الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(المُداينة)
55 -
أقول:
* أحَلَّ اللهُ سبحانَهُ المُدايَنَةَ إلى أَجَل مُسَمًّى.
والمداينةُ من الدَّيْنِ المُفاعَلَة (1)، وهي اسمٌ لكل دَيْنٍ في الذِّمَّةِ، فيدخلُ
(1) في "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 327)، و"تفسير الرازي" (4/ 1/ 118):"المداينة: المفاعلة، من الدين".
في ذلك بيعُ السِّلْعَةِ المُعَيَّنَةِ بثمنٍ إلى أجلٍ مُسَمًّى، وبيعُ السلعةِ في الذمةِ إلى أجل مُسَمًّى، وهو السَّلَمُ والسَّلَفُ (1).
وقد بين ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه (2) مرادُ الله سبحانه، فقال: أشهدُ أن السَّلَفَ المضمونَ إلى أجل مُسَمًّى قد أحلَّه اللهُ في كتابه، وأَذِنَ فيه، ثم قرأ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (3)[البقرة: 282].
(1) قال الرازي: البياعات على أربعة أوجه: أحدها: بيع العين بالعين، وذلك ليس بمداينة البتة، والثاني: بيع الدين بالدين، وهو باطل، فلا يكون داخلًا تحت الآية؛ بقي هنا قسمان: بيع العين بالدينِ وهو ما إذا باع شيئًا بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية. انظر:"تفسير الرازي"(4/ 1/ 118).
* أما السَّلم، فقال النووي: ذكروا في حده عبارات، أحسنها: أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا. انظر: "روضة الطالبين"(4/ 3). وانظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 384)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 344). وقال أبو البقاء الكفوي: السَّلَم -محركة-: السلف، هو أخذ عاجل بآجل. انظر:"الكليات"(ص: 507).
وقال الجُرجاني: اسم العقد الملك للبائع في الثمن عاجلًا، وللمشتري في المثمَنِ آجلًا، فالمبيع يسمى مُسلمًا فيه، والثمن يسمى رأس المال، والبائع يسمى مُسْلَمًا إليه، والمشتري يسمى رب السلم. انظر:"التعريفات"(ص: 160).
واختلاف تعريف السَّلَم يرجع إلى اختلاف المذاهب في بعض شروطه.
(2)
في "ب" زيادة ""إنما".
(3)
رواه الإمام الشافعي في "مسنده"(ص: 138)، وعبد الرزاق في "المصنف"(14064)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(22319)، والحاكم في "المستدرك"(3130)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 18).
وانظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (20/ 21)، و"تفسير الرازي"(4/ 1/ 118)، =
* وقد اتفقَ على جواز السَّلَمِ جميعُ أهلِ العلم (1)؛ لثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، وهم يُسْلِفون في التَّمْرِ السنةَ والسنتينِ، وربما قال: السنتينِ والثلاثَ، فقال:"مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعلوم ووَزْنٍ مَعْلومٍ إلى أَجَلٍ مَعْلومٍ"(2).
فإن قيل: فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لحَكيم بنِ حزامٍ: "لا تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ"(3).
قلنا (4): يحتمل أن يكون المعنى: لا تبعْ ما ليس عندك، أي: ما ليسَ مُلْكَكَ، ويحتمل أن يكونَ المعنى: ما ليس عندك، أي: ما كان غائبًا عنك؛ مِمَّا ليسَ يُسْلَمُ (5)، ويكون الحديثُ مرتبًا على الآية، ومخصوصًا بها.
= و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 208)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 384)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 334).
(1)
قال ابن قدامة: قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز. انظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 385)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 344).
(2)
رواه البخاري (2125)، كتاب: السلم، باب: السلم في وزن معلوم، ومسلم (1604)، كتاب: المساقاة، باب: السلم. ورواه البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(8/ 184) بهذا اللفظ.
(3)
رواه أبو داود (3503)، كتاب: البيوع والإجارات، باب: في الرجل يبيع ما ليس عنده، والنسائي (4613)، كتاب البيوع، باب: بيع ما ليس عند البائع، والترمذي (1232)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، وابن ماجه (2187)، كتاب: التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن.
(4)
في "ب": "قلت".
(5)
قال الشافعي: السلف قد يكون بيع ما ليس عند البائع، فلما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم =
وبيَّن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه يجبُ إحضار الثمنِ (1) المُسْلَفِ، فنهى عن بيع الكالِئِ بالكالِئِ (2)، وعلى هذا أيضًا أجمعَ أهلُ العلم (3).
* وفي الآية تنبيهٌ على أنه لا يجوز المداينةُ إلا إلى أجل مُسَمًّى، فأما الأجلُ المجهولُ، فلا يُكْتَبُ؛ لعدم صِحَّته؛ لما فيه من الغَرَرِ العظيم، وعلى هذا اتفق أهلُ العلم (4).
* وإنَّما اختلفوا في التوقيتِ بالأوقاتِ المعلومةِ الوقتِ، المجهولةِ المقدارِ (5)؛كالتأجيل بالحَصاد والعَطاء والمَوْسم، فمنعه أبو حنيفةَ والشافعيُّ (6)، وجَوَّزَه مالكٌ (7)، ورأى غَرَرَهُ يسيرًا؛ كنقصان الشهور.
= حكيمًا عن بيع ما ليس عنده وأذن في السلف، استدللنا على أنه لا ينهى عما أمر به، وعلمنا أنه إنما نهى حكيمًا عن بيع ما ليس عنده إذا لم يكن مضمونًا عليه، وذلك بيع الأعيان. انظر:"معرفة السنن والآثار"(8/ 187).
(1)
في "ب" زيادة: "من".
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك "(2342)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 290)، عن ابن عمر.
(3)
انظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 403)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 346).
(4)
انظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 403)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 346/1).
(5)
في "ب": "المجهول القدر".
