المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب قول الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

[سليمان بن عبد الله آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌[كتاب التوحيد]

- ‌ باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب]

- ‌ باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب]

- ‌ باب الخوف من الشرك]

- ‌باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا لله

- ‌ باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله]

- ‌ باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه]

- ‌ باب ما جاء في الرقى والتمائم]

- ‌ باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما]

- ‌[باب ما جاء في الذبح لغير الله]

- ‌ باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله]

- ‌ باب من الشرك النذر لغير الله]

- ‌[باب من الشرك الاستعاذة بغير الله]

- ‌ باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره]

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُم يَنْصُرُونَ}

- ‌باب قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

- ‌ باب الشفاعة]

- ‌[باب قول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

- ‌باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

- ‌باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده

- ‌ باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله]

- ‌ باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك]

- ‌ باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان]

- ‌ باب ما جاء في السحر]

- ‌باب بيان شيئ من أنواع السحر

- ‌ باب ما جاء في الكهان ونحوهم]

- ‌ باب ما جاء في النشرة]

- ‌ باب ما جاء في التطير]

- ‌ باب ما جاء في التنجيم]

- ‌ باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء]

- ‌باب قول الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}

- ‌ باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}

- ‌ باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله]

- ‌ باب ما جاء في الرياء]

- ‌ باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا]

- ‌ باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله]

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِ

- ‌ باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات]

- ‌ باب قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا

- ‌ باب قول الله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

- ‌باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله

- ‌ باب قول: ما شاء الله وشئت]

- ‌ باب من سب الدهر فقد آذى الله]

- ‌ باب التسمي بقاضي القضاة]ونحوه

- ‌باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك

- ‌ باب من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن أو الرسول]

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي

- ‌باب قول الله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون}

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}

- ‌ باب لا يقال: السلام على الله]

- ‌ باب قول اللهم اغفر لي إن شئت]

- ‌ باب لا يقول: عبدى وأمتي]

- ‌ باب لا يرد من سئل بالله]

- ‌ باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة]

- ‌باب ماجاء في "لو

- ‌ باب النهي عن سب الريح]

- ‌ باب قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ

- ‌ باب ما جاء في منكري القدر]

- ‌ باب ما جاء في المصورين]

- ‌ باب ما جاء في كثرة الحلف]

- ‌باب ما جاء في ذمة الله وذمة رسوله

- ‌ باب ما جاء في الإقسام على الله]

- ‌ باب لا يستشفع بالله على خلقه]

- ‌ باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك]

- ‌باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

الفصل: ‌باب قول الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}

ينْزل للمداهنة، وإنما أنزل بالحق وللحق، والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا تمكن إزالته، أو في حق ضعيف لا تمكن إقامته، فيحتاج المداهن إلى أن يترك بعض الحق، ويلتزم بعض الباطل. فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يداهن فيه؟!

وقوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} 1، تقدم الكلام عليها أول الباب، والله أعلم.

1 سورة الواقعة آية: 82.

ص: 401

‌باب قول الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}

[25- بابقول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} 1]

[أقسام المحبة وأنواعها] .

ش: لما كانت محبة الله سبحانه هي أصل دين الإسلام، الذي يدور عليه قطب رحاها، فبكمالها يكمل الإيمان، وبنقصانها ينقص توحيد الإنسان، نبه المصنف رحمه الله على وجوبها على الأعيان، ولهذا جاء في الحديث: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه

". الحديث رواه الترمذي والحاكم. وفي حديث آخر: "أحبوا الله بكل قلوبكم". وفي حديث معاذ بن جبل في حديث المنام: "وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك". رواه أحمد والترمذي وصححه.

وما أحسن ما قال ابن القيم في وصفها: هي المنْزلة التي يتنافس فيها المتنافسون، وإلى عملها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها، فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده، ففي بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه، حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها، فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال التي متى خلت منها، فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم

1 سورة البقرة آية: 165.

