الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
//الجزء الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة
استلهت وبرقوق محاصر دمشق والعسكر المصري متوجه صحبة منطاش ومعه السلطان المنصور والخليفة والقضاة إلى دمشق، وكان وصول العسكر المصري إلى غزة في ثاني المحرم، وفي السادس منه أمر نائب الغيبة صراي تمر أن تؤخذ خيول الناس من الربيع فتجهز إلى منطاش فأخذ شيء كثير وجهز، وفي الثامن منه نودي بزينة القاهرة ومصر، ووصل في الصورة الظاهرة بريدي معه كتب تتضمن أن برقوق هرب، وفي هذا الشهر بلغ النائب أن جماعة من المماليك الظاهرية أرادوا القيام عليه فكبس عليهم بالبرقية فأمسك منهم جماعة ثم تتبع المماليك الظاهرية وألزم الوالي التنقيب عليهم فبالغ في ذلك، وأفرط إلى أن كان ذلك أعظم الأسباب وانحراف الظاهر عنه وغضبه عليه بعد ذلك، وكان قد كبس على أخت الظاهر وأخذ ولدها منها فحبسه بالقلعة وأخرجها بين العامة إلى باب زويلة إلى أن وقعت فيها الشفاعة وفي حادي عشر المحرم وصل العسكر المنصوري إلى وادي شقحب فرجع إليهم برقوق من دمشق فالتقوا فحمل منطاش على ميسرة الظاهر فهزمها وحمل بعض أصحابه على الميمنة فهزمها أيضاً واشتغل الجهتان ومن تبعهما باتباع المنهزمين فخلا القلب من مقاتل فحمل برقوق ومن معه على من بقي فانهزموا فاحتوى على الخليفة والسلطان والقضاة وجميع أهل الدولة ونهب من معه جميع الأثقال واحتوى على الخزائن كلها،
وأما منطاش وأصحابه فلججوا في اتباع المنهزمين إلى أن ظفروا بمن ظفروا به منهم وفاتهم من فاتهم واستمر كمشبغا وكان فيمن انهزم ومعه جمع كثير إلى أن وصل إلى حلب فبادر وملك القلعة ولما رجع العسكر المصري إلى معسكرهم وجدوا برقوق قد احتوى عليه فتناوشوا القتال أيضاً فعمد برقوق فأقام جاليش منطاش وجمع الذين احتوى عليهم تحته فصار كل من يأتي من العسكر يظن أن منطاش هناك تحت العصائب فأما أن يوافق فيسلم وأما أن يخالف فيقتل، فلما وصل منطاش ورأى صورة الحال ناوشهم القتال نهاره أجمع، فلما دخل الليل أقبل أكثر من معه إلى الظاهر فرجع منطاش إلى جهة دمشق وأقام الظاهر بشقحب أياماً فعدمت الأقوات حتى بيعت البقسماطة بخمسة دراهم ورخصت الأمتعة من كثرة ما نهب حتى بيع الفرس بعشرين درهماً، فلما رأى الظاهر ذلك رحل إلى جهة مصر بعد أن خلع المنصور نفسه من السلطنة باختياره، وأشهد عليه الخليفة والقضاة وأكثر من حضر من الأمراء وبايعوا الجميع برقوق وأقر لقبه الظاهر على ما كان عليه، وتردد في التوجه إلى دمشق ومحاصرة منطاش بها أو الرجوع إلى مصر، ثم اتفق رأيه ومن معه على التوجه إلى مصر، فاستناب في صفد فخر الدين إياس، وفي الكرك قديداً، وفي غزة آقبغا الصغير، وكان منصور الحاجب بها قد قبض على نائبها حسين بن باكيش، وجهزه إلى الظاهر فعذبه قبل أن يتوجه، ثم وصل إلى غزة في أواخر المحرم راجعاً، وأرسل في مستهل صفر إلى نائب قطية أن يحفظ الطرقات، وكان اسمه علاء الدين بن البشلاقي، فامتثل الأمر وأرسل من الفور إلى القاهرة قاصداً بكتاب يخبر فيه بما اتفق للظاهر من النصر، فصادف وصول قاصده نصرة مماليك الظاهر المسجونين على أصحاب منطاش
