الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فرق لغوي مغفول عنه: "لا ضرر ولا ضرار
" (1)
هو الفرقُ بين كلمة الضُّر بالإدغام وكلمة الضَّرر بالفك. أجملتْ كتبُ اللغة في هاتين الكلمتين إجمالًا سَرَتْ منه إلى ألسُن المستعملين أخطاءٌ باستعمالهم كلمةَ الضَّرر بالفكِّ فيما يساوي معانِيَ كلمة الضر بالإدغام، غافلين عما تضمنه سرُّ عدم إدغام الحرفين في كلمة الضرر من التنبيه على الاحتراز من استعمالها فيما يساوي معنى كلمة الضر المدغمة.
فوجب بسطُ هذا البحث وتحقيقُه، ذلك أن في اللغة فرقًا في اعتبار بنية الفعل يظهر أثرُه في حالة مصدره. فالمصدر الذي على وزان فَعَل، إنما يجيء مصدرًا من الفعل الذي ماضيه على زنة فَعِل بكسر العين، ومضارعه على وزن يفعَل. وهذه البنية مصوغة لأفعال السجايا والوجدان، مثل فهم وفرح وجوى، ولأفعال الاتصاف بالعاهات، مثل مرض وعمي وشلل وزمن.
فلأجل ذلك ففعل ضر الماضي إذا استعمل متعديًا فحركة عينه في الماضي تقدر بالفتح؛ لأن مضارعه مضموم العين. قال تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران: 111]، {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ} [المائدة: 105]، فهو جارٍ على قاعدة أن المضاعَف المتعدِّي المفتوح العين في الماضي ينقاس في مضارعه ضمُّ العين عدا ما استثنى مما جاء بالكسر على خلاف القياس، أو جاء بالوجهين (الضم والكسر). ومصدر ضرّ
(1) مجلة مجمع اللغة العربية (القاهرة: مطبعة وزارة التربية والتعليم، 1955)، الجزء الثامن (ص 484 - 488). ونشر كذلك في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق.
هذا المتعدي الضَّرّ، بوزن فَعْل، كالنصر مفتوح الضاد. وقد وجب فيه إدغامُ أول مثليه؛ لأن أولهما ساكنٌ وثانيهما متحرك. فالإدغام واجب، فلذلك قالوا: ضَرَّ، كقوله تعالى:{وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [الفرقان: 3].
واسم المصدر منه الضُّرُّ (بضم الضاد)، ومنه قوله تعالى:{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ} [النحل: 54]، وقيل الضَّرُّ والضُّرُّ لغتان في مصدر ضر المتعدي جريًا على ما جاء باللغتين في الأسماء، نحو الشَّهْد والشُّهْد، تغليبًا لجانب الجمود في المصدر على جانب الاشتقاق، والقولُ الأول أصح وأقيس.
فأما إذا استُعمل ضر فعلًا لازمًا، فهو حينئذ بمعنى صار ضريرًا، أي: عَمِيَ، فتعين أن يكون وزنُه فعِل بكسر العين في الماضي؛ لأنه وزن أفعال العاهات والأحزان ونحوها. فقياسُ مضارعه أن يكون مفتوحَ العين، فيقال يضَرُّ (بفتح الضاد)، كما يقال عَمِيَ يَعْمَى وشَلِلَ يَشْلَل. واعلم أنِّي لم أعثر على مضارع ضر في كلامهم، إلا في قول بشار:
إِذَا ذُكِرَ الحِبَابُ بِهَا أَضَرَّتْ
…
بِهَا عَيْنٌ تَضَرُّ عَلَى الحِبَابِ (1)
وقد وجدته في نسخة ديوان بشار غيرَ مضبوط، فضبطتُه بفتحة على الضاد. ولم أعثر أيضًا على ذكره أو ذكر زنة ماضيه من أصحاب كتب اللغة المعروفة لنا، مثل الأساس [للزمخشري]، والصحاح [للجوهري]، واللسان [لابن منظور]، والقاموس، والتاج، والمخصص لابن سيده، وإصلاح المنطق [لابن السكيت]، ومفردات الراغب، والمشارق لعياض، والنهاية لابن الأثير.
