المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب بيان شيئ من أنواع السحر - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

[سليمان بن عبد الله آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌[كتاب التوحيد]

- ‌ باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب]

- ‌ باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب]

- ‌ باب الخوف من الشرك]

- ‌باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا لله

- ‌ باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله]

- ‌ باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه]

- ‌ باب ما جاء في الرقى والتمائم]

- ‌ باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما]

- ‌[باب ما جاء في الذبح لغير الله]

- ‌ باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله]

- ‌ باب من الشرك النذر لغير الله]

- ‌[باب من الشرك الاستعاذة بغير الله]

- ‌ باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره]

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُم يَنْصُرُونَ}

- ‌باب قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

- ‌ باب الشفاعة]

- ‌[باب قول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

- ‌باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

- ‌باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده

- ‌ باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله]

- ‌ باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك]

- ‌ باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان]

- ‌ باب ما جاء في السحر]

- ‌باب بيان شيئ من أنواع السحر

- ‌ باب ما جاء في الكهان ونحوهم]

- ‌ باب ما جاء في النشرة]

- ‌ باب ما جاء في التطير]

- ‌ باب ما جاء في التنجيم]

- ‌ باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء]

- ‌باب قول الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}

- ‌ باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}

- ‌ باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله]

- ‌ باب ما جاء في الرياء]

- ‌ باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا]

- ‌ باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله]

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِ

- ‌ باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات]

- ‌ باب قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا

- ‌ باب قول الله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

- ‌باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله

- ‌ باب قول: ما شاء الله وشئت]

- ‌ باب من سب الدهر فقد آذى الله]

- ‌ باب التسمي بقاضي القضاة]ونحوه

- ‌باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك

- ‌ باب من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن أو الرسول]

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي

- ‌باب قول الله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون}

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}

- ‌ باب لا يقال: السلام على الله]

- ‌ باب قول اللهم اغفر لي إن شئت]

- ‌ باب لا يقول: عبدى وأمتي]

- ‌ باب لا يرد من سئل بالله]

- ‌ باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة]

- ‌باب ماجاء في "لو

- ‌ باب النهي عن سب الريح]

- ‌ باب قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ

- ‌ باب ما جاء في منكري القدر]

- ‌ باب ما جاء في المصورين]

- ‌ باب ما جاء في كثرة الحلف]

- ‌باب ما جاء في ذمة الله وذمة رسوله

- ‌ باب ما جاء في الإقسام على الله]

- ‌ باب لا يستشفع بالله على خلقه]

- ‌ باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك]

- ‌باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

الفصل: ‌باب بيان شيئ من أنواع السحر

قاتل الساحر، ويقال: جندب بن زهير، فجعلهما واحدًا وفرق بينهما ابن الكلبي وغيره. قال ابن عبد البر: ذكره الزبير أن جندب بن زهير قاتل الساحر والصحيح أنه غيره. وأشار المصنف بهذا إلى قتله الساحر، كما رواه البخاري في "تاريخه" عن أبي عثمان النهدي قال: كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه فعجبنا فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله.

ورواه البيهقي في "الدلائل" مطولاً وفيه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى. ورآه رجل صالح من المهاجرين، فنظر إليه فلما كان من الغد اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقًا، فليحي نفسه فأمر به الوليد فسجن. وذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة.

قوله: (قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

ش: أحمد هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل. وقوله: عن ثلاثة أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني: عمر، وحفصة، وجندبًا والله أعلم.

ص: 335

‌باب بيان شيئ من أنواع السحر

[19- باب بيان شيء من أنواع السحر]

لما ذكر المصنف ما جاء في السحر أراد هنا أن يبين شيئًا من أنواعه لكثرة وقوعها وخفائها على الناس حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت عنه هذه الأمور، فهو من الأولياء، وعدّوها من كرامات الأولياء وآل الأمر إلى أن عبد أصحابها ورجي منهم النفع والضر، والحفظ والكلاءة والنصر أحياء وأمواتًا، بل اعتقد كثير في أناس من هؤلاء أن لهم التصرف التام المطلق في الملك، ولا بد من ذكر فرقان يفرق به المؤمن بين ولي الله وبين عدو الله، من ساحر وكاهن وعائف وزاجر ومتطير ونحوهم ممن قد يجري على يده شيء من الخوارق.

