الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال المصنف ما معناه: وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده، بل فعله تخلصًا من شرهم.
وفيه أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرًا لم يقل: دخل النار في ذباب، وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.
قوله: "وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله عز وجل" إلى آخره. في هذا بيان فضيلة التوحيد والإخلاص. قال المصنف: وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين،. كيف صبر على القتل ولم يوافقهم على طلبهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر، وفيه شاهد للحديث الصحيح:"الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك"1.
قلت: وفيه التنبيه على سعة مغفرة الله وشدة عقوبته، وأن الأعمال بالخواتيم.
1 البخاري: الرقاق (6488) ، وأحمد (1/387 ،1/413 ،1/442) .
[5-
باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله]
ش: أي أن ذلك لا يجوز لما سيذكره المصنف.
قال: وقول الله تعالى: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} 1.
ش: "حاصل كلام المفسرين في الآية أن الله نهى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوم في مسجد الضرار في الصلاة فيه أبدًا، والأمة تبع له في ذلك، ثم حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني فيه على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجمعًا لكلمة المؤمنين، ومعقلاً ومنْزلاً للإسلام وأهله بقوله: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} والسياق إنما هو في مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة في
1 سورة التوبة آية: 108.
مسجد قباء كعمرة" 1. وفي "الصحيح: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قباء راكبًا وماشيًا"2. وقد صرح بأن المسجد المؤسس على التقوى هو مسجد قباء.
ذكره جماعة من السلف، منهم: ابن عباس وعروة وعطية والشعبي والحسن وغير واحد. وقيل: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث أبي سعيد قال: "تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هو مسجدي هذا" 3 رواه مسلم. وهو قول عمر وابنه وزيد بن ثابت وغيرهم. قال ابن كثير: وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى. وهذا بخلاف مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله تعالى كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} 4. فلهذه الأمور نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن القيام فيه للصلاة، وكان المنافقون الذين بنوه جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى تبوك فسألوه أن يصلي فيه ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره. وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: "إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله" فلما قفل عليه السلام راجعًا إلى المدينة ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه فهدمه قبل مقدمه إلى المدينة" ووجه الدلالة من الآية على الترجمة من جهة القياس، لأنه إذا منع الله رسوله صلى الله عليه وسلم عن القيام لله تعالى في هذا المسجد المؤسس على هذه المقاصد الخبيثة مع أنه لا يقوم فيه إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله لا يذبح فيها الموحد لله، لأنها قد أسست على معصية الله والشرك به، يؤيده حديث ثابت بن الضحاك الآتي.
1 الترمذي: الصلاة (324)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1411) .
2 البخاري: الجمعة (1192 ،1194)، ومسلم: الحج (1399)، والنسائي: المساجد (698)، وأبو داود: المناسك (2040) ، وأحمد (2/4 ،2/57 ،2/58 ،2/65 ،2/72 ،2/80 ،2/101 ،2/107 ،2/155)، ومالك: النداء للصلاة (402) .
3 الترمذي: تفسير القرآن (3099)، والنسائي: المساجد (697) ، وأحمد (3/8 ،3/23 ،3/91) .
4 سورة التوبة آية: 107.
وقوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} روى الإمام أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم عن عويم في ساعدة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: "إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا"1. وفي رواية عن جابر وأنس مرفوعًا "هو ذاك فعليكموه" رواه ابن ماجة وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم.
وقوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} . أي: الذين يتنزهون من القاذورات والنجاسات بعد ما يتنَزهون من أوضار الشرك وأقذاره. قال أبو العالية. إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب.
قال ابن كثير: وفيه دليل على استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين المتنَزهين عن ملابسة القاذورات، المحافظين على إسباغ الوضوء. قلت: وفيه إثبات صفة المحبة.
قال: عن ثابت بن الضحاك، قال: نذر رجل أن ينحر إِبلًا ببوانة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم"2. رواه أبو داود وإِسناده على شرطهما.
ش: هذا الحديث رواه أبو داود، فقال: حدثنا داود بن رشيد قال: ثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك. "قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هل كان فيها وثن." الحديث.
وهذا إسناد جيد، وروى أبو داود أيضًا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده "أن
1 أحمد (3/422) .
2 أبو داود: الأيمان والنذور (3313) .
امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية قال:"لصنم"، قالت: لا. قال: "لوثن؟ " قالت: لا قال: "أوف بنذرك"1. مختصر. ومعنى قوله: "لصنم" إلى آخره. هل يذبحون فيه لصنم أو وثن فيكون كحديث ثابت.
