امتدت حياة أبي نعيم أربعة وتسعين عاما، قضاها كلها، إلا الأعوام الأربعة الأولى منها، ما بين درس، ومدرسة، وتدريس، وفي يوم الاثنين الحادي والعشرين من محرم سنة ثلاثين وأربعمائة كما يذكر ابن خلكان، حمل النعي إلى العالم الإسلامي نبأ الفجيعة، نبأ وفاة أبي نعيم في أصفهان، فبكى الناس العالم المحقق، والزاهد العابد، والحافظ المحدّث، والمؤرخ المتبحر، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام خيرا.

(دلائل النبوة) : 1/ 5- 15، (الحلية) : 1/ المقدمة، (البداية والنهاية) : 12/ 56، (وفيات الأعيان) : 1/ 91- 92، ترجمة رقم (33)، (سير أعلام النبلاء) :

17/ 453- 464، ترجمة رقم (305)، (الكامل في التاريخ) : 10/ 119، 254، 11/ 349، (طبقات الحفاظ) : 423، ترجمة رقم (958)، (ميزان الاعتدال) : 1/ 111، ترجمة رقم (438)، (الوافي بالوفيات) : 7/ 81- 84، ترجمة رقم (3024)، (مرآة الجنان) : 3/ 52، (لسان الميزان) : 1/ 216، ترجمة رقم (638)، (شذرات الذهب) :

3/ 245، (المستفاد من ذيل تاريخ بغداد) : 19/ 49- 52، ترجمة رقم (35) .

[ (1) ] الشورى: 51.

[ (2) ] النحل: 68.

[ (3) ] القصص: 7.

ص: 370

وقال ابن سيده [ (1) ] في كتاب المخصص: النبي هو من نبّأت، أي أخبأت، لأنه إنباء عن اللَّه، وأنبئ، ومن زعم أن أصله غير الهمز فقد أخطأ، لأن سيبويه قال:

وليس أحد من العرب إلا وهو يقول: تنبأ مسيلمة، فلو كان من النبوة- كما ذهب إليه غير سيبويه لقالوا: تنبأ مسيلمة، وبعضهم يقول تنبّأ مسيلمة، كما أن سنة لما كانت من الهاء عند قوم ومن الواو عند آخريين، قالوا: سنهات وسنوات، وكذلك عضة، قالوا مرة عضاة ومرة عضوات، فكذلك النبي: لو كان من النبوة ومن النبأ لهمز مرة وترك همزة أخرى.

قال: وزعم سيبويه [ (2) ] أن بعض أهل الحجاز يهمزون النبي، وهي لغة رديئة،

[ (1) ] هو الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل، المعروف بابن سيدة المرسيّ، كان إماما في اللغة والعربية، حافظا لهما، وقد جمع في ذلك جموعا، من ذلك كتاب [المحكم] في اللغة، وهو كتاب كبير جامع، مشتمل على أنواع اللغة، وله كتاب [المخصص] في اللغة أيضا وهو كبير، وكتاب [الأنيق] في شرح الحماسة في ست مجلدات، وغير ذلك من المصنفات النافعة، وكان ضريرا، وأبوه ضريرا، وكان أبوه أيضا قيّما بعلم اللغة، وعليه اشتغل ولده في أول أمره، ثم على أبي العلاء صاعد البغدادي، وقرأ أيضا على أيضا على أبي عمر الطّلمنكيّ، قال الطلمنكي: ذهبت إلى مرسية، فتشبّث بي أهلها يسمعون عليّ [غريب المصنف لأبي عبيد]، فقلت لهم: انظروا لي من يقرأ لكم وأمسك أنا كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيدة، فقرأه عليّ من أوله إلى آخره، فتعجبت من حفظه، وكان له في الشعر حفظه وتصرف.

توفي بحضرة [دانية] عشية يوم الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وعمره ستون سنة أو نحوها. رأيت على ظهر مجلد من المحكم بحفظ بعض فضلاء الأندلس أن ابن سيدة المذكور كان يوم الجمعة قبل يوم الأحد المذكور صحيحا سويا إلى وقت صلاة المغرب، فدخل المتوضّأ فأخرج منه وقد سقط لسانه، وانقطع كلامه، فبقي على تلك الحال إلى العصر من يوم الأحد ثم توفي، رحمه الله. وقيل: سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، والأول أصح واشتهر. و [سيدة] : بكسر السين المهملة، وسكون الياء المثناة من تحتها، وفتح الدال المهملة، وبعدها ياء ساكنة. و [المرسيّ] :

بضم الميم وسكون الراء، هذه النسبة إلى مرسية، وهي مدينة في شرق الأندلس، و [الطّلمنكيّ] : بفتح الطاء المهملة واللام والميم وسكون النون وبعدها كاف، هذه النسبة إلى طلمنكة، وهي مدينة في غرب الأندلس، إلى الغرب من وادي الحجارة، وقال الحميري: بينها وبين وادي الحجارة عشرون ميلا.

(وفيات الأعيان) : 3/ 330- 331، ترجمة رقم (449)، (مرآة الجنان) : 1/ 83، (سير أعلام النبلاء) : 18/ 144- 146، ترجمة رقم (78)، (معجم مصنفي الكتب العربية) :

336، (كشف الظنون) : 1/ 691، 2/ 1616- 1617، (لسان الميزان) :

4/ 205- 206، (البداية والنهاية) : 12/ 116- 117.

[ (2) ] إمام النحو، حجة العرب، أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر، الفارسيّ، ثم البصريّ، وقد طلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية، فبرع وساد أهل العصر، وألّف فيها كتابه الكبير الّذي لا يدرك شأوه فيه. استملى على حمّاد بن سلمة، وأخذ النحو عن عيسى بن عمر، ويونس بن حبيب، والخليل، وأبي الخطاب الأخفش الكبير.

