المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان] - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

[سليمان بن عبد الله آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌[كتاب التوحيد]

- ‌ باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب]

- ‌ باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب]

- ‌ باب الخوف من الشرك]

- ‌باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا لله

- ‌ باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله]

- ‌ باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه]

- ‌ باب ما جاء في الرقى والتمائم]

- ‌ باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما]

- ‌[باب ما جاء في الذبح لغير الله]

- ‌ باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله]

- ‌ باب من الشرك النذر لغير الله]

- ‌[باب من الشرك الاستعاذة بغير الله]

- ‌ باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره]

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُم يَنْصُرُونَ}

- ‌باب قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

- ‌ باب الشفاعة]

- ‌[باب قول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

- ‌باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

- ‌باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده

- ‌ باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله]

- ‌ باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك]

- ‌ باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان]

- ‌ باب ما جاء في السحر]

- ‌باب بيان شيئ من أنواع السحر

- ‌ باب ما جاء في الكهان ونحوهم]

- ‌ باب ما جاء في النشرة]

- ‌ باب ما جاء في التطير]

- ‌ باب ما جاء في التنجيم]

- ‌ باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء]

- ‌باب قول الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}

- ‌ باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}

- ‌ باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله]

- ‌ باب ما جاء في الرياء]

- ‌ باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا]

- ‌ باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله]

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِ

- ‌ باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات]

- ‌ باب قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا

- ‌ باب قول الله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

- ‌باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله

- ‌ باب قول: ما شاء الله وشئت]

- ‌ باب من سب الدهر فقد آذى الله]

- ‌ باب التسمي بقاضي القضاة]ونحوه

- ‌باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك

- ‌ باب من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن أو الرسول]

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي

- ‌باب قول الله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون}

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}

- ‌ باب لا يقال: السلام على الله]

- ‌ باب قول اللهم اغفر لي إن شئت]

- ‌ باب لا يقول: عبدى وأمتي]

- ‌ باب لا يرد من سئل بالله]

- ‌ باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة]

- ‌باب ماجاء في "لو

- ‌ باب النهي عن سب الريح]

- ‌ باب قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ

- ‌ باب ما جاء في منكري القدر]

- ‌ باب ما جاء في المصورين]

- ‌ باب ما جاء في كثرة الحلف]

- ‌باب ما جاء في ذمة الله وذمة رسوله

- ‌ باب ما جاء في الإقسام على الله]

- ‌ باب لا يستشفع بالله على خلقه]

- ‌ باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك]

- ‌باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

الفصل: ‌ باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان]

محمول على الزيارة الشرعية الجارية على وفق مراد النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي لا يكون فيها شرك ولا شد رحل إلى قبر، وبتقدير ثبوتها لا تدل على شد الرحال إلى قبر غيره، والسبكي أجاز ذلك في سائر القبور فخالف الأحاديث وخرق الإجماع، والله أعلم.

قال المصنف: وفيه أنه صلى الله عليه وسلم في البرزخ تعرض عليه أعمال أمته في الصلاة والسلام.

قوله: رواه في "المختارة" المختارة: كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث الجياد الزائدة على "الصحيحين" ومؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ ضياء الدين الحنبلي، أحد أعلام الإسلام وحفاظ الحديث. قال الذهبي أفنى عمره في هذا الشأن مع الدين المتين والورع والفضيلة التامة والثقة والإتقان، انتفع الناس بتصانيفه والمحدثون بكتبه فالله يرحمه ويرضى عنه. وقال شيخ الإسلام: تصحيحه في "مختاراته" خير من تصحيح الحاكم بلا ريب. مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة.

ص: 306

[17-‌

‌ باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان]

ش: أراد المصنف بهذه الترجمة الرد على عباد القبور، الذين يفعلون الشرك ويقولون: إنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فبين في هذا الباب من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ما يدل على تنوع الشرك في هذه الأمة ورجوع كثير منها إلى عبادة الأوثان، وإن كانت طائفة منها لا تزال على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى.

قال: وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} 1.

ش: يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً} 2.

1 سورة النساء آية: 51.

2 سورة آل عمران آية: 23.

ص: 306

أي: أعطوا نصيبًا أي: حظًّا {مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} 1. روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: "لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى إلى هذا الصنبور2 المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السدنة وأهل السقاية قال: أنتم خير، قال فنَزلت فيهم: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر] ونزل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ

} إلى. {

نَصِيراً} ".

وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب، وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد فقال: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من غفار. فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلاً، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} ".

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.

وكذلك قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم، وعن ابن عباس وعكرمة وأبي مالك: الجبت: الشيطان زاد ابن عباس بالحبشية وعن ابن عباس أيضًا الجبت: الشرك،

1 سورة النساء آية: 51.

2 هو الأبتر الذي لا عقب له، وأصله سعفة تنبت في جذع النخلة لا في الأرض، وقيل: هي النخلة المنفردة التي دق أسفلها. أرادوا أنه إذا قلع انقطع ذكره كما يذهب الصنبور; لأنه لا عقب له.

ص: 307

وعنه الجبت: الأصنام، وعنه الجبت: حيي ابن أخطب، وعن الشعبي الجبت: الكاهن. وعن مجاهد الجبت: كعب ابن الأشرف.

قلت: الظاهر أنه يعم ذلك كله كما قال الجوهري: الجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث "الطيرة والعيافة والطرق من الجبت" قال: وهذا ليس من محض العربية لاجتماع الجيم والباء في حرف واحد من غير حرف ذولقي1.

قال المصنف: وفيه معرفة الإيمان بالجبت والطاغوت في [هذا] الموضع، هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ وأما الطاغوت فتقدم الكلام عليه في أول الكتاب.

قال: وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} 2.

ش: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب، الطاعنين في دينكم الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادة، دون ما سواه {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ} 3، أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا، هم أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات المذمومة المفسرة بقوله:{مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} 4، أي: أبعده وطرده من رحمته وغضب عليه، أي: غضبًا لا يرضى بعده، وجعل منهم القردة والخنازير، أي: مسخ منهم الذين عصوا أمره، فجعلهم قردة وخنازير، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا

1 والحروف الذولقية ستة: الراء واللام والنون والفاء والباء والميم.

2 سورة المائدة آية: 60.

3 سورة المائدة آية: 60.

4 سورة المائدة آية: 60.

ص: 308

لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} 1.وذلك أن الله تعالى أخذ عليهم تعظيم السبت، والقيام بأمره، وترك الاصطياد فيه، وكانت الحيتان لا تأتيهم إلا يوم السبت، فتحيلوا اصطيادها فيه بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت الحيتان يوم السبت على عادتها نشبت تلك الحبائل فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك مسخهم الله تعالى إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، فكان جزاؤهم من جنس عملهم.

قال العوفي عن ابن عباس في قوله: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} 2 فجعل الله منهم القردة والخنازير فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير.

وروى مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال: إن الله لم يهلك قومًا أو قال: لم يمسخ قومًا فيجعل الله لهم نسلاً ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك"3.

وفي هذه القصة دليل قاطع على تحريم الحيل التي يتوصل بها إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال ونحو ذلك.

وقوله: {وعبد الطاغوت} . قال شيخ الإسلام: الصواب أنه معطوف على قوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} 4. فهو فعل ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية، أي: من لعنه الله ومن غضب عليه، ومن جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت. لكن الأفعال المقدمة الفاعل فيها

1 سورة البقرة آية: 65.

2 سورة البقرة آية: 65.

3 مسلم: القدر (2663) ، وأحمد (1/390 ،1/395 ،1/396 ،1/421) .

4 سورة المائدة آية: 60.

ص: 309

هو اسم الله مظهرًا ومضمرًا، وهنا الفاعل اسم من عبد الطاغوت، وهو الضمير في "عبد".

ولم يعد سبحانه لفظ "من" لأنه جعل هذه الأفعال كلها صفة لصنف واحد وهم اليهود.

قال: وقوله: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} 1.

ش: يخبر تعالى عن الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا هذه المقالة لنتخذن عليهم مسجدًا.

وقد حكى ابن جرير في القائلين في ذلك قولين، أحدهما: أنهم المسلمون. والثاني: أنهم المشركون. وعلى القولين فهم مذمومون.

1-

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد يحذر ما فعلوا"2. رواه البخاري ومسلم.