(1) ديوان بشار بن برد، تحقيق محمد الطاهر بن عاشور (القاهرة: دار السلام، 1429/ 2008، تصويرًا عن طبعة الدار التونسية للنشر)، ج 1/ 1، ص 271. والبيت من قصيدة من بحر الوافر قالها بشار في حبيبته الرباب المكناة بأم بكر وفي الفخر.
وإذ لم يذكروا فيه أنه جاء على خلاف القياس، فهو محمولٌ على جريانِه على القياس في الماضي والمضارع. وقد دل على ذلك أيضًا مصدرُه، فإنهم قالوا في مصدره الضرر بدون إدغام؛ لأنه جاء على مثال فعل. وكلُّ ما كان من الأسماء مضاعَفَ المثلين على هذا المثال وشبهه، فإنه يتعين فيه الفكُّ، ولا يجوز الإدغام، وعللوه بالخفة الحاصلة بالفتح مثل: طلل، ولبب، وجلل.
وأنا أرى أن علةَ الفكِّ فيه التفرقةُ بين الفعل والاسم في الأكثر، ثم طُرِدَ البابُ على وتيرة واحدة. فإذن لمَّا قالوا في المصدر ضرر، علمنا أن الماضي بوزن فعِل (بكسر العين)، وأن المضارع بوزن يفعَل (بفتح العين). ومن أجل ذلك، لا يُطلق الضرر بالفك إلا على ما كان من الأضرار عاهة، فالعمى ضرر والزمانة ضرر. قال تعالى:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] أي: العمى والزمانة. وقد فسر المفسرون الآيةَ بذلك (1)، فلا يشمل من أصيب بضر في ماله أو في أهله.
وفي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95]، فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، فقال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى. فأنزل الله على رسوله {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} (2). ولم يُستعمل الضرر في غير ما هو من العاهات فيما بلغنا من كلام العرب، ولا رأينا مَنْ صرح به من الأئمة المروي عنهم.
(1) انظر في ذلك مثلًا: النحاس، أبو جعفر: معاني القرآن، تحقيق محمد علي الصابوني (مكة المكرمة: جامعة أم القرى، 1988)، ج 2، ص 170؛ القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 55 - 56.
(2)
"عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: رأيت مروان بن الحكم جالسًا في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلًا أعمى، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله عز وجل: =
ولكن وقع في كتاب الأقضية من الموطأ عن يحيى المازني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار"، هكذا رواه المازِنِيُّ مرسَلًا (1)، وإن كان قد أُسْنِدَ بهذا اللفظ عن أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت وعائشة وابن عباس في غير الموطأ من سنن ابن ماجه ومسند أحمد ونحوهما من الكتب التي تُخرِّج الصحيحَ ودونه بأسانيد مختلفة (2).
فلْنَنْقُلِ الكلامَ إلى الاحتجاج بالحديث في العربية، وهي قضية مختلفة (3) مهما سكت عنها المتقدمون. وقد منع الاحتجاجَ به ابنُ الضايع الإشبيلي (4)، وقال أبو
= {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ". صحيح البخاري، "كتاب التفسير"، الحديث 4593، ص 785؛ صحيح مسلم، "كتاب الإمارة"، الحديث 1898، ص 757. واللفظ للبخاري.
(1)
مالك بن أنس: الموطأ برواياته الثمانية، تحقيق أبي أسامة سليم بن عيد الهلالي السلفي (دبي: مجموعة الفرقان التجارية، 1424/ 2003)، "كتاب الأقضية"، الحديث 1560، ج 3، ص 573.
(2)
أخرجه بهذا اللفظ فقط ابن ماجه. ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الربعي القزويني: سنن ابن ماجه، نشرة بعناية صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ (الرياض: دار السلام، 1420/ 1999)، "أبواب الأحكام"، الحديثان 2340 - 2341، ص 335. وأخرجه أحمد عن ابن عباس بلفظ:"لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يجعل خشبَه في حائط جاره، والطريق الميتاء سبعة أذرع". ابن حنبل، أحمد: مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق جماعة من الباحثين بإشراف شعيب الأرنؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1416/ 1995)، "مسند عبد الله بن عباس"، الحديث 2865، ج 5، ص 55. وأورده الحاكم عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري بلفظ:"لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضارَّه الله، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه"، وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه". الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، "كتاب البيوع"، الحديث 2400، ج 2، ص 74. وانظر تخريجه مفصلًا في المصدر المذكور في الحاشية السابقة، ص 572 - 573.