ص: 335

فاعلم أنه ليس كل من جرى على يده شيء من خوارق العادة يجب أن يكون وليًّا لله تعالى، لأن العادة تنخرق بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن بشيء من الغيب، مما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع. وفعل الشياطين بأناس ممن ينتسبون إلى دين وصلاح ورياسة مخالفة للشريعة، كأناس من الصوفية وكرهبان النصارى ونحوهم، فيطيرون بهم في الهواء، ويمشون بهم على الماء، ويأتون بالطعام والشراب والدراهم، وقد يكون ذلك بعزائم ورقى شيطانية وبحيل وأدوية، كالذين يدخلون النار بحجر الطلق ودهن النارنج.

وقد يكون برؤيا صادقة فيها وما يستدل به على وقوع ما لم يقع، وهذه مشتركة بين ولي الله وعدوه.

وقد يكون ذلك بنوع طيرة يجدها الإنسان في نفسه فتوافق القدر، وتقع كما أخبر، وقد يكون بعلم الرمل والضرب بالحصى، وقد يكون ذلك استدراجًا والأحوال الشيطانية كثيرة.

وقد فرق الله بين أوليائه وأعدائه في كتابه فاعتصم به وحده، لا إله إلا هو، فإنه لا يضل من اعتصم به ولا يشقى.

قال الله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} 1. فذكر تعالى أن أولياءه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم المؤمنون المتقون، ولم يشترط أن يجري على أيديهم شيء من خوارق العادة. فدل أن الشخص قد يكون وليًّا لله وإن لم يجر على يديه شيء من الخوارق إذا كان مؤمنًا متقيًا.

وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 2. فأولياء الله المحبوبون عند الله هم المتبعون للرسول صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا، ومن كان بخلاف هذا فليس بمؤمن فضلاً عن أن يكون وليًّا لله تعالى، وإنما أحبهم الله تعالى لأنهم والوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا ما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما ينهى، وأعطوا من يحب أن يعطى، ومنعوا من

1 سورة يونس آية: 62-63.

2 سورة آل عمران آية: 31.

ص: 336

يحب أن يمنع. وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد.

وبالجملة فأولياء الله هم أحبابه المقربون إليه بالفرائض والنوافل وترك المحارم، الموحدون له، الذين لا يشركون بالله شيئًا وإن لم تجر على أيديهم خوارق، فإن كانت الخوارق دليلاً على ولاية الله، فلتكن دليلاً على ولاية الساحر والكاهن والمنجم والمتفرس، ورهبان اليهود والنصارى، وعباد الأصنام، فإنهم يجري لهم من الخوارق ألوف، ولكن هي من قِبَل الشياطين، فإنهم يتنَزلون عليهم لمجانستهم لهم في الأفعال والأقوال كما قال تعالى:{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} 1. وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} 2. وقد طارت الشياطين ببعض من ينتسب إلى الولاية، فقال: لا إله إلا الله فسقط. وتجد عمدة كثير من الناس في اعتقادهم الولاية في شخص أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض الخوارق للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها أحيانًا، أو يمشي على الماء، أو يملأ إبريقًا من الهواء، أو يخبر في بعض الأوقات بشيء من الغيب، أو يختفي أحيانًا عن أعين الناس، أو يخبر بعض الناس بما سرق له، أو بحال غائب أو مريض، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت، فرآه قد جاء فقضى حاجته أو نحو ذلك، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها مسلم فضلاً عن أن يكون وليًّا لله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر

1 سورة الشّعراء آية: 221-222.

2 سورة الزخرف آية: 36.

ص: 337

به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه.

ومثل هذه الأمور قد يكون صاحبها وليًّا لله، وقد يكون عدوًّا له، فإنها قد تكون لكثير من الكفار والمشركين واليهود والنصارى والمنافقين وأهل البدع، وتكون لهؤلاء من قِبَل الشياطين أو تكون استدراجًا، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور فهو ولي لله، بل يعرف أولياء الله بصفاتهم وأحوالهم وأفعالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، وأكثر هذه الأمور قد توجد في أشخاص يكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي المكتوبة ولا يتنظف ولا يتطهر الطهارة الشرعية، بل يكون ملابسًا للنجاسات، معاشرًا للكلاب، يأوي إلى المزابل، رائحته خبيثة، ركابًا للفواحش، يمشي في الأسواق كاشفًا لعورته، غامزًا للشرع، مستهزئًا به وبحملته، يأكل العقارب والخبائث التي تحبها الشياطين، كافرًا بالله، ساجدًا لغير الله من القبور وغيرها، يكره سماع القرآن وينفر منه، ويؤثر سماع الأغاني والأشعار ومزامير الشيطان على كلام الرحمن. فلو جرى على يدي شخص من الخوارق ماذا عساه أن يجري فلا يكون وليًّا لله، محبوبًا عنده حتى يكون متبعًا لرسوله صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا.

