المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌(تحريم الرِّبا) 53 - (53) قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا - تيسير البيان لأحكام القرآن - جـ ٢

[ابن نور الدين]

فهرس الكتاب

- ‌(من أحكام الأيمان)

- ‌(من أحكام الطلاق)

- ‌(عدد الطلاق التي يملك الزوج فيها الرجعة)

- ‌(أحكام الخلع)

- ‌(النَّهي عن مضارَّة المطلقة)

- ‌(النهى عن عَضْل المطلقات)

- ‌(من أحكام الرضاع)

- ‌(عدة المتوفى عنها زوجها)

- ‌(التعريض بخطبة المعتدَّة)

- ‌(طلاق المفوّضة)

- ‌(حكم المطلقة قبل المس وبعد الفرض)

- ‌(الصلاة الوسطى، وصلاة الخوف)

- ‌(عدَّةُ المتوفَّى عنها)

- ‌(متعة المطلقة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(صدقة التطوع)

- ‌(تحريم الرِّبا)

- ‌(وجوبُ تركِ التَّعامُل بالرِّبا)

- ‌(المُداينة)

- ‌(الرَّهن)

- ‌سُورَةُ آلَ عِمْرَانَ

- ‌(النَّهي عن اتخاذ الكافرين أولياء)

- ‌(فَرضُ الحجِّ)

- ‌(الشوري)

- ‌سُورَةُ النِّسَاءِ

- ‌(من أحكام اليتامي)

- ‌(من أحكام المواريث)

- ‌(من أحكام الوصية)

- ‌(من أحكام المواريث)

- ‌(من أحكام الحدود)

- ‌(من أحكام التوبة)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌(من أحكام البيوع)

- ‌(من أحكام القضاء)

- ‌(من أحكام المواريث)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌(من أحكام الطهارة والصلاة)

- ‌(من أحكام الإمامة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام السَّلام)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام القصاص والديات)

الفصل: ‌ ‌(تحريم الرِّبا) 53 - (53) قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا

(تحريم الرِّبا)

53 -

(53) قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].

أقول:

* أحلَّ اللهُ سبحانه البيعَ لعباده، وبينَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أشياءَ من البيع أنّها لا تجوزُ، فنهى عن بَيع وشرْطٍ (1)، وعن بيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ (2)، وعن بيع المُلامَسة والمُنابَذَةِ (3)، وعن بيعِ الغَرَر (4)، وغير ذلك.

(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(4361) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. وانظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (3/ 12).

(2)

رواه البخاري (2036)، كتاب: البيوع، باب: بيع الغرر وحبل الحبلة، ومسلم (1514)، كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع حبل الحبلة، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(3)

رواه البخاري (2039)، كتاب البيوع، باب: بيع المنابذة، ومسلم (1511)، كتاب: البيوع، باب: بيع الملامسة والمنابذة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

رواه مسلم (1513)، كتاب، البيوع، باب: بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 148

وسيأتي الكلام على البيع في "سورة النساءِ" -إن شاء الله تعالى-.

* والربا في اللغة هو الزيادةُ (1)، وهو يقع على ضربين:

أحدهما: ربا الجاهلية، وسيأتي ذكره قريباً -إن شاء الله تعالى-.

والثاني: ربًّا بيَنَهُ الشارعُ صلى الله عليه وسلم، وهو على ضربين أيضاً: أحدهما: ربا الفَضْل، كبيعِ الدينار بالدينارين، والدرهمِ بالدرهمين.

والثاني: ربا النَّسِيئَةِ، كبيع دينارٍ ناجزاً بدينارٍ غائباً (2)، فهذا متفق عليه بين المسلمين (3).

* وأما ربا الفَضْل، فخالف فيه (4) ابنُ عباسٍ وابنُ عمر -رضي الله تعالى عنهم- (5)، وكانا لا يريان بأساً في بيع الدرهم بالدرهمين ناجزاً، ويروى عن عروة بنِ الزبير -رضي الله تعالى عنهما- (6)، واحتج ابنُ عباس فقال: أخبرني أسامةُ بنُ زيدٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّما الربا (7) في النَّسيئَةِ"(8).

(1) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 280)، و"التعريفات" للجرجاني (146)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (2/ 191)، و"لسان العرب" لابن منظور (14/ 304).

(2)

في "أ": "ناجز بدينار غائب".

(3)

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 317).

(4)

"فيه "ليست في "أ".

(5)

كما في "صحيح مسلم" عنهما. انظر: (1594).

(6)

انظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 52) وفيه: ابن الزبير، ولعل المراد به: عبد الله لا عروة كما هنا، والله أعلم.

(7)

في "أ": "الزيادة".

(8)

رواه البخاري (2069)، كتاب: البيوع، باب: بيع الدينار نَساء، ومسلم (1596)، كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلاً بمثل.