ص: 371

ولم يستردئ ذهابا منه إلى أن أصله غير الهمز، وإنما استردأها من حيث كثرة استعمال الجمهور من العرب لها من غير لها من غير همز.

قال أبو عبيد [ (1) ] : قال يونس: أهل مكة يخالفون غيرهم من العرب، يهمزون

[ () ] وقد جمع يحى البرمكي ببغداد بينه وبين الكسائي للمناظرة. بحضور سعيد الأخفش، والفرّاء، وجرت مسألة الزنبور، وهي كذب: أظنّ الزّنبور أشدّ لسعا من النحلة فإذا هو إياها، فقال سيبويه: ليس المثل كذا، بل: فإذا هو هي: وتشاجرا طويلا، وتعصبوا للكسائي دونه، ثم وصله يحيى بعشرة آلاف، فسار إلى بلاد فارس، وكان قد قصد الأمير طلحة بن طاهر الخزاعي. ومعنى [سيب] : تفاح، و [ويه] :

رائحة، [رائحة التفاح] .

وقيل: كان فيه مع فرط ذكائه حبسة في عبارته، وانطلاق في قلمه. قال إبراهيم الحربيّ: سمي سيبويه، لأن وجنتيه كانتا كالتفاحتين، بديع الحسن. قال أبو زيد الأنصاري: كان سيبويه يأتي مجلس، وله ذؤابتان، فإذا قال: حدثني من أثق به فإنما يعنيني. وقال العيشي: كنا نجلس مع سيبويه في المسجد، وكان شابا جميلا نظيفا، قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب بسهم في كل أدب، مع حداثة سنة.

عاش سيبويه اثنتين وثلاثين سنة، ومات بشيراز سنة ثمانين ومائة.

(تاريخ بغداد) : 12/ 195- 199، ترجمة رقم (6658)، (وفيات الأعيان) :

3/ 463- 465، ترجمة رقم (504)، (مرآة الجنان) : 1/ 445، (البداية والنهاية) :

10/ 189- 190، (مفتاح السعادة ومصباح السيادة) : 1/ 128- 130، (شذرات الذهب) : 1/ 252.

[ (1) ] هو الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون، أبو عبيد، القاسم بن سلّام بن عبد اللَّه، ولد سنة سبع وخمسين ومائة، وسمع إسماعيل بن جعفر، وشريك بن عبد اللَّه، وهشيما، وخلقا كثيرا، إلى أن ينزل إلى رفيقه هشام بن عمار، ونحوه، وقرأ القرآن على أبي الحسن الكسائي، وطائفة. وأخذ اللغة عن أبي عبيدة، وأبي زيد، وجماعة. وصنّف التصانيف المؤنقة، التي سارت بها الركبان، وهو من أئمة الاجتهاد، له كتاب [الأموال] في مجلد كبير، وكتاب [الغريب] ، وكتاب [فضائل القرآن] ، وكتاب [الطهور] ، وكتاب [الناسخ والمنسوخ] ، وكتاب [المواعظ] ، وكتاب [الغريب المصنف في علم اللسان] ، وغير ذلك، وله بضعة وعشرون كتابا.

حدّث عنه نصر بن داود، وعباس الدوري، وآخرون. كما قال عبد اللَّه بن جعفر بن درستويه النحويّ: وكان ذا فضل ودين وستر، ومذهب حسن، ثقة ديّنا، ورعا، كبير الشأن. وقال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد فاضلا في دينه وفي علمه، ربانيا، مفنّنا في أصناف علوم الإسلام من القرآن، والفقه، والعربية والأخبار، حسن الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحدا طعن في شيء من أمر دينه.

عن ابن معين قال: أبو عبيد ثقة، وقال أبو داود: أبو عبيد ثقة مأمون، وقال الدارقطنيّ: إمام جبل. قال البخاري وغيره: مات سنة أربع وعشرين ومائتين بمكة، قال الخطيب: وبلغني أنه بلغ سبعا وستين سنة.

(طبقات ابن سعد) : 7/ 355، (التاريخ الكبير) : 7/ 172، ترجمة رقم (778)، (التاريخ الصغير) : 2/ 350، (المعارف) : 549، (الجرح والتعديل) : 7/ 111، ترجمة رقم

ص: 372

النبي والبرية [ (1) ] ، وذلك قليل في الكلام.

وقال [يعني ابن سيده] في كتاب المحكم في مادة ن ب أ: والنبي المخبر عن اللَّه عز وجل مكية، قال سيبويه: الهمز فيه لغة رديئة، يعني لقلة استعمالها، لا لأن القياس يمنع من ذلك، ألا ترى إلى

قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد قيل له: يا نبئ اللَّه فقال: «لست بنبيء اللَّه ولكني نبيّ اللَّه» ،

وذلك أنه عليه السلام أنكر الهمز في اسمه، فرده على قائله لأنه لم يرد بما سماه، فأشفق أن يمسك على ذاك وفيه شيء يتعلق بالشرع، فيكون بالإمساك عنه مبيح محظور أو حاظر مباح، والجمع أنبياء ونبآء، وتنبأ الرجل: ادعى النبوة.

وقال في مادة ن ب و: والنبي العلم من أعلام الأرض التي يهتدى بها، قال بعضهم: ومنه اشتقاق النبي لأنه أرفع خلق اللَّه، وذلك لأنه يهتدى به.