فإن قلت: فعلى هذا ما الفرق بين الكرامة وبين الاستدراج والأحوال الشيطانية؟ قيل: إن علمت ما ذكرنا عرفت الفرق، لأنه إذا كان الشخص مخالفًا للشرع، فما يجري له من هذه الأمور ليس بكرامة، بل هي إما استدراج وإما من عمل الشياطين، ويكون سببها هو ارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن المعاصي لا تكون سببا لكرامة الله، ولا يستعان بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن والدعاء بل تحصل بما تحبه الشياطين كالاستغاثة بغير الله، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية، وكلما كان الإنسان أبعد عن الكتاب والسنة كانت الخوارق الشيطانية

ص: 338

له أقوى وأكثر من غيره، فإن الجن الذين يقترنون بالإنس من جنسهم. فإن كان كافرًا ووافقهم على ما يختارونه من الكفر والفسوق والضلال والإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه، وللسجود لهم وكتابة أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة فعلوا معه كثيرًا مما يشتهيه بسبب ما برطلهم به من الكفر وقد يأتونه بما يهواه من امرأة وصبي، بخلاف الكرامة، فإنها لا تحصل إلا بعبادة الله والتقرب إليه ودعائه وحده لا شريك له، والتمسك بكتابه، واجتناب المحرمات، فما يجري من هذا الضرب فهو كرامة. وقد اتفق على هذا الفرق جميع العلماء.

وبالجملة فإن عرفت الأسباب التي بها تنال ولاية الله عرفت أهلها وعرفت أنهم أهل الكرامة، وإن كنت ممن يسمع بالأولياء وهو لا يعرف الولاية ولا أسبابها ولا أهلها بل يميل مع كل ناعق وساحر {وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} [يونس، من الآية101] . ولشيخ الإسلام كتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان1". فراجعه فإنه أتى فيه بالحق المبين.

[العيافة والطرق والطيرة من الجبت]

قال رحمه الله: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف ثنا حبان بن العلاء، ثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت"2.

قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد. ولأبي داود والنسائي وابن حبان في " صحيحه " المسند منه.

ش: قوله: "قال أحمد". هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ومحمد ابن جعفر هو المشهور بغندر الهذلي البصري ثقة مشهور،

1 وهو من مطبوعات المكتب الإسلامي.

2 أبو داود: الطب (3907) ، وأحمد (5/60) .

ص: 339

ثبت في شعبة حتى فضله علي بن المديني فيه على عبد الرحمن بن مهدي بل أقر له ابن مهدي بذلك. مات سنة ثلاث وتسعين ومائة1 أو أربع وتسعين ومائة. وعوف هو ابن أبي جميلة - بفتح الجيم - العبدي البصري المعروف بعوف الأعرابي ثقة. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة، وله ست وثمانون سنة. وحبان بن العلاء هو بالتحتية ويقال: حيان بن مخارق أبو العلاء البصري مقبول. وقطن - بفتحتين - أبو سهلة البصري صدوق.

قوله: (عن أبيه) . هو قبيصة - بفتح أوله وكسر الموحدة ابن المخارق - بضم الميم وتخفيف المعجمة أبو عبد الله الهلالي، صحابي نزل البصرة.

قوله: (إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت) . قال عوف: العيافة زجر الطير. هذا التفسير ذكره غير واحد كما قال عوف وهو كذلك.

قال أبو السعادات: العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرًا وهو كثير في أشعارهم، يقال: عاف يعيف عيفًا: إذا زجر وحدس وظن.

قوله: (والطرق) : الخط يخط في الأرض هكذا فسره عوف، وهو تفسير صحيح. وقال أبو السعادات: هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء.

قلت: وأيًّا ما كان فهو من الجبت، وأما الطيرة، فسيأتي الكلام عليها في بابها إن شاء الله تعالى

قوله: "من الجبت". أي: من أعمال السحر. قال القاضي: والجبت في الأصل: الجبس الذي لا خير فيه، ثم استعير لما يعبد من دون الله وللساحر والسحر. وقال الطيبي:"من" فيه إما ابتدائية أو تبعيضية، فعلى الأول المعنى الطيرة ناشئة من الساحر،

1 في الأصل: ست ومائتين وهو خطأ.