(6)
وهو قول ابن عباس، وهو الصحيح عند الحنابلة. انظر:"البناية" للعيني (7/ 439)، و"مغني المحتاج" للشربيني (3/ 8)، و "المغني" لابن قدامة (6/ 402)، و "الإنصاف" للمرداوي (5/ 99).
(7)
وبه قال ابن عمر وابن أبي ليلى وأبو ثور. انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (3/ 1300)، و"الذخيرة" للقرافي (5/ 254)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 403)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 320)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 547). =
* وأمر الله سبحانه بكتابةِ الدين إلى أجل مُسَمّى:
1 -
فتركه قومٌ على ظاهره، وحملوه على الوجوب والحَتْم، فيجب (1) على من له أو عليه الدين أن يكتبَهُ إذا وجدَ كاتبًا، وأن يُشْهِدَ؛ لقوله تعالى:{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} [البقرة: 282]، ولقوله تعالى:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} [البقرة: 282]، فلما رخَّص في ترك (2) الكتابة عند حضورِ التجارةِ برفع الجُناح، دلَّ على أن الأمر على الحَتْم (3).
ثم اختلف هؤلاء:
فقال قومٌ: الحتمُ منسوخ بقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]، وحكى هذا مَكِّيُّ بنُ أبي طالبٍ عن الحسنِ والحكمِ والشعبيّ ومالك (4).
وروي أن أبا سعيد الخدريَّ تلا: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} حتى بلغ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [البقرة: 282 - 283] الآية، فقال: هذه الآيةُ نسختْ ما قبلها (5).
(1) في "أ": "فيحل".
(2)
"ترك": ليس في "أ".
(3)
وهو قول جماعة من التابعين، والطبري وأهل الظاهر. انظر:"الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 79)، و"المحلى" لابن حزم (8/ 80)، و"تفسير الرازي"(4/ 1/ 120)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 206)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 347)، و "البحر المحيط" لأبي حيان (2/ 723).
(4)
وهو قول ابن زيد ومالك، وجماعة من العلماء. انظر:"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه"(ص: 196)، و "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 80)، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي (ص: 222)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 205)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 347).
(5)
رواه ابن ماجه (2365)، كتاب: الأحكام، باب: الأشهاد على الديون، وابن =
- وقال قومٌ: الأمرُ محكَمٌ غيرُ منسوخ بقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} ؛ لأنه إنما ذلك عندَ عدمِ الكاتبِ والشهودِ في السفر.
وحكى هذا القولَ مكيُّ بنُ أبي طالبٍ عن ابنِ عمرَ، وابن عباسٍ، وأبي موسى، وابنِ سيرينَ، وأبي قِلابةَ، والضحاكِ، ومجاهدٍ، والشعبيِّ، وبه قال داودُ والطبريُّ (1).
2 -
وقال أكثر أهل العلم: الكتابةُ والإشهادُ بالدَّيْنِ غيرُ واجبَيْن، ورُوِي (2) عن ابن عباس أيضًا، والأمر في ذلك على النَّدْبِ والإرشادِ (3).
والدليلُ على ذلكَ: قولهُ تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} ، وهذا إرشاد إلى دفع التظالم، وحفظ المال، وعدم الرِّيْبَةِ في حفظِه بالشهادةِ، وتقويم الشهادة على وجهها، وقوله تعالى:
= جرير الطبري في "تفسيره"(3/ 119)، وابن أبي حاتم في "تفسيره "(2/ 570)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(6/ 263)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 145). وانظر:"الدر المنثور" للسيوطي (2/ 126).
(1)
انظر: "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي (ص: 197)، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي (ص: 222)، و"زاد المسير" له أيضًا (1/ 293)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 205).
وقد رجح عدمَ النسخ كلٌّ من النحاس وابن العربي وابن الجوزي. انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 80)، و"الناسخ والمنسوخ" لابن العربي (2/ 105)، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي (ص: 223).
(2)
في "ب": "ويروى".
(3)
انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 80)، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي (ص: 196)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 393)، و"تفسير الرازي"(4/ 1/ 120)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 293)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 206)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 347/1).
{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} .
والجوابُ عَمّا قاله الأولون (1): أن الأمر بالرهن عند عدم الإشهاد محمولٌ على الندب والإرشاد أيضًا لأصحاب الأموال إلى حفظ أموالهم، فهو كالكتابة (2)، وأما حصولُ الجُناح إذا لم يُكْتَبْ، فليس على حقيقته، بل قد يُستعمل الجُناح في تركِ قبول الإرشاد (3)، كما يقول القائل: إن قبلتَ مشورتي فلا جناح عليك، ومفهومه إنْ تركتَ قبولَها فعليك الجُناح.
فإن قلتم: هل (4) نجد على هذا دليلًا من السُّنَةِ غيرَ هذا؟
قلت: نعم، روي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ابتاعَ فَرَسًا من أعرابيٍّ، فاستتبعَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليقضيَه ثمنَ فرسِه، فأسرعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبطأ الأعرابي، فطفقَ رجالٌ يتعرَّضونَ للأعرابيِّ، فيساومونه بالفَرَسِ، لا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كنتَ مُبتاعًا هذا الفرسَ، وإلا
(1) أي: من قال بأن الكتابة والإشهاد في الدين واجبان.
(2)
قال ابن العربي في "الناسخ والمنسوخ"(2/ 105): الله تعالى بيَّن حكمَ المداينة، وحضَّ فيها على الكتابة والشهادة عند الكتابة معينًا، وعند الابتياع مطلقًا؛ تحصينًا للحقوق، ونظرًا إلى العواقب ثم قال في الآية الأخرى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، فالمعنى: إذا تعذَّر الكَتْبُ وابتغينا المعاملة، فليأخذ صاحب الدين رهنًا بإزاء دينه وثيقة له، نظرًا إلى العواقب، ثم قال تعالى:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} فلم يكتب ولم يشهد ولم يرتهن {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ، فبين الله تعالى أن ما تقدم من لفظ الأمر بالكتابة والإشهاد ليس على الحتم والوجوب، وإنما هو للإرشاد والتخصيص.
