المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(من أحكام الأيمان)

- ‌(من أحكام الطلاق)

- ‌(عدد الطلاق التي يملك الزوج فيها الرجعة)

- ‌(أحكام الخلع)

- ‌(النَّهي عن مضارَّة المطلقة)

- ‌(النهى عن عَضْل المطلقات)

- ‌(من أحكام الرضاع)

- ‌(عدة المتوفى عنها زوجها)

- ‌(التعريض بخطبة المعتدَّة)

- ‌(طلاق المفوّضة)

- ‌(حكم المطلقة قبل المس وبعد الفرض)

- ‌(الصلاة الوسطى، وصلاة الخوف)

- ‌(عدَّةُ المتوفَّى عنها)

- ‌(متعة المطلقة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(صدقة التطوع)

- ‌(تحريم الرِّبا)

- ‌(وجوبُ تركِ التَّعامُل بالرِّبا)

- ‌(المُداينة)

- ‌(الرَّهن)

- ‌سُورَةُ آلَ عِمْرَانَ

- ‌(النَّهي عن اتخاذ الكافرين أولياء)

- ‌(فَرضُ الحجِّ)

- ‌(الشوري)

- ‌سُورَةُ النِّسَاءِ

- ‌(من أحكام اليتامي)

- ‌(من أحكام المواريث)

- ‌(من أحكام الوصية)

- ‌(من أحكام المواريث)

- ‌(من أحكام الحدود)

- ‌(من أحكام التوبة)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌(من أحكام البيوع)

- ‌(من أحكام القضاء)

- ‌(من أحكام المواريث)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌(من أحكام الطهارة والصلاة)

- ‌(من أحكام الإمامة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام السَّلام)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام القصاص والديات)

الفصل: ‌(من أحكام السلام)

(من أحكام السَّلام)

86 -

(28) قولهُ جل جلاله: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86].

* أمرنا اللهُ سبحانه في هذه الآية بردِّ التحيَّةِ، فروى ابنُ وهبٍ وابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: أنَّ التحيةَ هنا تشميتُ العاطِسِ، والردُّ على المُشَمِّتِ (1).

ولا شكَّ في ضَعْفِه.

وحكي عن الحنفيةِ أنَّ المرادَ بالتحية الهَديَّةُ، لقوله تعالى:{أَوْ رُدُّوهَا} استدلالاً بأنَّ السلامَ لا يمكن رَدُّهُ بعينِه، بخِلاف الهِبَةِ والهَدِيَّةِ (2).

= الشافعية. انظر: "شرح مسلم" للنووي (13/ 9)، و"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 261)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 440)، و"الذخيرة" للقرافي (3/ 389)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 22)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 174)، و"مطالب أولي النهى" للرحيباني (2/ 498).

(1)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 589)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (2/ 87).

(2)

ونسب هذا القول إلى الإمام مالك، انظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (6/ 128)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 298)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 13).

وأنكر العيني نسبة هذا القول إلى الحنفية. انظر: "عمدة القاري" للعيني (22/ 233).

ص: 421

والذي قاله الشافعيةُ وعامةُ أهلِ العِلْمِ أنها السلامُ؛ لقوله تعالى: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} (1)[النور: 61].

* ولا خفاء بأن الردَّ واجبٌ إجماعاً (2).

* واختلفوا في صفته.

فقال الجمهور: هو واجبٌ على الكفِاية، فإذا ردَّ واحدٌ من الجميعِ، سقط الفرضُ عن الباقين (3).

وقال أبو يوسفَ: لا بدَّ منْ رَدِّ الجميع (4).

وهو مَحْجوجٌ بما أخرجه أبو داودَ، عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "يُجْزِئُ عن (5) الجَماعة إذا مَرُّوا أن يسلِّم أحدُهم، ويُجْزِئُ من الجلوس أن يردَّ أحدُهم"(6)، ولكنه قد ضُعِّفَ (7)، وبما خرجهُ مالكٌ في "مُوَطئِه" عن زيدِ بنِ أسلمَ: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا

(1) انظر: "الرسالة" للشافعي (ص: 368)، و "الحاوي الكبير" للماوردي (14/ 147).