وغلبهم على القلعة وجميع المملكة، فكان ذلك يعدّ من عجائب الاتفاق، حتى لو كانوا على ميعاد ما وقعت هذه الموافقة، وكان السبب في نصرة مماليك السلطان الظاهر أن منطاش أودع منهم السجون جملة كثيرة، وكان الكثير منهم في السجن بالقلعة، فضاق عليهم الأمر واشتد بهم الخطب، فتحيلوا إلى أن فتحوا باباً مسدوداً وجدوه في سرداب عندهم، فخرجوا منه بغتة على نائب الغيبة، فهرب منهم، فنهبوا بيته واحتلوا خيله وقماشه، وكان كبيرهم يقال له: بُطا، فبلغ ذلك نائب القلعة فقاتلهم، ثم عجز فهرب، فاجتمع صريتمر وقطلوبغا الحاجب وبقية المماليك فصعدوا إلى مدرسة حسن، وبادر بطا فأخرج سودون النائب من الحبس فرتبه في القلعة، وتسامع مماليك الظاهر فتكاثروا عند بطا وتناوشوا القتال مع المنطاشية، وساعدهم عليهم العامة حتى هزموهم، وكان العوام قد قاموا مع منطاش على الناصري إلى أن غلب كما تقدم، لكن ظهر بعد ذلك منه هوج وسوء تدبير وعدم معرفة، فرجعوا عنه وأحبوا عود دولة برقوق فساعدوا أصحابه، وكان ذلك كله في أوائل صفر، وكان ابتداء ذلك في ليلة الثاني منه وانتهاء ذلك في رابع صفر.
وقرأت بخط القاضي تقي الدين الزبيري فيما أجازنيه: أن المحبوسين كانوا في خزانة الخاص القديمة المجاورة لباب القصر ووكل بهم جماعة يحرسونهم بالنوبة وبالغوا في التضييق عليهم، فلما كان في أواخر المحرم وهم يستغيثون من الحر والضيق ويتوقعون القتل كل وقت وأشاعوا أنهم عزموا على أن يرموا عليهم خبزاً ويمنعوهم الماء ليهلكوا أجمعين بذلك، فاتفق أن واحداً منهم جلس في مكان، فعبث ببلاطة تحته فقلعها فأزالها فأحس بهواء فأراد ما تحتها واستعان ببعض رفقته فوجدوا سراب الحمام، فمشوا فيه إلى أن انتهوا إلى باب من أبواب الاصطبل، فاتفق أنهم وجدوه مفتوحاً كان البواب نسي أن يغلقه، فأخذ كل منهم قيده في
يده وصاحوا صيحة واحدة في وسط الاصطبل بالدعاء للأمير تكا فظن صراي تمر أن تكا خامر وأراد القبض عليه فرمى بنفسه من السور وتبعه أتباعه فطلع المماليك إلى أماكنهم من الاصطبل فانتهبوها ولبسوا الأسلحة وركبوا الخيول وقدموا كبيرهم بطا وكان ما كان، فجهز بطا عنان بن مغامس صاحب مكة - وكان مسجوناً معه - إلى الظاهر يعلمه بما اتفق فالتقاه في الطريق فرد معه آقبغا أخا بطا، فوصلا إلى القاهرة في ثامن صفر فنادوا للعامة بالأمان وتزيين البلد وتجهيز الإقامات، وشكر السلطان لعنان هذه البشارة، فشركه مع عجلان في إمرة مكة، وكان ذلك في أوائل شهر ربيع الآخر بعد أن استقر برقوق بالقاهرة، وسار عنان إلى مكة في ثاني عشرين ربيع الآخر بعد أن استخدم عدة من الترك.
وفي عاشر صفر قبض بطا على حسين بن الكوراني، وصودر فوصل كتاب السلطان في ثاني عشر صفر على حسين بعمل شيء من الأمور السلطانية فأفرج عنه بطا وخلع عليه وأعاده للولاية وقال له: حصل لنا المنطاشية كما كنت تصنع معنا إلى أن يرد أمر السلطان بما يرد، ثم قبض عليه بعد ذلك، ودخل الظاهر بالعسكر يوم الثلاثاء رابع عشر صفر إلى القلعة على طريق الصحراء، وتلقاه الناس للسلام والفرجة على سائر طبقاتهم وكان يوماً مشهوداً، وأركب الملك المنصور المخلوع بجانبه والخليفة أمامه والقضاة قدامه وباقي الأمراء إلى أن جلس على تخت الملك وجددت له البيعة بالإصطبل وأدخل المنصور إلى بيته بالحوش عند أهله وأقاربه.