2-

ولما يفضي إليه ذلك من الإشراك بأصحابها كما هو الواقع. ولهذا لما فعلته اليهود والنصارى جرهم ذلك إلى الشرك، فدل ذلك على أن هذه الأمة تفعله كما فعلته اليهود والنصارى، فيجرها ذلك إلى الشرك، لأن ما فعلته اليهود والنصارى ستفعله هذه الأمة شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى وبهذا يظهر وجه استشهاد المصنف بهذه الآيات.

قال عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله! آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟! "3. أخرجاه.

ش: هذا الحديث أورده المصنف بهذا اللفظ معزوا

1 سورة الكهف آية: 21.

2 البخاري: الجنائز (1330)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531)، والنسائي: المساجد (703) ، وأحمد (1/218)، والدارمي: الصلاة (1403) .

3 البخاري: أحاديث الأنبياء (3456)، ومسلم: العلم (2669) ، وأحمد (3/84 ،3/89 ،3/94) .

ص: 310

"للصحيحين". ولعله نقله عن غيره ولفظهما، والسياق لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال فمن؟! "1. ويحتمل أن يكون مرويًّا عند غيرهما باللفظ الذي ذكره المصنف وأراد أصله لا لفظه.

قوله: (لتتبعن) ، هو بضم العين وتشديد النون.

قوله: (سنن) ، بفتح المهملة، أي: طريق من كان قبلكم. أي: الذين قبلكم قال الْمُهَلَّب: الفتح أولى، وقال ابن التين: قرأناه بضمها.

قوله: (حذو القذة بالقذة) ، هو بنصب حذو على المصدر، والقذة - بضم القاف - واحدة القذذ وهي ريش السهم، وله قذتان متساويتان، أي: لتفعلن أفعالهم، ولتتبعن طرائقهم حتى تشبهوهم وتحاذوهم، كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى، ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي عن متابعتهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام، لأن نوره قد بهر الأنوار وشريعته نسخت الشرائع، وهذا من معجزاته، فقد اتبع كثير من أمته سنن اليهود والنصارى وفارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم، وإقامة شعارهم في الأديان والحروب والعادات من زخرفة المساجد، وتعظيم القبور واتخاذها مساجد، حتى عبدوها ومن فيها من دون الله، وإقامة الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، والتسليم بالأصابع، وعدم عيادة المريض يوم السبت، والسرور بخميس البيض، وأن الحائض لا تمس عجينًا، واتخاذ الأحبار والرهبان أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله، والإعراض عن كتاب الله، والإقبال على كتب الضلال

1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3456)، ومسلم: العلم (2669) ، وأحمد (3/84 ،3/89 ،3/94) .

ص: 311

من السحر والفلسفة والكلام والتكذيب بصفات الله التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم ووصفه بما لا يليق به من النقائص والعيوب إلى غير ذلك مما اتبعوا فيه اليهود والنصارى.

قوله: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) ، الْجحر - بضم الجيم بعدها حاء مهملة - معروف.

وفي حديث آخر: "حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك" 1 وفي حديث آخر: "حتى لو أن أحدهم جامع أمه في الطريق لفعلتموه" صحت بذلك الأحاديث، فأخبر أن أمته ستفعل ما فعلته اليهود والنصارى وفارس من الأديان والعادات والاختلاف.

قال شيخ الإسلام: هذا خرج مخرج الخبر والذم لمن يفعله كما كان يخبر عما يكون بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمة.

وقال غيره: وجمع ذلك أن كفر اليهود أشد من جهة عدم العمل بعلمهم فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملاً ولا قولاً، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون ما لا يعلمون، ففي هذه الأمة من يحذو حذو الفريقين.

ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة يقولون: من فسد من علمائنا، ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، وقضاء الله نافذ بما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم بما سبق في علمه، لكن ليس الحديث إخبارًا عن جميع الأمة لما تواتر عنه أنها لا تجتمع على ضلالة.

قوله: "قالوا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال فمن؟ " هو برفع اليهود خبر مبتدأ محذوف، أي: أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سنتهم؟ وقوله: قال: "فمن" استفهام إنكار، أي: فمن هم غير أولئك؟ ثم إنه فسر هنا باليهود والنصارى، وفي رواية أبي هريرة في البخاري بفارس والروم ولا تعارض، كما قال

1 الترمذي: الإيمان (2641) .