وقال أبو نعيم: فالنبوة هي سفارة العبد بين اللَّه وبين ذوي الألباب من خليقته، ولهذا يوصف أبدا بالرسالة والبعثة.

وقيل: إن النبوة إزاحة علل ذوي الألباب فيما تقصر عقولهم عنه من مصالح الدارين، ولهذا يوصف دائما بالحجة والهداية ليزيح عللهم على سبيل الهداية و [السقيف][ (2) ] .

ومعنى النبي وذو النبأ والخبر أن يكون مخبرا عن اللَّه بما خصه به من الوحي-

[ () ](637)، (تاريخ بغداد) : 2/ 403- 416، ترجمة رقم (6868)،) (صفوة الصفوة) :

4/ 117، ترجمة رقم (693)، (الكامل في التاريخ) : 6/ 509، (تهذيب الأسماء واللغات) :

2/ 257، (وفيات الأعيان) : 4/ 60- 63، ترجمة رقم (534)، (تهذيب التهذيب) :

8/ 283- 285، ترجمة رقم (574)، (ميزان الاعتدال) : 3/ 371، ترجمة رقم (6807)، (مرآة الجنان) : 2/ 83- 86، (البداية والنهاية) : 10/ 319- 320، (المزهر في علوم اللغة وأنواعها) : 2/ 411- 412، (مفتاح السعادة ومصباح السيادة) : 2/ 306، (خلاصة تذهيب الكمال) : 2/ 343، ترجمة رقم (5778)، (طبقات الحفاظ) :

2/ 182- 183، ترجمة رقم (403)، (الأموال) : 5- 9 (المقدمة)، (الرسالة المستطرفة) : 35، (غريب الحديث) :(المقدمة)، (سير أعلام النبلاء) : 10/ 490- 509، ترجمة رقم (164) .

[ (1) ] النبيء، البريئة، وهي قراءة ورش، (رواية ورش عن الإمام نافع المدني) : للشيخ محمود الحصري.

[ (2) ] كذا في (خ) ولم أجد لها معنى فيما بين يدي من المعاجم اللغوية.

ص: 373

وقيل إنها مشتقة من النّبوة التي هي المكان المرتفع عن الأرض، وهو أن يخص بضرب من الرفعة، فجعل سفيرا بين اللَّه وبين خلقه، يعنى بذلك وصفه بالشرف والرفعة.

ومن جعل النبوة من الأنباء التي هي الأخبار، لم يفرق بين النبوة والرسالة، ومعنى الرسول: فهو المرسل، معول على لفظ مفعل، وإرساله أمره إياه بإبلاغ الرسالة والوحي.

قال كاتبه: والنبي أصله بالعبرانية نبي- بضم النون وكسر الباء الموحدة ثم ياء آخر الحروف لا همز عليها- فلما عرّبت قيل: نبي بفتح النون، وهذا يؤيد أن ترك الهمز أشهر وأعرف، وفوق كل ذي علم عليم.

تنبيه وإرشاد إلى معنى النبوة- واللَّه أعلم- وكيفية تلقي الأنبياء الوحي: اعلم أن اللَّه سبحانه اصطفى من البشر أشخاصا فضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته، وجعلهم وسائل بينه وبين عباده، يعرفونهم مصالحهم ويحرصون على هدايتهم، ويأخذون بحجزاتهم عن النار، ويدلونهم على طرق النجاة، وكان مما يلقيه اللَّه تعالى إليهم من المعارف، ويظهره على ألسنتهم من الخوارق، وقوع الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من اللَّه بوساطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم اللَّه إياهم،

قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني اللَّه» .

واعلم أن خبرهم في ذلك من خاصته وضرورته الصدق، كما يتبين لك عند بيان حقيقة النبوة، وعلامة هذا الصنف من البشر أن يوجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين، مع غطيط كأنها غشي أو إغماء وليست منها في شيء، إنما هي بالحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحانيّ بإدراكهم المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر كلية. ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما سماع دوي من الكلام فيتفهمه، أو يتمثل له في صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند اللَّه، ثم ينجلي عنه تلك الحال، وقد وعى ما ألقي عليه.

قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل [ (1) ] عن الوحي:

[ (1) ] السائل هو: الحارث بن هشام المخزومي، أخو أبي جهل شقيقه، أسلم يوم الفتح، وكان من فضلاء الصحابة، واستشهد في فتوح الشام.

ص: 374

«أحيانا [ (1) ] يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت

[ (1) ][أحيانا] : جمع حين، يطلق على كثير الوقت وقليله، والمراد به هنا مجرد الوقت، فكأنه قال: أوقاتا يأتيني، وانتصب على الظرفية، وعامله «يأتيني» مؤخر عنه. ولابن حجر من وجه آخر عن هشام في بدء الخلق قال: كل ذلك يأتي الملك، أي كل ذلك حالتان فذكرهما، وروى ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون، أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:«كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه عليّ كما يلقي الرجل على الرجل، فذاك ينفلت مني. ويأتيني في بيتي مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذاك الّذي لا ينفلت مني» وهذا مرسل مع ثقة رجاله، فإن صحّ فهو محمول على ما كان قبل نزول تعالى تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ [القيامة: 16] ، فإن الملك قد تمثل رجلا في صور كثيرة، ولم ينفلت منه ما أتاه به، كما في قصة مجيئه في صورة دحية، وفي صورة أعرابي، وغير ذلك، وكلها في الصحيح.