قال ابن عبد البر: لم يتابع ابن عباس على تأويله في قوله في حديث أسامة هذا=

ص: 149

وروي عن أبي الجَوزاء، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: كنت أُفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيدٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ينهى (1) عنه، فأنا أنهاكم عنه (2).

وكذلك رجعَ ابنُ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما (3).

والذي عليه أمرُ الصحابةِ وسائرِ السَّلَف، واستقرَّ عليه أمرُ المسلمين تحريمُ رِبا الفَضل (4)؛ لثبوتِ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية عمر، وأبي سعيد الخدريِّ، وعثمانَ، وأبي هريرةَ، وأبي الدرداء، وعبادةَ بنِ الصامت، وغيرهم -رضي الله تعالى عنهم-.

روينا في "صحيح مسلم" عن أبي الأشعث الصَّنعْانيِّ قال: كُنا في غَزاةٍ علينا معاويةُ، فأصبنا ذهبًا وفضةً، فأمر معاويةُ رجلًا أن يبيعَها الناسَ في

= أحدٌ من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها، وليس أحد بحجة عليها، وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن ذلك. انظر:"الاستذكار"(19/ 209).

(1)

في "ب": "النهي".

(2)

رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 282)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(14/ 292)، وفيه: " .. حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى

".

(3)

رجوع ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم عن ذلك هو في "صحيح مسلم" برقم (1594).

(4)

قال ابن عبد البر: ولا أعلم خلافًا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين، ولا بأكثر منه وزنًا، ولا الدرهم بالدرهمين

، إلا ما كان عليه أهل مكة قديمًا وحديثًا من إجازتهم التفاضل في ذلك إذا كان يدًا بيد، أخذوا ذلك عن ابن عباس. انظر:"الاستذكار"(19/ 207). وانظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (3/ 1167).

ص: 150

أعطانهم (1)، فتسارع الناس فيها، فقام عُبادةُ بنُ الصامتِ، فنهاهم، فردُّوها، فأتى الرجلُ مُعاوية، فشكا إليه، فقامَ معاويةُ خطيبًا، فقال: ما بالُ رجالٍ يحدِّثونَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثَ يكذبون عليه فيها، ولم يسمعوها؟ فقامَ عبادةُ فقال: والله لنحَدِّثَنَّ (2) عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإن كرهَ معاوية، قال (3) رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"لا تَبيعوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الفِضَّةَ بالفضَّةِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعيرَ بالشَّعيرِ، ولا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بِسَواءً"، وفي بعض الروايات:"يَدًا بيِدٍ، عَيْنًا بِعيْنٍ"، وفي بعض الروايات:"فَمَنْ زادَ أَوِ اسْتَزادَ فَقَدْ أَرْبى"، وفي بعض رواياته:"فَإِنِ اخْتَلَفَتْ هذهِ الأصنافُ (4)، فَبيعُوا كيفَ شِئْتمُ، إذا كانَ يَدًا بِيدَ"(5).

فنصّ في حديث عبادة -رضي الله تعالى عنه- على ستة أعيان، فحرم فيها النَّساءَ تحريمًا مطلقًا، وحرم فيها التفاضُلَ إذا اتفقَ الجنسانِ، وأحلَّه إذا اختلف الجِنْسان.

وعلى هذا اتفق أهلُ العلم، إلا ما حكيَ عن ابنِ عُلَيَّةَ أنه قال: إذا اختلفَ الصِّنفانِ، جاز التفاضُلُ والنسيئةُ، ما عدا الذهبَ والفضةَ في النسيئة (6).

(1) العَطَن للإبل: كالوطن للناس، وقد غَلَب على مبركها حول الحوض، والمعطن كذلك، والجمعُ أعطان. "اللسان" (مادة: عطن) (13/ 286).

(2)

في "ب": "لنحدث".

(3)

في "ب": "قاله".

(4)

في "ب": "الأوصاف".

(5)

رواه مسلم (1587)، كتاب: المساقاة، باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا.

(6)

انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (3/ 1168). ونقل ابن عبد البر والنووي =

ص: 151

وقد اتفق أهلُ العلم على العمل بحديث عبادةَ، إلا ما ذهب إليه مالكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، ومعظمُ علماءِ المدينة والشام: أن البُرَّ والشعيرَ جنسٌ واحدُ، فلا يجوز فيهما التفاضُلُ (1).

واحتج بعَمَل أهل المدينة (2).

وفي بعض رواياتِ حديثِ عبادة: "فَبِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، والبُرَّ بالشَّعيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ"، وصححها التِّرمذيُّ (3).

* ثم اختلف أهلُ العلم.