(3)
وقال ابن العربي: الجناح ها هنا ليس الإثم، إنما هو الضرر الطارئ بترك الإشهاد من التنازع. انظر:"أحكام القرآن" له (1/ 342). وانظر: "تفسير الرازي"(4/ 1/ 129)، و "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 258).
(4)
في "ب": "فهل".
بعتُهُ، فقال (1) النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَوَليسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ "، فقال الأعرابي: لا واللهِ ما بعتُكهُ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"بَلْ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ"، فطفق الأعرابيُّ يقول: هَلُمَّ شهيدًا، فقال خُزَيْمَةُ: أنا أشهد أنكَ قد بايعته، فأقبل النبيُّ صلى الله عليه وسلم على خزيمةَ وقال:"بمَ تَشْهَدُ؟ " فقال: بتصديقك يا رسول الله! فجعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شهادةَ خُزَيْمَةَ شهادَةَ رجلين (2).
فلو كان الإشهادُ واجبًا، لما بايع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من غيرِ شهود، ولَبَيَّنَ ذلك بفعله.
* ثم كرر اللهُ سبحانه الأمرَ بالكتابة، ونهى الكاتبَ عن الامتناع من أن يكتبَ كما علَّمه الله، فقال:{وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} .
ولا يخفى أن القيامَ بالكتابة للصُّكوك وحفظ الحقوق فرضٌ على الكفاية؛ كالقيام بالشهادة (3)، وقد جعلها الله سبحانه قرينةً للشهادة، وإن
(1) في "ب": "فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال".
(2)
رواه أبو داود (3607)، كتاب: الأقضية، باب: إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، والنسائي (4647)، كتاب: البيوع، باب: التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 215)، وابن سعد في "الطبقات"(4/ 378)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 146)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 66)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(16/ 367).
(3)
اختلف العلماء في حكم الكتابة على الكاتب على أقوال:
1 -
هي فرض على الكفاية، كالجهاد والصلاة على الجنائز. قاله الشعبي.
2 -
فرض على الكاتب في حال فراغه. وهو قول السدي وبعض أهل الكوفة.
3 -
واجبة عليه. قاله عطاء ومجاهد. ونسب إليهما ابن العربي القول بالندبية.
4 -
ذلك منسوخ بقوله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . قاله الضحاك.
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 329)، و"معالم التنزيل" للبغوي =
كانتِ الشهادةُ آكَدَ؛ بدليل شَرْطِيتِها في النِّكاح، وبأنه يجبُ على الحاكم الإشهادُ بما تقرر عنده من الحقّ.
* وفي وجوبِ الكتابة خلافٌ، والأَصَحُّ عند الشافعية عدمُ الوجوب (1).
* وأوجب اللهُ سبحانَه على الكاتبِ العدلَ فيما يكتبُ (2)، وبيَّنَ اللهُ سبحانه طريقَ العدل، فأمر الرشيدَ الكاملَ أن يُمْلِيَ بنفسِه {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} ، وأمر الوليَّ أن يُمِلَّ عن المُوَلَّى عليه إذا كان سفيهًا مبذِّرًا مفسِدًا للمال، أو ضعيفًا غبيًّا أَحْمَقَ، أو لا يستطيع الإملاء؛ لجنونٍ أو صِغَرٍ أو عِيٍّ (3)، وأقام القَيِّمَ عليهم مقامَهم.
= (1/ 393)، و"تفسير الرازي"(4/ 1/ 121)، و "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 209)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 349).
(1)
كما تقدم عنهم قريبًا.
(2)
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 329)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 393)، و"تفسير الرازي"(4/ 1/ 121)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 208)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 348).
(3)
المراد بالسفيه في الآية أربعة أقوال:
1 -
الجاهل بالأموال، والجاهل بالإملاء. قاله مجاهد وابن جبير.
2 -
أنه الصبي والمرأة. قاله الحسن.
3 -
أنه الصغير. قاله الضحاك والسدي.
4 -
المبذر. قاله الشافعي والقاضي أبو يعلى.
وأما الضعيف ففيه ثلاثة أقوال:
1 -
هو العاجز والأخرس ومن به حمق. قاله ابن عباس وابن جبير.
2 -
الأحمق. قاله مجاهد والسدي.
3 -
الصغير. قاله أبو يعلى.
والذي لا يستطيع أن يمل: هو ما كان بسبب خرس أو عِيٍّ أو عجمة أو حبس أو غيبة لا يمكن حضور الكتابة، أو جهل بما له وما عليه، أو جنون.=
* وهذا الخطابُ ظاهرٌ في أن السفيهَ الذي لا يصلح للمال يكونُ أَمْرُهُ إلى وَلِيِّه، وأنه يَرِدُ عليه الحَجْرُ بعدَ البلوغ، إما ابتداءً، أو دواما مع حَجْر الصِّبا.
وبهذا قال مالك والشافعيُّ، وهو قولُ ابنِ عباس وابنِ الزبير -رضي الله تعالى عنهم (1).
وذهب أبو حنيفةَ وجماعةٌ من أهل العراق إلى أنه لا يبتدأ عليه الحَجْرُ بعدَ البلوغ رشيدًا، وإن بذَّرَ (2).
= انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 330)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 393)، و"تفسير الرازي"(4/ 1/ 122)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 290)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 213)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 350).
(1)
وهو قول جمهور الفقهاء، وقول أبي يوسف ومحمد، وهو المفتى به عند الحنفية، فهؤلاء يقولون: يحجر على الصبي حتى يبلغ رشيدًا، فإن بلغ على غير رشد لم يسلم إلى المال، فإن بلغ رشيدًا أعطي إليه ماله، فإن بلغ رشيدًا ثم عاد إلى السفه، فإنه يحجر عليه. انظر:"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 420)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 569)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (3/ 1/ 28). وانظر:"رد المحتار" لابن عابدين (9/ 177)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 256)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 595)، و"مغني المحتاج" للشربيني (3/ 140).