وأورد على ما اقتضاه الحديث- وهو أن الوحي منحصر في الحالتين- حالات أخرى: إما من صفة الوحي كمجيئه كدوي النحل، والنفث في الروع، والإلهام، والرؤيا الصالحة، والتكلم ليلة الإسراء بلا واسطة. وإما من صفة حامل الوحي كمجيئه في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح، ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض وقد سدّ الأفق. والجواب: منع الحصر في الحالتين المقدم ذكرهما وحملهما على الغالب، أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال، أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لندورهما، فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلا مرتين، أو لم يأته في تلك الحالة بوحي، أو أتاه به، فكان على مثل صلصلة الجرس، فإنه بيّن بها صفة الوحي، لا صفة حامله.

وأما فنون الوحي، فدوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس، لأن سماع الدويّ بالنسبة إلى الحاضرين- كما في حديث عمر- يسمع عنده كدوي النحل، والصلصلة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبّهه هو صلى الله عليه وسلم بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه.

وأما النفث في الروع: فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس، نفث حينئذ في روعه. وأما الإلهام فلم يقع السؤال عنه، لأن السؤال وقع عن صفة الوحي الّذي يأتي بحامل، وكذا التكليم ليلة الإسراء.

وأما الرؤيا الصالحة: فقال ابن بطال: لا ترد، لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس، لأن الرؤيا قد يشركه فيها غيره. والرؤيا الصادقة وإن كانت جزءا من النبوة، فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيا وليس كذلك، ويحتمل أن يكون السؤال قد وقع عما في اليقظة، أو يكون حال المنام لا يخفي على السائل، فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهور ذلك له صلى الله عليه وسلم في المنام أيضا على الوجهين المذكورين لا غير. وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعا- فذكرها- وغالبها من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذكر. وحديث «إن روح القدس نفث في روعي» ، أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة، وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود.

قوله: [مثل صلصلة الجرس]، في رواية مسلم: «في مثل صلصلة الجرس، والصلصلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة: في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين، وقيل: هو صوت متدارك لا يدرك في أول وهلة، والجرس: الجلجل الّذي يعلق في رءوس الدواب، واشتقاقه من الجرس بإسكان الراء وهو الحسّ.

ص: 375

_________

[ () ] وقال الكرماني: الجرس: ناقوس صغير أو سطل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير، فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فحصلت الصلصلة. فإن قيل: المحمود لا يشبّه بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، والمشبه الوحي وهو محمود، والمشبه به صوت الجرس وهو مذموم لصحة النهي عنه، والتّنفير من مرافقة ما هو معلق فيه، والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة، كما أخرجه مسلم، وأبو داود، وغيرهما، فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة؟.

والجواب: أنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه والمشبه به في الصفات كلها، بل ولا في أخصّ وصف له. بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، فالمقصود هنا بيان الجنس، فذكر ما ألف السامعون سماعه، تقريبا لأفهامهم. والحاصل أن الصوت له جهتان: جهة قوة وطنين، فمن حيث القوة وقع التشبيه به، ومن حيث الطرب وقع التنفير عنه، وعلل بكونه مزمار الشيطان. قيل: والصلصلة المذكورة صوت الملك بالوحي.

قال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد. وقيل: بل هو صوت خفيف أجنحة الملك. والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى فيه مكان لغيره.

ولما كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا؟ متدارك؟ وقع التشبيه دون غيره من الآلات.

قوله: [وهو أشدّ عليّ] ، يفهم منه أن لوحي كلّه شديد، ولكن هذه الصفة أشدها، وهو واضح، لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أن كل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، والحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل وسامع، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية وهو النوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية وهو النوع الثاني، والأول أشدّ بلا شك.

قوله: [فيفصم] بفتح أوله وسكون الفاء وكسر المهملة، أي يقلع ويتجلى ما يغشاني، ويروي بضم أوله، وفي رواية بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول، وأصل الفصم القطع، ومنه قوله تعالى:

لَا انْفِصامَ لَها [البقرة: 256]، وقيل: الفصم بالفاء القطع بلا إبانة، وبالقاف القطع بإبانة، فذكر بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العلة.

قوله: [وقد وعيت عنه ما قال] ، أي القول الّذي جاء به، وفيه إسناد الوحي إلى قول الملك، ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى- حكاية عمن قال من الكفار-: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: 25] لأنهم كانوا ينكرون الوحي، وينكرون مجيء الملك به.

قوله: [يتمثل لي الملك] ، التمثل مشتق من المثل، أي يتصور، واللام في الملك للعهد وهو جبريل، وقد وقع التصريح به في رواية ابن سعد، وفيه دليل على أن الملك يتشكل بشكل البشر. قال المتكلمون:

الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل أي شكل أرادوا، وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية.

و [رجلا] ، منصوب بالمصدرية، أي يتمثل مثل رجل، أو بالتمييز، أو بالحال، والتقدير هيئة الرجل. قال إمام الحرمين: تمثل جبريل معناه أن اللَّه أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بعد. وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء، وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى الجسد حيا، لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها اللَّه تعالى في بعض خلقه. ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. قال الحافظ

ص: 376

ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»

ويدركه أثناء ذلك

[ () ] في (الفتح) : وقال شيخنا شيخ الإسلام: ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصلي، إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا، فإنه بالنّفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب، والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. واللَّه أعلم.

قوله: [فيكلمني] ، كذا للأكثر، ووقع في رواية البيهقي من طريق القعنبي عن مالك «فيعلمني» بالعين بدل الكاف، والظاهر أنه تصحيف، فقد وقع في الموطأ رواية القعنبي بالكاف، وكذا للدارقطنيّ في حديث مالك من طريق القعنبي وغيره.