- فمنهم من قَصَرَ صِنْفَيِ الربا الفَضْل والنسيئة على هذه الأعيان الستة، ولم يُلْحِقْ بها غيرَها، فمهما اتفقَ الجنسان، حَرُمَ الفضلُ والنسيئةُ، ومهما اختلف الجنسانِ، حَرُمَ النسيئةُ، وجازَ الفضلُ.

وبهذا قال أهلُ الظاهر (4)، وذلك لمنعهم القولَ بالقياس.

= الإجماع على ذلك مطلقًا. انظر: "الاستذكار"(19/ 219)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 13).

(1)

وهو محكي عن عمر وسعيد وسعد بن أبي وقاص وسليمان بن يسار والحكم وحماد وابن معيقيب. انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (20/ 31)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (3/ 1177)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 80)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 318)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 13).

(2)

انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (20/ 33).

(3)

رواه الترمذي (1240)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلًا كراهية التفاضل فيه، وقال: حسن صحيح، والطبراني في "المعجم الأوسط"(2655).

(4)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (19/ 221)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (3/ 1168)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 54).

ص: 152

- وذهب الجمهورُ إلى إلحاق غيرها بها (1)، فنظروا في الأعيانِ الستةِ، فوجدوها ترجعُ إلى شيئين: نَقْدٍ وغيرِ نقدٍ.

واختلفوا في عِلَّةِ النقدين.

- فذهبَ مالك والشافعيُّ إلى أن علةَ صِنْفي الربا فيهما كونُهما قيمَ الأشياء، فمعناهُما قاصر عليهما لا يتعدَّاهما، بل يمنع أن يلحقَ بهما غيرُهما (2).

- وذهب أبو حنيفةَ إلى أن علةَ الربا كونُهما موزونَيْنِ (3)، فلا يجوز التفاضُلُ ولا النساء في مُتَّحِدِ الصنفِ، كالحديد بالحديد، ولا يجوز النَّساءُ في مختلف الصنف؛ كالحديد بالرصاص وإن جاز التفاضل، إلا في الذهب والفضة مع غيرهما، فإنه يجوز فيهما النَّساء والتفاضُل، لانعقاد الإجماع على جواز إسلامهما في غيرهما من الموزونات، فالمعنى عنده متعدّ، لكنه مخصوصٌ.

ثم اختلفوا في علة غيرِ النَّقْد.

- فقال سعيدُ بن المسيِّب: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يكال أو يوزَن ممّا يؤكل أو يشرب (4)، فجعل العلةَ في النقدين قاصرةً، والعلةَ في غيرهما معتبرةً بوصفين: الطُّعْم مع الكيل أو الوزن.

(1) المراجع السابقة. وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 187).

(2)

انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (3/ 1169)، و"جامع الأمهات" لابن الحاجب (ص: 340)، و"روضة الطالبين" للنووي (3/ 378).

(3)

انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (4/ 401). قلت: وهو المشهور الصحيح عند الحنابلة. انظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 54)، و"الإنصاف" للمرداوي (5/ 11).

(4)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 635)، ومن طريقه عبد الرزاق في "المصنف"(14139).

ص: 153

وبه قال أحمدُ، والشافعيُّ في القديم (1).

- وقال الشافعي في الجديد: العِلَّةُ لِصِنْفَي الربا من الفَضْلِ والنسيئةِ، وَصْفٌ واحدٌ، وهو الطُّعْمُ فقط (2)، فتعدَّتْ علتُه إلى المطعوم الذي لا يُكال ولا يوزن، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تَبيعُوا الطَّعامَ بالطَّعامِ إلا مِثْلًا بمِثْل"(3)، فعلق الحكم باسم الطعام، فدل على أنه علَّة الحكم.

- وقال أبو حنيفة: العلة لصنفي الربا وَصْفٌ واحدٌ، وهو الكَيْلُ (4).

ويدل له ما روي في حديث عبادة -رضي الله تعالى عنه-: "والبُرَّ بالبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، والشَّعيرَ بالشَّعيرِ كَيْلًا بكَيْلٍ"(5) وقولُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: الدينارُ بالدينارِ، والدرهُم بالدرهمِ، والصَّاعُ بالصَّاع (6).

- وأما مالكٌ، فجعل الطُّعْمَ عِلَّةً لتحريم النَّساء، وجعلَ القوتَ والادِّخارَ علةً للتفاضُل، فإذا اتحد الصنفُ المُقتاتُ، حَرُمَ فيه صِنْف الربا من الفَضْل والنسيئة، وإذا اختلفا، جاز فيه (7) التفاضلُ، وحَرُمَ النَّساءُ، وإذا اتَّحَدَ الصنفُ من المطعومِ غيرِ المُقْتاتِ كالفاكهة، حَرُمَ النَّساءُ، وجازَ التفاضُلُ (8).