ص: 401

يكونوا إلا إِلَاّ {بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا أبدًا بدونها واصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولا هي داخليها.

تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، وقد قضى الله تعالى يوم قدر مقادير الخلائق، بمشيئته وحكمته البالغة، أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة. تالله لقد سبق القوم السعاة، وهم على ظهور الفرش نائمون، ولقد تقدموا الركب بمراحل وهم في مسيرهم واقفون، وأجابوا مؤذن الشوق، إذ نادى بهم: حي على الفلاح، وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم، وكان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح، تالله لقد حمدوا عند الوصول مسراهم، وشكروا مولاهم على ما أعطاهم، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح. وأطال في وصفها فراجعه في "المدارج".

واعلم أن المحبة قسمان، مشتركة وخاصة:

فالمشتركة: ثلاثة أنواع،

أحدها: محبة طبيعية، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، ونحو ذلك. وهذه لا تستلزم التعظيم.

الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، وهذه أيضًا لا تستلزم التعظيم.

الثالث: محبة أنس وألف، وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضًا، وكمحبة الإخوة، بعضهم بعضًا. فهذه الأنواع الثلاثة، التي تصلح للخلق، بعضهم من بعض ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصِّدِّيق رضي الله عنه.

ص: 402

القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله، ومتى أحب العبد بها غيره، كان شركا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية، المستلزمة للذل، والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره. فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلاً كما حققه ابن القيم، وهي التي سوَّى المشركون بين الله تعالى وبين آلهتهم فيها. كما قال تعالى في الآية التي ترجم لها المصنف:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً} 1. قال ابن كثير: يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، وما لهم في الآخرة من العذاب والنكال حيث جعلوا لله أندادًا، أي: أمثالاً ونظراء، يحبونهم كحبه، ويعبدونهم معه، وهو الله الذي لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه.

وقوله: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} 2، أي: يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم، ولهذا يقولون لأندادهم، وهم في النار:{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 3. فهذا هو مساواتهم برب العالمين، وهو العدل المذكور، في قوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} 4. أما مساواتهم بالله في الخلق والرزق وتدبير الأمور، فما كان أحد من المشركين يساوون أصنامهم بالله في ذلك. وهذا القول رجحه شيخ الإسلام.

والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم، كما يحب المؤمنون الله، ثم بين أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم. قال شيخ الإسلام: وهذا متناقض، وهو باطل، فإن المشركين لا يحبون الأنداد، مثل محبة المؤمنين الله، ودلت الآية على أن من أحب شيئًا، كحب الله، فقد اتخذه ندًّا لله، وذلك هو الشرك الأكبر، قاله المصنف. وعلى وجوب إفراد الله بالمحبة الخاصة التي هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب، إنما نشأ عن المحبة، ولأجلها، فهي الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وهي الحق

1 سورة البقرة آية: 165.

2 سورة البقرة آية: 165.

3 سورة الشّعراء آية: 97-98.

4 سورة الأنعام آية: 1.

ص: 403

الذي تضمنه الأمر والنهي، وهي سر التأله، وتوحيدها هو شهادة أن لا إله إلا الله وليس كما زعم المنكرون، أن الإله هو الرب الخالق، فإن المشركين كانوا مقرين، بأنه لا رب إلا الله، ولا خالق سواه، ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حبًّا وذلاًّ وخوفًا ورجاء، وتعظيما وطاعة، إله بمعنى مألوه، أي: محبوب معبود، وأصله من التأله، وهو التعبد الذي هو آخر مراتب الحب، فالمحبة حقيقة العبودية، ودلت أيضًا على أن المشركين يعرفون الله ويحبونه، وإنما الذي أوجب كفرهم مساواتهم به الأنداد في المحبة، فكيف بمن أحب الأنداد أكثر من حب الله! فكيف بمن لم يحب الله أصلاً، ولم يحب إلا الند وحده فالله المستعان.

قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} 1.