(2)
عند أبي حنيفة لا حجر على الحر العاقل البالغ السفيه ابتداءً؛ أي: بعد أن كان رشيدًا ثم سفه. وإذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإن بلغها سُلِّم إليه ماله وإن لم يؤنس منه رشد. وروي مثل قول أبي حنيفة عن عبيد الله بن الحسن والنخعي وابن سيرين والحسن البصري. انظر:"البناية" للعيني (10/ 100)، و"رد المحتار" لابن عابدين (9/ 176). وانظر:"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 215)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 609).
واستدلوا بحديث حَبَّان بنِ مُنْقِذٍ، وكان يُخْدَعُ في البيع والشراء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قُلْ: لا خِلابةَ، وأَنْتَ بالخِيار ثَلاثًا"(1)، ولم يمنعْه من التصرُّف (2).
وسيأتي الكلام على استدامةِ الحَجْر على السفيه في أوائل "سورة النساء" -إن شاء الله تعالى-.
* ثم أمرنا الله سبحانه بالاستشهاد (3)، وبيَّنَ لنا صفتَهُ، فقال:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} .
وقد اشتملت هذه الجملة على ثمانِ مسائلَ:
الأولى: الأمرُ بالاستشهاد (4)، هل هو على الوجوب والحَتْم، أو على النَّدْبِ والإِرشاد؟ فيه ما مضى من الاختلاف في الكتابة.
الثانية: تخصيصُ الشهادةِ برجالنا يقتضي أنه لا يجوزُ شهادةُ غيرِ رجالنا.
* وقد اتفقَ أهلُ العلم على أن شهادةَ الكافر غيرُ جائزة في الديونِ والمعاملاتِ (5).
(1) تقدم تخريجه.
(2)
وقد جعله القرطبي خاصًا به. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 351).
وانظر الاستدلال بالحديث للفريقين في: "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 217).
(3)
في "ب": "بالإشهاد".
(4)
في "أ": "بالإشهاد".
(5)
انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: 78)، و"مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: 91)، و"بداية المجتهد "لابن رشد (4/ 1773)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 173).
لكنهم اختلفوا في جوازِ شهادةِ أهل الذمَّةِ على مثلهم.
فأجازها شُرَيْحٌ القاضي، ويروى عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- (1).
وكذلك (2) اختلفوا في قبولها في حقِّ المسلمين في الوصية في السفر خاصَّةً، وسيأتي ذكرُ ذلك في آخر "سورة المائدة" -إن شاء الله تعالى-.
الثالثة: تخصيصُ الشهادة بالرجال، يقتضي أن الصبيانَ لا تجوزُ شهادتُهم. وعلى هذا اتفق أهل العلم إلَّا (3) في شهادةِ بعضِهم على بعضٍ في القتلِ والجراح.
فإن ابن الزبير أجازه (4) ما لم يتفرقوا، وبه قال قومٌ من التابعين، وإليه ذهب مالكٌ (5).
(1) وهو قول الحنفية، وبه قال قتادة وحماد وسوَّار والحكم والبتي والثوري وأبي عبيد وإسحاق، وهؤلاء بعضهم جعل غير ملة الإسلام كلهم ملة واحدة، ومنهم من قال: أهل كل دين ملة، فتقبل شهادته على أهل ملته دون غيره.
انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (14/ 277)، و"الحاوي" للماوردي (17/ 61)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 394)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 173)، و"فتح الباري" لابن حجر (5/ 365)، و"رد المحتار" لابن عابدين (8/ 167).
(2)
في "ب": "وقد".
(3)
"إلا" ليست في "أ".
(4)
في "ب": "أجازها".
(5)
وهو رواية عن الإمام أحمد. وهو قول جماعة من التابعين، وعليه عمل أهل المدينة.
انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (14/ 276)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (22/ 78)، و"الحاوي" للماوردي (17/ 59)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 225)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 146)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 237)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 355)، و"فتح الباري" لابن حجر (5/ 347).
وردها ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-، روى ابنُ أبي مُلَيْكَةَ، عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في شهادةِ الصبيان لا تجوز؛ لأن الله سبحانه يقول:{مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (1)، وبهذا أخذ الشافعيُّ -رضي الله تعالى عنه- (2).
الرابعة: تخصيص الشهادة بالمَرْضِيِّ من الشهداء يقتضي أنه لا يجوز غيرُه.
* وقد أجمع أهل العلم على قبول شهادة العدلِ؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، وعلى ردِّ شهادة الفاسق (3)؛ لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6].
* وإنما اختلفوا في تفصيل العدالة.
- فذهب الجمهورُ إلى أنها امتثالُ أوامرِ الله عز وجل، واجتنابِ نواهيه (4).
(1) رواه ابن الجارود في (المنتقى)(567)، والدارقطني في "سننه"(3/ 54)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 273). وقد رواه ابن عبد البر في "التمهيد"(17/ 8)، عن واسع بن حبان بهذا اللفظ.
(2)
وهو قول الحنفية، والمعتمد عند الحنابلة، وعليه الجمهور. انظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (22/ 79)، و"الحاوي" للماوردي (17/ 59)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 225)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 355)، و"رد المحتار" لابن عابدين (8/ 172)، و "مغني المحتاج" للشربيني (6/ 360).
(3)
انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: 76)، و "مراتب الإجماع" لابن حزم (ص: 89)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1771).
(4)
مع المحافظة على المروءة. انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (14/ 314)، و "الحاوي" للماوردي (17/ 149)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1772)، و"الوسيط" للغزالي (7/ 348)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي =
- وذهب أبو حنيفةَ إلى أنها ظاهرُ الإسلامِ ما لم يُعْلَمْ جَرْحُه وفِسْقُهُ (1).