قوله: [فأعي ما يقول]، زاد أبو عوانه في صحيحه:«وهو أهونه عليّ» . وقد وقع التغاير في الحالتين، حيث قال في الأول:«وقد وعيت» بلفظ الماضي، وهنا:«فأعي» بلفظ الاستقبال، لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، وفي الثاني حصل المكالمة، أو أنه كان في الأول قد تلبس بالصفات الملكية فإذا عاد إلى حالته الجبلّية كان حافظا لما قيل له، فعبر عنه بالماضي، فإنه على حالته المعهودة.

قوله: [قالت عائشة] ، وحيث يريد التعليق يأتي بحرف العطف. وقد أخرجه الدار الدّارقطنيّ في حديث مالك من طريق عتيق بن يعقوب، عن مالك مفصولا عن الحديث الأول، وكذا فصلهما مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام، ونكتة هذا الاقتطاع هنا، اختلاف التحمل، لأنها في الأول أخبرت عن مسألة الحارث، وفي الثاني أخبرت عما شاهدت تأييدا للخبر الأول.

قوله: [ليتفصّد] بالفاء وتشديد المهملة، مأخوذ من الفصد، وهو قطع العرق لإسالة الدم، شبّه جبينه بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق. وفي قولها:«اليوم الشديد البرد» دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي، لما فيه من مخالفة العادة، وهو كثرة العرق في شدة البرد، فإنه يشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشرية.

قوله: [عرقا] ، بالنصب على التمييز، زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في الدلائل:«وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فيضرب حزامها من ثقل ما يوحى إليه» . حكى العسكري في (التصحيف) عن بعض شيوخه أنه قرأ: «ليتقدّد» بالقاف، ثم قال العسكري: إن ثبت فهو من قولهم: تقصّد الشيء إذا تكسر وانقطع، ولا يخفى بعده.

وفي حديث الباب من الفوائد: أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين، وجواز السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي وغيره، وأن المسئول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضي التفصيل. واللَّه أعلم (فتح الباري) : 1/ 23- 28، كتاب بدء الوحي باب (3) حديث رقم (2)، (ابن سعد في طبقاته) : 1/ 198، (تحفة الأحوذي) : 10/ 78- 79، أبواب المناقب، باب (34) كيف كان ينزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (3877)، (دلائل النبوة لأبي نعيم) : 223 باب وأما كيفية إلقاء الوحي إلي النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (171) .

ص: 377

من الشدة [ (1) ] والغط ما لا يعبر عنه، ففي الحديث: كان مما يعالج من التنزيل شدة [ (1) ]، وقالت عائشة رضي الله عنها:«فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد [البرد] [ (2) ] فيفصم عنه وإن جبينه ليفصد عرقا» وقال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [ (3) ] ولأجل هذه الحالة في تنزيل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون ويقولون: له رئي أو تابع من الجن، وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الحال وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [ (4) ] .

ومن علاماتهم أيضا أنهم يوجد لهم قبل الوحي خلق الخير والزكاة ومجانبة المذمومات والرجس أجمع، وهذا هو معنى العصمة، وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات والمنافرة لها، وكأنها منافية لجبلته [ (5) ] ، واعتبر بسقوط إزار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم [حين] انكشف كيف خرّ مغشيا عليه [ (6) ] ، وبقصده وليمة العرس كيف غشيه النوم ليله كله ولم يحضر شيئا من شأنهم [ (7) ] ، بل نزّهه اللَّه عن ذلك بجبلته [ (1) ] حتى أنه عليه السلام ليتنزه عن المطعومات المستكرهة، فلم يقرب البصل ولا الثوم، فلما قيل له في ذلك

قال: إني أناجي من لا تناجي [ (8) ] ،

وانظر

لما أخبر.....

[ (1) ] قال بعضهم: وإنما كان شديدا عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع، وقيل: إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد، وهذا فيه نظر، والظاهر أنه لا يختص بالقرآن، وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى والدرجات. (فتح الباري) : 1/ 27.

[ (2) ] تكملة من (البخاري) .

[ (3) ] المزمل: 5.

[ (4) ] الرعد: 33.، الزمر: 23.، الزمر:36.، غافر: 33.

[ (5) ] جبل اللَّه الخلق يجبلهم ويجبلهم: خلقهم. وجبله على الشيء: طبعه. وجبل الإنسان على هذا الأمر أي طبع عليه، وجبلة الشيء: طبيعته وأصله وما بني عليه. قال تعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً، خلقا كثيرا، وقوله تعالى: وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ، الخلقة الأولين. آية 62/ يس، آية 184/ الشعراء، على الترتيب. (لسان العرب) : 11/ 98- 99.

[ (6) ] سبق ذكره وتخريجه، حيث أورده أبو نعيم في (دلائل النبوة)، باب:«ومما عظّم به صلى الله عليه وسلم وحرس منه أن لا يتعرى كفعل قومه وأهله، وإذا حفظ من التعري، فما فوقه أولى أن يعصم منه وينهى عنه» .

[ (7) ] سبق ذكره وتخريجه، حيث أورده أبو نعيم في (دلائل النبوة)، باب:«ذكر ما خصه اللَّه عز وجل به من العصمة، وحماه من التدين بدين الجاهلية، وحراسته إياه عن مكائد الجن والإنس، واحتيالهم عليه صلى الله عليه وسلم» .