نتكلم عليها لتعلقها بما قبلها تكميلاً للفائدة، وإن لم يذكرها المصنف، وفيها قولان: أحدهما وهو الصحيح أن المعنى: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من محبة المشركين بالأنداد لله، فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة أشد من المشتركة.

والثاني: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من حب أصحاب الأنداد لأندادهم التي يحبونها من دون الله. قال ابن القيم: والقولان مرتبان على القولين في قوله: يحبونهم كحب الله. وفي الآية دليل على أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وأن الشرك محبط للأعمال.

[توعد من قدم شيئا على محبة الله ورسوله]

قال: وقوله: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ

} 2 إلى قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

} 3.

هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يتوعد من أحب أهله وعشيرته وأمواله ومساكنه، أو أحد هذه الأشياء على الله ورسوله،

1 سورة البقرة آية: 165.

2 سورة التوبة آية: 24.

3 سورة التوبة آية: 24.

ص: 404

وجهاد في سبيله، وقد خوطب بهذا المؤمنين في آخر الأمر، كما قاله شيخ الإسلام، فقيل لهم:{إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} 1، أي: حصلتموها، {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} 2، أي: رخصها وفوات وقت نفاقها، {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا} 3، أي: لحسنها وطيبها، {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} 4، أي: انتظروا ماذا يحل بكم من عذاب الله، {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} 5، أي: الخارجين عن طاعة الله.

وهو تنبيه على أن من فعل ذلك، فهو من الفاسقين فهذا تشديد، ووعيد عظيم، ولا يخلص منه إلا من صح إيمانه فخلص لله سره وإعلانه، وعلى أن المحبة الصادقة تستلزم تقديم مراضي الله على هذه الثمانية كلها، فكيف بمن آثر بعضها على الله ورسوله، وجهاد في سبيله!

فإن قلت: قد قال شيخ الإسلام: إن كثيرًا من المسلمين أو أكثرهم بهذه الصفة.

قيل: مراده أن كثيرًا من المسلمين قد يكون ما ذكر أحب إليه من الله ورسوله، أي: في إيثار ذلك على فعل أمر الله، وأمر رسوله الذي ينشأ عن المحبة لا في الحب الذي يوجب قصد المحبوب بالتأله، فإن من ساوى بين الله وبين غيره في هذا الحب، فهو مشرك، فكيف إذا كان غير الله أحب إليه كما هو الواقع من عباد القبور، فإنهم يحبون أندادهم أعظم من حب الله، وذلك أن أصل الحب يحتمل الشركة بخلاف الخلة، فإنها لا تقبل الشركة أصلاً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن وأسامة:"اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما". حديث صحيح.

واعلم أن هذه الآية شبيهة بقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ

1 سورة التوبة آية: 24.

2 سورة التوبة آية: 24.

3 سورة التوبة آية: 24.

4 سورة التوبة آية: 24.

5 سورة المائدة آية: 108.

