الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة سبع وتسعين وسبعمائة
استهلت السنة والغلاء موجود وبلغ سعر القمح إلى سبعين، ثم انحط في ربيع الآخر إلى ستة وستين درهماً، وفي المحرم توجه غلمان أحمد بن أويس وحريمه إلى بغداد، وفي السابع منه دخل السلطان إلى دمشق فأقام بها عشرة أيام بعد أن قبض على عدة من الأمراء بحلب، وهرب آل مهنا في البرية وشكا بعض العامة من القاضي الشافعي شهاب الدين الباعوني فعزله السلطان وقرر علاء الدين ابن أبي البقاء، ودخل الحاج في الثالث والعشرين من المحرم وأميرهم قديد ودخل حريم السلطان في خامس صفر وفيهن عدة من بنات الأمراء والناس بعضهم أبكار وبعضهن ثيبات ليختار السلطان منهن من يتزوج بها وكان خروجه من دمشق في سابع عشر المحرم وزار القدس في طريقه وتصدق به وبالخليل بمال كثير ودخل غزة في ثالث عشرين المحرم فأقام بها إلى ثالث صفر، ودخل جمال الدين الاستادار ورخص السعر بعد دخوله قليلاً، ثم رجع بسبب الرمايات وتزايد الظلم من المباشرين، ووقع بعض وباء،
ودخل السلطان القاهرة وزار والده في مدرسته خامس عشر صفر، ثم جاء النيل الجديد وبلغ في آخر السنة إلى عشرين ذراعا وبعض ذراع، ومع ذلك فلالأسعار في ازدياد إلى أن بلغ القمح ثمانين درهماً كل أردب، والحمص والشعير بخمسين، والفول أربعة وخمسين، والتبن كل حمل بعشرة، وفي استقر فارس في الحجونية عوضاً عن بتخاص لاستقراره في نيابة الكرك، وفيه استعفى سودون النائب من النيابة لمرض تغير منه حاله لكبره، فأعفي وأعطي خبره لبعض الأمراء ورتب له رواتب، وأقام في داره، وفيه أمر علاء الدين الوالي طبلخاناه ورتب حاجباً، واستقر أخوه محمد نائباً عنه في الولاية، وفيه أمر شيخ المحمودي الذي صار بعد ذلك سلطاناً أربعين، وأمر نوروز تقدمة ألف، وعمل السلطان المولد في ليلة الجمعة ثامن شهر ربيع الأول.
وفيها بدأ الظاهر بشرب الشراب التمربغاوي وصفته أن يعمل لكل رطل زبيب أربعون رطل ماء ويدفن في زبل الخيل إلى أن يشتد ولم يكن الظاهر قبل ذلك يتظاهر بشرب المسكر.
وفيها وقع بين الشيخ شرف الدين يعقوب ابن الشيخ جلال الدين التباني وبين الشيخ مصطفى القرماني شيخ المدرسة الفخارية بحث وقع من الشيخ مصطفى في حق إبراهيم الخليل عليه السلام شيء أنكره الشيخ شرف الدين، وتفصيل ذلك أن الشيخ جلال الدين لما مات رام الشيخ شرف الدين أن يستقر مكان أبيه فغلب عليه مصطفى واستقر فيها فبقي في نفسه، فاتفق أنه ظفر بشرح مقدمة أبي الليث جمع مصطفى المذكور فوجده ذكر في دليل كراهة التوجه عند البول إلى الشمس والقمر: أنهما معظمان، ولذلك قال إبراهيم الخليل لما رأى الشمس بازغة " قال هذا ربي " فقال شرف الدين: هذا كفر وبالغ في التشنيع على مصطفى، فشكا امره إلى قديد الحاجب فأهان الشيخ شرف الدين، فلما وصل السلطان وقف إليه الشيخ شرف الدين وطلب منه أن يعقد لهما مجلساً، فأجابه وأحضر القضاة والعلماء وشيخ الإسلام سراج الدين، فادعى شرف الدين على مصطفى أنه وقع في حق الخليل عليه السلام فقال في كلام له فيما ادعاه عليه إنه قال: ولا يبول أحد في الشمس والقمر لأنهما عبدا من دون الله، وذكر إبراهيم في قوله " فلما رآ القمر بازغاً " ووقع اللغط فالتفت السلطان إلى القضاة يستفتيهم، فقال له ابن التنسي القاضي المالكي: إن حكمتني فيه ضربت عنقه، فبادر أكثر الأمراء وسألوا السلطان أن يحكم فيه القاضي الحنفي، فأجابهم فكشف الحنفي رأسه وأرسله إلى الحبس ثم أحضره بعد ثلاثة أيام فضربه وحبسه ثانية، ثم أفرج عنه بعد أن حكم بإسلامه؛ وكان ذلك في شهر ربيع الأول.