(2)

انظر: "الذخيرة" للقرافي (3/ 389)، "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 464)، و "شرح مسلم" للنووي (14/ 32).

(3)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (3/ 186)، و "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 464)، و "شرح مسلم" للنووي (14/ 32).

(4)

انظر: "الذخيرة" للقرافي (13/ 290)، و "حاشية ابن عابدين"(2/ 159).

(5)

في "ب": "من".

(6)

رواه أبو داود (5210)، كتاب السلام، باب: ما جاء في رد الواحد على الجماعة.

(7)

قال ابن حجر: أخرجه أبو داود والبزار وفي سنده ضعف، لكن له شاهد من حديث الحسن بن علي عند الطبراني، وفي سنده مقال، وآخر مرسل في "الموطأ" عن زيد بن أسلم. انظر:"فتح الباري" لابن حجر (11/ 7).

ص: 422

سلمَ واحدٌ من القومِ أَجْزَأَ عنهم" (1).

وندب الله سبحانه إلى ابتداءِ التحية فقَال: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]، والأمر محمولٌ على الاستحبابِ إجماعاً، نقله ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه (2).

قالوا: وهو مستحبٌّ على الكِفاية، فإذا سَلَّمَ من الجميعِ واحدٌ، تأدَّتِ السنَّةُ بذلك (3)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"يُسَلِّمُ الراكبُ على الماشي، وإذا سَلَّمَ واحد (4) من القومِ، أَجْزَأَ عنهم".

ولنتكلمْ فيه؛ إذ الموضعُ على الردِّ، ثم نؤخِّرُ الكلامَ على الابتداءِ إلى موضعه -إن شاء الله تعالى-.

فنقول: أطلقَ الله سبحانه التحيةَ هُنا، وقَيَّدهَا في موضِعٍ آخرَ، فقال سبحانه وتعالى:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]، فخرج من الإطلاقِ تحيةُ العَرَبِ؛ كقولهم: أطالَ اللهُ بقاءَكَ، وأسعدَ مساءَكَ، وأبيتَ اللَّعْنَ، وما أشبهَ ذلك، فإنه لا يستحقُّ جواباً.

(1) رواه مالك في "الموطأ"(2/ 959). قال النووي: هذه مرسل صحيح الإسناد. انظر: "الأذكار" للنووي (ص: 195).

(2)

قال ابن عبد البر: أجمع العلماء أن الابتداء بالسلام سنة، وأن الرد فرض، انظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 464).

(3)

جاء عن القاضي عبد الوهاب أن ابتداء السلام سنة أو فرض كفاية، ومعنى فرض كفاية كما فسره القاضي عياض: أن إقامة السنن وإحيائها فرض على الكفاية. انظر: "رسالة القيرواني"(ص: 161)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 4)، و"حاشية العدوي"(2/ 618).

(4)

في "أ": "أحد".

ص: 423

ثم أطلقَ اللهُ سبحانه صفَةَ المُحَيِّي، وأوجَبَ الردَّ عليه، سواء كان صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو كافِراً، وها أنا أذكره مفصَّلاً -إن شاء الله تعالى-.

- أما الصبيُّ، فهو على إطلاقِه، إلا ما نُقِلَ عن بعضِ الشافعيةِ من تخريج وجهٍ ضعيفٍ ورأى أنه لا يجبُ الردُّ عليه (1).

وأما المرأةُ، فإن كانَ السلامُ من نِسْوَةٍ، فإنه يجبُ الردُّ عليهنَّ، كما يستَحَبُّ السلامُ عليهنَّ ابتداءً، قلته بحثاً وتخريجاً.

