الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(من أحكام الطلاق)
(الإيلاء)
34 -
35 (34 - 35) قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227].
* أبطل الله -سبحانه- بهذه الآية (1) ما كانوا عليه من الضرارِ، كان الرجل يُؤْلي (2) من امرأته السَّنَةَ والسنتينِ وأكثرَ، ولا تَطْلُق عليه، فنسخ اللهُ ذلك، وأَنْظَرَ المُؤالي أربعة أشهر، فإما أن يَفيءَ، أو يُطَلِّقَ (3).
* وليس في السُّنَّةِ -والله أعلمُ- ما يدلُّ على المُدَّةِ التي يؤلي عليها، ولا على صفة الفَيْئَة، ولا على عزيمة الطلاقِ (4)، ولذلك اختلفَ أهلُ العلمِ من الصَّحابةِ وغيرِهم في ذلك.
(1) في "ب": "الآيات".
(2)
آلى من امرأته: أي حلف لا يدخل عليهن، وإنما عدَّاه بـ "من" حملاً على المعنى، وهو الامتناع من الدخول. "اللسان" (مادة: ألا)، (14/ 41).
(3)
انظر: "معالم التنزيل" للبغوي (1/ 297)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 242)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 97). وانظر:"أسباب النزول" للواحدي (ص: 72)، و"العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (ص: 391).
(4)
قال الإمام الشافعي: لم يحفظ عن رسول الله في هذا -بأبي هو وأمي- شيئاً. انظر: "الرسالة"(ص: 578).
- فروي عن بضعةَ عشرَ من الصَّحابةِ، منهم عثمانُ وعليٌّ وعائشةُ وابنُ عمرَ، ويروى عن عُمَرَ أيضاً -رضي اللهُ تعالى عنهم-: أنه إذا مضتْ أربعةُ أشهر وُقِف المُؤْلي، فإما أن يَفيءَ، وإما أن يطلق.
وبهذا أخذَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ -رحمهم الله تعالى- (1).
- وروي عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهم-: أن عزيمةَ الطلاقِ انقضاءُ أربعةِ أشهر. والفيئَةُ فيما بين أن يؤلي إلى انقضاء أربعة أشهر، فإن فاءَ، وإلاّ فعزيمة الطلاق انقضاءُ المدة.
وبهذا أخذَ أبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى- (2)، وشَبَّهَ الإيلاءَ بالطَّلاقِ الرَّجْعيِّ، وشَبَّهَ هذه المُدَّةَ بمدَّة العِدَّةِ.
والقول الأولُ أشبَهُ بظاهرِ القرآنِ من أربعةِ أَوْجُهٍ:
أحدها: قال الشافعيُّ: في سياقِ الآيةِ ما يدلُّ على ما وصفتُ، وذلك لما ذكر اللهُ تعالى أن للمؤلي أربعةَ أَشْهُرٍ، ثم قال:{فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227]، فذكر الحُكْمَيْنِ معاً بلا فَصْلٍ بينهما، فدلَّ على أنهما يَقعان بعدَ الأربعة الأشهر؛ لأنه إنما جعل عليه الفيئةَ والطلاقَ، وقد جُعِلَ له الخِيار فيهما في وقتٍ واحدٍ،
(1) وهو قول أكثر أهل العلم. انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (17/ 83)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 297)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 245)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 230)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 683)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 25)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 30).
(2)
انظر: "الاختيار لتعليل المختار" للموصلي (2/ 200). وانظر من قال بذلك في: "الاستذكار" لابن عبد البر (17/ 89)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 297)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 31)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 99/1).
ولا يتقدمُ واحدٌ منهما صاحبَه، وقد ذُكِرا في وقتٍ واحدٍ؛ كما يقال في الرَّهْنِ: افدِهِ أو نبيعُه عليكَ، بلا فصلٍ، وفي كلِّ ما خُيِّرَ فيه عليه افعل كذا أو كذا، بلا فصلٍ، فلا يجوز أن يكونا ذُكِرا بلا فَصْلٍ، ويقال: الفَيْئَةُ فيما بين أن يؤلي إلى أربعة أشهر، وعزيمةُ الطلاقِ -أيضاً- انقضاءُ الأربعةِ الأشهرِ، فيكونانِ حكمين ذُكِرا معاً، يُفْسَحُ في أَحدهما، ويُضَيَّقُ في الآخر (1).
ولمخالفه أن يقول: لم يفسخ في أحدِهما ويُضَيَّقْ في الآخر، بل هو مخيَّرٌ بينهما في مدة الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق، ويتحقق التخيير بين الخصلتين عندَ انقضاءِ المدة، وجعلنا انقضاءَ المدةِ قائمًا مقام اللفظ (2) بالطلاق وقبل (3) انقضاءِ المدة إذا لم يبق بعدَ الأربعةِ الأَشْهُر زمانٌ يملك فيه الطلاق.
الوجه الثاني: أنَّ منْ أَنْظَرَهُ اللهُ تعالى أربعةَ أشهرٍ في شيءٍ، لم يكنْ عليهِ سبيلٌ حتَّى يمضيَ أربعةُ أشهرٍ، فإذا مَضَتْ، كان عليه السبيل، وهو إما أن يفيء، وإما أنْ يطلِّق؛ كما لو قال: أُخَلِّيكَ (4) أربعةَ أشهرٍ، لم يكنْ لهُ الأخذُ منكَ إلا حتى تنقضيَ الأربعةُ الأشهرِ (5).
فإن قيل: أنظرَ اللهُ سبحانه أربعةَ أشهرٍ في شيءٍ، وخَيَّرَهُ فيه إلى انقضائها، فأما أن يفيء، أو يلزم الفراقُ بانقضائها.
