الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: وفيه أن هذه الأمور ونحوها لا تكون لهوان المؤمن على الله بل لكرامته، وفيه الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات. قاله المصنف.
[32-
باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله]
[لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق]
ش: لما كانت الطاعة من أنواع العبادة بل هي العبادة فإنها طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة رسله عليهم السلام ; نبه المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الخالق تبارك وتعالى بها، وأنه لا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله وإلا فلا تجب طاعة أحد من الخلق استقلالاً. والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا ينطق عن الهوى، فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ} 1 أي: علماءهم {أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 2. وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم في تحريم الحلال، وتحليل الحرام كما سيأتي في حديث عدي.
فإن قيل: قد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} 3.
قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء وهما روايتان عن أحمد. قال ابن القيم: والتحقيق بأن الآية تعم الطائفتين.
قيل: إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله وطاعة رسوله، فكان العلماء مبلغين لأمر الله وأمر رسوله، والأمراء منفذين له، فحينئذ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة الله ورسوله كما قال صلى الله عليه وسلم:"لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف"4. وقال: "على المرء المسلم
1 سورة التوبة آية: 31.
2 سورة التوبة آية: 31.
3 سورة النساء آية: 59.
4 البخاري: أخبار الآحاد (7257)، ومسلم: الإمارة (1840)، والنسائي: البيعة (4205)، وأبو داود: الجهاد (2625) ، وأحمد (1/82 ،1/94 ،1/124) .
السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" 1. حديثان صحيحان فليس في هذه الآية ما يخالف آية براءة.
قال: "وقال ابن عباس: "يوشك أن تنْزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر".
ش: قوله: "يوشك"، بضم أوله وكسر الشين المعجمة. قال أبو السعادات أي: يقرب ويدنو ويسرع، وهذا الكلام قاله ابن عباس لمن ناظره في متعة الحج. وكان ابن عباس يأمر بها، فاحتج عليه المناظر بنهي أبي بكر وعمر عنها، أي: هما أعلم منك وأحق بالاتباع. فقال هذا الكلام الصادر عن محض الإيمان وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وإن خالفه من خالفه كائنًا من كان، كما قال الشافعي: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد. فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر وهما [هما] 2 فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟ ويجعل قوله عيارًا على الكتاب والسنة، فما وافقه قبله، وما خالفه رده، أو تأوله فالله المستعان. وما أحسن ما قال بعض المتأخرين:
فإن جاءهم فيه الدليل موافقًا
…
لما كان للآبا إليه ذهاب.
رضوه وإلا قيل: هذا مؤول
…
ويركب للتأويل فيه صعاب.
ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ} 3.
[التحذير من مخالفة الرسول]
قال المصنف، وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد
1 البخاري: الأحكام (7144)، ومسلم: الإمارة (1839)، والترمذي: الجهاد (1707)، وأبو داود: الجهاد (2626)، وابن ماجه: الجهاد (2864) ، وأحمد (2/17 ،2/142) .
2 سقطت من الطبعة السابقة.
3 سورة التوبة آية: 31.
وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} 1. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
ش: هذا الكلام عن أحمد رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب.
قال الفضل عن أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة وثلاثين موضعًا، ثم جعل يتلو:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} 2 الآية وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة إلا الشرك لعله إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه، فيهلكه وجعل يتلو هذه الآية:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} 3.
وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له: إن قومًا يدعون الحديث، ويذهبون إلى رأي سفيان؟ فقال: أعجب4. لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره. قال الله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 5. وتدري ما الفتنة؟ الكفر قال الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} 6. فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي. ذكر ذلك شيخ الإسلام.
قلت: وكلام أحمد في ذمه التقليد وإنكار تأليف كتب الرأي كثير مشهور.
قوله: "عرفوا الإسناد"، أي: إسناد الحديث وصحته، أي: صحة الإسناد وصحته دليل على صحة الحديث.
قوله: "يذهبون إلى رأي سفيان"، أي: الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب ومذهب مشهور فانقطع.
1 سورة النور آية: 63.
2 سورة النور آية: 63.
3 سورة النساء آية: 65.
4 في الطبعة السابقة: أعجبت.
5 سورة النور آية: 63.
6 سورة البقرة آية: 217.