وإن كانَ السلامُ من امرأةٍ، فإن كانتْ زوجةً أو مَحْرَماً، وَجَبَ الردُّ، وكذا إن كانت عَجوزاً لا يُشْتهى مثلُها.

وإن كانت شابَّةً فسلامُ أحدِهما على الآخَرِ مكروهٌ، ولا يستحقُّ المُسَلِّمُ منهما جواباً، بل الجوابُ منها حرامٌ، ومنهُ مكروهٌ.

وهذا تفصيلُ مذهبِ الشافعيِّ (2).

وبنحوهِ قالَ قتَادةُ، وعطاء (3)(4)، ومالكٌ (5).

ومنعَهُ الكوفيون في النِّساءِ غيرِ ذوي المحارم؛ قياساً على سُقوط الأذانِ والإقامةِ، فلا يُسَلِّمْنَ، ولا يجبُ عليهنَّ رَدٌّ (6).

ولكنه يردُّه ما رويناه في "صحيح البخاري" عن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال:

(1) انظر: "روضة الطالبين"(10/ 229)، و "الأذكار" كلاهما للنووي (ص: 195)، "شرح مسلم" للنووي (14/ 32)، و "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص: 221).

(2)

انظر: "شرح مسلم"(14/ 149)، و "الأذكار" كلاهما للنووي (ص: 199).

(3)

"وعطاء" ليس في "أ".

(4)

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 302).

(5)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 465).

(6)

انظر: "عمدة القاري" للعيني (8/ 11)، و "رد المحتار" لابن عابدين (1/ 618).

ص: 424

كانت فينا امرأةٌ، وفي رواية: كانت لنا عجوزٌ، تأخذُ من أُصولِ السِّلْقِ، فتطرحُهُ في القِدْرِ، وتُكَرْكِرُ (1) عليه حَبَّاتٍ من شعير، فإذا صَلَّينا الجمعةَ، انصرفْنا، فنسلمُ عليها، فتقدمُه إلينا (2).

وما رويناه في "صحيح مسلم" عن أم هانئ بنتِ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنها - قالت: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يومَ الفَتْحِ وهو يَغْتَسِلُ، وفاطمةُ تسترُهُ، فَسَلَّمْتُ، وذَكَرَتِ الحديثَ (3)، وسيأتي ذكرُ أقوالِ العلماءِ عندَ الكلامِ على الابتداء بالتحية.

- وأما الكافرُ، فإن كان كتابِيًّا، فحُكي عن مالكٍ وطائفةٍ من أهلِ العلمِ أنهم قالوا بعدم الردِّ (4)، وظني أنهم أرادوا عَدَمَ وُجوبِ الرَّدِّ، وأما جوازُه فما أظنُّ فيه خلافاً؛ لصحةِ الأحاديثِ الواردةِ في ذلكِ من فِعْلهِ وقوله صلى الله عليه وسلم.

وذهبَ جُمهور السلفِ كابنِ عباس والشعبي وقتَادة إلى مشروعيَّةِ الردِّ عليهم (5)، وبه قال الشافعيُّ (6)، واحتج له بالأحاديثِ الواردةِ في صفةِ

(1) قال القعنبي: تُكركر، أي تطحن، وسُمّيت كركرةً، لترديد الرمى على الطحن؛ "اللسان"(مادة كرر)(5/ 138).

(2)

رواه البخاري (5894)، كتاب: الاستئذان، باب: تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال.

(3)

رواه البخاري (276)، كتاب: الغسل، باب: التستر في الغسل عن الناس، ومسلم (336)، كتاب: الحيض، باب: تستر المغتسل بثوب، ونحوه.

(4)

انظر: "شرح مسلم" للنووي (14/ 32)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 42).

(5)

انظر: "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب البغدادي (1/ 398)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 304)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 42).

(6)

وهو مذهب الحنفية، لكن لا يزيد على قوله: وعليكم. انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (14/ 147)، و"شرح مسلم" للنووي (14/ 145)، و"أحكام أهل=

ص: 425

جَوابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بذلك؛ كقوله:"فَقولوا: وعَلَيْكُمْ"(1).

