المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

شبيهًا بقطارٍ نُظِمَ من مُرْتَاضَ الشوارد (1)، وجاء أولَ إملاءٍ - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ٣

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌المِحْوَر الرَّابعفِي اللُّغَةِ وَالأَدَبِ

- ‌الفَرْع الأَوّلبحُوث وَتحقيقات لُغويَّة

- ‌اللفظ المشترك في اللغة العربية

- ‌الأسباب التي قضت بوقوع المشترك في اللغة:

- ‌محاولة العرب إيجاد فروق بين الألفاظ المشتركة

- ‌أثر المشترك في التخاطب:

- ‌وسائل علاج الأثر السيئ للمشترك:

- ‌كيفية استعمال المشترك:

- ‌مثال من المشترك هو أغرب تصرفاته:

- ‌المترادف في اللغة العربية

- ‌المبحث الأول: في ما هو الترادف وتحقيقه:

- ‌المبحث الثاني: هل المترادف واقع في اللغة العربية

- ‌معنى الوضع:

- ‌مذاهب العلماء في إثبات المترادف:

- ‌المبحث الثالث: أسباب وقوع الترادف في اللغة:

- ‌المبحث الرابع: فوائد المترادف في اللغة:

- ‌التحذير من الغفلة عن الفروق بين الكلمات:

- ‌عطف أحد المترادفين على الآخر:

- ‌فرق لغوي مغفول عنه: "لا ضرر ولا ضرار

- ‌لفظ "كل" حقيقة في الكثرة أيضًا مثل الشمول

- ‌قولهم: "كان مما يفعل كذا

- ‌[تقديم]

- ‌المقصد:

- ‌تذييل:

- ‌الاقتراح:

- ‌صوغُ "مفعلة" من أسماء الأعيان الثلاثية الأحرف مما وسطُه حرفُ علة

- ‌الصوت المجسَّد، تقفية وتأييد

- ‌مراجعة الأستاذ إبراهيم مصطفى:

- ‌جواب المصنف:

- ‌الفَرْعَ الثَّانِيدِراسَات فِي عُلوم البَلَاغَة

- ‌الجزالة

- ‌موجز البلاغة

- ‌[استهلال: ] هذا موجز علم البلاغة:

- ‌مقدمة

- ‌[البلاغة]

- ‌تاريخ علم البلاغة:

- ‌فن المعاني:

- ‌باب الإسناد:

- ‌1 - عوارض الإسناد وأحواله:

- ‌2 - عوارض أحوال المسند إليه:

- ‌3 - عوارض أحوال المسند

- ‌4 - عوارض أحوال متعلقات الفعل:

- ‌القصر

- ‌الإنشاء:

- ‌ الوصل والفصل

- ‌عطف الإنشاء على الخبر وعكسه:

- ‌الإيجاز والإطناب والمساواة:

- ‌فن البيان

- ‌التشبيه

- ‌الحقيقة والمجاز:

- ‌الكناية:

- ‌تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر

- ‌فن البديع

- ‌ملاحق موجز البلاغة

- ‌1 - تقريض الكتاب بقلم شيخ الإسلام الحنفي

- ‌2 - قرار النظارة العلمية

- ‌‌‌أصول الإنشاءوالخطابة

- ‌أصول الإنشاء

- ‌[استهلال]

- ‌مقدمة

- ‌كيفية الإنشاء للمعنى

- ‌مثال للتمرين:

- ‌أساليب الإنشاء:

- ‌القسم الأول: [الإنشاء] المعنوي

- ‌تعريف المعنى وتقسيمه

- ‌صفات المعنى

- ‌طرق أخذ المعنى

- ‌ترتيب المعاني وتنسيقها وتهذيبها

- ‌أخذ النتائج من المعاني

- ‌مقامات الكلام

- ‌القسم الثاني: [الإنشاء] اللفظي

- ‌أحوال الألفاظ المفردة

- ‌أحوال الألفاظ المركبة

- ‌تمرين

- ‌السجع والترسل

- ‌التمرن على الإجادة

- ‌[خاتمة]

- ‌فنُّ الخطابة

- ‌ما هي الخطابة

- ‌منافع الخطابة

- ‌أصول الخطابة

- ‌ الْخَطِيبَ

- ‌[عيوب الخطابة]