(1) انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي (ص: 581).
(2)
في "ب": "التلفظ".
(3)
في "أ ": "وقيل"، وهو خطأ.
(4)
في مطبوعة "الرسالة" للإمام الشافعي: "أجَّلتك".
(5)
هذا الوجه هو من كلام الإمام الشافعي في "الرسالة"(ص: 579)، وقد تصرف فيه المصنف قليلاً. وانظر:"أحكام القرآن" للشافعي (ص: 247).
قلت: ذلك خِلافُ المفهومِ من الخِطاب؛ فإنّ اللهَ سبحانه وتعالى يقول: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} [البقرة: 227]، ومفهومهُ أنَّ منْ لم يعزم الطلاقَ في المدة، بل كان عزمه الفيئة إلى انقضاءِ المدَّةِ أن يخالف حكمُه حكمَ العازمِ على الطَّلاق إذا لم يُطَلِّقْ بلسانه، ولم يعزمْ عليه (1)، وأبو حنيفة لا يفرِّق بينهما، فدلَّ على أن المراد بالفيئة عزيمةُ الطلاقِ بعدَ مُضِيِّ المدة، لكنَّ مفهومَ الخِطابِ عندَهُ ليسَ بِحُجَّةٍ.
والوجه الثالث: من وُجوهِ الدلالة أن الفاءَ تكون جواباً للشرط، وما هو في معنى الشرط، وفي هذه الآية معنى الشرط.
فكأنه قيل لمَنْ آلى من امرأتِه: يتربَّصُ أربعةَ أَشهرٍ، فإن فاءَ، فإنّ اللهَ غفور رحيم، وإن عَزَمَ الطلاقَ، فإن اللهَ سميعٌ عليمٌ.
فَفُهِمَ من هذا أنَّ مرادَ المتكلم ترتيبُ الفيئة والعزيمة على ذلك، كما يترتَّبُ الجزاءُ على الشرطِ.
ولو لم تدخلِ الفاءُ في الجوابِ، لاسْتَوى الاحتمالان، فلما دخلتْ، كان هذا هو الظاهر.
فإن ادَّعى الحنفيةُ الإضمارَ، وقالوا: التقديرُ: (فإن فاء فيها)، أي: في المدة.
قلنا: تركُ الإضمار خيرٌ من الإضمار، إلَّا أن يَدُلَّ الدليلُ على وجوبِ الإضمار، فيضمر، ولا دلالةَ هنا.
الوجه الرابع: أضافَ اللهُ -سبحانَهُ- إرادة الطلاق إلى الزَّوْجِ، وقد أجمعتِ الناسُ على أنَّ صريحَ الطلاقِ ثلاثة، وليسَ انقضاءُ المُدَّةِ واحداً من الثلاثة، ولهذا كانتْ عائشةُ -رضي الله تعالى عنها- إذا ذُكر لها الرجلُ
(1)"عليه" ليس في "أ".
يحلفُ أَلَّا يأتيَ امرأتَهُ، فَبَعُدَ عنها خمسةَ أشهرٍ، لا ترى ذلك شيئاً حتى يوقَفَ، وتقول (1): كيفَ قالَ اللهُ سبحانه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (2)[البقرة: 229].
- والإيلاءُ: هو اليمينُ والقسمُ على تركِ الجماع:
- فمن أهل العلم من لم يشترطْ في الجماع مُدَّةً، بل إذا حلفَ على قليل الزَّمانِ وكثيره كانَ مؤلياً.
وبه قال الحسنُ والنخعيُّ وقتادةُ وابنُ أبى ليلى، ويروى عن عبدِ الله بنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهم- (3).
وتمسكوا بظاهرِ قولهِ تعالى: {يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [البقرة: 226]، ولا مُتَمَسَّكَ لهم في الآية؛ لأن الله سبحانه ضربَ هذهِ المدَّةَ ليرجِعَ فيها المُؤلي عن المضارَّةِ، والعملِ بمقتضى يمينه، وذلك يقتضى أن تزيدَ المدةُ على أربعةِ أشهرٍ.
- وروي عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أَنَّ المُؤْليَ مَنْ حلفَ ألَاّ يصيب امرأته أبداً (4).
(1) في "ب" زيادة: "أي عائشة".
(2)
رواه الإمام الشافعي في "مسنده"(ص: 248)، وفي "الأم"(5/ 265)، ومن طريقه: البيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 378).
(3)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (17/ 104)، و"تفسير الرازي"(3/ 2/ 90) و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 99).
قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. كذا نقله القرطبي في "تفسيره"(2/ 99/1).
(4)
انظر: "تفسير الرازي"(3/ 2/ 90)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 99/1).
- وقال أبو حنيفة: أن يحلفَ على أربعةِ أشهرٍ فصاعداً (1)؛ لكونه من لوازم قولهِ في المسألة الأولى.
- وقال الشافعي وموافقوه: هو أن يحلفَ على أكثرَ من أربعةِ أشهر (2)؛ ليوافقَ مذهبَهُم في المسألة الأولى (3).
* والفَيْئَةُ في اللغة هي الرجوعُ، والمرادُ بها الوَطْءُ في حقِّ القادر (4). وأما المعذورُ، فيبينُ عذرهُ، ويقول: لو قدرت لفئت (5).
(1) وهو قول عطاء والثوري؛ انظر: "تفسير الرازي"(3/ 2/ 90)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 99). وانظر:"رد المحتار" لابن عابدين (5/ 51)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 8).
(2)
وهو قول طاوس وابن جبير والأوزاعي ومالك وأحمد وأبي ثور وأبي عبيد والجمهور. انظر: "تفسير الرازي"(3/ 2/ 90)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 99)، و "حاشية الدسوقي"(2/ 672)، و "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 16)، و "المغني" لابن قدامة (11/ 8).