(3)
كذا في المطبوع، وقد يكون هناك سقط، فلعل الكلام يكون أقوم لو قيل:"وهي قضية مختلف فيها"، والله أعلم.
(4)
هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن يوسف، الكناني، الإشبيلي، النحوي، المعروف بابن الضايع، توُفِّيَ سنة 680 هـ. من أصحاب أبي علي الشلوبين، وأستاذ أبي حيان الأندلسي. من تصانيفه الرد على الإيضاح لأبي علي الفارسي، وشرح الجمل الكبير للزجاجي في النحو، وشرح كتاب سيبويه. قال ابن الضايع كما نقل عنه السيوطي: "تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة - كسيبويه وغيره - الاستشهادَ على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على =
حيان: "إن الأئمة من البصريين والكوفيين لم يحتجوا بالحديث، وتبعهم على ذلك المتأخرون". (1) وأجاز الاحتجاجَ بالحديث ابنُ مالك وابنُ هشام الأنصاري (2).
ويُؤخذ من كلام الأئمة ما يؤيد القولَ الأول؛ إذ قالوا: لا تُقبل روايةُ اللغة إلا من الرواة الثقات، يعنون بالرواة رواةَ العربية المتصدين للرواية؛ إذ لا نشك في أن شرط قبول نقل الناقل في اللغة أن يكون قاصدًا نقلَ اللغة، فلا تؤخذ العربية تبعًا
= القرآن وصريح النقل عن العرب. ولولا تصريحُ العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث، لكان الأوْلَى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أفصحُ العرب". السيوطي، جلال الدين: الاقتراح في علم أصول النحو، نشرة بعناية محمود سليمان ياقوت (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1426/ 2006)، ص 95.
(1)
وتمام كلام أبي حيان: "قد أكثر المصنف [ابن مالك] من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيتُ أحدًا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره. على أن الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب - كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين - لم يفعلوا ذلك، وتبعهم على ذلك المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد وأهل الأندلس"، ثم قال بعد أن ذكر الأسباب الداعية لعدم الاحتجاج بالحديث في التقعيد النحوي:"وإنما أمعنتُ الكلام في هذه المسألة لئلا يقول مبتدئ: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب - وفيهم المسلم والكافر - ولا يستدلون بما رُوي في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما؟ فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث". السيوطي: الاقتراح في علم أصول النحو، ص 90 - 91 وص 94. وكلام أبي حيان هذا ورد في كتابه "التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل"، ولم يتيسر لي الاطلاع عليه.
(2)
لم أعثر على نص بعينه يقرر فيه ابنُ مالك رأيه في الاحتجاج بالحديث، ولكن يبدو أن العلماء استنبطوا مذهبَه في ذلك من كثرة استشهاده بالحديث عند تقرير القواعد النحوية وشرحها. وفي ذلك يقول السيوطي:"كان أمة في الاطلاع على الحديث، فكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهدٌ عدل إلى الحديث، فإن لم يكن فيه شاهدٌ عدل إلى أشعار العرب". السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (بيروت: دار الفكر، ط 2، 1399/ 1979)، ج 1، ص 134. وانظر بحثًا مستفيضًا لهذه المسألة في: حسين، محمد الخضر: دراسات في العربية وتاريخها (دمشق: المكتب الإسلامي ومكتبة الفتح، ط 2، 1380/ 1960)، ص 166 - 180.
لنقله في غرض آخر؛ لأن الناقلَ إنما يضبط ويتحرى في نقله فيما يخص الغرضَ الذي لأجله ينقل؛ لأن المقصود من الخبر النسبةُ الخبرية لا الضمنية.