وهو محجوج بهذه الآية؛ لأن الله سبحانه شرطَ في الشهيدين من رجالِنا أن يكونا ممَّنْ نرضاهُما، والرضا صفةٌ زائدةٌ عليهما، فلا بدَّ من اشتراطها (2)، ثم ناقض أبو حنيفةَ أصلَه، وجَوَّزَ انعقادَ النكاحِ بشهادة الفاسِقَيْن (3)، وكان هذا أولى بعدم الجواز (4).
الخامسة: تخصيصُ الشهادةِ بالرجلين، أو المرأتين مع الرجل يقتضي حَصْرَ الحُجَّةِ في ذلك، وأن اليمينَ مع الرجل الواحد لا يقوم بها الحقُّ.
= (2/ 1/ 359)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 150)، و"الذخيرة" للقرافي (10/ 201)، و"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 341).
(1)
هذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكتفى بالعدالة الظاهرة، بل لا بد من السؤال عن حال الشاهد سرًا وعلانية في سائر الحقوق. والفتوى على قولهما في هذا الزمان. انظر:"الهداية" للمرغيناني (3/ 1096)، و"بدائع الصنائع " للكاساني (5/ 405)، و"البناية" للعيني (8/ 136)، و"رد المحتار" لابن عابدين (8/ 159).
(2)
قال العيني في "البناية"(8/ 139) بعد سَوق قول أبي حنيفة وقول الصاحبين: وقيل هذا -أي: الخلاف- اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، وبيانه: أن أبا حنيفة كان في القرن الثالث الذي شهد النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية لأهله حيث قال: "خير القرون رهطي الذي أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يحلف الرجل قبل أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد"، وهما كانا في القرن الرابع الذي شهد النبي صلى الله عليه وسلم بفشو الكذب في أهله، فلهذا شرطا الاستكشاف، ولو شاهد أبو حنيفة ذلك لقال بقولهما.
(3)
في "الفتاوى الخانية"(2/ 460) ما نصه: الفسق لا يمنع أهلية الشهادة عندنا، فينعقد النكاح بحضرته، وإنما يمنع أداء الشهادة لتهمة الكذب. وانظر:"البناية" للعيني (4/ 494).
(4)
انظر شيئًا من التعقب على أبي حنيفة في "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 336)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 360).
وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والنخعيُّ، والأوزاعيُّ، والزهريُّ، والحَكَمُ، والليثُ، وأهلُ الأندلس من أصحاب مالكٍ، فلا يحكم بالشاهد واليمين عندهم في شيء (1).
وعُمْدَتُهم هذا التقسيمُ المُؤْذِنُ بالحصر.
وما خرَّجه البخاريُّ ومسلم عن الأشعثِ قال: كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في شيء فاختصمنا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"شاهِداكَ أو يَمينُهُ"، فقلت: إذًا يحلفُ ولا يبالي، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ حَلَفَ على يمينٍ يَسْتَحِق بِها مالًا، وهُوَ فاجِر، لقيَ اللهَ وهُوَ عَلَيْهِ غضْبانُ"(2).
قالوا: ولا يجوزُ عليه صلى الله عليه وسلم ألَاّ يستوفي أقسامَ الحُجَّةِ للمدَّعي؛ لأنه وقتُ البيان (3).
- وذهبَ جمهورُ أهلِ العلم من الصحابة والتابعين إلى إثبات الحقِّ
(1) وهو قول عطاء وابن شبرمة، وجمهور أهل العراق. انظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (22/ 52)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1781)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 247)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 337)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 130)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 355).
(2)
رواه البخاري (2380)، كتاب: الرهن، باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، ومسلم (138)، كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار.
(3)
انظر وجه الاستدلال للحنفية في: "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 337)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 248)، و"الحاوي" للماوردي (17/ 68)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1782)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 248)، و"المغني، لابن قدامة (14/ 130)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 355).
بالشاهدِ واليمينِ في المال، وما يقصد به المالُ، فقال به أبو بكرٍ، وعليّ، وعمرُ بنُ عبد العزيز، وفقهاءُ المدينة، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وسائرُ فقهاء الحجاز (1).
واستدلُوا بحديثِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- المُخَرَّجُ في "صحيح مسلم": أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد (2).
وبما أرسله جعفرُ بنُ محمدٍ عن أبيه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد (3).
* ثم اختلف مالكٌ والشافعيُّ في القضاء باليمين مع الامرأتين:
فجوزه مالكٌ؛ لأنهما قد أقيمتا (4) مقام الرجل الواحد (5)، ومنعه الشافعيُّ (6)، ورأى أنهما إنما أقيما مقامَ رجلٍ آخرَ؛ بدليل أنَّ الأربعَ لم يقمن مقامَ الرجلين (7).
(1) انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (22/ 50)، و"الحاوي" للماوردي (17/ 98)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1781)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 130)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 238)، و"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 370).
(2)
رواه مسلم (1712)، كتاب: الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد.
(3)
رواه الترمذي (1345)، كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في اليمين مع الشاهد، والإمام مالك في "الموطأ"(2/ 721)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(36316)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 169).
(4)
في "أ": "أقيما".
(5)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (22/ 62)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1782)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 238).
(6)
انظر: "مغني المحتاج" للشربيني (6/ 370). وهو قول الحنابلة. انظر: "المغني" لابن قدامة (14/ 132).
(7)
يعني: أن الله تعالى أقام المرأتين مقام رجل واحد {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} ، فلا بد من =
* فإن قيل: فترتيبُ المرأتين على الرجلين يقتضي أنه لا يجوزُ شهادةُ النساء إلا بعد عَدَمِ الرجال.
