المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ باب ما جاء في الرياء] - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

[سليمان بن عبد الله آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌[كتاب التوحيد]

- ‌ باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب]

- ‌ باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب]

- ‌ باب الخوف من الشرك]

- ‌باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا لله

- ‌ باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله]

- ‌ باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه]

- ‌ باب ما جاء في الرقى والتمائم]

- ‌ باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما]

- ‌[باب ما جاء في الذبح لغير الله]

- ‌ باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله]

- ‌ باب من الشرك النذر لغير الله]

- ‌[باب من الشرك الاستعاذة بغير الله]

- ‌ باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره]

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُم يَنْصُرُونَ}

- ‌باب قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

- ‌ باب الشفاعة]

- ‌[باب قول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

- ‌باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

- ‌باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده

- ‌ باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله]

- ‌ باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك]

- ‌ باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان]

- ‌ باب ما جاء في السحر]

- ‌باب بيان شيئ من أنواع السحر

- ‌ باب ما جاء في الكهان ونحوهم]

- ‌ باب ما جاء في النشرة]

- ‌ باب ما جاء في التطير]

- ‌ باب ما جاء في التنجيم]

- ‌ باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء]

- ‌باب قول الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}

- ‌ باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}

- ‌ باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله]

- ‌ باب ما جاء في الرياء]

- ‌ باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا]

- ‌ باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله]

- ‌ باب قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِ

- ‌ باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات]

- ‌ باب قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا

- ‌ باب قول الله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

- ‌باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله

- ‌ باب قول: ما شاء الله وشئت]

- ‌ باب من سب الدهر فقد آذى الله]

- ‌ باب التسمي بقاضي القضاة]ونحوه

- ‌باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك

- ‌ باب من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن أو الرسول]

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي

- ‌باب قول الله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون}

- ‌ باب قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}

- ‌ باب لا يقال: السلام على الله]

- ‌ باب قول اللهم اغفر لي إن شئت]

- ‌ باب لا يقول: عبدى وأمتي]

- ‌ باب لا يرد من سئل بالله]

- ‌ باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة]

- ‌باب ماجاء في "لو

- ‌ باب النهي عن سب الريح]

- ‌ باب قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ

- ‌ باب ما جاء في منكري القدر]

- ‌ باب ما جاء في المصورين]

- ‌ باب ما جاء في كثرة الحلف]

- ‌باب ما جاء في ذمة الله وذمة رسوله

- ‌ باب ما جاء في الإقسام على الله]

- ‌ باب لا يستشفع بالله على خلقه]

- ‌ باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك]

- ‌باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

الفصل: ‌ باب ما جاء في الرياء]

فالجواب قال طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر، وقال الخواص:"الصبر دون الرضى، الرضى أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذاك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر".

قلت: كلام الخواص هذا عزم على الرضى ليس هو الرضى، فإنه إنما يكون بعد القضاء كما في الحديث:"وأسألك الرضى بعد القضاء"1. لأن العبد قد يعزم على الرضى بالقضاء قبل وقوعه فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضي بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة. قاله ابن رجب.

1 النسائي: السهو (1306) .

ص: 452

[30-‌

‌ باب ما جاء في الرياء]

أي: من الوعيد ولما كان خلوص العمل من الشرك والرياء شرطًا في قبوله لمنافاة الشرك والرياء للتوحيد، نبه المصنف على ذلك تحقيقًا للتوحيد. والرياء مصدر راءى يرائي مراءاة ورياء; وهو أن يري الناس أنه يعمل عملاً على صفة وهو يضمر في قلبه صفة أخرى، فلا اعتداد ولا ثواب إلا بما خلصت فيه النية لله تعالى. ذكره القاضي أبو بكر بمعناه، وقال الحافظ: هو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمد صاحبها انتهى. والفرق بينه وبين السمعة أن الرياء هو العمل لرؤية الناس، والسمعة العمل لأجل سماعهم، فالرياء يتعلق بحاسة البصر، والسمعة بحاسة السمع، ويدخل فيه أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس.

قال: وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 1.