(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 55)، و"الإنصاف" للمرداوي (5/ 11)، و"روضة الطالبين" للنووي (3/ 377).

(2)

وهذا القول هو الأظهر. انظر: "روضة الطالبين" للنووي (3/ 377).

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 187)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (401/ 4).

(5)

رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 66)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 291) وابن عبد البر في "التمهيد"(19/ 179).

(6)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 635).

(7)

في "ب": "فيهما".

(8)

قلت: العلة عند الإمام مالك في غير الذهب والفضة - أي: المطعومات-: =

ص: 154

ولم يتبين (1) لي دليلُ التفرقة بين صِنْفَي الربا (2).

* وبيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن التفرُّقَ من المجلس قبل القَبْض في معنى (3) النَّساء.

روينا في "صحيح البخاري ومسلم" عن عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بالوَرِقِ رِبًا، إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبرِّ ربًا، إلا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعير رِبًا، إلا هاءَ وهاءَ"(4).

= ربا الفضل: العلة فيه الاقتيات والادخار.

ربا النسيئة: العلة فيه هي مجرد الطعم، سواء كان يقتات أم لا.

فإذا كان المأكول مقتاتًا مدخرًا، فإنه يحرم فيه التفاضل إذا كان من جنس واحد، ويحرم فيه النسيئة.

فإن لم يكن مقتاتًا ولا مدخرًا، فإنه يجوز فيه التفاضل ويحرم النَّساء.

قال ابن الجلاب في "التفريع"(2/ 125) ما نصه: ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد من المأكولات المقتاتة، ولا بأس بالتفاضل في الجنسين منها يدًا بيد، ولا يجوز النَّساء في المأكولات كلها، المقتاتة منها وغير المقتاتة.

وفي: "الاستذكار"(19/ 181): الذي ذهب إليه مالك وأصحابه في ذلك هو أن كل ما يؤكل أو يشرب إذا كان يدخر وييبس في الأغلب، فإن الربا يدخله إذا كان واحدًا من وجهين، وهما التفاضل والنسيئة، فإن كانا جنسين مختلفين، فلا ربا فيهما إلا في النسيئة، وجائز بيع بعض ذلك ببعض متفاضلًا يدًا بيد.

وأما ما لا ييبس ولا يدخر؛ مثل التفاح والأجاص والكمَّثرى والرمان والخوخ والموز والبطيخ وما أشبه ذلك مما اختلفت أسماؤه، فلا بأس بالتفاضل فيه يدًا بيد، جنسًا واحدًا كان أو جنسين، انتهى. وانظر:"حاشية الدسوقي"(3/ 70).

(1)

"يتبين" ليس في "أ".

(2)

قلت: ظهر من التعليق السابق دليل التفرقة، ولعله لم يتنبه له المصنف رحمه الله؛ لأنه نقله من "بداية المجتهد"(3/ 1169)، فإنه غير واضح فيه.

(3)

في "ب" زيادة "حكم".

(4)

رواه البخاري (2027)، كتاب: البيوع، باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، =

ص: 155

واقتصرت على هذا القدر، فإنه كافٍ في معرفة أصول الربا، وهو اللائق بكتابي هذا.

* وفي الآية دليل على أن من استحل ما حَرَّمَ اللهُ سبحانه ممَّا اتفقتْ عليه الأمةُ، وشاع تحريمُه فيها: أنه يكفُر بذلك (1)، وهو قوله تعالى:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].

ولا يخلد في النار إلا من هو كافرٌ (2).

* وفيها دليل على أنه إذا استحل ذلك جاهلًا، فلا يَكْفُر؛ فإن الخطابَ يدلُّ على أن من لم تأتِهِ موعظةٌ من ربه، فلا حَرَجَ عليه.

* * *

= ومسلم (1586)، كتاب: المساقاة، باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، وهذا لفظ مسلم.

(1)

قال ابن قدامة في "المغني"(12/ 276): من اعتقد حلَّ شيء أُجمع على تحريمه وظهر حكمه بين المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه؛ كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كَفَر.

وانظر: "المجموع" للنووي (3/ 16)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 192)، و"شرح الطحاوية" لابن أبي العز (2/ 432).

(2)

هذا إذا قلنا إن الآية فيمن عاد إلى قوله {إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} مستحلًا ذلك، لأنه بذلك يكفر، فيكون الخلود خلود تأبيد. وإن قلنا: إنها فيمن فعل الربا غير مستحل له، فإن ذلك لا يكفر، فيكون الخلود خلود مستعارًا على معنى المبالغة؛ لأن الربا حينئذ كبيرة، ومرتكب الكبيرة إذا مات دون توبة فأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وإن عذبه فلا يخلد في النار.

انظر: "تفسير الرازي"(4/ 1/ 103)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 286)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (2/ 483)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 329/1).

ص: 156