قلت: قد قال بذلك قومٌ، والحقُّ الذي عليه الجمهورُ أن الشرطَ للتقسيم لا للترتيب، والمعنى: فإن لم تستشهدوا رجلين، فلتستشهدوا رجلًا وامرأتين، فقال الله تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} ، ولم يقل: فإن لم تجدوا، ولو كان الترتيب مرادًا لقال: فإنْ لم تجدوا (1).
* فإن قيل: إذا كان الشرطُ لبيان التقسيمِ لا للترتيب، فيجب ألَّا تكون حجة الرجلين أقوى من حُجَّةِ رجل وامرأتين.
قلت: الأمرُ كذلك على المذهبِ الصحيح عند الشافعية (2)، لأنهما حجتان مذكورتان في كتابِ الله جل جلاله، فلم تُسْقِط إحداهما الأخرى، بخلاف حجة اليمين مع الشاهد مع حجة الشاهدين، فإن حجة الشاهدين أقوى وأقدم؛ لذكرها في كتاب الله تعالى، والإجماع عليها دون الأخرى (3).
= وجود رجل شاهد معهما، ولا يصح أن تكون امرأتان أخريتان معهما، فيصير مجموعهن أربع نسوة، وذلك في الأموال خاصة، أما غير المال فيمكن أن تكون هناك أربع نسوة كالشهادة على ما يختص النساء بالاطلاع عليه.
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (7/ 3)، و"الحاوي" للماوردي (17/ 10)، و"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 370).
(1)
انظر هذه المسألة في: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 334)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 231)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 355)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (2/ 507)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (2/ 728). قلت: وقد نقلها المؤلف رحمه الله عن القرطبي.
(2)
انظر: "المنهاج مع مغني المحتاج"(6/ 367).
(3)
فالعلماء اتفقوا على الحكم بالشاهدين، لكنهم اختلفوا في الحكم بالشاهد واليمين كما تقدم.
السادسة: تعميم الخِطاب يقتضي أن العبيدَ تُقبل شهادتُهم، وبه قال محمدُ بنُ سيرين، وشُرَيْحٌ، وأهلُ الظاهر (1)؛ كما قالوا بدخول العبيدِ (2) في خطاب الأحرار.
وروى ابنُ المنذر قبولَ شهادة العبيد (3) عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- (4).
وقاله أنسُ بن مالكٍ، وقال: ما علمتُ أحدًا ردَّ شهادةَ العبيد (5).
والجمهورُ؛ كمجاهدٍ، والحسنِ، والنخعيِّ، والزهريّ، وعطاءٍ، وسائرِ فقهاءِ الأمصار على خلافهم، وروي عن علي -رضي الله تعالى عنه- (6).
(1) وهو قول جماعة من التابعين، وهو قول الحنابلة. انظر:"المحلى" لابن حزم (9/ 412)، و"شرح السنة" للبغوي (10/ 126)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 222)، و"البيان" للعمراني (13/ 276)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 185)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 353)، و"فتح الباري" لابن حجر (5/ 335).
(2)
في "أ": "العبد".
(3)
في "ب": "عبد".
(4)
انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (7/ 392).
(5)
في "ب": "العبد".
وانظر: المرجع السابق (7/ 393).
(6)
وهو قول جمهور فقهاء الأمصار منهم الثلاثة غير أحمد. انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1774)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 223)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 354)، وانظر:"الهداية" للمرغيناني (3/ 1102)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 237)، و"البيان" للعمراني (13/ 276)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 185)، و"فتح الباري" لابن حجر (5/ 335).
السابعة: تعميمُ الخطاب يقتضي قبولَ شهادة العدل معَ قيام التهمة؛ كشهادة الوالدِ لولده، والعدوِّ على عدوه، وبالتعميمِ قال داودُ، وأبو ثورٍ، وشريحٌ القاضي، فقبلوا شهادةَ الوالدِ لولدهِ (1)، والجمهورُ على خلافهم (2).
* نعم اختلفوا في شهادةِ العدوِّ على عدوِّه، فقبلها أبو حنيفةَ (3)، وردَّها مالكٌ والشافعيُّ (4)؛ لما روى عمرُو بنُ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ردَّ شهادةَ الخائنِ والخائنةِ، وذي الغِمْرِ (5) على أخيهِ (6).
(1) وبه قال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والزهري وإسحاق والمزني وابن المنذر. انظر: "الحاوي" للماوردي (17/ 163)، و"المحلى" لابن حزم (9/ 415)، و"شرح السنة" للبغوي (10/ 129)، و"البيان" للعمراني (13/ 311)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 181).
(2)
وهو قول أكثر أهل العلم. انظر: "الحاوي" للماوردي (7/ 163)، و"شرح السنة" للبغوي (10/ 129)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1774)، و"البيان" للعمراني (13/ 311)، و "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 241)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 181).
(3)
في هذه المسألة خلاف بين الحنفية؛ فمنهم من قال: لا تقبل شهادة العدو إذا كانت العداوة بسبب الدنيا، ومنهم من قال: العداوة بسبب الدنيا لا تمنع ما لم يفسق بسببها أو يجلب منفعة أو يدفع عن نفسه مضرة، وهذا هو الصحيح والمعتمد عندهم. انظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 410)، و"البحر الرائق" للزيلعي (7/ 85)، و "الفتاوى الخانية"(2/ 461)، و"رد المحتار" لابن عابدين (8/ 176).
(4)
وهو قول الحنابلة وأكثر أهل العلم. انظر: "التفريع" لابن الجلاب (2/ 235)، و"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 357)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 174).
(5)
الغِمْرُ والغَمْرُ: الحقدُ والغل.
(6)
رواه أبو داود (3600)، كتاب: الأقضية، باب: من ترد شهادته، والإمام أحمد في "المسند"(2/ 225)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(6/ 202)، =
* واختلفوا في شهادةِ أحدِ الزوجين لصاحبه، فردَّها مالكٌ وأبو حنيفةَ (1)، وقبلها الشافعيُّ (2).
