الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يظهر رَوْنَقُه إلا إذا صح معناه، وجادت ألفاظُه.
التمرن على الإجادة
معالجةُ المتكلِّمِ أداءَ ما قرره وهذبه من المعاني بما يناسبها من اللفظ، وما يناسب غرضَ الكلام ومقامَه، هو غايةُ علم الإنشاء؛ لأن تلك المعالجةَ تصير دربةً وبيانا. ويحصل ذلك بمطالعة كلام البلغاء، وتتبع اختيارهم، وسَبْر أذواقهم في انتقاء الألفاظِ وابتكار المعاني، لتنطبع في الذهن صورٌ مناسبة، كما تقدم في أساليب الإنشاء. فيحصُلُ من ذلك ما لا يحصل من دراسة قواعد الفصاحة والبلاغة، وقد قالوا:"إن السمع أبو الملكات اللسانية". (1)
ولهذه المعالجة طرائق: إحداها المطالعة، ثانيتُها الحفظ، ثالثتُها حلُّ الشعر وعقدُ النثر، بمعنى تصيير الشعر نثرًا والنثرِ نظمًا، مع المحافظة على أصل المعنى، سواء كان بتغييرٍ قليلٍ في اللفظ وفي المعنى أم بدونه. ومن أحسن حل الشعر قولُ صاحب "قلائد العقيان":"فإنه لما قبحت فعلاتُه، وحنظلت نخلاتُه، لم يزل سوءُ الظن يقتاده، ويُصَدِّق تَوَهُّمَه الذي يعتَادُه"، (2) حلَّ به قول المتنبي:
= عن إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال، فعجزوا عن الكلام المرسل لبعد أمده في البلاغة وانفساح خطوته. وولعوا بهذا المسجع، يلفقون به ما نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود، ومقتضى الحال فيه، ويجبرونه بذلك القدر من التزيين بالإسجاع والألقاب البديعية، ويغفلون عما سوى ذلك. وأكثر من أخذ بهذا الفن وبالغ فيه في سائر أنحاء كلامهم كتاب المشرق وشعراؤه لهذا العهد، حتى إنهم ليخلون بالإعراب في الكلمات والتصريف، إذا دخلت لهم في تجنيس أو مطابقة، لا يجتمعان معها، فيرجحون ذلك الصنف من التجنيس. ويدعون الإعراب ويفسدون بنية الكلمة عساها تصادف التجنيس. فتأمل ذلك وانتقد بما قدمناه لك، تقف على صحة ما ذكرناه. والله الموفق للصواب، بمنه وكرمه، والله تعالى أعلم". مقدمة ابن خلدون، ص 566 - 567 (وانظر كذلك ص 583).
(1)
المصدر نفسه، ص 546.
(2)
لم أجد هذا الكلامَ في "قلائد العقيان"، لكن ذكره بعضُ علماء البلاغة والبيان ناسبين إياه إلى "بعض المغاربة"، وأنه حل به بيتَ المتنبي المذكور. انظر مثلًا: القزويني، جلال الدين محمد بن عبد الرحمن الخطيب: التلخيص في علوم البلاغة، ص 426 - 427؛ العبادي: معاهد التنصيص، ج 2، ص 188.
إِذَا سَاءَ فِعْلُ المَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ
…
وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ (1)
وقول الخوارزمي في بعض مكاتبيه: "إذا أحسَّ من لسانه بسطة، ووجد في خاطره فضلة، وأصاب من القول جريانًا، قال ما وجد بيانًا، "(2) فحل بذلك قول الشاعر:
وَقَدْ وَجَدْتَ مَجَالَ الْقَوْلِ ذَا سَعَةٍ
…
فَإِنْ وَجَدْتَ لِسَانًا قَائِلًا فَقُلِ (3)
مع تغييرٍ في اللفظ والمعنى. وأما عقدُ النثر فكثير، ومنه قولُ أبي تمام:
أَتَصْبِرُ لِلْبَلْوَى عَزَاءً وَحِسْبَةً
…
فَتُؤْجَرَ أَمْ تَسْلُو سُلُوَّ الْبَهَائِمِ (4)
عَقَدَ قولَ علي رضي الله عنه للأشعث بن قيس: "إن صَبَرْتَ صبرَ الأحرار، وإلَّا سَلَوْتَ سُلُوَّ البهائم". (5)
(1) البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج 4، ص 264. والبيت هو الثامن من قصيدة في واحد وأربعين بيتًا يمدح فيها المتنبي كافورًا الإخشيدي وقد أهدى إليه مهرًا في شهر ربيع الآخر سنة 347 هـ.