فالراوي المتصدي لرواية الأحاديث لإفادة أحكام شرعية لا يهمه من الألفاظ إلا مواردُها المفيدة للمعاني دون صيغها المفيدة لاختلاف كيفيات تلك المعاني. فإذا لم يكن نقله صريحًا في غرضه الذي تصدى لأجله، رجع أمرُ نقله إلى أنه احتجاجٌ بحسن الظن به في تحري الصواب من جميع جوانبه، وذلك غيرُ مقنع في إثبات اللغة. وقد عدوا من القواعد الأصلية أن الكلام إذا سيق لمعنى لا يُحْتجُّ به في معنى آخر. على أنه قد حفظ الخطأ عن كثير من الأئمة بتصحيف أو نحوه.
ورواةُ الحديث قد يقع لهم الغلطُ في عربية ما يروونه، وممن عُدَّ من هذا الباب هشيم بن بشير السلمي من أئمة الحديث. قال النضر بن شميل، وهو من أئمة اللغة: وإن هشيم لَحَّانًا، وهو الذي روى حديث:"إذا تزوج امرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز"(1)، رواه بفتح السين من سداد. والصواب سِداد - بكسر السين - في قصة مدونة في كتب اللغة والأدب (2). فلعل النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا ضر ولا ضرار"، فغيرها الراوي لا ضرر.
(1) البرهان فوري: كنز العمال، "كتاب النكاح"، الحديث 44588، ج 16، ص 301. بلفظ:"من تزوج امرأة لدينها وجمالها كان له في ذلك سداد من عوز"، وذكر أن الحديث رواه ابن النجار عن ابن عباس.
(2)
ذكر القصةَ الحريري حيث قال: "ويقولون هو سَداد من عوز، فيلحنون في فتح السين، والصواب أن يقال بالكسر. وجاء في أخبار النحويين أن النضر بن شميل المازني استفاد بإفادة هذا الحرف ثمانين ألف درهم. ومساق خبره ما أخبرنا به أبو علي بن أحمد التُّستري، عن حميد بن الحسن بن سعيد العسكري اللغوي، عن أبيه، عن إبراهيم بن حامد، عن محمد بن ناصح الأهوازي قال: حدثني النضر بن شميل قال: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت ذات ليلة وعلي ثوب مرقوع، فقال: يا نضر، ما هذا التقشُّف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخُلْقان؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ ضعيف، وحرُّ مرو شديد، فأتبرد بهذه الخلقان، قال: لا، ولكنك قَشِف. ثم أجرينا الحديث، فأجرى هو ذكرَ النساء فقال: حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن =
فإذا درجنا على عدم الاحتجاج بالحديث في العربية، فهذا الحديثُ لا يثبت به استعمالٌ في العربية لما يتطرقه من الاحتمالات بالنسبة للرواة لا بالنسبة لقائل اللفظ المروي، فلا يكون ذلك شاهدًا لغويًّا. وإذ درجنا على الاحتجاج به تعين:
إما أن نرده إلى الرواية بالمعنى بأن درج الرواة على استعمال مولَّد، وإما أن نؤوله: إما بالحَمل على الشذوذ، مثل قول أبي النجم:"الحمْدُ لله العَليِّ الأَجْلَلِ"(1). والشاذ يغتفر لأهل اللسان، ولا يتابعون عليه في استعمال غيرهم.
= عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا تزوج الرجلُ المرأةَ لدينها وجمالها كان فيه سَداد من عوز"، فأورده بفتح السين، قال: فقلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سِدَادٌ من عوز"، قال: وكان المأمون متكئًا فاستوى جالسًا، وقال: يا نضر، كيف قلت سِداد؟ قلت: لأن السَّداد ها هنا لحن، قال: أو تُلَحِّنني؟ قلت: إنما لَحَن هشيم - وكان لَحَّانة - فتبع أميرُ المؤمنين لفظَه، قال فما الفرق بينهما؟ قلت: السَّداد - بالفتح - القصد في الدين والسبيل، والسِّداد - بالكسر - البُلغة، وكل ما سددت به شيئًا فهو سِداد، قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:
أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتىً أَضَاعُوا
…
لِيَوْم كَرِيهَةٍ وسِدَادِ ثَغْرِ".
الحريري، القاسم بن علي: درة الغواص في أوهام الخواص، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار الفكر العربي، 1997)، ص 141 - 142. وانظر البيت في: الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج 1، ص 412 - 415 (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج 1/ 1، ص 264 - 265 (نشرة الحسين).