* وأجاز قومٌ شهادةَ الزوجِ لزوجته (3)، ومنعوا شهادتَها له، وبه قال النخعي (4).
الثامنة: وَرَدَ تحديدُ نصابِ الشهود في الزنا بأربعة في غير موضع من كتاب الله تعالى.
وورد تحديدُه في التحليل والتحريم فيما لا مال فيه ولا يقصدُ به المالُ شاهدين، فقال تعالى:{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، وعنه صلى الله عليه وسلم:"لا نِكاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلٍ"(5).
= والدارقطني في "سننه"(4/ 243)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 200)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(53/ 5).
(1)
وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي والليث وإسحاق، وهو قول الحنابلة. انظر:"شرح السنة" للبغوي (10/ 129)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 242)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 235)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 183).
(2)
وهو قول شريح والحسن وأبي ثور، والظاهرية. انظر:"المحلى" لابن حزم (9/ 415)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1774)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 183)، و"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 357).
(3)
في "ب" زيادة: "رد".
(4)
وهو قول ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح. انظر: "المحلى" لابن حزم (9/ 415)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1774)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 243)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 184).
(5)
تقدم تخريجه.
وورد تحديدهُ هنا برجلين، أو رجل وامرأتين، فالحق به أهلُ العلم كلَّ ما كانَ من بابِ الأموال (1)، حتى ألحق بها الجمهور إثباتَ القتلِ (2)، وألحقَهُ الحسنُ بالزنا، وجعلَ النصابَ فيه أربعةً (3).
ومنع (4) الجمهورُ أن تُلحقَ الحدودُ بالمداينات (5)، وجوَّزها أهلُ الظاهر (6).
فإن قلتم: فقد جعل الله سبحانه النصابَ في الوصية شاهدين (7)، وهو
(1) وهو قول الأئمة الأربعة. انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (8/ 158)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 238)، و"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 367)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 129).
(2)
في ثبوت القتل بشهادة رجل وامرأتين: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يثبت إلا بشهادة رجلين.
وذهب المالكية إلى أن شهادة الرجل والمرأتين يثبت بهما القصاص في الجروح فقط.
وأجاز الحنفية إثبات قتلِ لا يوجب قصاصًا بشهادة الرجل والمرأتين.
انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (8/ 157)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 237)، و"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 368)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 126).
(3)
انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: 154)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1776)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 127).
(4)
في "أ": "ويمنع".
(5)
أي: منع الجمهور أن تقاس الحدود على المداينات التي يقصد بها المال، فلم يكتفوا في الحدود برجل وامرأتين، بل لا بد من رجلين في غير الزنا، وفي الزنا أربعة.
(6)
وبه قال عطاء وحماد. انظر: "المحلى" لابن حزم (9/ 395)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1777)، و "المغني" لابن قدامة (14/ 126).
(7)
انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 232)، و"المغنى" لابن قدامة (14/ 134).
يقتضي المعارضةَ لآيةِ المداينات.
قلت: لا تعارضَ بينهما؛ لأنها في إثبات الوصاية والولاية، وهي ليست من جنسِ الأموال والمداينات، ولأن آية الوصية نزلت في أمر مخصوص، وسيأتي الكلام عليها هنالك -إن شاء الله تعالى-.
* ثم أجمع أهل العلم على أن شهادة النساء وحدهُنَّ في الولادةِ وعيوبِ النساء جائزةٌ (1).
وإنما اختلفوا في نصابهنَّ، فقال الجمهورُ: أربعُ نسوة (2)، وأجاز بعضُهم شهادةَ المرأة وحدَها، واحتجَّ بأن علياً -رضي الله تعالى عنه- قبل شهادة القابلة وحدَها (3)(4)، ورُدَّ بأنه أثرٌ غيرُ ثابت عندَ أهل النقل.
* قوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} .
- يحتمل أن يكون المرادُ إذا ما دُعوا لتحمُّل الشهادة؛ كقوله تعالى:
(1) وهو قول عطاء وقتادة والشعبي والشافعي وأبي ثور. انظر: "المغني" لابن قدامة (14/ 136)، و"مغني المحتاج" للشربيني (6/ 369).
(2)
وهو قول الحنفية والحنابلة. انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (8/ 157)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 134).
أما المالكية فقالوا: لا بد من شهادة امرأتين. انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (4/ 1777)، و"التفريع" لابن الجلاب (2/ 238).
(3)
في "ب" زيادة: "ولم يردها".
(4)
رواه الدارقطني في "السنن"(4/ 233)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 151).
وانظر الكلام على الحديث في المصدرين السابقين، وفي "الأم" للإمام الشافعي (6/ 250)، و"نصب الراية" للزيلعي (4/ 80).
{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} ، وسُمُّوا شهداء تجوُّزًا باسمِ ما يؤولون إليه.
والتحمُّل فرضٌ على الكفاية، فيجب (1) على المسلمين أن يتحمَّلوا الشهادة، فإن أَبَوا ذلك كلُّهم أَثِموا (2).
- يحتمل أن يكون المراد: إذا ما دُعوا لأداءِ الشهادة، وذلك فرضُ عينٍ إذا كانوا اثنين (3)، وسُمُّوا شهداءَ على سبيلِ الحقيقة.
قال الشافعي: وهذا أشبه معانيه (4)، والله أعلم.
- ويحتمل أيضًا أن يريد المعنيين جميعًا، ويكون منْ بابِ حمل المُشْتَرَكِ على جميع معانيه.
قال الحسن: جمعت هذه الآيةُ أمرين، وهُمَا: أَلَّا تأبى إذا دعيتَ إلى تحصيلِ الشهادة، ولا إذا دُعيتَ إلى أدائها، وقد حصلت عندك (5).
وأسند النَّقاشُ هذا التفسيرَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم (6).
* قولُه تعالى: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ
(1) في "ب": "ويجب".