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للناس: إنما أنا بشر مثلكم، أي: في البشرية ولكن الله مَنَّ عليّ وفضلني بالرسالة وليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له

1 سورة الكهف آية: 110.

ص: 452

كما قال: {يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 1، أي: معبودكم الذي أدعوكم إلى عبادته إله واحد لا شريك له {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} 2، أي: من كان يخاف لقاء الله يوم القيامة. قال شيخ الإسلام: أما اللقاء، فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والسير وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى وأطال في ذلك واحتج له. وقال سعيد ابن جبير: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} 3. قال: من كان يخشى البعث في الآخرة رواه ابن أبي حاتم. {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} 4، أي: كائنًا ما كان. قال ابن القيم أي: كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء، المقيد بالسنة انتهى. وهذان ركنا العمل المتقبل لا بد أن يكون صوابًا خالصًا، فالصواب أن يكون على السنة وإليه الإشارة بقوله:{فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} 5. والخالص: أن يخلص من الشرك الجلي والخفي وإليه الإشارة بقوله: {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} 6. روى عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص وابن أبي حاتم والحاكم عن طاوس قال: "قال رجل يا نبي الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله وأحب أن يرى موطني فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت هذه الآية: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} ، [الكهف، من الآية: 110] ". رواه الحاكم وصححه موصولاً عن طاوس عن ابن عباس.

وفي الآية دليل على الشهادتين، وأن الله تعالى فرض على نبينا صلى الله عليه وسلم أن يخبرنا بتوحيد الإلهية، ولا فتوحيد الربوبية لم ينكره الكفار الذين كذبوه وقاتلوه ذكره المصنف.

وفيها تسمية الرياء شركًا. وفيها أن من شروط الإيمان بالله واليوم الآخر أن لا يشرك بعبادة ربه أحدًا. ففيه التصريح بأن الشرك الواقع من المشركين إنما هو في العبادة لا في الربوبية. وفيها الرد على من قال: أولئك يتشفعون

1 سورة الكهف آية: 110.

2 سورة الكهف آية: 110.

3 سورة الكهف آية: 110.

4 سورة الكهف آية: 110.

5 سورة الكهف آية: 110.

6 سورة الكهف آية: 110.

ص: 453

بالأصنام ونحن نتشفع بصالح العمل لأنه قال: {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} 1. فليس بعد هذا بيان، افتتح الآية بذكر براءة النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أقرب الخلق إلى الله وسيلة، أي: براءته من الإلهية وختمها بقوله: أحدًا.

واعلم رحمك الله أن هذه الآية لا ينتفع بها إلا من ميز بين توحيد الربوبية وبين توحيد الإلهية تمييزًا تامًّا وعرف ما عليه غالب الناس إما طواغيت ينازعون الله في توحيد الربوبية الذي لم يصل إليه شرك المشركين، وإما مصدق لهم تابع لهم، وإما شاك لا يدري ما أنزل الله على رسوله، ولا يميز بين دين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين دين النصارى، ذكره المصنف.

وفيها أن أصل دين النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث به هو الإخلاص كما في هذه الآية وقوله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} 2. وذلك هو دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} 3. وذلك هو الحنيفية الإبراهيمية جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه.

قال: عن أبي هريرةرضي الله عنه مرفوعًا قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" 4 رواه مسلم.

ش: قوله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك" لما كان المرائي قاصدًا بعمله الله تعالى وغيره، كان قد جعل الله تعالى شريكًا، فإذا كان كذلك، فالله تعالى هو الغني على الإطلاق، والشركاء بل جميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك، فإن كماله تبارك وتعالى وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك ولا يلزم من اسم التفضيل إثبات غنى للشركاء، فقد تقع المفاضلة بين الشيئين وإن كان أحدهما لا فضل فيه كقوله تعالى:{آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} 5. وقوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} 6.

1 سورة الكهف آية: 110.

2 سورة هود آية: 1-2.

3 سورة الأنبياء آية: 25.

4 مسلم: الزهد والرقائق (2985)، وابن ماجه: الزهد (4202) ، وأحمد (2/301 ،2/435) .

5 سورة النمل آية: 59.

6 سورة الفرقان آية: 24.