ص: 340

وعلى الثاني المعنى الطيرة من جملة السحر والكهانة، أو من جملة عبادة غير الله، أي: الشرك يؤيده قوله في الحديث الآتي: (الطيرة شرك) انتهى.

وفي الحديث دليل على تحريم التنجيم، لأنه إذا كان الخط ونحوه الذي هو من فروع النجامة من الجبت فكيف بالنجامة؟! .

قوله: (قال الحسن: رنة الشيطان) . لم أجد فيه كلامًا.

قوله: (ولأبي داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" المسند منه) . يعني أن هؤلاء رووا الحديث واقتصروا على المرفوع منه، ولم يذكروا التفسير الذي فسره به عوف. وقد رواه أبو داود في التفسير المذكور بدون كلام الحسن.

والنسائي هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي ابن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن صاحب "السنن" وغيرها من المصنفات. روى عن محمد بن المثنى وابن بشار وقتيبة بن سعيد وخلق. وكان إليه المنتهى في الحفظ والعلم لعلل الحديث. مات سنة ثلاث وثلاثمائة وله ثمان وثمانون سنة.

قال: وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"1. رواه أبو داود بإسناد صحيح

1 أبو داود: الطب (3905)، وابن ماجه: الأدب (3726) ، وأحمد (1/227 ،1/311) .

ص: 341

ش: هذا الحديث رواه أبو داود كما قال المصنف بإسناد صحيح، وكذا صححه النووي والذهبي ورواه أحمد وابن ماجة.

قوله: (من اقتبس) . قال أبو السعادات: قبست العلم واقتبسته: إذا تعلمته. انتهى.

وعلى هذا، فالمعنى من تعلم.

قوله: (شعبة)، أي: طائفة وقطعة من النجوم، والشعبة: الطائفة من الشيء والقطعة منه، ومنه الحديث:"الحياء شعبة من الإيمان" 1، أي: جزء منه.

قوله: (فقد اقتبس شعبة من السحر) . أي: المعلوم تحريمه قال شيخ الإسلام: فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر. وقد قال الله تعالى: {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} 2. وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة.

قوله: "زاد ما زاد" يعني: كلما زاد من علم النجوم زاد له من الإثم مثل إثم الساحر، أو زاد اقتباس شعب السحر ما زاد اقتباس علم النجوم.

قلت: والقولان متلازمان، لأن زيادة الإثم فرع عن زيادة السحر، وذلك لأنه تحكم على الغيب الذي استأثر الله بعلمه. فعلم أن تأثير النجوم باطل محرم، وكذا العمل بمقتضاه، كالتقرب إليها بتقريب القرابين لها كفر، قاله ابن رجب.

قال: وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر، فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا، وُكِّلَ إليه"3.

ش: هذا الحديث ذكره المصنف من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي ولم يبين هل هو موقوف أو مرفوع؟ وقد رواه النسائي مرفوعًا وذكر المصنف عن الذهبي أنه قال: لا يصح، وحسنه ابن مفلح.

1 البخاري: الإيمان (9)، ومسلم: الإيمان (35)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (5006)، وأبو داود: السنة (4676)، وابن ماجه: المقدمة (57) ، وأحمد (2/414 ،2/442) .

2 سورة طه آية: 69.

3 النسائي: تحريم الدم (4079) .

ص: 342

قوله: (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر) . اعلم أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر، عقدوا الخيوط، ونفثوا على كل عقدة حتى ينعقد ما يريدونه من السحر. ولهذا أمر الله بالاستعاذة من شرهم في قوله:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} 1. يعني: السواحر اللاتي يفعلن ذلك، والنفث: هو النفخ مع ريق، وهو دون التفل وهو مرتبة بينهما، والنفث فعل الساحر. فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخًا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى مقترن بالريق الممازج لذلك. وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور، فيصيبه السحر بإذن الله الكوني الشرعي، لا الإذن القدري قاله ابن القيم.

قوله: (ومن سحر فقد أشرك) . نص في أن الساحر مشرك إذ لا يتأتى السحر بدون الشرك كما حكاه الحافظ عن بعضهم.