وفي صبيحة هذا اليوم استقر كريم الدين بن عبد العزيز - الذي تزوجت أنا ابنته بعد
هذا بست سنين - في نظر الجيش نقلاً من صحابة الديوان عوضاً عن جمال الدين الذي كان محتسباً، لأنه كان تقدم مع منطاش إلى دمشق فلم يستطع العود، واستقر موفق الدين أبو الفرج في الوزارة والخاص واستقر فخر الدين بن مكانس في نظر الدولة ثم أمسك وصودر ثم ضرب فأخذ وأهين، ثم أفرد الخاص لسعد الدين بن تاج الدين موسى كاتب السعدي عن قرب وأفردت الوزارة لموفق الدين ثم قبض عليه في ربيع الآخر. واستقر في الوزارة سعد الدين بن البقري زوج ابنة موفق الدين، واستقر محمود الاستادار مشيراً عليهما، واستقر قرقماس استاداراً كبيراً إلى أن مات في جمادى الأولى فأعيد محمود إلى الاستادارية، واستقر حسين بن علي الكوارني في ولاية القاهرة على عادته، ثم قبض عليه عن قرب في سادس عشرين صفر - وسلم لمشد الدواوين محمد بن آقبغا آص فعاقبه وشدد عليه العذاب - واستقر بطا دويداراً كبيراً وسودون الشيخوني في النيابة على عادته واينال اليوسفي اتابك العساكر لانقطاع أيتمش بقلعة دمشق مسجوناً وكان الظاهر لما غلب على العسكر - المنطاشي وتوجه إلى القاهرة دخل منطاش إلى دمشق فأقام بها يعزل ويولي ويصادر وكان قاضي الشافعية حينئذ شهاب الدين ابن القرشي وكان الناصري ولاه فاستمر وكان قبل دخول منطاش قام في صد برقوق عن دخول دمشق وصار يلبس آلة الحرب ويصعد الأسوار ويحفظها بالرجال والآلات ويطلق لسانه في برقوق وبرقوق يسمع، فلما رجع منطاش إلى دمشق من وقعة شقحب عزله وولى شهاب الدين الزهري وحبس القرشي وضيق على جمال الدين ناظر الجيش على بدر الدين كاتب السر وكانا رجعا من شقحب مقهورين وسجن جماعة من الأمراء ممن أسر في الوقعة منهم ايتمش، واستقر الطباطبي في نقابة الأشراف والنظر عليهم عوضاً عن الشريف شرف الدين ابن قاضي العسكر
واستقر علاء الدين على الكركي في كتابة السر عوضاً عن بدر الدين ابن فضل الله لانقطاعه أيضاً بدمشق واستقر أبو عبد الله الركراكي في قضاء المالكية عوضاً عن بهرام، لأن الظاهر شكر له ما اتفق عليه بسبب امتناعه من الكتابة في الفتوى المرتبة عليه، وكان قد سجن إلى أن خلص مع بطا واستقر نجم الدين الطنبدي في الحسبة بالقاهرة عوضاً عن سراج الدين القيسري، واستقر نور الدين علي بن عبد الوارث في الحسبة بمصر عوضاً عن همام الدين.
وفي تاسع عشرين صفر جلس السلطان ليحكم على عادته بالإصطبل يومي الأربعاء والأحد، فهرع الناس إليه واشتد خوف الرؤساء من البهدلة.
وفي صفر قبض بكلمش على كريم الدين ابن مكانس وضربه بالمقارع بسبب ما استأداه من دواوينه في أيام الناصري، فهرب فقبض على أخويه فخر الدين وزين الدين وجماعة من حواشيه، واستقر علم الدين سن إبرة في نظر الدولة، واستقر تاج الدين المليحي في نظر الأحباس عوضاً عن شمس الدين الدميري، واستقر عماد الدين الكركي أحمد بن عيسى أخو علاء الدين الذي استقر في كتابة سر الشام في قضاء الشافعية عوضاً عن بدر الدين ابن أبي البقاء، وكان عماد الدين وأخوه هذا قد بالغا في خدمة الظاهر بالكرك، فعظمهما وقدمهما، وكانت ولاية عماد الدين للقضاء في ثالث شهر رجب، والسبب فيه أنه لم يحضر من الكرك إلا بعد أن استهل رجب، فخرج إليه أخوه لتلقيه وخرج معه الأعيان، فحضر عند السلطان في ثاني رجب، فعظمه جداً ومشى له خطوات وعانقه ثم خلع عليه بولاية القضاء في صبيحة ذلك اليوم.