(2)
الخوارزمي، أبو بكر: رسائل أبي بكر الخوارزمي (القسطنطينية: مطبعة الجوائب، ط 1، 1297 هـ)، ص 11.
(3)
البيت هو الخامس من قصيدة للمتنبي يمدح فيها سيفَ الدولة ويعتذر إليه، وذلك في سنة 341 هـ، ومطلعُها:
أَجَابَنِي دَمْعِي وَمَا الدَّاعِي سِوَى طَلَلٍ
…
دَعَا فَلَبَّاهُ قَبْلَ الرَّكْبِ والإِبِلِ
البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج 3، ص 205.
(4)
البيت هو الحادي عشر من قصيدة يمدح فيها مالك بن طوق ويعزيه عن أخيه القاسم. ديوان أبي تمام، ص 300.
(5)
وعنه أيضًا أنه قال: "إن صبرت صبرَ الأحرار، وإما سلَوْتَ سُلُوَّ الأغمار". نهج البلاغة، ص 392؛ التوحيدي، أبو حيان علي بن محمد بن العباس: كتاب الإمتاع والمناسبة، نشرة بعناية محمد حسن محمد حسن إسماعيل وأحمد رشدي شحاته عامر (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1424/ 2003)، ص 314؛ ابن حمدون، محمد بن الحسن بن محمد بن علي: التذكرة الحمدونية، تحقيق إحسان عباس وبكر عباس (بيروت: دار صادر، ط 1، 1996)، ج 4، ص 210.
حكى القاضي الفاضل قال: "أرسلني أبي إلى يوسف بن أبي الخلال رئيس ديوان الإنشاء بمصر في الدولة الصلاحية لتعلم فن الكتابة، فرحب بي: ثم سألني: ما الذي أعددتَ من الآلات؟ فقلت القرآن وكتاب الحماسة، فقال: إن في هذا لبلاغًا. فلما ترددتُ إليه وتدَرَّبْتُ بين يديه، أمرني أن أحل شِعرَ الحماسة، فحللته من أوله إلى آخره، ثم أمرني أن أحله مرة ثانية ففعلت، فقال لي: اشتغل بمثل هذا وأنت إذًا تحسن الإنشاء". (1)
ومما يجب التنبهُ له أن المرجِعَ في كل صنفٍ إلى اختيارِ جيِّدِ إنشاء فحوله، ففي الكتابة يجبُ أن تُتبع أساليب مجيديها من كتابة ديوانية أو أدبية أو علمية أو صحافية، وفي الشعر كذلك، وفي الشروط والتوثيق كذلك، وفي الخطابة كذلك. وفي المحادثات يجب التمرُّنُ بمطالعة محادثات العرب، وقِصارِ الجُمَلِ والأجوبة البديعة؛ فإن معرفةَ المراسلة والخطابة لا تُغني عن معرفة كيفية المحادثة. ألا ترى أنه لو عمد إنسانٌ إلى أن يكتب كما يتكلَّم لجاءت كتابتُه مقطعة، وكذا لو تكلم كما يكتب لكان كمن يسرد شيئًا محفوظا.
وهكذا تجد لكل فن لهجة تشبه أن تكون لغة خاصة. فمن الغلَطِ الكبير أن يلتزم المتمرِّنُ أسلوبًا واحدًا، أو طريقةً منفردة، لا يعدو ذلك إلى غيره. وقد تنبهتَ إلى أنموذج ذلك، وفي استقرائه كثرة، وليس الرِّيُّ عند التَّشَافِّ (2). والله أعلم.
(1) ابن الأثير، ضياء الدين نصر الله بن محمد الشيباني الجزري: الوشي المرقوم في حل المنظوم، تحقيق يحيى عبد العظيم (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2004)، ص 179 - 180. وقد حكى ابن الأثير ذلك - كما ذكر - سماعًا من القاضي الفاضل نفسه بمدينة دمشق سنة 588 هـ.
(2)
الصواب: "وليس الرِّيُّ عند التَّشاف"، والتشاف هو بقية الشراب في الإناء، ويُضرب هذا القول "مثلًا للقناعة ببعض الحاجة، أي ليس قضاء الحاجة أن تُدركها إلى أقصاها، بل معظمها مقنع". العسكري: كتاب جمهرة الأمثال، ج 2، ص 158.