ومراد أحمد الإنكار على من يعرف إسناد الحديث وصحته، ثم بعد ذلك يقلد سفيان أو غيره، ويعتذر بالأعذار الباطلة إما بأن الأخذ بالحديث اجتهاد والاجتهاد انقطع منذ زمان، وإما بأن هذا الإمام الذي قلدته أعلم مني، فهو لا يقول إلا بعلم، ولا يترك هذا الحديث مثلاً إلا عن علم، وإما بأن ذلك اجتهاد، ويشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بكتاب الله عالمًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وناسخ ذلك ومنسوخه، وصحيح السنة وسقيمها، عالمًا بوجوه الدلالات، عالمًا بالعربية والنحو والأصول، ونحو ذلك من الشروط التي لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما قاله المصنف، فيقال له: هذا إن صح، فمرادهم بذلك المجتهد المطلق، أما أن يكون ذلك شرطًا في جواز العمل بالكتاب والسنة، فكذب على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أئمة العلماء، بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه، فبذلك أمرنا ربنا تبارك وتعالى ونبينا صلى الله عليه وسلم وأجمع على ذلك العلماء قاطبة إلا جهال المقلدين وجفاتهم، ومثل هؤلاء ليسوا من أهل العلم1 كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم أبو عمر بن عبد البر وغيره قال الله تعالى:{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} 2. وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} 3. فشهد تعالى لمن أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بالهداية، وعند جفاة المقلدين أن من أطاعه صلى الله عليه وسلم ليس بمهتد إنما المهتدي من عصاه، وعدل عن أقواله، ورغب عن سنته إلى مذهب أو شيخ ونحو ذلك، وقد وقع في هذا التقليد المحرم خلق كثير ممن يدعي العلم والمعرفة بالعلوم، ويصنف التصانيف في
1 في الطبعة السابقة: زيادة كلمة "منهم".
2 سورة الأعراف آية: 3.
3 سورة النور آية: 54.
الحديث والسنن، ثم بعد ذلك تجده جامدًا على أحد هذه المذاهب، ويرى الخروج عنها من العظائم.
وفي كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم، إنما المذموم المنكر الحرام الإقامة على ذلك بعد بلوغ الحجة، نعم وينكر الإعراض عن كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإقبال على تعلم الكتب المصنفة في الفقه استغناء بها عن الكتاب والسنة، بل إن قرؤوا شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنما يقرءون تبركًا لا تعلمًا وتفقهًا، أو لكون بعض الموقفين وقف على من قرأ البخاري مثلاً، فيقرؤونه لتحصيل الوظيفة لا لتحصيل الشريعة، فهؤلاء من أحق الناس بدخولهم في قول الله تعالى:
1.
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى
…
} 2 إلى قوله: {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} 3.
فإن قلت: فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب؟ قيل: يجوز من ذلك قراءتها على سبيل الاستعانة بها على فهم الكتاب والسنة، وتصوير المسائل، فتكون من نوع الكتب الآلية، أما أن تكون هي المقدمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الحاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه، المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم فلا ريب أن ذلك مناف للإيمان مضاد له كما قال تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} 4.
فإذا كان التحاكم عند المشاجرة إليها دون الله ورسوله، ثم إذا5 قضى الله ورسوله أمرًا وجدت الحرج في نفسك، وإن قضى أهل الكتاب بأمر لم تجد حرجًا، ثم إذا قضى الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر لم تسلم له، وإذا
1 سورة طه آية: 99-101.
2 سورة طه آية: 124.
3 سورة طه آية: 127.
4 سورة النساء آية: 65.
5 في الطبعة السابقة: "إنما" بدل "إذا".
قضوا بأمر سلمت له، فقد أقسم الله تعالى سبحانه وهو أصدق القائلين بأجل مقسم به، وهو نفسه تبارك وتعالى أنك لست بمؤمن والحالة هذه وبعد ذلك، فقد قال الله تعالى:{بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} ، [سورة القيامة، الآيتان: 1415-] .
على أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، قد نهوا عن تقليدهم مع ظهور السنة.
كلام أحمد الذي ذكره المصنف كاف عن تكثير النقل عنه.
وقال أبو حنيفة: "إذا جاء الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين، فنحن رجال وهم رجال".
وفي روضة العلماء سئل أبو حنيفة إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لكتاب الله، قيل: إذا كان قول الرسول يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر الرسول صلى الله عليه وسلم قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة، فلم يقل: هذا الإمام ما يدعيه جفاة المقلدين له أنه لا يقول قولاً يخالف كتاب الله، حتى أنزلوه بمنْزلة المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى.
وروى البيهقي في السنن عن الشافعي أنه قال: "إذا قلت قولاً وكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي فما يصح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى فلا تقلدوني". وقال الربيع: "سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت". وتواتر عنه أنه قال: "إذا صح الحديث أي: بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط".
وقال مالك: "كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وكلام الأئمة مثل هذا كثير. فخالف المقلدون ذلك، وجمدوا على ما وجدوه في الكتب المذهبية، سواء كان صوابًا أم خطأ مع أن كثيرًا من هذه الأقوال المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالاً لهم منصوصًا عليها، وإنما هي تفريعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم، ولسنا نقول: إن الأئمة على خطأ، بل هم إن شاء الله على هدى من ربهم، وقد قاموا بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته، ولكن العصمة منتفية عن غير الرسول، فهو الذي {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} ، [سورة النّجم، الآيتان: 3-4] . فما العذر في اتباعهم وترك اتباع الذي لا ينطق عن الهوى؟!