ولا دلالةَ في ذلك على الوجوب كما زعم بعضُ أصحابهِ الوجوب عنه (2)؛ لأن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إنما أمرَ بصِفَةِ الردِّ عليهم على جِهَةِ الإرشادِ والتعليمِ، وإن حُمِلَ على غيرِ الإرشاد، فالأمرُ بالصفةِ لا يَقْتَضي إيجابَ المَوْصوفِ؛ لأنه قد يُؤْمَرُ بصفةِ ما هُو واجبٌ، وما هو نَدْبٌ، وما هو مباحٌ، ولأن الله سبحانه خَصَّ التحيةَ بالسَّلامِ، وهم لا يُسَلِّمونَ، وإنما يقولون: السَّامُ عليكم (3).

فإن قال قائل: فالعُموم متناولٌ لوجوبِ الردِّ عليهم، قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -:{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ} ، فإنْ كانتْ من مُؤْمِنٍ، فَحَيُّوا بأَحْسَنَ منها، وإن كانتْ من كافرٍ، فردوا على ما قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنه يقال: وعليكم.

قلنا: تحيتُهم غيرُ داخلةٍ في عُموم الآية؛ لأنها ليستْ بتحيةٍ ولا سلامٍ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اليهودَ إذا سَلَّمَ عليكُم أَحَدُهُم فإنَّما يقولُ: السامُ

= الذمة" لابن القيم (1/ 422)، و "رد المحتار" لابن عابدين (6/ 413).

(1)

رواه البخاري (5903)، كتاب: الاستئذان، باب كيف الرد على أهل الذمة بالسلام؟ ومسلم (2163)، كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف الرد عليهم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سلَّم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم".

(2)

لم يذكر الماوردي والنووي سوى القول بوجوب الرد على الكافر، وهو مذهب الحنابلة. انظر:"الحاوي الكبير" للماوردي (14/ 147)، و"شرح مسلم" للنووي (14/ 145).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (11/ 42)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 303).

ص: 426

عليكُمْ، فقلْ: عَلَيْكَ" (1) والرُّد عليهم ليسَ بردٍّ للتحيَّةِ، وإنما هو دعاءٌ عليهم مكافأةً لدُعائِهم علينا.

قالت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها - إن اليهودَ أَتَوُا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السَّامُ عليكَ، قال: وعليكُم، فقالت عائشةُ: السَّامُ عليكُمْ، ولعنَكُمُ اللهُ، وغَضِبَ الله عليكَم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مَهْلاً يا عائشةُ! عَلَيْكِ بالرِّفْقِ، وإياكِ والعُنْفَ (2) والفُحْشَ" قالت: أَوَ لَمْ تسمع ما قالوا؟ قال: "أَوَ لَمْ تَسْمَعي ما قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عليِهْم، يسُتجابُ (3) لَي فيهم، ولا يُستجابُ لَهُمْ فيَّ"(4).

وقد تنبه عطاء لفقهِ الآيةِ فقال: الآيةُ للمؤمنينَ خاصَّةً، ومَنْ سَلَّمَ مَن غيرِهم، قيل له: عليكَ؛ كما جاءَ في الحديث (5)، وهذا يدلُّ على أنَّ قولَ ابنِ عبّاسٍ وغيرِه: إنَّما أُمِرْنا بالردِّ على الكافرِ أدباً لا وجوباً؟!

وبهذا قال مالكٌ رحمه الله، فحينئذ يرتفعُ الخِلافُ (6).

(1) رواه البخاري (5902)، كتاب: الاستئذان، باب: كيف الرد على أهل الذمة بالسلام، ومسلم (2164)، كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف الرد عليهم، عن عبد الله بن عمر.

(2)

في "ب": "والغضب".

(3)

في "ب": "فيستجاب".