ص: 405

فَاتَّبِعُونِي} 1. فلما كثر المدعون لمحبة الله، طولبوا بإقامة البينة، فجاءت هذه الآية ونحوها. فمن ادعى محبة الله، وهو يحب ما ذكر على الله ورسوله، فهو كاذب كمن يدعي محبة الله، وهو على غير طريق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كاذب، إذ لو كان صادقًا لكان متبعًا له، قال مبارك ابن فضالة: عن الحسن. قال: كان ناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: يا رسول الله إننا نحب ربنا حبًّا شديدًا، فأحب الله أن يجعل لحبه عَلَمًا فأنزل الله:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} 2. وقد وقع لكثير من المدعين نوع انبساط في دعوى المحبة أخرجهم إلى شيء من الرعونة والدعاوي التي تنافي العبودية، ويدعي أحدهم دعاوي تتجاوز حدود الأنبياء، ويطلبون من الله ما لا يصلح بكل وجه إلا لله. وسبب هذا ضعف تحقيق المحبة التي هي محض العبودية، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته، ومدعي ذلك فيه شبه من اليهود والنصارى الذين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وشرط المحبة موافقة المحبوب، فتحب ما يحب، وتكره ما يكره، وتبغض ما يبغض، وذلك كمن يدعي أن الذنوب لا تضره، لكون الله يحبه فيصر عليها أو يدعي أنه يصل إلى حد في محبة الله تسقط عنه التكاليف، وكقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحدًا، فإن بريء منه، فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحدًا من المؤمنين يدخل النار، فإنه بريء منه. ونحو ذلك من الدعاوي مع أن كثيرًا من هذا ونحوه لا يصدر إلا من كافر، والعاقل يتنبه. وما هكذا كان سادات المحبين: الأنبياء والمرسلون، والصحابة، والتابعون، فكن على حذر من ذلك، فإن كثيرًا من جهال المتصوفة وقع فيه، وقد ينسب ذلك إلى بعض المشايخ المشهورين، وهو إما كذب عليهم، وإما خطأ منهم، فإن العصمة منتفية عن غير الرسول صلى الله عليه وسلم.

1 سورة آل عمران آية: 31.

2 سورة آل عمران آية: 31.

ص: 406

[لا يكمل إيمان العبد حتى يحب الرسول أكثر من جميع البشر]

قال: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"1. أخرجاه

ش: قوله: (لا يؤمن أحدكم) . أي. لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته، ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول أحب إليه من أهله وولده ووالده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول أحب إليه من نفسه أيضًا، كما في حديث "عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إلي من نفسي، فقال: الآن يا عمر" 2. رواه البخاري. فمن لم يكن كذلك، فهو من أصحاب الكبائر، إذا لم يكن كافرًا، فإنه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحبًّا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، ولو صح هذا لنفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج وحب الله ورسوله، لأن ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل. وعلى هذا فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قاله شيخ الإسلام. وأكثر الناس يدعي أن الرسول أحب إليه مما ذكر، فلا بد من تصديق ذلك بالعمل والمتابعة له، وإلا فالمدعي كاذب، فإن القرآن بين أن المحبة التي في القلب تستلزم العمل الظاهر بحبها كما قال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} 3. وقال تعالى: {وَيَقُولُونَ

1 البخاري: الإيمان (15)، ومسلم: الإيمان (44)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (5013 ،5014)، وابن ماجه: المقدمة (67) ، وأحمد (3/177 ،3/207 ،3/275 ،3/278)، والدارمي: الرقاق (2741) .

2 البخاري: الأيمان والنذور (6632) ، وأحمد (4/233 ،4/336 ،5/293) .

3 سورة آل عمران آية: 31.

ص: 407

آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} 1، إلى قوله:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 2. فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله سمعوا وأطاعوا. فتبين أن هذا من لوازم الإيمان والمحبة، لكن كل مسلم لا بد أن يكون محبًّا بقدر ما معه من الإسلام كما أن كل مؤمن لا بد أن يكون مسلمًا، وكل مسلم لا بد أن يكون مؤمنًا، وإن لم يكن مؤمنًا الإيمان المطلق، لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين، فإن الاستسلام لله ومحبته لا تتوقف على هذا الإيمان الخاص.

قال شيخ الإسلام: وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره، فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، وهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئًا فشيئًا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين، ولا إلى الجهاد ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارًا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال. وهؤلاء إن عرفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق انتهى.

قوله: (أحب) . هو بالنصب خبر كون.

قوله: (والناس أجمعين) . هو من عطف العام على الخاص وهو كثير.

1 سورة النور آية: 47.

2 سورة النور آية: 51.

ص: 408

وفي الحديث من الفوائد:

إذا كان هذا شأن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فما الظن بمحبة الله؟!

وفيه أن الأعمال من الإيمان، لأن المحبة عمل، وقد نُفِيَ الإيمان عمن لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما ذكر فدل على ذلك.

وفيه أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.

وفيه وجوب محبته صلى الله عليه وسلم على ما ذكر، ذكرهما المصنف.

[ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان] .

قال: ولهما عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار"1. وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى

" 2 إلى آخره.

ش: قوله: (ثلاث) . أي: ثلاث خصال. وجاز الابتداء بثلاث، لأن المضاف إليه منوي ولذلك جاء التنوين.

قوله: (من كن فيه) . أي: وجدن وحصلن، فهي تامة.

قوله: (وجد بهن حلاوة الإيمان) . قال ابن أبي جمرة: إنما عبر بالحلاوة لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} 3.

قلت: والشجرة لها ثمرة، والشجرة لها حلاوة، فكذلك شجرة الإيمان لا بد لها من ثمرة ولا بد لتلك الثمرة من حلاوة. لكن قد يجدها المؤمن وقد لا يجدها وإنما يجدها بما ذكر في الحديث.

قوله: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) . "أحب" منصوب لأنه خبر يكون. قال البيضاوي: المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس كالمريض يعاف الدواء بطبعه، فينفر عنه بطبعه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله. فإذا تأمل المرء أن الشارع

1 البخاري: الإيمان (16)، ومسلم: الإيمان (43)، والترمذي: الإيمان (2624)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (4987 ،4988 ،4989)، وابن ماجه: الفتن (4033) ، وأحمد (3/103 ،3/113 ،3/172 ،3/174 ،3/230 ،3/248 ،3/288) .

2 البخاري: الأدب (6041) .

3 سورة إبراهيم آية: 24.

ص: 409

لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعًا له، ويلتذ بذلك التذاذًا عقليًّا إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك.

قلت: وكلامه على قواعد الجهمية ونحوهم من نفي محبة المؤمنين لربهم لهم. والحق خلاف ذلك بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما حبًّا قلبيًا كما في بعض الأحاديث: "أحبوا الله بكل قلوبكم". فيميل بكليته إلى الله وحده حتى يكون وحده محبوبه ومعبوده، وإنما يحب من سواه تبعًا لمحبته كما يحب الأنبياء والمرسلين والملائكة والصالحين لما كان يحبهم ربه سبحانه، وذلك موجب لمحبة ما يحبه سبحانه وكراهة ما يكره، وإيثار مرضاته على ما سواه والسعي فيما يرضيه ما استطاع وترك ما يكره. فهذه علامات المحبة الصادقة ولوازمها، وأما مجرد إيثار ما يقضي العقل رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه

إلى آخر

كلامه. فهذا قد يكون في بعض الأمور علامة على الحب ولازمًا له لا أنه هو الحب.

وقال شيخ الإسلام: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له فمن أحب شيئًا واشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك. واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى.

قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح يتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها.

ص: 410

فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فإن محبة الله ورسوله، لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله، أحب إليه مما سواهما.

قلت: ولا يكون كذلك، إلا إذا وافق ربه، فيما يحبه وما يكرهه، قال: وتفريعها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.

قلت: فإن من أحب مخلوقًا لله، لا لغرض آخر، كان هذا من تمام حبه لله، فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب، فإذا أحب أنبياء الله، وأولياءه، لأجل قيامهم بمحبوبات الله، لا لشيء آخر، فقد أحبهم لله لا لغيره.

قال: ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان، كما يكره أن يقذف في النار.

قلت: وإنما كره الضد، لما دخل قلبه من محبة الله، فانكشف له بنور المحبة محاسن الإسلام، ورذائل الجهل، والكفران، وهذا هو الحب الذي يكون مع من أحب، كما في "الصحيحين". عن أنس:"أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة، فقال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت"، وفي رواية للبخاري "فقلنا: ونحن كذلك، قال، نعم قال أنس: ففرحنا يومئذ، فرحًا شديدًا" 1.