[ (8) ]

أخرجه البخاري في كتاب (الأذان)، باب: ما جاء في الثوم النّيّء والبصل، والكرّاث، حديث رقم (855)، قوله:«كل فإنّي أناجي من لا تناجي» ،

أي الملائكة:

(فتح الباري) :

ص: 378

[رسول][ (1) ] اللَّه صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها بحال الوحي أول ما فجئه وأرادت اختباره فقالت له: اجعلني بينك وبين ثوبك، فلما فعل ذلك ذهب عنه!! فقالت:

إنه ملك وليس بشيطان [ (2) ] ، ومعناه أنه لا يقرب النساء، وكذلك سألته عن أحب الثياب إليه أن يأتيه فيها، فقال: البياض والخضرة، فقالت إنه الملك،

بمعنى أن الخضرة والبياض من ألوان الخير والملائكة، والسواد من ألوان الشرّ والشياطين وأمثال ذلك.

ومن علاماتهم أيضا دعواهم الخلق إلى الدين والعبادة من الصلاة والصدقة والعفاف، وقد استدلت خديجة رضي اللَّه [عنها][ (1) ] على صدقه صلى الله عليه وسلم بذلك، وكذلك أبو بكر رضي الله عنه، فلم يحتاجا- رضي الله عنهما في أمره عليه السلام إلى دليل خارج عن حاله وخلقه، وكذا هرقل لما جاءه كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام سأل عن حاله، وكان فيما قال: فبم يأمركم؟ فقال أبو سفيان: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف، فأجابه عن ذلك، فقال: إن يكن ما يقول حقا إنه نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين [ (3) ] ، والعفاف الّذي أشار إليه هرقل هو العصمة، فانظر كيف أخذ من العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلا على صحة النبوة، ولم يحتج إلى معجزة، فدل على أنّ ذلك من علامات النبوة.

ومن علاماتهم أيضا أن يكونوا ذوى حسب في قومهم، كما

قال صلى الله عليه وسلم: «ما بعث اللَّه نبيا في منعه [ (4) ] من قومه» ، وفي رواية للحاكم: في ثروة من قومه.

[ () ] 2/ 435، وابن حبان في صحيحه، كتاب (الصلاة)، باب: المساجد، فصل ذكر الزجر عن إتيان المساجد لأكل الثوم والبصل والكراث إلى أن تذهب رائحتها، حديث رقم (1644) ، عن جابر بن عبد اللَّه، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:«من أكل من هذه البقلة: الثوم والبصل والكراث، فلا يغشنا في مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس» ، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) : 4/ 250.

[ (1) ] زيادة للسياق.

[ (2) ] سيأتي تخريجه إن شاء اللَّه تعالى في فصل «ذكر مجيء الملك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برسالات ربه تعالى» .

[ (3) ] سيأتي تخريجه إن شاء اللَّه تعالى عند شرح مكاتيب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك.

[ (4) ] منع: منعه يمنعه- بفتح نونهما- ضد أعطاه، كمنعه فهو مانع ومنّاع ومنوع: جمع الأول منعه محرّكة، وهو في عزّ ومنعة- محرّكة ويسكّن- أي معه من يمنعه من عشيرته. (ترتيب القاموس) :

4/ 287.

ص: 379

وكذا قال هرقل في مساءلته أبا سفيان: كيف هو فيكم؟ فقال أبو سفيان:

هو فينا ذو حسب، قال هرقل: والرسل تبعث في أحساب قومها، ومعناه أن تكون له عصبية وشوكة تمنعه من أذى الكفار حتى يبلغ رسالات ربه، ويتم مراد اللَّه من إكمال دينه وملته.

ومن علاماته أيضا وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم، وهي أفعال تعجز البشر عن مثلها، فسميت لذلك معجزة وليست من جنس مقدور العباد، وإنما تقع في غير محل قدرتهم، وللناس في كيفية وقوعها ودلالتها على تصديق الأنبياء خلاف ليس هذا موضع إيراده.

وأما حقيقة النبوة: فاعلم أنّا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات، واتصال الأكوان بالأكوان، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض، لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غاياته، وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجسماني، وأولا: عالم العناصر المشاهد كيف تدرج صاعدا من الأرض إلى الماء، ثم إلى الهواء، ثم إلى النار متصلا بعضها ببعض، وكل واحد منها مستعد أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا أو هابطا، ويستحيل بعض الأوقات، والصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهي ألطف من الكل، وعلى طبقات اتصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط، وما يهتدي بها بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها، وما بعد ذلك من وجود الذات التي لها هذه الآثار فيها. ثم انظر إلى عالم التكوين، كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج [إلى][ (1) ] آخر أفق المعادن، متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له، وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم، متصل بأول أفق الحيوان كالحلزون والصدف، ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط، ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق من الّذي بعده، واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وانتهى في تدرج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر، والرؤية ترتفع إليه

[ (1) ] زيادة للسياق.

ص: 380

من عالم [القدرة][ (1) ] الّذي استجمع فيه الكيس والإدراك، ولم ينته إلى الرؤية والفكر بالفعل، وكان ذلك في أول أفق من الإنسان بعده، وهذا غاية شهودنا.

ثم أنا نجد في العوالم على اختلافها آثارا متنوعة، ففي عالم الحس آثار من حركة الأفلاك والعناصر، وفي عالم التكوين آثار من حركات النمو والإدراك تشهد كلها بأن لها مؤثرا مباينا للأجسام، فهو روحاني متصل بالمكونات، لوجود اتصال هذه العوالم في وجودها، وذلك هو النفس المدركة والمحركة، ولا بد فوقها من موجود آخر يعطيها قوى الإدراك والحركة، ويتصل بها أيضا وتكون [ذواته][ (2) ] إدراكا صرفا، وتعقلا محضا، وهو عالم الملائكة، فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملائكية، لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات، وفي لمحة من اللمحات، وذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل- كما نذكره بعد [ذلك][ (3) ] إن شاء اللَّه- ويكون لها اتصال بالأفق الّذي بعدها، شأن الموجودات المترتبة كما قدمناه، فلها في الاتصال جهة العلو والسفل، فهي متصلة بالبدن من أسفل منها، ومكتسبة به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على التعقل بالفعل، ومتصلة من جهة الأعلى منها بأفق الملائكية، ومكتسبة منه المدارك العلية والغيبية، فإن علم الحوادث موجود في ذواتهم من غير زمان، وهذا على ما قدّمناه من الترتيب المحكم في الوجود باتصال ذواته وقواه بعضها ببعض.