وفي ثامن جمادى الأولى بعد إطلاق أكثر الأمراء المحبوسين استقر الطنبغا الجوباني نائب السلطنة بدمشق، وجهزت صحبته العساكر لقتال منطاش، فوصلوا في جمادى الآخرة، فبرز لهم منطاش فقاتلهم ثم انهزم، ثم بلغه أن ايتمش ومن معه في الحبس بقلعة دمشق وثبوا على نائبها، فأمسكوه وملكوا القلعة، فكر راجعاً إلى دمشق، فقتل من قدر عليه وأخذ ما أمكنه من الأموال وتوجه إلى الجهة الشمالية، وتسلل أكثر من كان مع منطاش إلى الظاهر، فدخلوا القاهرة أرسالاً واستولى الطنبغا الجوباني على دمشق وقبض على ما أمكنه من أصحاب منطاش، فلما وصلت الأخبار إلى القاهرة بذلك زينت عشرة أيام، ثم قدم عسكر طرابلس باستدعاء منطاش فوجدوه قد هرب، فقبض على أعيانهم أخذاً باليد وجهزت سيوفهم إلى القاهرة.
وفي العشرين حضر السلطان دار العدل، ولم يدخلها المنصور منذ خلع الظاهر، ولما فرغ الموكب دخل السلطان القصر فحضر الخليفة ومعه القضاة. فقريء عهد السلطنة بحضرتهم وحضور الأمراء وخلع على الخليفة وركب من باب القصر حجرة بسرج ذهب وكنبوش مزركش، وكان الحنفي ضعيفاً فلم يحضر، وحضر المناوي وهو معزول فجلس تحت الحنبلي.
وفي الثاني عشر من شهر رجب وصل بدر الدين ابن فضل الله وجمال الدين العجمي إلى القاهرة فأمرا بلزوم بيوتهما وأغرم كل منهما مالاً كثيراً.
وفيه استقر علاء الدين ابن الطبلاوي في ولاية القاهرة.
وفيه قوى كمشبغا بحلب على النائب الذي بها من جهة منطاش، وكان كمشبغا
لما انهزم في وقعة شقحب سار إلى حلب في البرية، فوصل في ثامن عشر المحرم فدخلها مختفياً، ثم التفت عليه جماعة من الظاهرية فحاصروا القلعة وقد قبضوا على ولد نائبها حسين ابن الفقيه فهددوه بقتل ولده ففتح لهم الباب، فدخلوها وأرسلوا إلى كمشبغا فملكها، فحاصره النائب من قبل منطاش وهو تمنتمر وعاونه أهل بانقوسا، فأحرقوا باب القلعة والجسر الواصل، ونقبوا من ثلاثة مواضع، فرمى عليهم كمشبغا بالمكاحل وصار يتخطفهم بالكلاليب، فدام ذلك نحو شهرين أو أكثر، فلما سمع تمنتمر هرب منطاش من دمشق خاف على نفسه، فهرب، فبلغ ذلك كمشبغا فعمر الجسر وخرج فقاتل أهل بانقوسا، وعمر أسوار حلب أحسن عمارة في أسرع وقت، وكانت من وقعة قازان خراباً. فلما انتصر كمشبغا عليهم قتل غالب أهلها، وهم زيادة على أربعة آلاف نفس، وقتل كبيرهم أحمد بن الحرامي، وخربها إلى أن جعلها دكا، وقتل قاضي حلب وغيره صبراً، كما سيأتي في الوفيات، فلما بلغ ذلك كله السلطان أعجبه، وأرسل إلى كمشبغا يطلب منه الحضور إلى القاهرة فحضر، وكان ما سنذكره.
وفي العشرين من رجب كان شاع أن بطا يريد أن يثير الفتنة فحل سيفه بحضرة السلطان في القصر وعمل في عنقه منديلاً واستسلم للموت، فشكر الظاهر فعله وبرأه مما نقل عنه، وجمع الأمراء وحلفهم وحلف المماليك وطيب خواطرهم وأحضر مملوكاً يقال إنه الذي أثار الفتنة فضربه وسجنه.