(4)

رواه البخاري (6038)، كتاب: الدعوات، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يستجاب لنا في اليهود، ولا يستجاب لهم فينا"، ومسلم (2165)، كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف الرد عليهم، وهذا لفظ البخاري.

(5)

انظر: "تفسير الطبري"(5/ 189)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(3/ 1021)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 303).

(6)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (11/ 42)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 304)(17/ 293)، و"مواهب الجليل" للحطاب (3/ 222).

ص: 427

وكيف يجُب الردُّ عليهم، واللهُ يقولُ في أمثِالهم:{وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} [المجادلة: 8].

ومعلومٌ أنَّ الشافعيَّ ما أرادَ إلا ما أرادَهُ ابنُ عباسٍ، لا حقيقةَ الوجوبِ كما توهَّمَهُ بعض (1) أصحابه.

وصفةُ الردِّ عليهم ما قَدَّمنا من قوله صلى الله عليه وسلم: "وعليكم" أو: "عليكم"(2)(3).

وأما على المُسْلِم، فالأفضلُ أن يقولَ:(وعليكُم السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه)(4)، وهذا هو الأحسنُ الذيَ ندب اللهُ إليهِ المؤمنين.

(1)"بعض": ليس في "أ".

(2)

انظر: "شرح مسلم" للنووي (14/ 144)، و "فتح الباري" لابن حجر (11/ 45).

(3)

قد استشكل بعضهم دخول الواو في الجواب ورجح كون الجواب: (عليكم) بدون الواو حتى لا يقع الاشتراك معهم، وقد أجيب عن هذا، ومن أفضل الأجوبة جواب ابن القيم حيث قال: إدخال الواو في الحديث لا تقتضي محذوراً البتة، وذلك لأن التحية التي يحيون بها المسلمين غايتها الإخبار بوقوع الموت عليهم وطلبه؛ لأن السام معناه: الموت، فإذا حيوا به المسلم فرده عليهم كان من باب القصاص والعدل، وكان مضمون رده أنَّا لسنا نموت دونكم بل وأنتم أيضاً تموتون فما تمنيتموه لنا حال بكم واقع عليكم.

وأحسن من هذا أن يقال: ليس في دخول الواو تقرير لمضمون تحيتهم بل فيه ردها وتقريرها لهم؛ أي: ونحن أيضاً ندعو عليكم بما دعوتم به علينا فإن دعاءهم قد وقع، فإذا رد عليهم المجيب بقوله:(وعليكم) كان في إدخال الواو سر لطيف وهو الدلالة على أن هذا الذي طلبتموه لنا ودعوتم به هو بعينه مردود عليكم لا تحية غيره فإدخال الواو مفيد لهذه الفائدة الجليلة. انظر: "بدائع الفوائد" لابن القيم (2/ 402).

(4)

انظر: "شرح السنة" للبغوي (12/ 256)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (2/ 152)، و"شرح مسلم"(14/ 141)، و "الأذكار" كلاهما للنووي (ص: 192).

ص: 428

ولو اقتصرَ على قولِ: (وعليكم (1) السلامُ)، فهذا هو الواجُب؛ لأنه مثلُ تحيةِ المُسَلِّمِ، ولو اقتصرَ على قوله: وعليكم، فالصحيحُ عندَ الشافعيةِ واختيار إمامِ الحرمين أنه لا يكفي؛ لأنه ليسَ مثلَ سلامِهِ في اللفظِ والإيناسِ (2).

والصوابُ أنه يكفي؛ لِما ثبتَ في "صحيح مسلم" من اقتصاره في ردِّه صلى الله عليه وسلم على أبي ذَرٍّ (3) في حديثِ إسلامِه (4)(5).

وعلى قياسِ هذا ما إذا قالَ المُسَلِّمُ: (السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه)، فقال الرادُّ:(وعليكم)، وينبغي أن يكونَ مَكْروهاً؛ لقلة إيناسِه، والله أعلم.