(3)
أي: ما قاله الشافعي ومن معه في كون المؤلي إذا مضت أربعة أشهر وانتهت، فإنه يفيء أو يطلق.
(4)
قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن قول الله تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا} هو الجماع لمن قدر عليه. انظر: "الاستذكار"(17/ 101).
وانظر في بيان معنى الفيئة: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 145)، و (2/ 165)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 482) وما بعدها، و"لسان العرب" لابن منظور (1/ 125) (مادة: فيأ).
(5)
وهو قول ابن مسعود وجابر بن عبد الله والنخعي والحسن والزهري والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وعكرمة وأصحاب الرأي، والمالكية والشافعية والحنابلة. انظر:"تفسير الطبري"(2/ 425)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (17/ 100)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 47)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 103). =
وقال عكرمة: فَيْئَةُ المعذور بالنِّية، وإليه ذهبَ أبو ثورٍ وأحمدُ (1).
والأولُ أولى؛ لأنه وإن كانت الفيئة توبة، والتوبةُ لا يُطْلَبُ فيها القَوْلُ، لكنَّها هنا تعلَّقَ بها حَقُّ الغيرِ، فاشْتُرِطَ بيانُ تركِ الظُّلْمِ والضّرر، ولا يحصل عِلْمُهُ إلا بالقول.
* والفيئة توجب الكفارةَ عند أكثر أهل العلم (2).
ويُروى عنِ ابنِ عباس وزيدِ بنِ ثابتٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- (3)، وهو القولُ الجديدُ للشافعيِّ (4)، والغفرانُ يختصُّ بالذنب لا بالكفّارة؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ فَرأى غيرَها خيراً منها، فَلْيُكَفِّرْ عن يمينِهِ، ولْيَأتِ الذي هوَ خَيْرٌ"(5).
= وانظر: "رد المحتار" لابن عابدين (5/ 59)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 686)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 26)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 42).
(1)
وهو قول علقمة والنخعي والحسن وابن المسيب: انظر: "تفسير الطبري"(2/ 423)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 103)، و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 532).
قلت: والمنصوص عليه عند الحنابلة: أن الفيئة عند العذر لا تكون بالنية، بل بالقول على كل حال، ولم يذكروا فيها خلافا في المذهب. انظر:"الفروع" لابن مفلح (5/ 483)، و"الإنصاف" للمرداوي (9/ 186).
(2)
انظر: "معالم التنزيل" للبغوي (1/ 298)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 103) و"المغني" لابن قدامة (11/ 38).
(3)
انظر: "تفسير الطبري"(2/ 426)، و"معرفة السنن والآثار" للبيهقي (112/ 11).
(4)
وهذا هو المعتمد في المذهب. انظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 28).
(5)
رواه مسلم (1650)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يميناً، فرأى غيرها خيراً منها .. ، عن أبي هريرة.
- وقال الحسن والنخعيُّ: لا تجبُ الكفارةُ (1)، وهو القديمُ من قولِ الشافعيِّ.
* وعمومُ الآية يقتضي أن للعبد إذا آلى تربصَ أربعةَ أشهرٍ؛ لدخولِه (2) في خِطاب الأحرارِ؛ كما قدمتُه في مقدمة كتابي هذا، وبهذا قال الشافعيُّ وأحمد وأبو ثور وأهل الظاهر (3).
- وذهب مالكٌ إلى تنصيف مُدَّتِهِ قياساً على تنصيف حَدِّهِ وطَلاقه.
ويروى عن الزهريِّ وعطاءٍ وإسحاقَ (4).
- وذهب أبو حنيفة إلى اعتبارِ نُقْصانِ المُدَّة بالنساءِ لا بالرجال؛ قياساً على العِدَّةِ (5)، وبه قال الحسنُ والنخعيُّ (6).
(1) وهو قول قتادة. انظر: "تفسير الطبري"(2/ 426)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 298)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 103). وانظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (17/ 102)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 38).
(2)
في "ب": "لأن العبيد يدخلون".
(3)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (17/ 109)، و"المحلى" لابن حزم (10/ 48)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 296)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 101)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 30)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 16).
(4)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (17/ 109)، و"معالم التنزيل" للبغوي (296/ 1)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 30)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 101).
(5)
يعني: أن أبا حنيفة يقول: إذا كانت الزوجة مملوكة، فإيلاؤها شهران، سواء كان الزوج حرًّا أم عبداً، وإن كانت حرة، فإيلاؤها أربعة أشهر من الحر والعبد، ولا اعتبار بالزوج؛ لأن الطلاق والعدة جميعًا بالنساء.
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (17/ 110)، و "معالم التنزيل" للبغوي (1/ 297)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (3/ 271)، و"رد المحتار" لابن عابدين (5/ 51).
(6)
وهو قول الحكم وحماد والشعبي وقتادة والثوري. انظر: "الاستذكار" لابن =
فأما (1) اعتبارُ مالكٍ بالحَدِّ، ففاسدٌ؛ لأن الحدَّ حَقّ لله تعالى، ومبناه على الدَّرْءِ والإسقاط، والإيلاءُ حقّ للآدمي، ومبناه على التغليظ والاحتياط.
وأما اعتبارهُ بالطلاق، فأولى منه الاعتبار بمدة العُنَّة؛ لأن الشرع ضرب المدتين توسعةً للأزواج في إذا ما وجب (2).