وفيها وقع الوباء ببغداد فخلا منها أكثر أهلها فدخل سلطانها إلى الحلة فأقام بها وأعقب الوباء غلاء فلذلك تحول.
وفيها وقع بين طقتمش خان وبين تمرلنك وقائع كان النصر فيها لتمرلنك وجهز ولده لقمان إلى كيلان فملكها وفر طقتمش خان إلى بلاد الروس، ثم توجه إلى القرم فملكها، ثم إلى كافا فملكها أيضاً وخربها، ووصلت رسل الملك الظاهر إليه المجهزون إلى طقتمش خان في آخر هذه السنة بهذه الأخبار في ذي الحجة ورئيسهم طولو فذكر أن اللنك طرفة بعد قدومهم بيسير فخامر جماعة من أصحاب طقتمش خان فانكسر وهرب طولو إلى يراي، ثم توجه إلى القرم، ثم إلى الكفا، ثم توجه منها إلى شمعون، فبلغهم أن اللنك غلب على القرم ونزل على الكفا وحاصرها وفتحها وتوصل طولو حتى دخل القاهرة.
وفي شهر ربيع الأول منها ابتدأ جمال الدين محمد الاستادار في الخمول فإنه شكا إلى السلطان قلة المتحصل وكثرة المصروف فرافع فيه بعض المباشرين فأمر السلطان بمصادرته على خمس مائة ألف دينار، ثم استشفع إلى أن قررت مائة وخمسين ألف دينار بعد أن ضربه ثم خلع عليه، وفيه شكا شخص نصراني بعض نواب الحكم وهو شمس الدين محمد بن شهاب الدين أحمد الدفري للسلطان فضربه بحضرته بطحاً ورسم عليه، وتألم الناس له.
وفي رابع شعبان حضر الظاهر مجلس دار العدل بعد تعطلها ثلاث سنوات ونصف.
وفي شوال غير الظاهر الحكم بين الناس من يومي الأحد والأربعاء إلى يومي السبت والثلاثاء وخص الأحد والأربعاء بالشرب.
وفيها اعتنى السلطان بأمر البريد فجهز الخيول اللائقة بذلك وفرضها على الأمراء، فعلى كل مقدم عشرة أكاديش وعلى الطبلخاناه كل واحد اثنين وعلى العشراوات كل واحد واحداً فجهزت على ذلك الحكم.
وفيها كانت الوقعة بين الفرنج وصاحب غرناطة، فقتل من الفرنج مقتلة عظيمة ونصر الله المسلمين، وذلك أن الفرنج نازلت غرناطة فاستعان ابن الأحمر بصاحب فاس المريني، فسار إليه في عساكره إلى جبل الفتح فتقهقر الفرنج لمجيئه ووقعت الحرب.
وفيها كانت الوقعة بين نعير والتركمان، فقتل من نعير جماعة من أصحابه ومات كثير من جماله، فرحل نعير إلى القاهرة، ودخل إلى السلطان وفي رقبته منديل فعفا عنه السلطان وخلع عليه، ثم قدم ولده عمر إلى السلطان فعفا عنه ثم قبض عليه وسجن بالإسكندرية.
وفيها حضر قاصد الملك الصالح صاحب ماردين يبذل الطاعة للملك الظاهر فأرسل له تقليداً وخلعة.
وفيها ترافع شهاب الدين المالقي ترجمان الإسكندرية وزين الدين الموازيني مدولب دار الضرب بها إلى السلطان فصادرهما على ألف ألف درهم فضة.
وفيها ضرب يلبغا الزيني والي الأشمونين بالمقارع بحضرة السلطان لكثرة ما شكاه أهل البلاد التي كان كاشفها.
وفيها في ربيع الآخر قدم سلطان شاه ولد جلال الدين حسن ابن أويس إلى القاهرة وهو ابن أخي أحمد الذي كان قدم قبل ذلك بمدة فأكرمه الظاهر ثم طلق بنت عمه وأمره أن يتزوجها فتزوجها، وكان أبوه صاحب تبريز وكان قدومه بأمر عمه لأنه بلغه أنه قبض على جماعة من أقاربه وأصحابه فأقام بالقاهرة، وقدم مسعود من محمد الكححاني من تبريز هارباً من تمر فيما زعم، ثم ظهر بعد مدة بأنه جاسوس من قبل اللنك ولم يفطن له حينئذ.
