الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها عفته ونزاهته. ومنها الوقار، والصون عن الابتذال في معاشرة القوم، وعدم الإكثار من الهزل والسخف، والفحش، والخفة والطيش. ومنها النزاهة عن الطمع في جر نفع من كلامه؛ فإن في ذلك نفرةً عن اتعاظ الناس بقوله وظِنَّةً في صدق دعوته، وقد قال السروجي بعد أن قام خطيبا:
لَبِسْتُ الْخَمِيصَةَ أَبْغِي الْخَبِيصَهْ
…
وَأَنْشَبْتُ شِصِّيَ فِي كُلِّ شِيصَهْ (1)
[عيوب الخطابة]
ولقد يجدر بنا إذ بلغنا هذا الموضع أن نختمه بذكر بعضِ عيوب يكثر عروضها للخطباء ليتنبه المطالعُ إلى تجنبها. واعلم أنها تنقسم إلى فطرِيٍّ، وإلى مكتَسَب.
فأما الفطريُّ فمنه ما يمكن تجنُّبُه بكثرة الممارسة، نحو الحبسة عند التكلُّم، فقد كان عمرو بن سعيد بن العاصي البليغ الخطيب في أول أمره لا يتكلم إلا اعترته حُبسةٌ في منطقه، فلم يزل يتشادق ويعالج إخراجَ الكلام حتى مال شدقُه من كثرة ذلك، ولُقب لذلك بالأشدق، فقال فيه الشاعر:
تَشَادَقَ حَتَّى مَالَ بِالْقَوْلِ شِدْقُهُ
…
وَكُلُّ خَطِيبٍ لَا أَبَا لَكَ أَشْدَقُ (2)
(1) فذكر أنه احتاج إلى ستر مقصده بلبس الخميصة، والشِّص - بالكسر - هو السنار الذي يُصاد به. والشيصة واحدة الشيص، وهو نوع من السمك. وإنما خص هذا النوع بالذكر ليتأتى له التجنيس. - المصنف. الحريري: مقامات الحريري، ص 22 (المقامة الأولى - الصنعانية).
(2)
الجاحظ: البيان والتبيين، ج 1/ 1، ص 89 و 214. والأشدق هو أبو أمية عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، من جيل التابعين. ولي المدينة لمعاوية وليزيد، وبايع عبد الملك بن مروان على أن تكون الخلافة له من بعده. فلما أراد عبد الملك خلعه من ولاية العهد خرج عليه وطلب الخلافة لنفسه. قتله عبد الملك سنة 70 هـ بعد أن أعطاه الأمان. وهو غير عمرو بن سعيد بن العاص الأكبر، صحابي أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة هو وأخوه خالد بن سعيد بن العاص ثم هاجر إلى المدينة. خرج في جند الفتح إلى الشام، ومات شهيدًا في معركة أجنادين مع الروم البيزنطيين في جمادى الأولى سنة 13/ 634 أثناء خلافة أبي بكر الصديق.
وقد اعتقد الناسُ فيه حين انتقل من الحبسة إلى الفصاحة أن الجن لطمته على وجهه ليتعلم الفصاحة، وكذلك كان اعتقادُهم في الشعراء أن الجن تتراءى لهم وتملي عليهم، فقال في ذلك الشاعر:
وَعَمْرُو لَطِيمُ الْجِنِّ وَابْنُ مُحَمَّدٍ
…
بِأَسْوَأ هَذَا الأَمْرِ يَلْتَبِسَانِ (1)
وسبَّه رجلٌ يومًا فقال له: "يا لطيم الشيطان، ويا عاصيَ الرحمن". (2)
ومن قبلُ حُكي مثلُ هذا التدرب عن ديموستين خطيب اليونان في عهد الإسكندر الأكبر، وقد تقدم ذلك في مقدمة قسم الإنشاء. ونحو سقوط الأسنان، وكان عبد الملك بن مروان رحمه الله قد شد أسنانه بالذهب لما كبرت سنه وقال:"لولا المنابر [والنساء]، ما بَالَيْتُ متى سقطَتْ". (3) ومن العيب الفطري ما لا يمكن تجنبُه، كبحة الصوت، والفهاهة، واللثغة ببعض الحروف (4)، وضيق النفس، فجدير بصاحبها أن يتجنب هذه الصناعة.
وأما العيبُ المكتسب فهو أشياء تعرض للخطباء في أول اشتغالهم بالخطابة من أفعال تصدر عن غير اختيار، فإن هم غفلوا عن مراقبة أنفسهم لإزالتها صارت لهم عوائدَ سيئة، وقد نهى الأدباء عن أمورٍ من ذلك، كالتنحنح ومسح اللحية، أي في أثناء الخطبة لا عند الشروع (5)، على أنه يُغتفر منه ما لا يكثر إذا طال الكلامُ جدًّا،
(1) المرجع السابق، ص 214.
(2)
الجاحظ: البيان والتبيين، ج 1/ 1، ص 214؛ كتاب الحيوان، ج 6، ص 178.
(3)
الجاحظ: البيان والتبيين، ج 1/ 1، ص 50.
(4)
إن اللثغ ببعض الحروف هو قلبها إلى حرف آخر، كقلب الراء غينًا والشين ثاء. ويتعذر التفادي منه إلا ما روي نادرًا عن واصل بن عطاء الغزال أنه كان يلثغ بالراء غينًا، فتجنب في كلامه كلَّ لفظ فيه راء وعوضه بمرادفه. - المصنف. انظر: الجاحظ: البيان والتبيين، ج 1/ 1، ص 18.
(5)
لأن التنحنح عند الشروع يعين على رفع الصوت، قال الحريري في المقامة الحادية والثلاثين:"تسنم إحدى الأكام، ثم تنحنح مستفتحًا للكلام". وقال في المقامة الثلاثين: "فلما جلس على زُربيته، =