وقوله: (مما سواهما) ، فيه جمع ضمير الرب سبحانه، وضمير الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أنكره على الخطيب، لما قال: ومن يعصهما، فقد غوى، وأحسن ما قيل فيه قولان: أحدهما ما قاله البيضاوي وغيره، أنه ثنى الضمير هنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة، فإنها وحدها لاغية، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام

1 البخاري: الأدب (6171)، ومسلم: البر والصلة والآداب (2639)، والترمذي: الزهد (2385) ، وأحمد (3/104 ،3/110 ،3/167 ،3/172 ،3/173 ،3/178 ،3/198 ،3/202 ،3/207 ،3/208 ،3/221 ،3/226 ،3/227 ،3/228 ،3/255 ،3/276 ،3/288) .

ص: 411

الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم. قلت: وهذا جواب بليغ جدًّا.

الثاني: حمل حديث الخطيب على الأدب والأولى، وهذا على الجواز.

وجواب ثالث، وهو أن هذا ورد على الأصل، وحديث الخطيب ناقل، فيكون أرجح.

قوله: (كما يكره أن يقذف في النار)، أي: يستوي عنده الأمران، الإلقاء في النار، والعود في الكفر.

قلت: وفي الحديث من الفوائد: أن الله تعالى يحبه المؤمنون، وهو تعالى يحبهم، كما قال:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} 1.

وفيه رد ما يظنه بعض الناس من أنه من ولد على الإسلام أفضل ممن كان كافرًا فأسلم، فمن اتصف بهذه الأمور، فهو أفضل ممن لم يتصف بها مطلقًا، ولهذا كان السابقون الأولون أفضل ممن ولد على الإسلام.

وفيه رد على الغلاة الذين يتوهمون أن صدور الذنب من العبد نقص في حقه مطلقًا، والصواب أنه إن لم يتب كان نقصًا وإن تاب فلا، ولهذا كان المهاجرون والأنصار أفضل هذه الأمة، وإن كانوا في أول الأمر كفارًا يعبدون الأصنام، بلا المنتقل من الضلال إلى الهدى، ومن السيئات إلى الحسنات يضاعف له الثواب، قاله شيخ الإسلام.

وفيه دليل على عداوة المشركين وبغضهم، لأن من أبغض شيئًا أبغض من اتصف به، فإذا كان يكره الكفر كما يكره أن يلقى في النار، فكذلك يكره من اتصف به.

قوله: (وفي رواية لا يجد أحد)، هذه الرواية أخرجها البخاري في "صحيحه" ولفظه: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه

1 سورة المائدة آية: 54.

ص: 412

من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"1.

[لا تنال ولاية الله إلا بالحب في الله والبغض في الله]

قال: وعن ابن عباس قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك. وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا". رواه ابن جرير.

ش: هذا الأثر رواه ابن جرير بكماله كما قال المصنف، وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط.

قوله: (من أحب في الله)، أي: أحب المسلمين والمؤمنين في الله.

قوله: (وأبغض في الله)، أي: أبغض الكفار والفاسقين في الله لمخالفتهم لربهم وإن كانوا أقرب الناس إليه، كما قال تعالى:{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} 2.

قوله: (ووالى في الله) . هذا بيان للازم المحبة في الله وهو الموالاة. فيه إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرد الحب، بل لا بد مع ذلك من الموالاة التي هي لازم الحب، وهي النصرة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين باطنًا وظاهرًا.

قوله: (وعادى في الله) ، هذا بيان للازم البغض في الله وهو المعاداة فيه، أي: إظهار العداوة بالفعل، كالجهاد لأعداء الله والبراءة منهم، والبعد عنهم باطنًا وظاهرًا إشارة إلى أنه لا يكفي مجرد بغض القلب، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ

1 البخاري: الأدب (6041) .

2 سورة المجادلة آية: 22.

ص: 413

وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} 1 فهذا علامة الصدق في البغض في الله.