ثم إن هذه النفس الإنسانية غائبة من العيان، وآثارها ظاهرة في البدن، وكأنه وجميع أجزائه مجتمعة ومتفرقة آلات للنفس ولقواها، أما الفاعلة: فالبطش باليد، والمشي بالرجل، والكلام باللسان، والحركة الكلية بالبدن متدافعا، وأما المدركة وإن كانت قوى الإدراك مترتبة ومرتقبة إلى القوة العليا منها وهي المعركة التي يعبرون عنها بالناطقة، فقوى الحس الظاهر بآلاته من البصر والسمع وسائرها ترتقي إلى الباطن، وأوله الحسن المشترك، وهو قوة تدرك المحسوسات، مبصرة، ومسمعة، وملموسة، وغيرها في حالة واحدة، وبذلك فارقت قوة الحس الظاهر، لأن

[ (1) ] في (خ) : «القردة» .

[ (2) ] في (خ) : «ذواية» .

[ (3) ] زيادة للسياق.

ص: 381

المحسوسات لا يزدحم عليها في الوقت الواحد، ثم يؤديه الحس المشترك إلى الخيال، وهو قوة تمثل الشيء المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد الخارجة فقط، وآلة هاتين القوتين في تصرفهما: البطن الأول من الدماغ مقدمه للأولى ومؤخره للثانية، ثم يرتقي الخيال إلى الوهمية والحافظة، فالوهمية لإدراك المعاني المتعلقة بالشخصيات، كعداوة زيد، وصداقة عمرو، ورحمة الأب، وافتراس الذئب، والحافظة لإيداع المدركات كلها متخلية، وهي لها كالخزانة تحفظها إلى وقت الحاجة إليها، وآلة هاتين القوتين في تصرفهما: البطن المؤخر من الدماغ أوله للأولى ومؤخره للأخرى ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر وآلته البطن الأوسط من الدماغ، وهو القوة التي تقع بها حركة الرؤية والتوجه نحو التعقل، فتحرك النفس بها دائما بما ركب فيها من النزوع إلى ذلك لتخلص من درك القوة والاستعداد الّذي للبشرية، وتخرج إلى الفعل في خلقها متشبهة بالملإ الأعلى الروحانيّ، وتعتبر في أول مراتب الروحانيات في إداركها بغير الآلات الجسمانية، فهي متحركة دائما ومتوجهة نحو ذلك، وقد تنسلخ بالكلية من البشرية وروحانيتها إلى الملائكية من الأفق الأعلى من غير اكتساب بما جعل اللَّه تعالى فيها من الجبلة والفطرة الأولى في ذلك.

واعلم أن النفوس البشرية في ذلك على ثلاثة أصناف: صنف عاجز بالطبع عن الوصول إلى الإدراك الروحانيّ، فيقنع بالحركة السفلى نحو المدارك الحسية والخيالية، وتركيب المعاني من الحافظة والوهمية على قوانين محصورة وترتيب خاص، يستفيدون به العلوم التصورية والتصديقية التي للفكر في البدن، وكلّها خيالي منحصر نطاقه، إذ هو من جهة مبدئية ينتهى إلى الأوليات ولا يتجاوزها، وإن فسدت فسد ما بعدها، وهذا هو [أغلب][ (1) ] نطاق الإدراك البشري الجسماني، وإليه ينتهي مدارك العلماء،؟ وفيه؟ ترسخ أقدامهم.

وصنف متوجه بتلك الحركة الفكرية نحو التعقل الروحانيّ والإدراك الّذي لا يفتقر إلى آلات البدن بما جعل فيه من الاستعداد لذلك، فيتّسع نطاق إدراكه عن الأوليات التي هي نطاق الإدراك الأول البشري، ويسرح في فضاء المشاهدات

[ (1) ] في (خ) : «الأغلب» .

ص: 382

الباطنة، وهي وجدان كلها، لا نطاق لها من مبدئها ولا من منتهاها، وهذه مدارك الأولياء، أهل العلوم اللدنية والمعارف الربانية، وهي الحاصلة بعد الموت لأهل السعادة.

وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة: جسمانيها وروحانيها إلى الملائكية من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل، ويحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم، وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي في تلك اللمحة، وهو لأهم الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، جعل اللَّه لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة وهي حالة الوحي، فطرة فطرهم اللَّه عليها، وجبلة صورهم فيها، ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشرية بما ركب في غرائزهم من العصمة والاستقامة التي يحادون بها تلك الوجهة، وركز في طبائعهم رغبة في العبادة تكتنف بتلك الوجهة، وتشيع نحوها، فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق بذلك النوع من الانسلاخ متى شاءوا بتلك الفطرة التي فطروها عليها، لا باكتساب ولا صناعة، فإذا توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم، وتلقوا في ذلك الملأ الأعلى ما يتلقونه على جوابه على المدارك البشرية، متنزلا في قواها لحكمة التبليغ للعباد، فتارة بسماع دويّ كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الّذي ألقى إليه، فلا ينقضي الدويّ إلا وقد وعاه وفهمه.