وفي رجب خرج يلبغا الناصري والطنبغا الجوباني بالعساكر من قبل الظاهر وقد قرر في نيابة دمشق الطنبغا الجوباني وقرادمرداش في نيابة طرابلس ومأموراً في نيابة حماة
وتوجه عليهم يلبغا الناصري ومعه جماعة من المماليك الظاهرية وغيرهم، فتوجهوا إلى دمشق، فبلغ ذلك منطاشا وكان قد جبا من الأموال من أهل دمشق شيئاً كثيراً فخرج بها وهي نحو من سبعين حملاً في ثالث عشر جمادى الآخرة بعد أن قتل ممن هو من جهة الظاهر نحو مائة وعشرين نفساً، واستصحب معه ابن جنتمر وابن اينال اليوسفي، وسار من دمشق فخرج ايتمش من الحبس فملك القلعة وراسل الجوباني، فدخل الجوباني دمشق وهرب محمد بن اينال اليوسفي ونحو مائتي نفر من منطاش، فرجعوا إلى دمشق، ثم خرج الطنبغا الجوباني والناصري ومن معهم وانضم إليهم في طلب منطاش فالتقوا به بين حمص وقوسا فانكسرت الميمنة وفيها الناصري، فانهزم وثبت الجوباني فخامر عليه بعض من معه فجرح في رأسه فسقط فقتله نعير بيده وتمت الهزيمة، واتفق أن ميسرة العسكر كسرت منطاشاً ففر في طائفة فلما بلغه قتل الجوباني رجع فقتل آقبغا الجوهري ومأموراً، ووقع النهب في العسكر من العرب والتركمان ورجع الناصري إلى دمشق فبلغت هذه الأخبار السلطان فساءه قتل الجوباني، وقرر يلبغا الناصري في نيابة دمشق، وجهز أبا يزيد الذي كان اختفى عنده لما هرب وصحبته شمس الدين الصوفي لكشف الأخبار، وكان الصوفي من العباسة - بلدة معروفة بالشرقية، وكان قد اتصل بالظاهر لما كان بالكرك، وشهد معه وقعة شقحب، وتزيا له بزي الخليفة وانتسب عباسياً فحصلت لبرقوق بذلك منه نوع مساعدة وفي رمضان نزل نعير على سرمين فثار عليه أحمد بن المهمندار في عسكر كبير من التركمان فأسروا ابنه علياً وهزموه وأرسلوا ابنه إلى كمشبغا فاعتقله.
وفي ثامن رمضان استقر ناصر الدين محمد بن رجب في شد الدواوين عوضاً عن ابن آقبغا آص.
وفي سابع عشر رمضان استقر مجد الدين إسماعيل الكناني البلبيسي الحنفي في قضاء الحنفية عوضاً عن شمس الدين الطرابلسي بحكم عزله.
وفي العشرين من رمضان أعيد أبو الفرج إلى الوزارة وقبض على سعد الدين ابن البقري.
وفيها غلب ابن أبان التركمان على طرابلس في أثناء الفتنة بين الظاهر ومنطاش، فأرسل إليها الظاهر قرادمرداش فغلب عليها ثم نقله الظاهر إلى نيابة حلب، وأمر كمشبغا بالتوجه إلى القاهرة فاستقر بها أميراً كبيراً.
وفيها وصل رسل صاحب تونس أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر الحفصي ومقدمهم محمد بن علي بن أبي هلال صحبة الركب القاصد إلى الحج، وحج معهم أبو عبد الله بن عرفة الفقيه المشهور وقد أجاز إلى المذكور بعد أن رجع من الحج في السنة المقبلة.