قوله: (فإنما تنال ولاية الله بذلك) . يجوز فتح الواو وكسرها، أي: لا يكون العبد من أولياء الله ولا تحصل له ولاية الله إلا بما ذكر من الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، كما روى الإمام أحمد والطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله، وأبغض لله، فقد استحق الولاية لله"2. وفي حديث آخر "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله عز وجل" 3. رواه الطبراني وغيره، وينبغي لمن أحب شخصًا في الله أن يأتيه في بيته فيخبره أنه يحبه في الله كما روى أحمد والضياء عن أبي ذر مرفوعًا:"إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منْزله فليخبره أنه يحبه لله" 4 وفي حديث ابن عمر عند البيهقي في "الشعب" فإنه يجد مثل الذي يجد له.

قوله: (ولن يجد عبد طعم الإيمان

) إلى آخره أي: لا يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يحب في الله، ويبغض في الله، ويعادي في الله، ويوالي في الله، وهذا منتزع من حديث أنس السابق وفي حديث أبي أمامة مرفوعًا "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" 5 رواه أبو داود. والعجب ممن يدعي محبة الله وهو على خلاف ذلك، وما أحسن ما قال ابن القيم:

أتحب أعداء الحبيب وتدعي

حبًّا له ما ذاك في إمكان

قوله: (وقد صارت عامة مؤاخات الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا)، أي: المؤاخاة على أمر الدنيا لا يجدي على أهله شيئًا، أي: لا ينفعهم أصلاً، بل يضرهم، كما قال تعالى:{الأَخِلَاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ الْمُتَّقِينَ} 6. فهذا

1 سورة الممتحنة آية: 4.

2 أحمد (3/430) .

3 أبو داود: السنة (4599) .

4 أحمد (5/145) .

5 أبو داود: السنة (4681) .

6 سورة الزخرف آية: 67.

ص: 414

حال كل خلة ومحبة كانت في الدنيا على غير طاعة الله، فإنها تعود عداوة وندامة يوم القيامة بخلاف المحبة والخلة على طاعة الله، فإنها من أعظم القربات كما جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال:"ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه"1. وفي الحديث القدسي الذي رواه مالك وابن حبان في صحيحه: "وجبت محبتي للمتحابين في وللمتجالسين فِيَّ، وللمتزاورين فِيَّ وللمتباذلين فِيَّ" 2. وهذا الكلام قاله ابن عباس رضي الله عنه في أهل زمانه، فكيف لو رأى الناس فيما هم فيه من المؤاخاة على الكفر والبدع والفسوق والعصيان؟! ولكن هذا مصداق قوله عليه السلام:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ"3.

وفيه إشارة إلى أن الأمر قد تغير في زمن ابن عباس بحيث صار الأمر إلى هذا بالنسبة إلى ما كان في زمن الخلفاء الراشدين فضلاً عن زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى ابن ماجة عن "ابن عمر قال: لقد رأيتنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم"4. وأبلغ منه قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} 5. فهذا كان حالهم في ذلك الوقت الطيب، وهؤلاء هم المتحابون لجلال الله كما في الحديث القدسي يقول الله عز وجل:"أين المتحابون لجلالي، اليوم أظلهم في ظلي" 6 فهذه هي المحبة النافعة لا لمحبة الدنيا، وهي التي أوجبت لهم المواساة والإيثار على الأنفس. {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} 7.

قال المصنف: وقال "ابن عباس: في قوله: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة من الآية: 166] قال: المودة".

ش: هذا الأثر رواه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.

1 البخاري: الأذان (660)، ومسلم: الزكاة (1031)، والترمذي: الزهد (2391) ، وأحمد (2/439)، ومالك: الجامع (1777) .

2 أحمد (5/233)، ومالك: الجامع (1779) .

3 مسلم: الإيمان (145)، وابن ماجه: الفتن (3986) ، وأحمد (2/389) .

4 أحمد (2/84) .

5 سورة الحشر آية: 9.

6 مسلم: البر والصلة والآداب (2566) ، وأحمد (2/237 ،2/338 ،2/370 ،2/535)، ومالك: الجامع (1776)، والدارمي: الرقاق (2757) .

7 سورة الحديد آية: 21.

ص: 415