وتارة يتمثل له الملك الّذي يلقى إليه رجلا يكلمه ويلقى ما يقوله، والتلقي من الملك والرجوع على المدارك البشرية وفهمه ما ألقي عليه كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر، لأنه ليس في زمان بل كلها تقع جميعا، فتظهر كأنها سريعة، ولذلك سميت وحيا، لأن الوحي في اللغة الإسراع.

واعلم أن الأولى وهي حالة الدوي رتبة الأنبياء غير المرسلين على ما حققوه، والثانية وهي حالة يتمثل الملك رجلا يخاطب [و][ (1) ] هي رتبة الأنبياء المرسلين، ولذلك كانت أكمل من الأولى، وهذا معنى الحديث الّذي فسر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي لما

سأله الحارث بن هشام وقال: كيف يأتيك الوحي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أحيانا

[ (1) ] زيادة للسياق.

ص: 383

يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قاله، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقوله [ (1) ] ،

وإنما كانت الأولى أشد لأنها مبدأ الخروج في ذلك الاتصال من القوة إلى الفعل، فيعسر بعض العسر، ولذلك لما عاج [ (2) ] فيها على المدارك البشرية اختصت بالسمع وصعب ما سواه، وعند ما يتكرر الوحي ويكثر التلقي يسهل ذلك الاتصال، فعند ما يعرج على المدارك البشرية يأتي على جميعها، وخصوصا الأوضح منها، وهو إدراك البصر، وفي العبارة عن الوعي في الأولى بصيغة الماضي وفي الثانية بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة، وهي أن الكلام جاء مجيء التمثيل لحالتي الوحي، فتمثلت الحالة الأولى بالدويّ الّذي هو المتعارف [ (3) ] غير كلام وإخبار، أن الفهم والوعي يتبعه عقب [ (4) ] انقضائه، فناسب عند تصوير انقضائه وانفصاله العبارة عن الوعي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع، ويمثل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطب ويتكلم، والكلام يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضى للتجدد.

واعلم أن في حالتي الوحي كلها على الجملة صعوبة وشدة، قد أشار إليها القرآن الكريم، قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [ (5) ] وقالت عائشة رضي الله عنها: كان مما يعاني من التنزيل شدة، وقالت: كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا، ولذلك ما كان يحدث فيه تلك الحالة من الغيبة والغطط ما هو معروف.

وشبيه ذلك أن الوحي كما قررناه مفارقة البشرية إلى المدارك الملائكية، وتلقي كلام النفس، فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها، وانسلاخها من أفقها إلى ذلك الأفق الآخر، وهذا معنى الغط الّذي عبّر به في مبدإ الوحي في قوله: فغطني حتى بلغ من الجهد ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ [ (6) ] .

[ (1) ] سبق شرحه.

[ (2) ] طريق عاج: ممتلئ (ترتيب القاموس) ج 3 ص 158.

[ (3) ] في (خ)«المتعاف» .

[ (4) ] في (خ)«عب» .

[ (5) ] آية: 5/ المزمل.

[ (6) ] آية: 1/ العلق.

ص: 384

وقد يقضي الاعتبار فيه بالتدريج شيئا فشيئا إلى بعض السهولة بالقياس إلى ما قبله، وكذلك كانت تنزل نجوم القرآن [ (1) ] ، وسوره وآياته حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة، وانظر إلى ما قيل في نزول سورة براءة [ (2) ] في غزوة تبوك، وأنها أنزلت أو أكثرها على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو يسير على ناقته بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من القصار المفصل [ (3) ] في وقت، وينزل عليه الباقي في حين آخر، وكذلك كان من آخر ما نزل عليه بالمدينة آية الدين [ (4) ] ، وهي ما هي بالطول، بعد أن كانت الآيات تنزل بمكة مثل آيات سورة الرحمن، والذاريات، والمدثر، والضحى، والعلق، وأمثالها، واعتبر من ذلك علامة تميزها بين المكيّ والمدني من السور والآيات، واللَّه المرشد إلى الصواب. هذا ما تحصل من أمر النبوة.

[ (1) ] واعلم أن القرآن نزل ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، في مكان يقال له: بيت العزة، على هذا الترتيب الّذي نقرؤه، فإنه توقيفي، ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، على حسب الوقائع لقوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [آية 33/ الفرقان] ، لكن لا على هذا الترتيب، فإنه نزل عليه ثلاث وثمانون سورة بمكة، أي قبل الهجرة، ثم بالمدينة أحد وثلاثين على التحقيق.

فأول ما نزل بمكة اقْرَأْ، وآخر ما نزل بها، قيل: العنكبوت، وقيل: المؤمنون، وقيل:

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. وأول سورة نزلت بالمدينة: البقرة، وآخر سورة نزلت بها: المائدة. وهناك بعض سور اختلف بها، منها الفاتحة، ويمكن تكرار نزولها.

وأما أول آية نزلت على الإطلاق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، وآخر آية على الإطلاق وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الآية 281 البقرة] . (حاشية العلامة الصاوي على الجلالين) : 1/ 4.

[ (2) ] براءة: من أسماء سورة التوبة، وهي السورة رقم [9] في المصحف، وعدد آياتها [129] آية:

نزلت بعد سورة المائدة، وهي من القرآن المدني، إلا الآيتين الأخيرتين فمكيتان.

[ (3) ] سور المفصل: من أول سورة الحجرات حتى آخر القرآن الكريم.

[ (4) ] هي الآية رقم 282/ البقرة وهي أطول آية في القرآن الكريم، أولها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.

ص: 385