(1)
أبو النجم هو المفضَّل بن قُدامة، ينتهي نسبه إلى ربيعة بن نزار، "وهو من رُجَّاز الإسلام الفحول المقدَّمين، وفي الطبقة الأولى منهم". الأصفهاني: الأغاني (نشرة الحسين)، ج 4/ 10، ص 113. قيل إن أبا النجم ولد أثناء حكم معاوية بن أبي سفيان، وربما كان ذلك في آخر خلافة معاوية. أما وفاته فكانت سنة 130 على أرجح الأقوال. وتمام البيت كما هو شائع:
الحَمْدُ لله العَلِيِّ الأَجْلَلِ
…
الوَاحِدِ الفَرْدِ القَدِيمِ الأَوَّلِ
وهو من أرجوزة اسمها "أم الرجز" من ثمانية ومائتي مشطور، أنشأها الشاعر في مدح هشام بن عبد الملك، وهذا لفظ الشطور الأول في الديوان، وجاءت رواية الأصفهاني له بلفظ:"الحمد لله الوهوب المجزل". أما المشطور الثاني فلفظه في الديوان: "الواهب الفضل، الوهوب المجزل". ديوان أبي النجم العجلي، تحقيق محمد أديب عبد الواحد جمران (دمشق: مجمع اللغة العربية بدمشق، 1427/ 2006)، ص 337 - 363؛ الأغاني (نشرة الحسين)، ج 4/ 10، ص 114 - 118.
وإما بتأويله بأن الذي أوجب الفكَّ هو قصدُ الإتباع والمزاوجة بين اللفظين (الضرر والضرار)؛ فإن كليهما لا إدغامَ فيه. فرُوعِيَ ذلك في المقارنة تحسينًا، وهو من ضروب البديع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وفد عبد القيس في الصحيح:"مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى"(1)، فجمع نادمًا على ندامى لموافقة صيغة خزايا، إذ ليس فَعَالَى من صيغ جمع فاعل، بل هو من صيغ جمع فعلان، والندمان هو المنادم. ومن هذا النوع قولُ الشاعر:
هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ، وَلَّاجُ أَبْوِبَةٍ
…
يُخَالِطُ البِرُّ مِنْهُ الجِدَّ وَاللِّينَا (2)
(1)"عن أبي جمرة قال: كنت أقعد مع ابن عباس، يجلسني على سريره فقال: أقم عندي حتى أجعل لك سهمًا من مالي، فأقمت معه شهرين، ثم قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من القوم" أو "من الوفد؟ " قالوا: ربيعة. قال: "مرحبًا بالقوم، أو بالوفد، غير خزايا ولا ندامى"، فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمُرْنا بأمرٍ فصل، نخبر به مَنْ وراءنا، وندخل به الجنة. وسألوه عن الأشربة: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده". قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس". ونهاهم عن أربع: عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت. وربما قال: المقير. وقال: "احفظوهن، وأخبروا بهن مَنْ وراءكم"". صحيح البخاري، "كتاب الإيمان"، الحديث 53، ص 12؛ "كتاب العلم"، الحديث 87، ص 20.