ص: 312

بعضهم لاختلاف الجواب بحسب اختلاف المقام، فحيث قيل: فارس والروم كان ثم قرينة تتعلق بالحكم بين الناس، وسياسة الرعية، وحيث قيل: اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات، أصولها وفروعها كذا قال. ولا يلزم وجود قرينة، بل الظاهر أنه أخبر أن هذه الأمة ستفعل ما فعلته الأمم قبلها من الديانات والعادات والسياسات مطلقًا، والتفسير ببعض الأمم لا ينفي التفسير بأمة أخرى، إذ المقصود التمثيل لا الحصر.

ووجه مطابقة الحديث للترجمة واضح؛ لأن الأمم قبلنا وجد فيها الشرك، فكذلك يوجد في هذه الأمة كما هو الواقع.

[إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أمر أمته سيتسع]

قال: ولمسلم عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنْزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا"1.

ورواه البرقاني في " صحيحه " وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى"2.

ش: هذا الحديث رواه أبو داود في "سننه" وابن ماجة بالزيادة التي زكرها المصنف، ورواه الترمذي مختصرًا ببعضها.

1 مسلم: الفتن وأشراط الساعة (2889)، والترمذي: الفتن (2176)، وأبو داود: الفتن والملاحم (4252)، وابن ماجه: الفتن (3952) ، وأحمد (5/284) .

2 أبو داود: الفتن والملاحم (4252)، وابن ماجه: الفتن (3952) ، وأحمد (5/278 ،5/284)، والدارمي: المقدمة (209) .

ص: 313

قوله: (عن ثوبان) . هو ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم صحبه ولازمه ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين.

قوله: (زوى لي الأرض) . قال التوربشتي: زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد به تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب. وحاصله أن الله طوى له الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة نظره.

وقال القرطبي: "أي جمعها لي حتى أبصرت ما تملك أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها، وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع المعتادة فأدرك البعيد من موضعه كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه. وكما قال: "إني لأبصر قصر المدائن الأبيض ". ويحتمل أن يكون مثلها الله له، والأول أولى".

قوله: (وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) . قال القرطبي: "هذا الخبر وجد مخبره كما قاله، فكان ذلك من دلائل نبوته، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى بحر طنجة، بالنون والجيم الذي هو منتهى عمارة المغرب وإلى أقصى المشرق، ما وراء خراسان والنهر وكثير من بلاد الهند والسند والصغد. ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر عليه السلام أنه أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه".

وقوله: (زوى) ، يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، وأن يكون مبنيًّا للمفعول والأول أظهر.

قوله: (وأعطيت الكنْزين: الأحمر والأبيض)، قال القرطبي: يعني بهما كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنْز قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما. وقد دل على ذلك قوله عليه السلام حين أخبر عن هلاكهما:"والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" وعبر بالأحمر عن كنْز قيصر، لأن الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنْز كسرى لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة. وقد ظهر ذلك ووجد كذلك في زمان الفتوح في

ص: 314

إمارة عمر رضي الله عنه، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتحت بلاده. كذا قال في الغالب على كنوز كسرى وقيصر وعكس ذلك التوربشتي والخلخالي. والأبيض والأحمر منصوبان على البدل.

قوله: (وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة) ، هكذا ثبت في أصل المصنف بعامة بالباء وهي رواية صحيحة في أصل "مسلم" وفي بعض أصوله بسنة عامة بحذفها.

قال القرطبي: "وكأنها زائدة لأن عامة صفة لسنة فكأنه قال: بسنة عامة. ويعني بالسنة: الجدب العام الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط سنة ويجمع على سنين كما قال تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} 1. أي: بالجدب المتوالي.

قوله: (من سوى أنفسهم) . أي: من غيرهم يعني الكفار.

قوله: (فيستبيح بيضتهم) . قال الجوهري: بيضة كل شيء: حوزته، وبيضة القوم: ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: أن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم كل من بين أقطار الأرض، وهو جوانبها.

وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم.

قلت: وهذا هو الظاهر، وأن الله تعالى لا يسلط الكفار على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم ما داموا بضد هذه الأوصاف المذكورة في قوله:(حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا) . فأما إذا وجدت هذه الأوصاف، فقد يسلط الكفار على جماعتهم ومعظمهم وإمامهم كما وقع.

قوله: (وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) . قال بعضهم: أي: إذا حكمت حكمًا مبرمًا فإنه نافذ لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده، بل كل جميع الخلق تمضي عليهم الأقدار

1 سورة الأعراف آية: 130.