وفيها حضر طولو الذي كان توجه رسولاً إلى طقتمش خان، وذلك أن اللنك وصل إليهم بعد قدومه بيسير، فذكر ما تقدم وهرب طولو إلى سراي.
وفيها وقع الخلف بين ملوك الروم، وذلك أن مراد بن عثمان لما قتل في السنة الماضية عهد لابنه أبي يزيد بالمملكة، وأمر بقتل ابنه الآخر صوجي لأن أمه أمة نصرانية فقتل، فبلغ ذلك ملوك الروم وكانت منقسمة بيد ستة ملوك منهم ابن قرمان وعيسى بك وغيرهما، فاجتمعوا وحاربوه وكانت النصرة له، وأسر الجميع فأوقفهم بين يديه ولم يعاقب منهم سوى عيسى بك الملك أبا سلوق وكان عريقاً في المملكة لديه علم، ثم أفرج عنهم جميعاً وأمرهم أن يتوجهوا بأحمالهم وأهاليهم وأموالهم إلى أن أنزلهم بمدينة أربك ولم يتعرض لشيء مما معهم، وولى في ممالكهم أناساً من جهته إلا ابن قرمان، فإن أخته كانت تحته فشفعت فيه،
ثم لما استقرت قدمه في المملكة عمر جامع برصا ورخمه من ظاهره وباطنه وجعل الماء في سطحه ينزل منه فيجري في عدة أماكن، وعمر المارستان وأنشأ نحو ثلاثمائة غراب وملأها بالأسلحة والأزودة فصارت بحيث أراد أن يركبها خرجت في يومها، ورتب بالساحل من يعمل الأزودة دائماً بحيث لا يتعذر عليه إذا أراد الغزو شيء، واشتهر بالجهاد في الكفار حتى بعد صيته وكاتبه الظاهر وهادنه وأرسل إليه أميراً بعد أمير ولم يبق أحد من الملوك حتى كاتبه وهاداه، حتى كان الظاهر يخاف من غائلته ويقول: لا أخاف من اللنك فإن كل أحد يساعدني عليه وإنما أخاف عثمان وسمعت ابن خلدون مراراً يقول: ما يخشى على ملك مصر إلا من ابن عثمان، ولما مات الملك الظاهر كثرت الأراجيف بأنه سيقدم لأخذ مصر، ثم قدر أن اللنك لما دخل الشام ورجع تعرض لمملكة ابن عثمان، فلم يزل يكايده حتى طرقه وأسره ومات في أسره قاتله الله، وسأذكر شيئاً من أخياره وسيرته في سنة وفاته إن شاء الله تعالى.
وفيها استقر يلبغا السالمي علي سعيد السعداء فقطع منها جماعة من الأغنياء وعمل فيها بشرط الواقف، وشدد في ذلك حتى قال فيه الشاعر:
يا أهل خانقة الصلاح أراكم
…
ما بين شاك للزمان وسالم
يكفيكم ما قد أكلتم باطلاً
…
أوقافها وخرجتم بالسالمي
ثم جمع السالمي القضاة والمشايخ وقرأ عليهم شرط الواقف وسألهم عن الحكم الشرعي في ذلك، فطال بينهم النزاع فتكلم زين العابدين القمني، وكان ممن أخرج منها بكلام كثير ثم تكلم شهاب الدين العبادي موقع الحكم، وأحد الفضلاء الحنفية فبسط لسانه في السالمي، وافترق المجلس فأشاع العبادي أن السالمي قال لمن شفع عنده في بعض من أخرجه: لو جاء جبريل وميكائيل يشفعان عندي في العبادي ما قبلتهما! وأكثر من الشناعة عليه،
فاتفق أن السالمي لقي العبادي ماشياً عند الركن المخلق فنزل عن فرسه وأمسك كمه وقال له: طلبتك إلى الشرع، فقال العبادي: بل أتوجه معك إلى السلطان فجره بكمه، فقال له: كفرت! ثم دخلا المدرسة الحجازية وحضرهما ابن الطبلاوي وغيره فكثر بينهما الكلام ففض ابن الطبلاوي المجلس وقال للسالمي: متى طلبت الشيخ شهاب الدين أحضرته لك، وطلع يلبغا إلى السلطان وسأله في عقد مجلس، فعقد له في ثامن رجب، فادعى السالمي على العبادي أنه كفره، فأنكر، فأقام عليه البينة، فحكم المالكي بتعزيره، وعزله الحنفي من نيابته، ثم اختلفوا في صورة تعزيره، فقال علاء الدين ابن الرصاص قاضي القدس الحنفي التعزير للسلطان فانفض المجلس، ثم أرسله إلى الحنفي فكشف رأسه قدام السلطان وأمر بإخراجه كذلك إلى حبس الديلم ثم إلى حبس الرحبة ثم ضرب بحضرة ابن الطبلاوي تسعاً وثلاثين ضربة تحت رجليه وهما في القلعة، ثم شفع الشيخ سراج الدين البلقيني فيه عند السالمي فأفرج عنه.