- ‌الخطبة

- ‌التدرب بالخطابة

- ‌الفَرْعُ الثَّالِثدِرَاسَات فِي الأَدَب والنَّقْد

- ‌شرح المقدمة الأدبية لشرح الإمام المرزوقي على ديوان الحماسة لأبي تمام

- ‌متن المقدمة الأدبية

- ‌شرح المقدمة الأدبية

- ‌[تقديم]

الفصل: شبيهًا بقطارٍ نُظِمَ من مُرْتَاضَ الشوارد (1)، وجاء أولَ إملاءٍ

شبيهًا بقطارٍ نُظِمَ من مُرْتَاضَ الشوارد (1)، وجاء أولَ إملاءٍ فيما علمتُ ظهر به فنُّ الإنشاءُ مهذَّبًا ممتازًا عما سواه. ومَنْ خَبَرَ ما سلفَ من كتبه علمَ قيمةَ ما صنعنا، وكيف تتبعنا مواقعَ القطر فانتجعنا.

وكان العزمُ معقودًا على أن نعودَ إلى تلك الأمالي فنهذِّب ديباجَها (2)، ونعالج مزاجَها، فحالت دون ذلك شواغل، وصرفت الذهنَ خصومٌ ونوازل (3)، إلى أن اشتدت حاجةُ الراغبين في تعلم الإنشاء إلى كتاب يبين طرائقَه، ويدنِي لجانيه حدائقَه. فرأيتُ من اختلاف طرق المزاولين وتعطشهم لكتاب مذكِّر أو معين ما حدانِي إلى أن نفضتُ عنها عُثَّ (4) الهِجران، وأمطتُ عنها عناكبَ النسيان. ورجائي من أهل الأدب ورواته وأطباء اللسان وأساته، أن يتلقوها تلقِّي الجيش للربيئة (5)، ويضموا إليها ما توضحه شمس أفهامهم المضيئة.

‌مقدمة

الغرضُ من تدريس الإنشاء هو إبلاغُ المتعلِّم إلى الإفصاح عن مُراده كتابةً أو قولًا من أقرب طريق، وسلوك سبل الإفهام بأحسن ما يستطاع من التعبير. ومن الواضح أن ذلك لا يحصل بقواعد مطردة، بل الأصلُ فيه هو الممارسةُ ومزاولةُ مآثر

(1) القطار: من قطر الإبل يقطرها قطرًا وقطَرها، أي صفها وشد بعضها خلف بعض على نسق واحد. مرتاض الشوارد: الإبل النوافر التي جرى ترويضها. استعار المصنف هنا صورة الإبل الشوارد التي حصل ترويضُها فصارت تسير صفًّا واحدًا لمسائل فنِّ الإنشاء التي كانت مشتتةً ومتناثرة بين عدة علوم، فجمعها في صعيد واحد، وألف بينها، فصارت نسقًا بَيِّنَ الأصول، متواشج الفروع، متكامل العناصر.

(2)

الديباج: ضربٌ من الثياب، مشتق من الدَّبْج وهو النقش والتزيين، فارسي معرَّب. وديباج الوجه وديباجته: حسنُ بشرته. ولعل مراد المصنف هنا ترتيبها وتهذيبها.

(3)

يشير المصنف إلى ما كان يتقلده من وظيفة القضاء والحكم في نوازل الناس وما يحصل بينهم من خصومات ومنازعات.

(4)

العُث والعُثَث: جمع مفرده عُثة، وهي السُّوسة أو الأرَضة التي تأكل الصوف والثوب.

(5)

الربيئة: الطليعة والمقدمة. وربيئة الجيش: طليعته.

ص: 1260

نوابغ الكتاب في ألفاظهم ومعانيهم، لتحصلَ منها في ذهن المطالع قوالبُ غيرُ جزئية تُفرغ فيها أمثالُها (1). وإنما القواعدُ التي تُدرَس في هذا الفن ليست غيرَ أنموذج من طرق التعبير، أو كلياتٍ في حسن التنسيق، واختلاف أغراض الكلام، ونحو ذلك مما يجعل بصيرةَ المتعلِّم قادرةً على الحكم والتمييز بين ما يجب أن يأخذَه وما يجب أن يتركه.

إذن فالإنشاء علمٌ تُعرف به كيفيةُ أداء المعاني التي تخطرُ بالذهن أو تُلقى إليه على وجهٍ تتمكن به من نفوسِ المخاطَبين من حيثُ حسنُ ربطِ أجزاء الكلام، واشتمالُه على ما يستجاد من الألفاظ ويحسن من الأساليب مع بلاغته.