ص: 315

طوعًا وكرهًا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا راد لما قضيت".

قلت: الظاهر أنه سواء في ذلك المبرم والمعلق، فالكل لا يرد فإن هذا إخبار عن عدم الرد لجنس القضاء، والنبي صلى الله عليه وسلم سأل ذلك مطلقًا فأجيب بهذا، واستجاب له دعاءه ما لم يوجد الشرط المقتضي لتسليط العدو، فإذا وجد ذلك وجد القضاء المعلق.

قوله: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا

) إلى آخره. أي: حتى يوجد ذلك منهم فإن وجد فإنه يسلط عليهم عدوهم من الكفار، فيستبيح جماعتهم وإمامهم ومعظمهم لا كل الأمة، ثم أيضًا تكون العاقبة لهذه الأمة إن رجعوا عما هم فيه من الأسباب الموجبة للتسليط، وكذلك وقع، فإن هذه الأمة لما جعل بأسها بينها اقتتلوا فأهلك بعضهم بعضًا، وسبى بعضهم بعضًا، فلما فعلوا ذلك تفرقت جماعتهم، واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدو، واستولوا عليهم، كما وقع ذلك في المائة السابعة في المشرق والمغرب، فاختلفت ملوك المشرق وتخاذلوا واستولى التتار على غالب أرض خراسان، وعلى العراق وديار الروم، وقتلوا الخليفة والعلماء والملوك الكبار، وكذلك ملوك المغرب اختلفوا وتخاذلوا واستولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس والجزر القريبة منها، فهي في أيديهم إلى اليوم، بل استولوا على كثير من بلدان الشام حتى استنقذها منهم صلاح الدين ابن أيوب وغيره.

[خوف الرسول صلى الله عيه وسلم من الأئمة المضلين]

قوله: ورواه البرقاني في "صحيحه". البرقاني هو الحافظ الكبير أبو بكر محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وعشرين وأربع مائة. قال الخطيب: كان ثبتًا ورعًا، لم نر في شيوخنا أثبت منه،

ص: 316

عارفًا بالفقه كثير التصنيف، صنف مسندًا ضمنه ما اشتمل عليه "الصحيحان" وجمع حديث الثوري، وحديث شعبة، وطائفة وكان حريصًا على العلم منصرف الهمة إليه.

قلت: وهذا "المسند" الذي ذكره الخطيب هو صحيحه الذي عزا إليه المصنف.

قوله: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) . أي: الأمراء والعلماء والعباد، الذين يقتدي بهم الناس، ويحكمون فيهم بغير علم فيضلون ويضلون، فهم ضالون عن الحق مضلون لغيرهم، كما قال تعالى عن أهل النار:{حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ} 1. وقال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} 2. وقال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} 3. ولشدة الضرورة إلى اتباع أئمة الهدى ومعرفتهم، والتفريق بينهم وبين أئمة الضلال المغضوب عليهم والضالين، أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى سلوك صراط أئمة الهدى، وهم المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم؛ الذين يعلمون الحق ولا يعملون به، ولا الضالين الذين يعملون على غير شرع من الله، بل بما تهوى أنفسهم.

فصراط المنعم عليهم هو الجامع بين العلم بالهدى والعمل به، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم أئمة الهدى لما ذكر التفرق من بعده، بأنهم الذين كانوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما رواه أبو داود وغيره.

فمن كان على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو من الأئمة المهديين، ومن خالفهم فهو من الضالين، كالذي يقول لأصحابه من كانت له حاجة فليأت إلى قبري فإني أقضيها له، ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب، أو نحو هذا كالذي يدعي أنه يخلص أصحابه ومريديه من النار، وأنه يحفظ الناس ويكلأهم إذا اعتقدوه، ويضر بهم إذا كفروا

1 سورة الأعراف آية: 38.

2 سورة الأحزاب آية: 67.

3 سورة الكهف آية: 103-104.

ص: 317

به وحاربوه، ويدعي أن ذلك من كراماته.