قوله: (عن ثابت بن الضحاك)، أي: ابن خليفة الأشهلي، صحابي مشهور، روى عنه أبو قلابة وغيره ومات سنة أربع وستين. قوله: نذر رجل. يحتمل أن يكون هو كردم بن سفيان والد ميمونة لما روى أبو داود عنها، "قالت: خرجت مع أبي في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم "قالت: فدنا إليه أبي. فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن وُلِدَ لي ولد ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من النعم. قال: لا أعلم إلا أنها قالت خمسين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل بها من هذه الأوثان شيء؟ قال: لا قال: فأوف بما نذرت لله" وذكر الحديث.
قوله: "أن ينحر إبلًا في حديث ميمونة، قال: فأوف بما نذرت لله قال: فجمعها فجعل يذبحها، فانفلتت منه شاة فطلبها. وهو يقول: اللهم أوف بنذري فظفر بها فذبحها". فيحتمل أن يكون نذر إبلاً وغنمًا ويحتمل أن يكون ذلك قضيتين! .
قوله: "ببوانة". بضم الباء وقيل بفتحها. قال البغوي: موضع في أسفل مكة دون يلملم، وقال أبو السعادات: هضبة من وراء ينبع.
قوله: "فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ = " قال [الحرالي] في "عروة المفتاح" الصنم: هو ما له صورة، والوثن: ما ليس له صورة. قلت: هذا هو الصحيح في الفرق بينهما، وقد جاء عن السلف ما يدل على ذلك. وفيه المنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان وثن من أوثانهم، ولو بعد زواله. ذكره المصنف.
1 أبو داود: الأيمان والنذور (3312) .
قوله: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدًا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك، والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع الجاهلية، فالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا. وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا، فالزمان: كقول النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة: "إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدًا"1. والاجتماع والأعمال "كقول ابن عباس: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم".
والمكان كقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا "2. وقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب " كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا" 3. انتهى. وفيه استفصال المفتي، والمنع من الوفاء بالنذر إذا
كان في المكان عيد من أعياد الجاهلية ولو بعد زواله، والحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده. ذكره المصنف.
قوله: "فأوف بنذرك". هذا يدل على أن الذبح لله في المكان الذي يذبح فيه المشركون لغيره، أو في محل أعيادهم معصية، لأن قوله: فأوف بنذرك تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء وجود النذر خاليًا عن هذين الوصفين، فيكونان مانعين من الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به، ولأنه عقبه بقوله: فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله. فدل أن الصورة المسئول عنها مندرجة في هذا اللفظ العام؛ لأن العام إذا أورد على سبب فلا بد أن يكون السبب مندرجًا فيه، ولأنه لو كان الذبح فيما ذكر جائزًا لسوغ صلى الله عليه وسلم للناذر الوفاء به كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف أن تضرب به؛ لأنه عليه السلام
1 ابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1098)، ومالك: الطهارة (146) .
2 أبو داود: المناسك (2042) ، وأحمد (2/367) .
3 البخاري: الجمعة (988)، ومسلم: صلاة العيدين (892)، والنسائي: صلاة العيدين (1593 ،1597)، وابن ماجه: النكاح (1898) ، وأحمد (6/33 ،6/84 ،6/99 ،6/127 ،6/134 ،6/186) .
استفصل. فلما قالوا: لا. قال له: "فأوف بنذرك".
وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانًا لعيدهم، أو بها وثن من أوثانهم مانع من الذبح بها وإن نذر، وإلا لما حسن الاستفصال، هذا معنى كلام شيخ الإسلام.
وفيه أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.
قوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله". دليل على أن هذا نذر معصية، لا يجوز الوفاء به لما تقدم1. وعلى أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
وقد أجمع العلماء على ذلك لهذا الحديث، وحديث عائشة الآتي وما في معناهما، واختلفوا هل تجب به كفارة يمين؟ على قولين هما روايتان عن أحمد، أحدهما: تجب وهو المذهب المشهور عن أحمد. وروي عن ابن مسعود وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لحديث عائشة مرفوعًا:"لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"2. رواه أحمد وأهل السنن، واحتج به أحمد وإسحاق. والثاني: لا كفارة عليه. روي ذلك عن مسروق والشعبي، والشافعي لحديث الباب، وحديث عائشة الآتي. ولم يذكر فيهما كفارة، وجوابه أن عدم ذكر الكفارة لا يدل على عدم وجوبها.
قوله: "ولا فيما لا يملك ابن آدم". قال في "شرح المصابيح": يعني إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بثوبه ونحو ذلك، فأما إذا التزم في الذمة شيئًا لا يملكه فيصح نذره، مثاله إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها، فيصح نذره، وإذا شفي ثبت النذر في ذمته.
1 قوله: لما تقدم. أي من أن العام إذا ورد على سبب فلا بد أن يكون داخلا فيه.
2 الترمذي: النذور والأيمان (1524)، والنسائي: الأيمان والنذور (3834 ،3835 ،3836 ،3837 ،3838 ،3839)، وابن ماجه: الكفارات (2125) .