ومقتضى عمومِ الآية أنَّ الكِتابيَّ إذا قال: (السلامُ عليكم) أَنَّهُ يجبُ الردُّ عليهِ؛ لأنه حيّانا بتحية اللهِ (6)، ولستُ أعلمُ فيه نَقْلاً عنِ السَّلَفِ.

وأما الغائبُ، فكذلك أيضاً يجبُ ردُّ السلامِ عليه (7)، أَرْسَلَ بهِ، أو كَتَبَ به (8).

(1) في "أ": "وعليك".

(2)

انظر: "المجموع" للنووي (4/ 502).

(3)

لكن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في الجواب على أبي ذر: "وعليك ورحمة الله".

(4)

رواه مسلم (2473)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي ذر رضي الله عنه.

(5)

انظر: "شرح مسلم" للنووي (16/ 30)، و"شرح مشكل الآثار" للطحاوي (4/ 271)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 46).

(6)

انظر: "أحكام أهل الذمة" لابن القيم (1/ 425).

(7)

وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجباً كما يرى رد السلام. انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة (26369)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (13/ 193).

(8)

انظر: "الأذكار" للنووي (ص: 195)، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي=

ص: 429

وصِفَتُهُ الأَحْسَنُ (1) ما رويناه في "سُنَنِ أبي داودَ" عن غالبٍ القَطَّانِ عن رجلٍ قال: حدثني أبي عن جَدِّي قال: بعثَني أبي إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائتهِ فَأَقْرِئْهُ السلامَ، فأتيتُه، فقلتُ: إنَّ أبي يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فقال:"عليكَ وعلى أبيكَ السلامُ"(2).

وأما المفارقُ فقد قالِ القاضي الحسينُ وصاحبُه المُتَولي من الشافعية: جرتْ عادَةُ بعضِ الناسِ بالسلامِ عندَ مفارقَةِ القومِ، وذلكَ دعُاءٌ يستحَبُّ جوابه، ولا يجبُ؛ لأنَّ التحيةَ إنما تكونُ عندَ اللقاء، لا عندَ الانصراف.

وأنكر عليهما الإمامُ أبو بكرٍ الشَّاشِيُّ، وقال: هذا فاسِدٌ؛ لأن السلامَ سُنَّةٌ عندَ الانصرافِ، كما هو سُنَّةٌ عندَ الجلوس.

قال أبو زكريا النوويُّ: وما قالهُ الشاشِيُّ هو الصوابُ (3).

وهو الحقُّ كما قالَهُ الشاشِيُّ والنواويُّ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"إذا انتهى أحدُكم إلى مَجْلِسٍ، فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أرادَ أن يقومَ، فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيَستِ الأُولى بأَحَقَّ منَ الآخِرَة"(4) قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.

= (ص: 309)، و"رد المحتار" لابن عابدين (6/ 415).

(1)

في "ب": "الحسنى".

(2)

رواه أبو داود (5231)، كتاب: الأدب، باب: في الرجل يقول: فلان يقرئك السلام، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 366)، والنسائي في "السنن الكبرى"(10205)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(26713)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(6/ 7)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 258)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 361)، وفي "شعب الإيمان"(8920)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(10/ 434)، عن رجل من الصحابة.

(3)

انظر: "الأذكار"(ص: 203)، و"المجموع" كلاهما للنووي (4/ 505).

(4)

رواه أبو داود (5208)، كتاب الأدب، باب: ما جاء في التسليم عند القيام وعند القعود، والنسائي في "السنن الكبرى"(10174)، والإمام أحمد في "المسند"=

ص: 430

فأمرَنا (1) بالسلامِ، وبينَ بأنَّ الأولى لَيْسَتْ بآكَدَ من الثانية، والله يقول:{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86].

= (2/ 439)، وابن حبان في "صحيحه"(494)، والطبراني في "المعجم الصغير"(371)، عن أبي هريرة.

(1)

في "أ": "فأمر".

ص: 431