(2)
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 339)، و "تفسير الرازي"(4/ 1/ 125)، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 362).
(3)
انظر: "الحاوي" للماوردي (17/ 50)، و"تفسير الرازي"(4/ 1/ 126)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 137).
(4)
انظر: "أحكام القرآن" للشافعي (ص: 485).
(5)
رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(3/ 127)، عن معمر قال: كان الحسن يقول: جمعت أمرين، لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة.
(6)
ذكر هذا ابن عطية في "المحرر الوجيز"(2/ 513).
أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا}، فيه دليل على أن الرجل لا يُرجع في الشهادة إلى خَطِّهِ ويُعتمدُ عليه إلَّا إذا تَيَقَّنَهُ، ولم يَرْتَبْ فيه؛ لأن الله سبحانه إنما ندب إلى الكتاب لإقامة الشهادةِ ودفعِ الرِّيْبَةِ.
وعلى هذا جمهورُ أهل العلم. قال ابنُ المنذر: أكثرُ مَنْ نحفظُ عنه من أهلِ العلم يمنعُ أن يشهدَ الشاهدُ على خَطِّهِ إذا لم يذكر الشهادة (1).
وذهب مالكٌ إلى جواز الشهادة اعتمادًا على الخَطّ (2).
وروى ابن المبارك عن مَعمرٍ، عن ابنِ طاوس، عن أبيه: في الرجل يشهد على شهادة، فينساها، قال: لا بأس أن يشهد إن وجدَ علامتَهُ في الصَّكِّ، أو خطَّ يده، واستحسنه ابنُ المبارك (3).
* قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} ، رفع الله سبحانه عنا الجُناح في هذه الآية إذا كانتِ الحالةُ هذه، ومفهومُ الخطاب أنَّ علينا الجُناحَ في غيرِ هذه الحالة إذا لم نكتب.
وقد قدمتُ الجوابَ عن هذا.
* ومفهومُ الخطابِ يقتضي أن التجارةَ الحاضرةَ إذا كانت لا تُدار بيننا؛ كالدُّورِ والضِّياعِ، ألا نتركَ الكتابةَ فيها، وأنها تلحقُ بالدَّيْن، وهو كذلك؛
(1) انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: 78)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 340)، و "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 256)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 364)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 140).
(2)
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 341)، و"الذخيرة" للقرافي (10/ 161)، و"تبصرة الحكام" لابن فرحون (1/ 1/ 461).
(3)
ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(2/ 1/ 364).
لما فيه من حفظ الأموالِ والقلوبِ من التشاجرِ والتنازع (1).
وروي أن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- كان إذا باعَ بنقدٍ أشهدَ، وإذا باعَ بنسيئةٍ كتب (2).
* قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} .
أمر الله سبحانه بالإشهاد عند التبايع مرَّةً أخرى، وفيه ما مضى من الاختلاف.
قال عطاء: أَشْهِدْ إذا بعتَ وإذا شَرَيْتَ (3) بدرهمٍ أو بنصفِ درهمٍ أو بثلثِ درهمٍ (4).
وبه قال داودُ وابنهُ، ويروى عن أبي موسى الأشعري، وابنِ المُسَيِّبِ، والضَّحّاكِ، وجابر بنِ زيدٍ ومُجاهدٍ.
وذهب جمهورُ أهلِ العلم إلى (5) أن الأمرَ للنَّدْبِ والإرشاد، لا للحتم، وقد مضى الدليلُ عليه قريبًا.
* ثم نهى الله سبحانه عن مضار الكاتِب والشاهدِ، فقال:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} .
فيحتمل أن يكونَ إسنادُ الفعل إليهما حقيقةً، فيكون قد نهى الله سبحانه الكاتبَ والشهيدَ عن المضارَّةِ، وهو أن يزيدَ الكاتبُ في المالِ والأَجَل، أو
(1) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 364).
(2)
رواه ابن حزم في "المحلى"(8/ 345).
(3)
في "ب": "اشتريت".
(4)
انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 366)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 365).
(5)
في "ب": "على".
ينقصَ منهما، أو أن يمتنع الشاهدُ من إقامةِ الشهادة، أو يشهدَ بما لم يُستشهدْ عليه.
وهذا تأويل طاوسٍ، والحسن، وقَتادة، وابنِ زيد (1)، ودليلهُ قراءة عمرَ -رضي الله تعالى عنه-:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} (2).
- وروي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في هذه الآية قال: أن يجيء فيدعو الكاتبَ والشهيدَ، فيقولان: إنا على حاجة، فيضارَّ بهما، فقال: قد أُمِرْتما أن تجيبا، فلا يضارهما (3).
وقيل: أن يُكَلَّفا ما لا يَحِلُّ (4)، ودليله قراءة أُبَيِّ:(ولا يضارَرْ)(5).
(1) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 1/ 342)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 396)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 293)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 257)، و "المحرر الوجيز" لابن عطية (2/ 517)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 367).
(2)
قرأ بها عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن أبي إسحاق. انظر:"إعراب القرآن" للنحاس (1/ 301)، و "الكشاف" للزمخشري (1/ 169)، و"تفسير القرطبي"(2/ 367/1)، و "البحر المحيط" لأبي حيان (2/ 354). وانظر:"معجم القراءات القرآنية"(1/ 226).
(3)
رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(3/ 136)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(2/ 567)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 160).
وقال بقول ابن عباس: مجاهد والضحاك والسدي، وروي عن طاوس أيضًا وغيرهم. انظر:"تفسير الطبري"(3/ 136)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 342)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 293)، و"أحكام القرآن" للجصاص (2/ 257)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (2/ 517)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 1/ 367).
(4)
ذكر الرازيُّ معنى هذا القول احتمالًا. انظر: "تفسيره"(4/ 1/ 129).
(5)
لم أجد من نسب القراءة إلى أبي بن كعب؟! وقد قرأ بها عمر بن الخطاب، وابن=