الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسائل علاج الأثر السيئ للمشترك:
لا سبيلَ إلَى إبطال الاشتراك، ولا غايةَ من ذلك. فإن جميعَ اللغات مملوءةٌ بالتسامح والمجاز ونحوه، ولا ضيرَ في ذلك مع الاعتماد على القرائن. ولكن سبيلنا أن نزيِّف اعتقادَ كون الاشتراك جاء من أصل الوضع، وأن نسعى في تقليله من قواميس اللغة بقدر الإمكان، ونعوضه بنزع بعض الألفاظ المترادفة ووضعها لبعض معاني الألفاظ المشتركة. إذ ما من لفظٍ مشترك إلا ولبعض معانيه لفظٌ آخر مختصٌّ بذلك المعنى، فيصير بهذا الاعتبار مترادفًا. فتعين للنهوضِ باللغة أن نعالِجَ هذه الآثار، ويسعُنا ما وَسع العربَ فيما حاولوه من الفروق.
الوسيلة الأولى: يجب أن نسعى إلى تأليف قاموس تُحَقَّقُ فيه معانِي الألفاظ التي يتراءى لنا أنها مشتركة، فنبين عروض الاشتراك لها من الاستعمال لا من الوضع، أو من توسع المستعملين لا من حق الاستعمال، لنرفع بذلك الملامَ عن واضعي اللغة؛ وذلك بأن نُرجِع الألفاظ المشتركة إلى الأنواع التي ذكرناها آنفًا في أسباب وقوع الاشتراك. وهذا يدفعنا إلى التنقيب عن أصول الكلمات ومساربها، وهو ما تعرو منه قواميسُنا الآن في غالب موادها.
وقد أحس بالحاجة إلى هذه الوسيلة بعضُ المحققين من أئمة اللغة، فقد تكلم أبو الفتح ابن جنّي في كتاب "الخصائص" على نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، وورود بعضها بمعنى بعض، فقال:"لا سبيلَ إلى إطلاق القول فيه؛ لأنه يفضي إلى إفساد الكلام، ولا وجهَ لإنكاره مع وروده في الكلام الفصيح". (1) وبين أن العرب
(1) ساق المصنف كلام ابن جني بتصرف واختصار كبيرين، ولفظه (كما جاء في باب استعمال الحروف بعضها مكان بعض): "هذا بابٌ يتلقاه الناسُ مغسولًا ساذَجًا من الصنعة، وما أبعدَ الصواب عنه وأوقفَه دونه. وذلك أنهم يقولون: إن (إلى) تكون بمعنى مع، ويحتجون لذلك بقول الله سبحانه:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52؛ الصف: 14]، أي مع الله. ويقولون:(في) تكون بمعنى على، ويحتجون بقوله عز اسمه:{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]، أي: عليها. ويقولون: =
تحرص على الاختصار مع توفير المعاني، فربما أتوا بالفعل وعدّوه بحرف غير الحرف الذي حقه أن يتعدى به ليشعر السامع بفعل محذوف فيكون كمن غير جملتين كقوله تعالى:{فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18)} [النازعات: 18]؛ لأن العرب تقول: "هل لك في كذا؟ "، وتقول:"أدعوك وأرشدك إلى أن تزكى"(1).