وأضعف منه اعتبار أبي حنيفة بالعِدَّةِ؛ لأن الله سبحانه علَّق هذا الحكم بالرِّجالِ، وضرب هذا الأجل إنظاراً وتوسعةً، وعلَّقَ حكمَ العِدَّةِ بالنساء، فكيف يُعْتبرُ حكمٌ وجبَ للرجالِ بحُكْمٍ وجبَ على النساء (3)؟
* وعموم الآية أيضاً يقتضي صِحَّةَ الإيلاءِ من الرَّتْقاءِ (4) والقَرْناءِ (5)،
= عبد البر (17/ 110)، و"المحلى" لابن حزم (10/ 49).
(1)
في "ب": "وأما".
(2)
قلت: يعني: إن مالكاً قال بأن مدة إيلاء العبد على النصف من مدة إيلاء الحر وهي شهران، وذلك قياساً على كون طلاق العبد على النصف من طلاق الحر، فكان الأولى أن يقيسه على أجَلِ العُنَّة، لأن كلاً من الحر والعبد إذا لم يُطِق جماعاً، فإنه يُضرب لكل منهما مدة، وهذه المدة متساوية بين العبد والحر، فكذلك كان ينبغي هنا أن يقول: مدة إيلاء العبد مثل مدة إيلاء الحر.
(3)
قلت: يعني: إن قياس أبي حنيفة حال الإيلاء على حال العدة ضعيف، لأن الإيلاء هو حكم للرجال {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} ، أما العدة فهي معلقة بالنساء {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} ، فكيف يقاس ما هو للرجال على ما هو للنساء، فهذا قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق لا يصح، فَضَعُفَ ما يقول به الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى.
(4)
الرَّتَقُ: بالتحريك، مصدر قولك: رتقت المرأة رتقا، وهي رتقاء بينة الرتق: التصق ختانها فلم تنُل لارتقاق ذلك الموضع منها، فهي لا يستطاع جماعها، وفرجٌ أرتقُ: ملتزقٌ. انظر: "لسان العرب"(10/ 114)، مادة (رتق).
(5)
القرناء من النساء: التي في فرجها مانع يمنع من سلوك الذكر فيه، إما لغدة =
والصغيرِة، والمريضةِ المضناة (1)، وفي ذلك خِلافٌ بين الفقهاء (2).
- فمنهم من أخذ بالعموم.
- ومنهم من أخذ بالمعنى، وهو عدمُ المُضارَّةِ في حَقِّهن.
حتى ذهبَ مالك إلى أن مَنْ قصدَ المُضارَّةَ بتركِ الوطء ولم يؤلِ بلسانه يعتبر مؤلياً، والجمهورُ على خلافِه (3).
= غليظة، أو لحمة مرتتقة، أو عظم، يقال لذلك كله القرن. انظر:"لسان العرب"(13/ 335) مادة (قرن).
(1)
المرأة المضناة: هي المرأة التي أثقلها المرض حتى إنها لا تستطيع القيام بحق الزوجية.
(2)
أما الإيلاء من الرَّتقاء: فذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم صحته؛ لأن الوطء متعذر دائمًا.
وذهب المالكية والحنفية إلى صحته؛ لاحتمال زوال الرتق والقرن.
انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (5/ 59)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 683)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 17)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 24).
وأما الإيلاء من الصغيرة: فيصح عند الأئمة الأربعة. انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (5/ 59)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 671)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 17)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 24).
وأما الإيلاء من المريضة: فيصح -أيضاً- عند الأربعة. انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (5/ 59 - 60)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 683)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 17)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 34).
(3)
إذا ترك الزوج وطء زوجته بغير يمين قاصداً المضارة: فلا يكون مولياً عند الشافعية والحنابلة والأصح عند المالكية. وذهب الحنابلة في راوية عندهم: أنه يكون موليًا، وهذا هو المرجح عندهم. انظر:"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 46)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 677)، و "روضة الطالبين" للنووي (8/ 235)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 53)، و"الإنصاف" للمرداوي (9/ 169). =
* وأجمعوا على أن المراد بالنساء الأزواج دون الإماء (1)؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} [البقرة: 227]، وليس في الإماء طلاق، ولأنه لا يجب للمَمْلوك على مالكه شيءٌ غيرُ المؤنة.
* إذا تمَّ هذا فالإيلاء في لسانِ العربِ هو الحلفُ مطلقاً، قال الشاعر:[البحر الطويل]
فآليتُ لا أنفك أحدو (2) قَصِيدةً
…
تكون وإياها بها مثلاً بعدي
- فمن أهل العلم من جعل الحلفَ على الامتناعِ من الوَطْءِ بكلِّ شيءٍ مَحْلوفٍ به، سواءٌ حلف بالله، أو بغيره، وبه قال الجمهورُ، والشافعيُّ في الجديد، ويروى عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-.
- ومنهم من نظرَ في الإيلاء إلى عرفِ الشرعِ، فإنْ حلفَ باللهِ، فهو مُؤلٍ، وإنْ حلف بغيره، فليس بِمُؤْلٍ (3)، وهو قولُ الشافعيِّ في القديم.
= قلت: وما أطلقه المصنف هنا عن الإمام مالك: أنه يعتبر مولياً، قد صحح خليلٌ خلافَه، ومشى عليه شراحُه. انظر:"حاشية الدسوقي"(2/ 677)، و"مواهب الجليل" للحطاب (5/ 416).
(1)
انظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: 125).
(2)
الحَدْو: هو سَوْق الإبل والغناء لها. "اللسان"(مادة: حدو)، (14/ 186).
(3)
القول بكون من حلف بالله أبو بغيره، كأن يحلف بطلاق أو عتاق أو صدقة، وكل يمين منعت جماعاً = هو الذي عليه الجمهور، وبه قال الشعبي والنخعي، وأهل الحجاز والعراق والثوري، وأبو عبيد وأبو ثور، وبه قال مالك والشافعي في الجديد، وأبو حنيفة، وغيرهم.