قوله: (ومن تعلق شيئًا وُكِّلَ إليه) . أي: من تعلق قلبه شيئًا بحيث يتوكل عليه، ويرجوه وكله الله إلى ذلك الشيء. فإن تعلق العبد على ربه وإلهه وسيده ومولاه، رب كل شيء ومليكه وكله إليه فكفاه ووقاه وحفظه وتولاه، و {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} ، [لأنفال، من الآية: 40]، كما قال تعالى:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} 2. ومن تعلق على السحر والشياطين وكله الله إليهم فأهلكوه في الدنيا والآخرة.

وبالجملة فمن توكل على غير الله كائنًا من كان وكل إليه، وأتاه الشر في الدنيا والآخرة من جهته مقابلة له بنقيض قصده، وهذه سنة الله في عباده التي لا تبدل، وعادته التي لا تحول، أن من اطمأن إلى غيره أو وثق بسواه، أو ركن إلى مخلوق يدبره، أجرى الله تعالى

1 سورة الفلق آية: 4.

2 سورة الزمر آية: 36.

ص: 343

له بسببه أو من جهته خلاف ما علق به آماله. وهذا أمر معلوم بالنص والعيان. ومن تأمل ذلك في أحوال الخلق بعين البصيرة النافذة رأى ذلك عيانًا.

وفائدة هذه الجملة بعد ما قبلها الإشارة إلى أن الساحر متعلق على غير الله، فإنه متعلق على الشياطين.

قال: وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا هل أنبئكم ما العضه هي النميمة القالة بين الناس" 1 رواه مسلم.

ش: قوله: (هل أنبئكم)، أي: أخبركم.

قوله: (ما العضه؟)، هو بفتح العين المهملة وسكون المعجمة. قال أبو السعادات: هكذا يروى في كتب الحديث. والذي جاء في كتب الغريب ألا أنبئكم ما العضة بكسر العين وفتح الضاد. وفي حديث آخر "إياكم والعضة" قال الزمخشري: أصلها العضهة فعلة من العضه، وهو البهت فحذفت لامه، كما حذفت من السنة والشفة وتجمع على عضين. ثم فسره بقوله: هي النميمة القالة بين الناس. وعلى هذا فأطلق عليها العضه، لأنها لا تنفك عن الكذب والبهتان غالبًا، ذكره القرطبي.

قلت: ظاهر إيراد المصنف لهذا الحديث هنا يدل على أن معنى العضه عنده هنا هو السحر، ويدل على ذلك حديث:"كادت النميمة أن تكون سحرًا". رواه ابن لالٍ في "مكارم الأخلاق" بإسناد ضعيف. وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة.

وقال أبو الخطاب في "عيون المسائل": ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس.

قال في "الفروع" ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعلمه على وجه المكر والحيلة، أشبه السحر، ولهذا يعلم بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمله الساحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين، لكنه يقال: الساحر إنما

1 مسلم: البر والصلة والآداب (2606) ، وأحمد (1/437) .

ص: 344

كفر لوصف السحر وهو أمر خاص، ودليله خاص، وهذا ليس بساحر وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة انتهى ملخصًا. وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة.

والحديث دليل على تحريم الغيبة والنميمة، وهو كذلك بالإجماع. وقد قال أبو محمد بن حزم: اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة، وفيه دليل على أنها من الكبائر.

وقوله: (القالة بين الناس) . قال أبو السعادات: أي: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس بما يحكى للبعض عن البعض، ومنه الحديث "ففشت القالة بين الناس"1.

قال: ولهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من البيان لسحرًا"2.

ش: البيان: البلاغة والفصاحة، قال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله أما قوله: (إن من البيان لسحرًا) ، فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق. وقال ابن عبد البر: تأولته طائفة على الذم، لأن السحر مذموم. وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح، لأن الله تعالى مدح البيان. قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجة، فأحسن المسألة، فأعجبه قوله فقال:"هذا والله السحر الحلال".

قلت: الأول أصح وهو أنه خرج مخرج الذم لبعض البيان لا كله،

وهو الذي فيه تصويب الباطل وتحسينه، حتى يتوهم السامع أنه حق أو يكون فيه بلاغة زائدة عن الحد، أو قوة في الخصومة حتى يسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق ونحو ذلك، فسماه سحرًا لأنه يستميل القلوب كالسحر، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما جاءه رجلان من

1 مسلم: البر والصلة والآداب (2606) ، وأحمد (1/437) .

2 البخاري: النكاح (5146)، والترمذي: البر والصلة (2028)، وأبو داود: الأدب (5007) ، وأحمد (2/16 ،2/59 ،2/62 ،2/94)، ومالك: الجامع (1850) .

ص: 345