وتكلم العلامة الزمخشري في طالعة كتاب "أساس البلاغة" على التفرقة بين ما هو حقيقة وما هو مجاز، فقال في تعداد منافع كتابه:"ومنها تأسيسُ قوانين فصل الخطاب والكلام الفصيح، بإفراد المجاز عن الحقيقة، والكناية عن التصريح"(2). وكذلك حاول العلامة السكاكي - في باب الإنشاء من المفتاح - إرجاعَ معاني بعض الأدوات إلى جمع معنَيَيْ أداتين، مثل حروف التنديم والتحضيض نحو "هلَّا"
= تكون الباء بمعنى عن وعلى، ويحتجون بقولهم: رميت بالقوس، أي عنها وعليها، كقوله: أرمي عليها وهي فرعٌ أجمعُ". ثم يواصل فيقول: "ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، لكنا نقول إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع، على حسب الأحوال الداعية إليه، والمسوِّغة له. فأما في كل موضع وعلى حال فلا؛ ألا ترى أنك إن أخذت بظاهر هذا القول غفلًا هكذا، لا مقيدًا، لزمك عليه أن تقول: سرت إلى زيد وأنت تريد: معه، وأن تقول: زيد في الفرس، وأنت تريد: عليه، وزيد في عمرو، وأنت تريد: عليه في العداوة، وأن تقول: رويت الحديث بزيد، وأنت تريد: عنه، ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش. ولكن سنضع في ذلك رسمًا يُعمل عليه، ويؤمن التزام الشناعة لمكانه. اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف والآخر بآخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه. وذلك كقول الله عز اسمه:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]، وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة وإنما تقول: رفثت بها أو معها. لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء، وكنت تعدي أفضيت بـ (إلى) كقولك: أفضيت إلى المرأة، جئت بـ (إلى) موقع الرفث، إيذانًا وإشعارًا أنه بمعناه. كما صححوا عَوِر وحَوِل لمَّا كانا في معنى اعورَّ واحولَّ، وكما جاؤوا بالمصدر فأجرَوْه على غير فعله لما كان في معناه". الخصائص، ج 2، ص 91 - 92.
(1)
المصدر نفسه، ص 93.
(2)
الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر بن أحمد: أساس البلاغة، تحقيق محمد باسل عيون السود (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1419/ 1998)، ج 1، ص 16.
و"أَلَا" و"لولا" و"لو ما"، فادعى أنها مأخوذةٌ من هل ولو اللتين للتمني مركبتين مع لا أو لو وما (1).
الوسيلة الثانية: يجب إبطالُ اشتراك الضديّة في استعمال المتكلمين بالعربية في المستقبل، ونعتبر ما وقع من ذلك أنه مما أثارته عوائد قد اضمحلت، كعوائد التشاؤم والعيافة التي كانت تمحق عقولَ أهل الجاهلية.
الوسيلة الثالثة: أن نعتمد على لغة قريش؛ لأنها انتخبت الأفصح من لغات العرب، فنجعلها حكمًا في كل لفظ مشترك نشأ اشتراكُه من لغتين من لغات العرب، فنُمِيتُ ما كان منه من لغة تخالف لغةَ قريش، فضلًا عن إماتة ما كان من لغة أخرى كالجلّ للورد والسَّرِيّ للنهر.
الوسيلة الرابعة: أن نُمِيت سائرَ الأحوال التصريفية التي تؤدي إلى المشترك، مثل جمع فَلَكَ على فُلْك بل نجمعه على أفلاك. وكذلك نجتنب بعضَ صيغ الاشتقاق، فإذا أردنا تعديةَ مشى إلى مفعول نقول: مشّى بالتضعيف، ولا نقول: أمشى بهمزة التعدية، لئلا يشترك مع أمشى بمعنى صار ذا ماشية. وكذلك نجتنب كلَّ تخفيف أو إدغام أو إبدال يفضي إلى الاشتراك والإلباس.
وكذلك إذا أردنا أن نجمع نية نجمعها على نوايا، ولا نجمعها على نوى الذي أصله نَوَيٌ، لئلا يلتبسَ بالنوى الذي هو جمع نواة، ولئلا يلتبس بالنَّوى الذي هو مفرد بمعنى البعد. وإذا كان العربُ قد أماتوا بعضَ الأفعال تجنبًا للثِّقل، مثل ماضي "ودع" و"وذر"، وأثبتوا مضارعَهما لِمَا فيه من خفة الحرف، فكيف لا نُميت ما يؤدي إلى أضر من الثقل وهو الإلباس؟
الوسيلة الخامسة: أن نُخَصِّص بعضَ الأفعال ببعض المصادر، وأن نرسم بعضَ الكلمات برسم يميز بعضَها عن بعض في الكتابة، كما فعلوا في عضّ وعظ، كما تقدم.
(1) السكاكي، أبو يعقوب يوسف بن محمد بن علي: مفتاح العلوم، تحقيق عبد الحميد هنداوي (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1420/ 2000)، ص 418؛ مفتاح العلوم، تحقيق أكرم عثمان يوسف (بغداد: مطبعة دار الرسالة، ط 1، 1402/ 1982)، ص 529.