وكالذي يمشي في الأسواق عريانًا، ولا يشهد بصلاة ولا ذكر الله ولا علمًا، بل يعيب علماء الشرع، ويغمزهم ويسميهم أهل علم الظاهر، ويدعي أنه صاحب علم الباطن، وربما يدعي أنه يسعه الخروج من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام، ونحو ذلك من الكفر والهذيان. وكالذي يدعي أن العبد يصل مع الله إلى حال تسقط عنه التكاليف، أو يدعي أن الأولياء يدعون، ويستغاث بهم في حياتهم ومماتهم، وأنهم ينفعون ويضرون ويدبرون الأمور على سبيل الكرامة، أو أنه يطلع على اللوح المحفوظ، ويعلم أسرار الناس وما في ضمائرهم، أو يجوز بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وإيقادها بالسرج والشموع، وكسوتها بالحرير والديباج، والفرش النفيسة، أو يدعي أن من عمل بالقرآن والسنة في أصول الدين وفروعه، فقد ضل وأضل وابتدع، أو أن ظواهر القرآن في آيات الصفات تشبيه وتمثيل، وأن الهدى لا يؤخذ منه في هذا الباب ولا في غيره، وإنما يؤخذ من الشبهات الوهمية التي يسميها بزعمه براهين عقلية. فكل هؤلاء وأشباههم من أئمة الضلال الذين خاف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وحذر منهم.

والضابط في الفرق بين أئمة المتقين وبين الأئمة المضلين قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} 1 فافهم عن ربك وكن على بصيرة، ولا يغرك جلالة شخص أو عظمته في النفوس، فربك أعظم واتباعك لكلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم هو الفرض، والعصمة منتفية عن غير الرسول، وربك أدرى بما في الضمائر، فرب مَنْ تعتقده إمام هدى ليس كذلك، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} 2.

1 سورة آل آية: 31-32.

2 سورة الجاثية آية: 18.

ص: 318

فكل مَن أتى بشيء يخالف ما جاء عن الله وعن رسوله، فهو من أهواء الذين لا يعلمون، ومن لم يستجب للرسول صلى الله عليه وسلم فإنما يتبع هواه.

قال الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} 1. وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} 2. وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين". رواه الدارمي.

وقال يزيد بن عميرة: "كان معاذ بن جبل لا يجلس مجلسًا للذكر إلا قال حين يجلس: الله حكم قسط هلك المرتابون". الحديث. وفيه: "واحذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال لي: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال: ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع الحق، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورًا". رواه أبو داود وغيره وما أحسن ما قال ابن المبارك رضي الله عنه:

وهل أفسد الدين إلا الملو

ك وأحبار سوء ورهبانها.

قوله: (وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة) . أي: إذا وقعت الفتنة والقتال بينهم بقي إلى يوم القيامة، وكذلك وقع، فإن السيف لما وضع فيهم بقتل عثمان رضي الله عنه لم يرتفع إلى اليوم، وكذلك يكون إلى يوم القيامة، ولكن يكثر تارة ويقل أخرى، ويكون في جهة ويرتفع عن أخرى.

قوله: (ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين) . الحي واحد الأحياء، وهي القبائل وفي رواية أبي داود:

1 سورة القصص آية: 50.

2 سورة الأعراف آية: 3.

ص: 319

"ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين" 1 والمعنى: أنهم ينْزلون معهم في ديارهم، ويصيرون منهم بالردة ونحوها.

[لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من الناس الأوثان]

قوله: (وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان) . الفئام - مهموز - الجماعات الكثيرة، قاله أبو السعادات، وفي رواية أبي داود:(وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان) ، ومعناه ظاهر.

وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عباد القبور الذين ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة. وفي معنى هذا ما في "الصحيحين" عن أبي هريرة مرفوعًا:"لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة"2. قال: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية. وروى ابن حبان عن معمر قال: إن عليه الآن بيتًا مبنيًّا مغلقًا.

وفي "صحيح مسلم" عن عائشة مرفوعًا: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" 3 وقيل: إن القبر المنسوب إلى ابن عباس بالطائف إنه قبر اللات، وكانوا يعبدونه، ويطوفون به ويقربون إليه القرابين وينذرون له النذور ويسألونه قضاء حاجتهم وتفريج كربتهم.

إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون في هذه الأمة دجالون كذابون

قوله: (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون)، كلهم يزعم أنه نبي. قال القرطبي: وقد جاء عددهم معينًا في حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون في أمتي كذابون دجالون سبع وعشرون، منهم أربع نسوة". أخرجه أبو نعيم. وقال: هذا حديث غريب تفرد به معاوية بن هشام.