ص: 454

قوله: "من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري"، أي: من قصد بذلك العمل الذي يعمله لوجهي غيري من المخلوقين تركته وشركه. وفي رواية عند ابن ماجة وغير: هـ "فأنا منه بريء وهو للذي أشرك"1. قال الطَّيْبِي: الضمير المنصوب في تركته يجوز أن يرجع إلى العمل والمراد من الشرك الشريك.

قال ابن رجب: "واعلم أن العمل لغير الله أقسام فتارة يكون رياء محضًا، فلا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم كما قال تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ} 2. وكذلك وصف الله الكفار بالرياء في قوله: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ} 3. وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، ثم ذكر أحاديث تدل على ذلك، منها الحديث الذي ذكره المصنف، وحديث شداد بن أوس مرفوعًا: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله عز وجل يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي فمن أشرك بي شيئًا فإن حشده4 وعمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني". رواه أحمد.

وحديث الضحاك بن قيس مرفوعًا إن الله عز وجل يقول: "أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكًا، فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز وجل فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له ولا

1 مسلم: الزهد والرقائق (2985)، وابن ماجه: الزهد (4202) ، وأحمد (2/301 ،2/435) .

2 سورة النساء آية: 142.

3 سورة الأنفال آية: 47.

4 في الطبعة السابقة: جدة.

ص: 455

تقولوا: هذا لله والرحم فإنها للرحم وليس لله منه شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنه لوجوهكم وليس لله منه شيء" رواه البزار وابن مردويه والبيهقي بسند قال المنذري: لا بأس به، وحديث أبي أمامة الباهلي:" أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له فأعادها عليه ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه"1. رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد. ثم قال: فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية.

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو2 عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئًا تم لهم أجرهم"3.

قلت: هذا لا يدل على أنهم غزوا لأجلها فلا يدل على ثبوت الأجر لمن غزا يلتمس عرضًا. قال: وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.

قلت: ظاهر حديث أبي هريرة: "أن رجلاً قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يبتغي عرضًا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجر له. فأعاد عليه ثلاثًا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا أجر له"4. رواه أبو داود. يدل على أن نية الجهاد إذا خالطها نية أجرة الخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة لم يكن له أجر، ويحتمل أن يكون معنى: يريد الجهاد أي: يريد سفر الجهاد ولم ينو الجهاد، إنما نوى عرض الدنيا.

قال ابن رجب، وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على

1 النسائي: الجهاد (3140) .

2 في الطبعة السابقة: عمر دون الواو وهو خطأ.

3 مسلم: الإمارة (1906)، والنسائي: الجهاد (3125)، وأبو داود: الجهاد (2497)، وابن ماجه: الجهاد (2785) ، وأحمد (2/169) .

4 أبو داود: الجهاد (2516) ، وأحمد (2/366) .

ص: 456

قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم، ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه، وماله لا يخلط به غيره. وقال أيضًا فيمن يأخذ جعلاً على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس، كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئًا أخذه وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو، فعوضه الله رزقًا فلا بأس بذلك. وأما إن أحدكم إن أعطي درهمًا غزا، وإن لم يعط درهمًا لم يغز، فلا خير في ذلك.

قلت: هذا يدل على الفرق بين ما كانت نية الدنيا مخالطة له من أول مرة، بحيث تكون هي الباعث له على العمل، أو من جملة ما يبعث عليه، كالذي يلتمس الأجر والذكر، فهذا الأجر له وبين ما كانت النية خالصة لله من أول مرة، ثم عرض له أمر من الدنيا لا يبالي به، سواء حصل له أو لم يحصل، كالذي أجمع على الغزو سواء أعطي أو لم يعط. فهذا لا يضره. ونحوه التجارة في الحج كما قال تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} 1. وعلى هذا يُنَزل ما روي عن مجاهد أنه قال في حج الجمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجورهم شيء، أي: لأن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.

قال: وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرًا ودفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره. ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني:"أن رجلاً قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله [فأيّهم الشّهيد؟] ،قال: كلهم إذًا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا".

وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو

1 سورة البقرة آية: 198.