وأما من قال بأن الإيلاء لا يكون إلا في الحلف بالله تعالى، فإن حلف بغيره، فإنه لا يكون مولياً = هو رواية عن أحمد، وهي المنصورة في المذهب.
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 243)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 98). وانظر:"رد المحتار" لابن عابدين (5/ 53)، و"حاشية =
36 -
* أقول: المطلقةُ لا تخلو (1):
- إما أن تكون مدخولاً بها، أو لا.
- والمدخولُ بها لا تخلو إمّا أن تكونَ حاملاً، أو لا.
وغيرُ الحامل لا تخلو إما أن تكون من ذوات الحَيْضِ، أو لا.
والخالية من الحيضِ لا تخلو إما أن تكونَ لا تعرفه أصلاً، وهي الصغيرة، أو تعرفه، ثم انقطع.
والمنقطعُ دمُها لا تخلو إما أن تكونَ انقطع دمُها لإياسٍ، أو غيره.
وقد ذكر اللهُ سبحانه جميعَ ذلك في كتابِه، وبيَّنه نَصًّا وعموماً، فقال في هذه السورة:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، وهذا عامّ في كل مُطَلَّقة، وقال في سورةِ الأحزاب:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49]، فهي مخصِّصة ومبيِّنة لآية البقرة.
وقال بعضهم: آية الأحزاب ليست مخصصة لآية البقرة؛ لأن الله سبحانه قال في أثنائها: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، فدلَّ
= الدسوقي" (2/ 670)، و"روضة الطالبين" للنووي (8/ 230)، و" المغني" لابن قدامة (11/ 5)، و"الإنصاف" للمرداوي (9/ 173).
في "أ": "الجديد"، وهو خطأ. وانظر:"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 253).
(1)
في "ب" زيادة: "هي".
على أن المراد بآية البقرة: المطلقاتُ المدخولُ بهنَّ.
وما قاله هذا القائل لا يستقيمُ إلا على قولِ بعض الأصوليين: إن أول الآية يُخَصُّ بآخرها، وقد بينتُ ذلك في مقدمة كتابي هذا.
وقال الله سبحانه: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] فيُخصّ بها عمومُ آيةِ البقرةِ.
- * وأمّا الخالياتُ عن (1) الحيضِ؛ لصغر، ومن انقطع دمُها لإياسٍ، فقال الله سبحانه فيهنَّ:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4].
فمنهم من قال: يُخَصُّ بها عموم آية البقرة؛ فإنها عامَّة فيهن.
- وقال بعضهم: إن آيةَ البقرة لا تتناولُهنَّ؛ لأن اللهَ سبحانه أمرَ المطلقاتِ في سورة البقرةِ أن يتربَّصْنَ بالأقراء، وهي مفقودةٌ منْ هؤلاءِ، فدل على أنهنَّ لم يُرَدْنَ (2).
وهذا القولُ حسن وصواب إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ لأن ذلك ليسَ في استطاعتهنَّ عادةً، ولا فِعْلاً، حتى يؤمرْنَ به، فلا نزاع في هذا، والله أعلم.
* وأما التي انقطع دمها.
فإن كانَ لعارضٍ معروفٍ كرَضاعٍ أو مرضٍ، تَرَبَّصَتْ عَوْدَه، واعتدَّتْ بالأقراء؛ لعمومِ قولهِ تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، ولمفهومِ قوله سبحانه:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} [الطلاق: 4]، وروي ذلكَ عن عثمانَ وعليٍّ وزيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ مسعودٍ
(1) في "ب": "من".
(2)
انظر: "تفسير الرازي"(3/ 2/ 93).
-رضي الله تعالى عنهم- (1).
وإن كان لغيرِ عارضٍ معروفٍ، فقد اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلك:
- فقال عُمَرُ -رضي الله تعالى عنه-: أيُّما امرأةٍ طلقتْ، فحاضَتْ حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها (2)، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حَمْلٌ، فذلك، وإلا اعتدَّت بعدَ التسعةِ ثلاثةَ أَشْهُرِ، ثم حَلَّتْ (3)، وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ والشافعيُّ قديماً (4)؛ لأن العِدَّة تُزاد لبراءة الرحمِ، فإذا علم براءته (5)، فلا معنى للتربصِ، ولما في ذلك من الإضرار.
- وقال علي وابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنهما-: تقعدُ إلى الإياس،
(1) وهو قول الأئمة الأربعة، وأكثر أهل العلم. انظر:"معالم التنزيل" للبغوي (5/ 110)، و"أحكام القرآن" للجصاص (5/ 352)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (9/ 18/ 153)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 738)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 82)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 216).
وقد خالف المالكية في انقطاع الحيض بسبب المرض فقالوا: تتربص تسعة أشهر -مدة الحمل غالباً-، ثم تعتد بثلاثة أشهر. انظر:"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (9/ 18/ 153)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 739).
(2)
كذا في رواية "الموطأ"، ورواية عبد الرزاق في "المصنف"(11095) أوضح، وفيها:"فحاضت حيضة أو حيضتين ثم قعدت"، وبرقم (11096) وفيها:"حيضة أو حيضتين ثم ارتفعت حيضتها".
(3)
رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 582)، ومن طريقه: الإمام الشافعي في "مسنده"(ص: 298)، وفي "الأم"(5/ 213)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 419).
(4)
انظر: "حاشية الدسوقي"(2/ 738)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 82) و"المغني" لابن قدامة (11/ 217). وانظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (18/ 94)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (8/ 420).