قلت: حديث ثوبان أصح من هذا.

قال القاضي عياض: عُدَّ من تنبأ من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن ممن اشتهر بذلك، وعرف واتبعه جماعة على ضلالته، فوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا.

وقال الحافظ: قد ظهر مصداق ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة

1 الترمذي: الفتن (2219)، وأبو داود: الفتن والملاحم (4252)، وابن ماجه: الفتن (3952) ، وأحمد (5/278) .

2 البخاري: الفتن (7116)، ومسلم: الفتن وأشراط الساعة (2906) ، وأحمد (2/271) .

3 مسلم: الفتن وأشراط الساعة (2907) .

ص: 320

أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل مسيلمة الكذاب في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في زمن عمر رضي الله عنه. ويقال: إن سجاح تابت أيضًا.

ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي، وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير فأظهر محبة أهل البيت، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فاتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك، أو أعان عليه فأحبه الناس، ثم إنه زين له الشيطان أن يدعي النبوة، وزعم أن جبريل عليه السلام يأتيه.

ومنهم: الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل، وخرج في خلافة بني العباس جماعة. وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا؛ فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة، كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له منهم ذلك، وبقي منهم من يلحقه بأصحابه وآخرهم الدجال الأكبر.

قوله: (وأنا خاتم النبيين) . الخاتم - بفتح التاء- بمعنى الطابع، وبكسرها بمعنى فاعل الطبع والختم. قال الحسن: خاتم الذي ختم به، أي: آخر

النبيين، كما قال تعالى:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} 1 وإنما ينْزل عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان حاكماً بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم مصليًا إلى قبلته، فهو كآحاد أمته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنْزير، وليضعن الجزية"2.

قوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم

1 سورة الأحزاب آية: 40.

2 البخاري: البيوع (2222) والمظالم والغصب (2476) وأحاديث الأنبياء (3448)، ومسلم: الإيمان (155)، والترمذي: الفتن (2233)، وابن ماجه: الفتن (4078) ، وأحمد (2/272 ،2/290 ،2/336 ،2/394 ،2/482 ،2/493 ،2/538) .

ص: 321

مَنْ خذلهم ولا مَنْ خالفهم" 1.

قال يزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وكذلك قال: إنهم أهل الحديث عبد الله ابن المبارك، وعلي بن المديني، وأحمد بن سنان والبخاري وغيرهم. وقال المديني في رواية: هم العرب، واستدل برواية من روى هم أهل الغرب، وفسر الغرب بالدلو العظيمة، لأن العرب هم الذين يستقون بها.

قلت: ولا تعارض بين القولين، إذ يمتنع أن تكون الطائفة المنصورة لا تعرف الحديث، ولا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لا يكون منصورًا على الحق إلا من عمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أهل الحديث من العرب وغيرهم.

فإن قيل: فلم خصصه بالعرب؟ قيل: المراد التمثيل لا الحصر، أي: أن العرب إن استقاموا على العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهم الطائفة المنصورة حال استقامتهم.

قال القرطبي: وفيه دليل على أن الإجماع حجة، لأن الأمة إذا أجمعت فقد دخل فيهم الطائفة المنصورة.

وقال المصنف: وفيه الآية العظيمة أنهم مع قلتهم لا يضرهم مَنْ خذلهم ولا مَنْ خالفهم. والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.

قوله: (حتى يأتي أمر الله) . الظاهر أن المراد بأمر الله ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة، ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس كما روى الحاكم. وأصله في "مسلم" عن عبد الرحمن بن شماسة أن عبد الله بن عمرو قال:"لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية. فقال عقبة بن عامر لعبد الله: أعلم ما تقول، وأما أنا فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة على ذلك. فقال عبد الله: ويبعث الله ريحًا ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة" 2.

1 مسلم: الإمارة (1920)، والترمذي: الفتن (2229)، وابن ماجه: المقدمة (10) والفتن (3952) ، وأحمد (5/279) .

2 مسلم: الفتن وأشراط الساعة (2949) ، وأحمد (1/394) .

ص: 322

وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس"1. وفي "صحيحه" أيضًا: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله" 2 وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وسائر الآيات العظام. وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة، رواه أحمد. ويؤيده حديث عمران بن حصين مرفوعًا:"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على مَنْ ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال" 3 رواه أبو داود والحاكم. وعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة وما أشبهه من الأحاديث "حتى تأتيهم الساعة". ساعتهم وهي وقت موتهم بهبوب الريح، ذكره الحافظ وهو المعتمد.