ص: 457

في عمل مرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه، كالقراءة والذكر، وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك; لم يضره.

وفي هذا المعنى جاء في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن"1. رواه مسلم انتهى ملخصًا.

إذا تبين هذا; فقد دل الكتاب والسنة على حبوط العمل بالرياء، وجاء الوعيد بالعذاب عليه، قال الله تعالى:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ} 2. والآية بعدها.

وروى مسلم في صحيحه حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: المقاتل ليقال جريء، والمتعلم ليقال عالم، والمتصدق ليقال جواد. فأما ما رواه البزار وابن منده والبيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعًا:"من عمل رياء لا يكتب لا له، ولا عليه". ذكره السيوطي في الدر ولم أقف على إسناده فما أظنه يثبت، والكتاب والسنة يدلان على خلافه، بل هو موضوع. [الرياء من الشرك الخفي]

قال: وعن أبي سعيد مرفوعًا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى قال: الشرك الخفي; يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل"3. رواه أحمد.

ش: هذا الحديث رواه أحمد كما قال المصنف، ورواه ابن ماجة، وابن أبي حاتم، والبيهقي، وفيه قصة، ولفظ ابن ماجة والبيهقي: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال ألا أخبركم

" 4. الحديث وفي سنده

1 مسلم: البر والصلة والآداب (2642)، وابن ماجه: الزهد (4225) ، وأحمد (5/156 ،5/168) .

2 سورة هود آية: 15.

3 ابن ماجه: الزهد (4204) ، وأحمد (3/30) .

4 ابن ماجه: الزهد (4204) ، وأحمد (3/30) .

ص: 458

ضعف1. ومعناه صحيح. وروى ابن خزيمة في صحيحه معناه عن محمود بن لبيد2 قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر. قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الرجل إليه فذلك شرك السرائر".

قوله: "عن أبي سعيد"، هو الخدري تقدمت ترجمته.

قوله: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال؟ " إنما كان الرياء كذلك، لخفائه وقوة الداعي إليه، وعسر التخلص منه لما يزينه الشيطان، والنفس الأمارة في قلب صاحبه.

قوله: "قالوا": بلى. فيه الحرص على العلم، وأن من عرض عليك أن يخبرك بما فيك فلا ينبغي لك رده، بل قابله بالقبول والتعلم.

قوله: "قال: الشرك الخفي"، سمي الرياء شركًا خفيًا، لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك الجلي. وفي حديث محمود بن لبيد الذي تقدم في باب الخوف من الشرك تسميته بالشرك الأصغر. وعن "شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر". رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير في التهذيب والطبراني والحاكم وصححه. فظاهره أنه من الأصغر مطلقًا، وهو ظاهر قول الجمهور. وقال ابن القيم: وأما الشرك الأصغر; فكيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت،

1 كلا فإن سنده حسن، وحسنه البوصيري في (الزوائد) .

2 في الطبعة السابقة: "لبيدة" وهو خطأ.

ص: 459

وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده انتهى. ففسر الشرك الأصغر باليسير من الرياء، فدل على أن كثيره أكبر، وضد الشرك الأكبر والأصغر التوحيد والإخلاص، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة باطنًا وظاهرًا كما قال تعالى:{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 1. وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} 2 وقال تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي} 3. وقيل: الإخلاص استواء أحوال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، أي: لملاحظة الخلق، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره.

قوله: "فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل"4. فسر الشرك الخفي بهذا أن يعمل الرجل العمل لله، لكن يزيد فيه صفة كتحسينه وتطويله ونحو ذلك، لما يرى من نظر رجل، فهذا هو الشرك الخفي، وهو الرياء، والحامل له على ذلك هو حب الرياسة، والجاه عند الناس. قال الطّيْبِي: وهو من أضر غوائل النفس، وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة، فإنهم مهما قهروا أنفسهم، وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير، وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصًا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق تبارك وتعالى، وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحب مدحهم،

1 سورة الزمر آية: 2-3.

2 سورة الزمر آية: 11.

3 سورة الزمر آية: 14.

4 ابن ماجه: الزهد (4204) ، وأحمد (3/30) .

ص: 460