وفيها نازل منطاش ونعير حلبا فتحصن كمشبغا من أول رمضان إلى العشر الأخير منه فراسل نعير كمشبغا يعتذر، فبلغ ذلك منطاشاً، فأخذ حذره من نعير وخدعه بأن طلب منه جماعة من العرب يغيرون معه على بعض التركمان فأرسل معه جماعة، فلما بعدوا ونزلوا بالليل أخذ خيولهم وتوجه إلى البلاد الشمالية، وكان نعير ملّ من الحرب فأرسل يعتذر إلى السلطان ويطلب منه الأمان فقبل ذلك منه وأرسل إليه بما يرغب فيه، فسار منطاش إلى مرعش وهرب معه عنقا ابن شطى واجتاز باعزاز فانتهبها، ثم نازل منطاش عيتاب ومعه سولى بن دلغادر. وذلك في شوال فغلب عليها وأوقع فيها النهب والتخريب إلى أن تفرق أهلها شذر مذر بعد أن كان نادى لهم بالأمان، ثم غدر بهم، ثم حاصر القلعة وتحصن نائبها محمد بن شهري التركماني بقلعتها، ثم كبس على منطاش فقتل أكثر من معه، ومع ذلك فدام الحصار إلى آخر السنة إلى أن تجهز يلبغا الناصري نائب الشام ونائب حلب إليه، وقبل وصولهم بيوم هرب منطاش، وقدم محمد بن بيدمر
الذي كان أبوه نائب الشام وسندمر رأس نوبة منطاش مستأمنين في طائفة من المنطاشية فأكرمهم السلطان.
وفيها قتل الأمير بردوباك بن ارتنا صاحب الروم واستقر بعده في مملكة الروم أبو يزيد بن عثمان.
وفي شوال عطش الحاج بعجرودا حتى بلغت القربة مائة درهم فضة، ووقع بين عمالهم العرب الكثير لما رجعوا وكان أمير الأول بيسق أمير آخور وأمير المحمل عبد الرحيم بن منكلى بغا.
وفي أواخر ذي الحجة استقر ناصر الدين ابن الحسام وزيراً عوضاً عن أبي الفرج فاستخدم الوزراء الذين كانوا قبله وهم شمس الدين المقسي وسن إبرة في نظر الدولة وفخر الدين بن مكانس وسعد الدين ابن البقري في استيفاء الدولة، وأعيد محمد بن آقبغا آص إلى شد الدواوين ونقل ناصر الدين ابن رجب إلى كشف المعاصر عوضاً عن خاله ناصر الدين ابن الحسام المذكور، وكان ابن الحسام أولاً يخدم عند سعد الدين ابن البقري دويداراً واقفاً في خدمته لما كان ناظر الخاص فانعكس الحال وصار ابن البقري تحت أمره وربما يكلمه الكلام الفض، فلله الأمر.
وفي شوال جهزت عائشة خوند أخت الملك الظاهر للحجرة الشريفة كسوة حرير منقوش بالغت في تحسينها وطرزت بابها بالزركش.
وفي رمضان توجه ابن الحسام إلى الصعيد فحصل بها الأموال السلطانية فكبس عليه ابن التركية ونهب جميع ما حصله، فبلغ ذلك السلطان فأرسل إليه عسكراً.
وفيها اختلفت كلمة التركمان وتحزبوا أحزاباً بعد قتل قرا محمد، ووقع بينهم وقائع كثيرة إلى أن أصلح بينهم سالم الدوكاري.
وفي رمضان نزل الفرنج على طرابلس فلما أشرفوا على المينا أرسل الله عليهم ريحاً فرقت مراكبهم وغرق الكثير منهم فردوا عن طرابلس، فقصدوا البسكرية فنازلوها وبها أبو العباس صاحب تونس ففتح لهم البلد فدخلوها فقاتلهم وكسرهم بعد أن قتل منهم خلائق.
وفيها قتل صاحب تلمسان أبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن ابن يحيى، قتله ولده وغلب على ملكه، وكانت دولة أبي حمو إحدى وثلاثين سنة.
وفي ذي الحجة استقر قرا دمرداش في نيابة حلب نقلاً من طرابلس واستقر في طرابلس اينال ابن خجا علي وسولى بن دلغادر في نيابة الأبلستين، وتوجه كمشبغا من حلب إلى جهة القاهرة.
وفيه منع من تلبس العمامة ومن ركوب الخيل إلا الوزير وكاتب السر وناظر الخاص، وأذن لهم في ركوب البغال ونودي أن الطحانين لا يستعملون الخيل الصحاح، وكذلك الحمارة.
وفيها مات فخر الدين ابن سبع الخولى فأرسل السلطان قرقماش الخزندار إلى زفتا بلد المذكور للحوطة على ماله وكان المذكور نصرانياً فأسلم ثم وقع في واقع كما تقدم في الحوادث أولاً وثانياً فاتفق أن بعض أعدائه قتله في الحمام غيلة، فيقال إنه