وقد اختلف في محل هذه الطائفة، فقال ابن بطال: إنّها تكون ببيت المقدس إلى أن تقوم الساعة، كما روى الطبري من حديث أبي أمامة:"قيل يا رسول الله وأين هم؟ قال: (ببيت المقدس) " وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (هم بالشام) . وهذا قول أكثر الشارحين.

وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائمًا إلى أن يقاتلوا الدجال، بل قد تكون في موضع آخر، لكن لا تخلو الأرض منها حتى يأتي أمر الله.

قلت: وهذا هو الحق فإنه ليس في الشام منذ أزمان أحد بهذه الصفات، بل ليس فيه إلا عباد القبور، وأهل الفسق وأنواع الفواحش والمنكرات، ويمتنع أن يكونوا هم الطائفة المنصورة، وأيضًا فهم منذ أزمان لا يقاتلون أحدًا من أهل الكفر، وإنما بأسهم وقتالهم بينهم. وعلى هذا فقوله في الحديث:(هم ببيت المقدس) . وقول معاذ: (هم بالشام) . المراد أنهم يكونون في بعض الأزمان دون بعض، وكذلك الواقع فدل على ما ذكرنا4.

1 مسلم: الفتن وأشراط الساعة (2949) ، وأحمد (1/394) .

2 مسلم: الإيمان (148)، والترمذي: الفتن (2207) ، وأحمد (3/107 ،3/201 ،3/259) .

3 أبو داود: الجهاد (2484) ، وأحمد (4/434 ،4/437) .

4 يوم أن كتب الشّيخ سليمان ذلك، كانت المعارك قائمة بين الدّولة العثمانية وبين الدّولة النّاشئة في الدِّرْعية، وهو لم يزر الشّام ولم يجتمع بأهلها، وإنّما شاهد الحرب، فكلامه غير دقيقٍ، والسّلفية انتشرت وعمَّت بلاد الشّام.

وكذلك قوله: (في بعض الأزمان دون بعضٍ) تجاوز لمطلق الحديث.

ويردّه أيضاً ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ميّز أهل الشّام بالقيام بأمر الله دائماً إلى أخر الدّهر، وبأنّ الطّائفة المنصورة فيهم إلى آخر الدّهر. فهو إخبار عن أمرٍ دائمٍ مستمرٍّ فيهم مع الكثرة والقوّة، وهذا الوصف ليس لغير أهل الشّام من أرض الإسلام، فإنّ الحجاز التي هي أصل الإيمان نَقَصَ في آخر الزّمان منها: العلم، والإيمان، والنّصر، والجهاد [أي: في زمان ابن تيمية] ، وكذلك اليمن والعراق والمشرق، وأمّا الشّام فلم يزل فيها العلم والإيمان ومَن يقاتل عليه منصوراً مؤيّداً في كلّ وقت". اه. مجموع الفتاوى 4/449.

ص: 323

قوله: تبارك وتعالى . قال ابن القيم: البركة نوعان: أحدهما بركة وهي فعله تبارك وتعالى، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة وبأداة "على" تارة، وبأداة "في" تارة والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل كذلك فكان مباركا بجعله تعالى.

والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلا له عز وجل، فهو سبحانه المتبارك وعبده ورسوله المبارك. كما قال المسيح عليه السلام:{وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ} 1. فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك، وأما صفة تبارك، فمختصة به كما أطلقها على نفسه بقوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 2. {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 3. أفلا تراها كيف اطّردت في القرآن جارية عليه مختصة به لا تطلق على غيره، وجاءت على بناء السعة والمبالغة، كتعالى وتعاظم ونحوه، فجاءت تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، فكذلك تبارك، دال على كمال بركته وعظمته وسعتها.

وهذا معنى قول من قال من السلف تبارك: تعاظم. وقال ابن عباس: جاء بكل بركة واعلم أن هذا الحديث بجملته مما عد من الأدلة على الشهادتين فإن كل جملة منه وقعت كما أخبر بها صلى الله عليه وسلم.

1 سورة مريم آية: 31.

2 سورة غافر آية: 64.

3 سورة الملك آية: 1.

ص: 324