(2)
البيت منسوب لأبي كعب تميمٍ بن أبيّ بن مقبل من بني العجلان من عامر بن صعصعة، من الشعراء المخضرمين، عمَّر قريبا من مائة وعشرين سنة. وُلد حوالي 570 م أي سنة قبل الهجرة، أسلم ولم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم وتوفي قريبًا من عام 70 هـ. عده ابن سلام في الطبقة الخامسة من شعراء الجاهلية مع خِداش بن زهير بن أبي ربيعة والأسود بن يعفر والمخَبَّل السعدي. رثى عثمان بن عفان، وتحزب مع معاوية بن أبي سفيان في صفين، وهجا كلًّا من النجاشي والأخطل. يشتمل شعره المطبوع على خمس وثمانين قصيدة ومقطوع. والبيت المستشهد به لم يذكره ابن قتيبة (الشعراء والشعراء) ولا البغدادي (منتهى المطلب) فيما أورداه من شعره، ولا ضمنه المصطاوي فيما حققه من شعره. ويبدو أنه بيت مفرد، وقد اختلف علماء اللغة والأدب اختلافًا كبيرًا في نسبته، فمنهم من نسبه إلى ابن مقبل، ومنهم من نسبه إلى القُلاخ بن حُبانة، ومنهم من أطلقه بدون نسبة. ولذلك أدرجه عزة حسن ضمن القصائد والأبيات المختلف في نسبتها، وذكر المصادر التي أوردته. الجمحي، محمد بن سلام: طبقات الشعراء، تحقيق جوزف هل (بيروت: دار الكتب العلمية، 1422/ 2001)، ص 61؛ ديوان ابن مقبل، تحقيق عزة حسن (بيروت/ حلب: دار الشرق العربي، 1416/ 1995)، =
إذ جمع بابًا على أبوبة. وقوله صلى الله عليه وسلم للنساء: "ارجعن مأزورات غير مأجورات"(1) بهمز مأزورات، وأصله موزورات؛ لأنه من الوزر وهو الإثم، وإنما همز إتباعًا لقوله "غير مأجورات".
والحاصل أننا إن قبلنا الاحتجاجَ به تعين أن يحمل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء على خلاف القياس مجملًا يناسب فصاحته وبلاغته (2). ويستخلص من هذا كله أن
= ص 284. وكان ابن مقبل قلقًا بين ما عهده واعتاد عليه في الجاهلية وما حصل من تحول وتبدل في الأفكار والأوضاع في ظل الإسلام، وهو ما جرى به شعره تعبيرًا عن حنينه لما كان في حياته الأولى. انظر دراسة ضافية في حياته وشعره في: الفيفي، عبد الله: شعر ابن مقبل: قلق الخضرمة بين الجاهلي والإسلامي (جازان: منشورات نادي جازان اديب، ط 1، 1420/ 1999).
(1)
"عَن علي قَالَ: خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فإذا نسوة جلوس. فقال: "ما يجلسكن؟ " قلن: ننتظر الجنازة. قال: "هل تغسلن؟ " قلن: لا. قال: "هل تحملن؟ " قلن: لا. قال: "هل تدلين فيمن يدلي؟ " قلن: لا. قال: "فارجعن مأزورات، غير مأجورات"". ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني: سنن ابن ماجه، نشرة بعناية أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان (الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط 1، بدون تاريخ)، "كتاب الجنائز - باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز"، الحديث 1578، ص 277. وقد ضعفه الألباني، محمد ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الضعيفة (الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط 1، 1421/ 2000)، الحديث 2742، ج 6، ص 262 - 265.
(2)
قال المصنف في تعليق له على الحديث: "وقد جاء هنا لفظ لا ضرر والمقصود به الإضرار، وكان الاستعمال يقتضي أن يقال: لا ضُرَّ؛ لأن الضرر بدون إدغام غير مستعمل إلا اسمًا للضرارة من عمًى أو زمانة، كما في قوله تعالى: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95]؛ لأنه مصدر ضرِر بكسر عين الكلمة فتجيء على فتح العين في المصدر فيمتنع إدغامه، وأما ما عداه فليسَ جائيًا مِنْ فعِل المكسور العين؛ فلذلك [جاء] مصدره بسكون العين فيتعين إدغامُه، ولم أعثر على استعماله في غير ذلك. فإن كان ما وقع هنا لفظًا نبويًّا وهو الظاهر، فهو شاذ. وقد يكون مسوغه المزاوجة بينه وبين لفظ ضرار في كون كليهما بالفك، والمزواجة تسوِّغ مخالفةَ القياس. ومما حسَّنها هنا أن الجملة جرت مجرى المثل، ولذلك لا تُغيَّر. وقد شاع استعمالُ الضرر بمعنى الضُّر في كلام العلماء، وفي كتب الفقه، لكني لم أظفر له بشاهدٍ في كلام الفصحاء غير هذا الذي في الحديث". ابن عاشور، محمد الطاهر: كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، تحقيق طه علي بوسريح التونسي (القاهرة: دار السلام/ تونس: دار سحنون، ط 1، 1427/ 2006)، ص 322.