قوله: "لعله"، أي: لعل الإنسان الذي تصح عنده سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: "إذا رد بعض قوله"، أي: قول النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". هذا تنبيه على أن رد قول الرسول صلى الله عليه وسلم سبب لزيغ القلب الذي هو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة، فإذا كانت إساءة الأدب معه في الخطاب سببًا لحبوط الأعمال كما قال تعالى:{لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} 1. فما ظنك برد أحكامه وسنته لقول أحد من الناس كائنًا من كان؟. قال شيخ الإسلام: فإذا كان المخالف عن أمره قد حذر من الكفر والشرك، أو من العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيًا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما يقترن به من استخفاف بحق الآمر، كما فعل إبليس لعنه الله.
فإذا علمت أن المخالفة عن أمره صلى الله عليه وسلم سبب للفتنة، التي هي
1 سورة الحجرات آية: 2.
الشرك والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، علمت أن من رد قوله وخالف أمره لقول أبي حنيفة، أو مالك أو غيرهما، لهم النصيب الكامل، والحظ الوافر من هذه الآية، وهذا الوعيد على مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وقد استدل بهذه الآية كثير من العلماء على أن أصل الأمر للوجوب حتى يقوم دليل على استحبابه.
قال: عن "عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، [التّوبة، من الآية: 31] ، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت بلى قال: فتلك عبادتهم"1. رواه أحمد2 والترمذي وحسنه.
ش: هذا الحديث قد روي من طرق3. فرواه ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في السنن وفيه قصة اختصرها المصنف.
قوله: "عن عدي بن حاتم"، أي: الطائي المشهور وهو ابن عبد الله ابن سعد بن الحشرج بفتح المهملة وسكون المعجمة وآخره
1 الترمذي: تفسير القرآن (3095) .
2 عزو الحديث لأحمد عند الإطلاق يراد به المسند وهذا الحديث ليس في مسنده، والسيوطي في "الدر المنثور" 3/ 230 لم يعزه إليه مع أنه عزاه إلى من هو دون أحمد كما نقل عنه الشارح.
3 للحديث طريق واحد فقط أخرجه الترمذي (3094) وابن جرير (16631) و (16632) و (16633) عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم، وغطيف ضعيف، وقال الترمذي; هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بالمعروف في الحديث، أقول: لكن له شاهد موقوف من حديث حذيفة عند ابن جرير (16634) بنحوه ربما يتقوى به. [وقد جزم الشّيخ الألباني رحمه الله بحسنه] .
جيم، مات مشركًا وعدي يكنى أبا طريف بفتح المهملة صحابي شهير، حسن الإسلام، مات سنة ثمان وستين وله مائة وعشرون سنة.
قوله: "فقلت: إنا لسنا نعبدهم"، عن ظن عدي أن العبادة المراد بها التقرب إليهم بأنواع العبادة، من السجود والذبح والنذر ونحو ذلك فقال: إنا لسنا نعبدهم.
قوله: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه
…
" إلى آخره.
صرح صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأن عبادة الأحبار والرهبان هي طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، وهو طاعتهم في خلاف حكم الله ورسوله.
قال شيخ الإسلام: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وعكسه يكونون على وجهين.
أحدهما: أنهم يعلمون أنهم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنما الطاعة في المعروف"1.
ثم نقول: اتباع هذا المحلل للحرام والمحرم للحلال إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم أن هذا الخطأ
1 صحيح البخاري: كتاب الأحكام (7145) وكتاب أخبار الآحاد (7257)، وصحيح مسلم: كتاب الإمارة (1840)، وسنن النسائي: كتاب البيعة (4205)، وسنن أبي داود: كتاب الجهاد (2625) ، ومسند أحمد (1/82 ،1/94 ،1/124) .
فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم فله نصيب من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبعه في ذلك لهواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم. فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه، وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة. وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن الحق معه، فهذا من أهل الجاهلية، فإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا، كان آثمًا كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ، فليتبوأ مقعده من النار. انتهى ملخصًا.
قال المصنف: وفيه تغير الأحوال إلى هذه الغاية [حتّى] صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال ويسمونها الولاية. وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
قوله: "صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال". يشير إلى ما يعتقده كثير من الناس فيمن ينتسب إلى الولاية من الضر والنفع، والعطاء والمنع، ويسمون ذلك الولاية والسر ونحو ذلك وهو الشرك.
قوله: "وعبادة الأحبار هي العلم والفقه"، أي: هي التي تسمى اليوم العلم والفقه المؤلف على مذاهب الأئمة ونحوهم، فيطيعونهم في كل ما يطيعونك سواء وافق حكم الله أم خالفه، بل لا يعبؤون بما خالف ذلك من كتاب وسنة، بل يريدون كلام الله وكلام رسوله لأقوال من قلدوه، ويصرحون بأنه لا يحل العمل بكتاب ولا سنة، وأنه لا يجوز تلقي العلم والهدى منهما، وإنما الفقه والهدى عندهم