(5)
في "ب": "براءة الرحم".
ثم تعتدُّ بالشُّهورِ (1)، وبه قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ (2)؛ كالتي انقطع دمها لعارِضٍ، ولِمَا قدَّمْنا من العموم والمفهوم.
* وأما الحائضُ المدخولُ بها:
فقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أن عِدَّةَ الحرائرِ منهن ثلاثةُ قروء (3).
وإنَّما اختلفوا في الإماء:
- فذهبَ داود وأهلُ الظاهر وابنُ سيرينَ إلى إلحاقهن بالحرائر؛ لتناولِ العُموم لهنَّ (4).
- وذهبَ الجمهورُ إلى نُقصانِهِنَّ عن الحرائرِ؛ قياساً على نقصانهنَّ عنهنَّ (5) في الحَدِّ، فعدَّتهن قَرْآنِ (6)؛ لأن القَرْءَ لا يَتبَعَّضُ، فكمل لها قَرآنِ، ولهذا روي عن عُمر رضي الله عنه: أنه قال: لو استطعْتُ أن أجعل عِدَّةَ الأَمَةِ حَيْضَةً ونصْفاً، لفعلتُ (7).
(1) انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (18/ 96).
(2)
أي: في الجديد. انظر: "مغني المحتاج" للشربيني (5/ 82)، و"رد المحتار" لابن عابدين (5/ 147). وانظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 95)، و"أحكام القرآن " للجصاص (5/ 352)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (153/ 18/9).
(3)
انظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: 134)، و"المغني" لابن قدامة (199/ 11).
(4)
انظر: "المحلى" لابن حزم (10/ 306)، و"المغني "لابن قدامة (11/ 206)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 110).
(5)
"عنهن" ليست في "ب".
(6)
انظر: "المحلى" لابن حزم (10/ 306)، "تفسير الرازي"(3/ 2/ 98)، و"المغني "لابن قدامة (11/ 206)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 110).
(7)
رواه سعيد بن منصور في "سننه"(1270)، وابن أبي شيبة في "المصنف" =
فإن قيل: الحَدُّ مَبْناهُ على الدَّرْءِ والإسقاطِ، والعِدَّةُ مبناها على اللزوم والاحتياطِ، فلا يصلح الاعتبار.
قلت: لما شهد الشرع بالتفرقة بين الحرَّةِ والأمَةِ في براءة الرَّحِمِ؛ لنقصان الأمةِ وكمالِ الحُرَّةِ، فاكتفى في براءةِ رحمِ الأمة بحيضة في بعض الأحوال، ولم يكتف بذلك في الحرةِ أصلاً، صحَّ اعتبارُ النقصانِ بالنقصان، فالاعتبار في مقدار النقصان، لا في أصل النقصان.
* واتفق أهلُ اللسانِ كالأَصْمَعِيِّ وأبي عبيدة وغيرِهما على أن القَرْءَ يقع على الطُّهْرِ وعلى الحيض؛ لأنه اسم للوقت، فوقع على الطُّهْر والحيض، يقال: قَرَأَتِ المرأة: إذا دنا حَيْضُها، وقَرَأَتْ: إذا دنا طُهْرُها (1)، فقال الشاعر:[البحر المتقارب]
إذا ما الثُّريّا وقَدْ أَقْرَأَتْ
…
أَحَسَّ السِّماكانِ منها أُفولا (2)
والوقتُ هنا علامة تَمُرُّ على المُطَلَّقة تُحْبَسُ فيها عن النكاح حتى تستكملها.
* واتفقوا على أنَّ المرادَ به أَحدُهُمَا، إما الطُّهر، وإما الحيضُ، واختلفوا في تعيينه:
- فقالت عائشةُ وزيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عُمَرَ: الأقْرَاءُ: الأطْهارُ (3). وبه قال
= (18775)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 426).
(1)
انظر في بيان معنى القرء: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (3/ 264)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 32)، و"لسان العرب" لابن منظور (1/ 130 - 131)، و"تاج العروس" للزبيدي (1/ 366)، (مادة: قرأ).
(2)
ذكره ابن جرير الطبري في "تفسيره"(2/ 444) دون نسبة.
(3)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (1/ 656).
فقهاءُ المدينة، والزهريُّ، وربيعةُ ومالًا، والشافعيُّ (1).
قال الزهريُّ: ما رأيتُ أحدًا من أهل بلدنا إلَّا يقول: الأقراءُ: الأَطهارُ، إلا سعيدَ بنَ المسيِّب (2).
- وقال عمرُ وعلي وابنُ مسعودٍ وأبو موسى: الأَقراء: الحِيَضُ (3).
وبه قال الأوزاعيُّ وأهلُ الكوفة والثوريُّ وأبو حنيفة (4).
وعن أحمد روايتان (5).
واحتجَّ أصحابُ القولِ الأولِ بالحديث الثابتِ عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: أنه طلقَ امرأتَه وهي حائِضٌ على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألَ عمرُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَتغَيَّظَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثم لْيُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثُمَ تَحيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثم إنْ شاءَ أَمْسكَهَا بعدُ، وإن شاءَ طَلَّق قبل أَنْ يمسَّ؛ فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ أن تُطَلَّقَ لها النساء"(6).
(1) انظر: "معالم التنزيل" للبغوي (1/ 299)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (18/ 26، 32)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 55)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 156)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 200)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 736)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 79).
(2)
انظر: "تفسير السمعاني"(1/ 229).
(3)
انظر: " الدر المنثور" للسيوطي (1/ 657 - 658).
(4)
انظر: "معالم التنزيل" للبغوي (1/ 298)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (18/ 34)، و"تفسير الرازي"(3/ 2/ 95)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 55)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 106)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 205)، و"رد المحتار" لابن عابدين (5/ 145).