الضُّر والضَّر أعمُّ من الضرر، فيصح إطلاقُ الضُّر والضَّر على المعنى الذي يطلق عليه الضرر، ولا يصحّ إطلاقُ الضرر على كل ما يُطلق عليه الضُّر والضَّر.
وأما ما وقع في صحاح الجوهري من قوله: "الضَّرُّ خلافُ النفع، [وقد ضره وضاره بمعنًى]. والاسم الضرر. . . ويقال: لا ضرر عليك"(1)، فهو مما انفرد به. وقد ذكر الأئمةُ أن الجوهري لا يُؤخذُ ما انفرد به، وقد أوهمه الفيروزآبادي في مواضع كثيرة. قال التبريزي:"لا يُشك في أن في كتاب الصحاح تصحيفًا لا شك أنه من المصنِّف لا من الناسخ". (2) وقال الأزهري: "لا يُقبل من الجوهري ما انفرد به". (3)
(1) الجوهري: الصحاح، ج 2، ص 719 - 720 (باب الراء - فصل الضاد).
(2)
لم أتمكن من توثيق هذا الكلام المنسوب للخطيب التبريزي فيما أمكنني مراجعته من كتب اللغة والأدب، بما فيها مصنفاته هو نفسه. ولعل ضليعًا في علوم العربية يدلني عليه.
(3)
قال السيوطي: "قال الجوهري في الصحاح: سائرُ الناس جميعُهم. قال ابن الصلاح في مشكلات الوسيط قال الأزهري في تهذيبه: أهلُ اللغة اتَّفقوا على أن معنى سائر: الباقي، ولا التفات إلى قول الجوهري؛ فإنه ممَّن لا يُقْبَل ما يَنْفَرد به. انتهى. وقد انتصر للجوهري بأنه لم ينفرد به، فقد قال الجواليقي في شرح أدب الكتاب: إن سائر الناس بمعنى الجميع، وقال ابنُ دُريد: سائر الناس يقع على مُعْظمه وجُلّه. وقال ابن برّي: يدلُّ على صحَّة قول الجوهري قول مضرّس:
فَمَا حَسَنٌ أَنْ يَعذُرَ المرءُ نَفْسَه
…
وَلَيْسَ لَهُ منْ سَائر النَّاس عاذرُ".
المزهر، ج 1، ص 105 - 106. وقد حكى ابن معصوم (ت 1120 هـ) هذا الكلام المنسوب إلى الأزهري، وذكر أن حكمه على الجوهري "بالغلط من وجهين: تفسيره له بالجميع، وذكره في س ي ر، وحقه أن يُذكر في س أر؛ لأنه من السؤر بالهمز". ثم أضاف: "وتعقبه النواوي [كذا! ] فقال: بل هي لغة صحيحة لم ينفرد الجوهري بها"، إلخ. ابن معصوم المدني الحسيني، علي بن أحمد بن محمد: الطراز الأول والكناز بما عليه من لغة العرب المعوَّل (لندن: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1431 هـ)، ص 273 - 274. وبالرجوع إلى مصنفات الأزهري، لم نجد هذا الكلام المنسوب إليه، لا في معجمه "تهذيب اللغة" ولا كتاب "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي". وانظر كلام الجوهري: "وسائر الناس: جميعهم" في: الصحاح، ج 2، ص 692 (باب الراء - فصل السين).
ووقع في "الأساس" ما يوهم ظاهرُه موافقةَ كلام الأزهري (1)، لكنه ليس بنص بل هو محتمل للتأويل.
ومن أهم الواجبات الحفاظُ على فروق العربية ودقائق استعمالها، وإبقاءُ ما شذ عن ذلك غير متجاوِزٍ موقعَه لا يرخص لأحد في اتباعه؛ لأن ذلك يفضي إلى تلاشي رونق العربية وضياعه. فأنا أسترعي أفهامَ الأساتذة أعضاء المجمع لتلقي منها على هذا البحث شعاعًا، فإذا أبدوه اطمأنت نفسٌ تطير من توقع الخطأ شعاعا.
(1) يشير المصنف بذلك إلى كلام الزمخشري: "ضرر: ضرَّه ضررًا وضاره ضرارًا. . . ولحقه ضررٌ ومضرةٌ ومضار". أساس البلاغة، ج 1، ص 579.