وفي رجب استقر تاج الدين الميموني شيخ القوصونية عوضاً عن الشيخ نور الدين الهوريني، وفي شعبان أعاد السلطان على موادع الأيتام ما كان افترضه منهم عند توجهه إلى السفرة المقدم ذكرها، وفي حادي عشر شعبان أعيد القاضي صدر الدين المناوي إلى القضاء وصرف بدر الدين ابن أبي البقاء، ونزل الصدر في موكب حافل ومعه أكثر الأمراء وكان برهان الدين المحلي كبير التجار قد تعصب له وسعى إلى أن التزم عنه بمال جزيل.
وفيه أحضر من دمياط قطعة من مخ سمكة يدخل في كل عين منها رجل ضخم.
وفيه توجه جماعة من الأمراء الكبار إلى الصعيد لتمهيد العربان به فكسبوا على جماعة ما بين النويرة إلى ببا، وأمسكوا نحو خمسمائة نفس وخمسين فرساً أو أكثر ورجعوا، فأمر السلطان بحبس المأسورين في الخزانة؛ وذلك في رمضان.
وفيه توجه تاج الدين ابن أبي شاكر الذي ولي الوزارة إلى الشام وزيراً وصرف بدر الدين الطوخي.
وفي رمضان استقر شرف الدين الماميني في الحسبة بالقاهرة عوضاً عن ابن البجي، وفيه حج بعض ملوك البربر فعظمه السلطان، وكان يلازم اللثام ومعه ترجمان مغربي، وقدم السلطان هجينيين أبيضين عجيبين.
وفي تاسع شوال أوفي النيل موافقاً لثالث مسرى واتفق أنه زاد في ثمانية أيام قريباً من ثمانية أذرع منها في بعض الأيام اثنان وستون أصبعاً ولم يعهد مثل ذلك منذ دهر.
وفيها وصلت طائفة من التتر إلى بلاد التركمان من جهة اللنك، فوقع بينهم وبين قرا يوسف بن قرا محمد التركماني وقعة انتصر عليهم فيها وكانوا نحو العشرين ألفاً.
وفيها وضع المنبر الذي جهزه السلطان برقوق وحج بالناس فيها محمد بن الأمير أيتمش ويقال له: جمق، وأزيل المنبر الذي وضعه الظاهر بيبرس فجعل في حاصل الحرم بعد أن أقام
مائة سنة واثنتين وثلاثين سنة، وكان السبب في ذلك أن الأرضة كانت قد أثرت فيه كثيراًن فنقل ذلك للسلطان فأمر بعمل منبر جديد وجهزه في هذه السنة.
وفيها كانت الوقعة بيت تمرلنك وبين طقتمش خان فدام القتال ثلاثة أيام، ثم انكسر طقتمش خان ودخل بلاد الروس واستولى تمرلنك على القرم وحاصر بلد كافا ثمانية عشر يوماً ثم استباحها وخربها.
وفيها وقع بين بني حسن وقواد مكة وقعة في الوادي بمر، فقتل علي بن عجلان أمير مكة في المعركة فأفرج السلطان عن حسن بن عجلان في ذي القعدة وقرره في سلطنة مكة وخلع عليه وأذن له في لحاق الحاج، وأرسل صحبته يلبغا السالمي فسافرا في السابع من ذي القعدة.
وفي أواخر ذي القعدة عاد السلطان استاداره جمال الدين في بيته بالموارثين، فقدم له تقادم كثيرة فأخذ بعضها ورذ الباقي، وفي أواخر هذه السنة رحلت إلى ثغر الإسكندرية فسمعت بها من تقي الدين ابن موسى آخر من كان بها يروي حديث السلفي بالسماع المتصل، وسمعت من جماعة من أصحاب ابن الصفي وطبقته، وأقمت بها إلى أن رحلت هذه السنة ودخل في التي يليها عدة أشهر.
وانتهت زيادة لنيل إلى أصابع من عشرين ولم يزدد الأمر إلا شدة ولا السعر إلا غلو فبلغ القمح ثمانين درهماً، قيمتها من الذهب أكثر من ثلاثة مثاقيل، والفول والشعير أربعة وخمسين، والتبن عشرة الحمل، والأرز كل قدح درهمين، والخبز درهمين كل رطل.