(5)
قلت: الراجح الذي عليه جماهير أصحابه أن المراد من القرء في الآية هو: الحيض. انظر: "المغني" لابن قدامة (11/ 199 - 200)، و"الإنصاف" للمرداوي (9/ 279).
(6)
رواه البخاري (4953)، كتاب: الطلاق، في أوله، ومسلم (1471)، كتاب: =
فإذا ثبت أن الطُهْرَ مَحَلُّ الطلاق، ثبتَ أنه محلُّ العدة (1). وهذا دليل واضح من جهة السمع.
أما من جهة المعنى المتعلق بالوضع:
- فإنهم احتجُّوا بأن هذا الجمع خاصٌ بالقَرْءِ الذي هو الطُّهر، وأما القُرْءُ الذي بمعنى الحَيْض، فإنه يجمع على أقراء، لا على قروء، وحكوا هذا عن ابن الأنباري -واستدلوا بتذكير العدد على تذكير المعدود، والطُّهْر مذكَّرٌ، والحيضة مؤنثة، ولو كانت مرادة لأَنَّثَ العَدَدَ.
- واستدلوا بالاشتقاق؛ لأنه مشتق من قولهم: فلان يُقْرِئُ الماءَ في حوضه، أي: يجمعه، فالقَرء هو الحبس والجمعُ، والطهر إذا كان وقتًا فهو أولى في اللسان بمعنى القَرء، ولأنه حَبْسُ الدم.
واحتج القائلون بالثاني:
- بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر في سَبْيِ أَوْطاسٍ أَنْ يُسْتبرأْنَ قَبلَ أَنْ يُوطَأنَ بحيضة (2)، والعِدَّةُ استبراءٌ، فاستبراءُ الحُرَّةِ بثلاث حِيَضٍ كَوامِلَ، تخرج منها إلى الطُّهرِ، كما تستبرئ الأمةُ بحيضةٍ كاملةٍ، تخرج منها إلى الطهر.
- ولأن الحيضَ ممّا يجيء لوقتٍ، وأما الطهرُ فأصلٌ، فكان الحيض في اللسان أولى بمعنى القَرء؛ لأن المواقيتَ والعلاماتِ أقلُّ ممّا بينهما، والحيضُ أقلُّ من الطُهر فهو في اللغة أولى للعدة أن تكون وقتاً؛ كما يكونُ الهلالُ وقتاً فاصلاً بين الشهرين.
= الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.
(1)
في "أ": "العدد".
(2)
روى الإمام أحمد في "المسند"(3/ 28)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 124)، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس: "لا يقع على حامل حتى تضع، وغير حامل حتى تحيض حيضة".
ومن أجل هذا المعنى حكى بعضُ الشافعية (1) قولاً أن القرء هو الانتقالُ من الطهرِ إلى الحيض؛ لأنه أقل الأوقات والعلامات، وإنما لم يجعل الانتقال من الحيض إلى الطهر مراداً بالكتاب، وإن كان معنى التسمية واقعاً عليه؛ لأن الحيضَ ليس بوقتٍ مشروعٍ للطلاق، فلا يكون الانتقالُ منه إلى الطهرِ مُراداً لله عز وجل (2).
* وفي قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]: دلالةٌ على أنها مأمونةٌ على العِدَّة (3)، فإذا ادعت انقضاءها لمدةٍ يمكن أن تنقضيَ فيها، قُبِل قولُها، وهو اثنان وثلاثون يوماً عند الشافعيِّ (4)، وأربعة وخمسون يوماً عند بعض أهل العراق (5).
(1) حكاه الغزالي في "الوسيط"(6/ 118)، والماوردي في "الحاوي الكبير" (11/ 165). وانظر:"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 80).
(2)
انظر الاحتجاج لكلا القولين في: "الحاوي الكبير" للماوردي (11/ 165)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 299)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 250)، و "تفسير الرازي"(3/ 2/ 96)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 56)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 107/1)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 200).
(3)
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 253)، و "تفسير الرازي"(3/ 2/ 99).
(4)
قال الرازي في "تفسيره"(3/ 2/ 99): لأن أمرها يحمل على أنها طلقت طاهرة، فحاضت بعد ساعة، ثم حاضت يومًا وليلة وهو أقل الحيض، ثم طهرت خمسة عشر يوماً وهو أقل الطهر، ثم حاضت مرة أخرى يوماً وليلة، ثم طهرت خمسة عشر يوما، ثم رأت الدم، فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا، قبل قولها، انتهى.
وانظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (11/ 176)، فقد قال: أقله اثنان وثلاثون يوماً وساعتان.
(5)
انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (3/ 199).
قال قتادةُ: كانت عادتهنَّ في الجاهليةِ أن يَكْتُمْنَ الحَمْلَ ليلحقَ (1) الوليدُ بالزوجِ الجديدِ، ففي ذلك نزلت الآية (2).
وقال الشافعي: أنا (3) سعيدٌ -هو ابنُ سالم-، عن ابنِ جريجٍ: أن مُجاهداً قال في قول الله عز وجل: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]: المرأةُ المطلَّقَةُ لا يحلُّ لها أن تقولَ: أنا حُبْلى، وليستْ بحبلى، ولا: لستُ بِحُبلى، وهي حُبْلى، ولا: أنا حائضٌ، وليست بحائضٍ، ولا: لستُ بحائضٍ، وهي حائضٌ (4).
وهذا -إن شاءَ الله تعالى- كما قال مجاهدٌ لمعانٍ منها:
أنه لا يحلّ الكذب، والآخر ألَاّ تكتم الحملَ والحيضةَ لعلَّهُ يَرْغَبُ، فيراجعَها، ولا تَدَّعيها لعلَّهُ يُراجِعُ، وليست له حاجة بالرجعةِ لولا ما ذَكَرَتْ، فتغرَّهُ، والغرور لا يحلُّ.
والنهي يحتمل أنه لا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن إذا سُئلن (5)، ويحتمل ألاّ يكتمن، وإن لمْ يسألْهُنَّ الزوج.
قال ابنُ جريجٍ: سئل عطاءٌ: الحَقُّ عليها أن تخبرَهُ بحَمْلِها، وإن لم يرسل إليها يسألها عنه؛ ليرغَبَ فيها؛ قال: تظهره، وتخبرُ به أهلها، فسوف يبلُغُه (6).
(1) في "ب": "ليلحقن".
(2)
رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(2/ 449) وليس فيه: أنه نزلت بسبب ذلك، وإنما ذلك في "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 111).
(3)
أي: أخبرنا.
(4)
رواه الإمام الشافعي في "مسنده"(ص: 213)، وعبد الرزاق في "المصنف"(11059)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 420).
(5)
في "ب": "سألهن".
(6)
رواه الإمام الشافعي في "مسنده"(ص: 213)، وعبد الرزاق في "المصنف"(11058).
* وقيل (1): كان في مبدأ صدر الإسلام للرجلِ أن يراجعَ امرأته في الحملِ، وإن طلقها ثلاثاً.
وقيل -والله أعلم-: إن قوله سبحانه {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، أي (2): في العِدَّةِ، وهي حامل، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229].
وقال قوم (3): نسخها قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230].
فإن قيل: فمفهومُ قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] يدلُّ على أن البُعولَةَ لا تستحقُّ الردَّ إذا لم يريدوا الإصلاح.
قلنا: هذا المفهوم يعارضه قوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231]، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- قريباً، فلا مفهوم لهذا الشرط، بل فيه إيماءٌ إلى أن المراجعة في هذا الحال أحسنُ وأولى؛ لما فيه من إصلاح حالهما، وإزالة الوحشة بينهما (4).
(1) القائل هو ابن أبي أويس: انظر: "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي (ص: 177).
(2)
"أي" ليست في "ب".
(3)
انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 234)، وانظر:"الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 65)، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي (ص: 178)، و"الناسخ والمنسوخ" لابن العربي (2/ 87).
(4)
قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(2/ 1/ 115): الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار وتطويل القطع، والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح، فمحرم؛ لقوله تعالى:{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} ، ثم من فعل ذلك، =
* وقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] مُجْمَلٌ يحتمل أن يريد: ولهن النفقةُ والكسوةُ والسكنى؛ كما عليهن الرجعةُ، أو لهنَّ من حسنِ العشرةِ والصحبةِ مثلُ ما عليهنَّ من الطاعة.
* وقد اتفق أهلُ العلم على أن الذي يجبُ لهن (1): النفقةُ والكُسْوَةُ وحُسْنُ العِشْرة؛ لقوله تعالى: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [[النساء: 5].
* واتفقوا على أن الواجب عليها: طاعةُ الزوجِ إلى الفراش، وحسنُ العشرةِ والصحبةِ.
* واختلفوا هل يجبُ عليها الخدمةُ؟
- فمذهب (2) الجمهور أنه لا يجب عليها الخدمة؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34]؛ ولأن المقصود بالعقد الاستمتاعُ، لا الخدمةُ (3).
- وقال بعض المالكية: يجب عليها خدمةُ زوجِها بالمعروفِ من عادة أمثالها؛ كما جرى عُرْفُ المسلمين في قديم الأمر وحديثه، ويجبُ عليه أن
= فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهي وظلم نفسه.
وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 256)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 233).
(1)
انظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: 141)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (3/ 1027).
(2)
في "ب": "فذهب".
(3)
قال الجمهور: ليس على المرأة خدمة الزوج من العجن والخبز والكنس وأشباهه؛ لأن المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع، فلا يلزمها غيره؛ كسقي دوابه، وحصاد زرعه وأمثاله. انظر:"الخانية على الفتاوى الهندية"(1/ 443)، و "المجموع" للنووي (16/ 425)، و "المغني" لابن قدامة (10/ 225).
يُخْدِمها إخدامَ مثلِها، فإن كانت لا تكتفي بخادم واحد؛ لكونها من بناتِ الملوك، وجبَ إخدامُها بقدر كفايتها؛ لأنه المعروفُ (1)، خلافاً لأبي حنيفةَ والشافعيِّ (2).
وهذا على أصلهم من التخصيص والتقييدِ بالعادة.
* * *
(1) قلت: هذا هو المذهب عند المالكية، وليس قولاً لبعضهم. قال المالكية: إن كانت الزوجة ذات قدر، ليس شأنها الخدمة، فيجب عليه إخدامها بواحدة، وإن لم تكف الواحدة، زاد عليها، فإن لم تكن أهلاً للإخدام، وجب عليها الخدمة الباطنة من عجن وخبز وكنس وطبخ له وغسل ثيابها، بخلاف الخدمة الظاهرة؛ كالنسخ والغزل والخياطة ونحوها مما هو من التكسب عادة، فهي واجبة عليه لها، لا عليها له. انظر:"حاشية الدسوقي"(2/ 802)، و"الموسوعة الفقهية"(24/ 59).
(2)
فقد قال الحنفية والشافعية: لا يلزمه أكثر من خادم. وهو قول الحنابلة.
انظر: "الهداية" للمرغيناني (2/ 646)، و"مغني المحتاج" للشربيني (5/ 161)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 355).