فقولنا: "تُعرف به كيفيةُ أداء المعاني"، يدخل فيه علومُ اللغة كلُّها، وقولنا:"التي تخطر بالذهن أو تُلقى إليه"، لقصد التعميم؛ لأن من الناس مَنْ لا يُحسن التعبيرَ عن غير المعاني التي تخطر بذهنه، فإذا كُلِّف إنشاءَ شيء يُقترح عليه لَم يستطع، حتى قيل إن الأفضلَ للكاتب أن يكتب كما يُريد ويُراد منه (2). وقيل إن الحريري

(1) أردت بقولي "قوالب غير جزئية"، أن النتائج التي يزاولها المتعلمون هي أمورٌ خاصة جزئية، وليس المراد حفظها فقط، كما يتوهم كثيرٌ ممن يروم تعلمَ الإنشاء. حتى إذا دعا أحدَهم داع إلى تحرير شيء، لم يجد من نفسه قدرةً على غير السرقة والأخذ مما حفظه، سواء ناسب المقامَ أم لم يناسب، فيجيء إنشاؤه مسلوبَ الروح مغسولا. بل المراد من المتعلم أن يعلم تلك الأمثلة الجزئية لتحصل منها صورٌ في ذهنه من كيفية التعبير واختلاف الأساليب، وذلك هو المعبَّر عنه بالذوق المعرَّف عندهم بأنه قوةٌ إدراكية لها اختصاصٌ بإدراك لطائف الكلام ووجوه محاسنه الخفية. - المصنف. انظر في بيان معنى الذوق من حيث هو ملكةٌ وكيفيةِ حصوله وعلاقته بالطبع: الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد: كتاب دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر (القاهرة: مطبعة المدني/ جدة: دار المدني، ط 3، 1413/ 1992)، ص 649 - 557؛ ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد: مقدمة ابن خلدون، نشرة بعناية درويش الجويدي (صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، ط 2، 1416/ 1996)، ص 561 - 563.

(2)

وقد قالوا ذلك في المفاضلة بين أبي إسحاق الصابي والصاحب بن عباد؛ فإن الصاحب يكتب كما يريد، والصابي يكتب كما يراد منه، وبين الحالين بونٌ بعيد. انظر "معاهد التنصيص" في ترجمة الصابي. - المصنف. والعباسي - صاحب الكتاب المذكور - إنما هو في الحقيقة ناقلٌ عمن سبق، =

ص: 1261

صاحب المقامات لمَّا أُحضر من العراق لديوان الإنشاء ببغداد، وكُلِّف كتابةَ كتاب أُفحم، حتى قيل فيه:

شَيْخٌ لَنَا مِنْ رَبِيعَةِ الْفَرَسِ

يَنْتفُ عُثْنُونَهُ مِنَ الْهَوَسِ

أَنْطَقَهُ اللهُ بِالْعِرَاقِ كَمَا

أَلْجَمَهُ فِي بَغْدَاد بِالْخَرَسِ (1)

= قال الثعالبي: "وأخبرني ثقاتٌ منهم أبو القاسم علي بن محمد الكرخي، وكان شديدَ الاختصاص بالصاحب، أنه (أي الصاحب بن عباد) كان كثيرًا ما يقول: كُتَّابُ الدنيا وبلغاءُ العصر أربعة: الأستاذ ابن العميد، وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبو إسحاق الصابي، ولو شئتُ لذكرتُ الرابع - يعني نفسه". ثم قال الثعالبي: "أما الترجيح بين هذين الصادين - أعني الصاحب والصابي - في الكتابة، فقد خاض فيه الخائضون، وأخَبَّ المُخِبُّون، ومِنْ أشفى ما سمعتُهُ في ذلك أن الصاحب كان يكتب كما يريد، والصابي يكتب كما يؤمر، وبين الحالين بونٌ بعيد. وكيفما جرى الأمر، فهما هما، ولقد وقف فلكُ البلاغة بعدهما". الثعالبي: يتيمة الدهر، ج 2، ص 292؛ العباسي: معاهد التنصيص، ج 1، ص 155 - 156. ومع ذلك فإن الصاحبَ بن عباد حينما أراد المجانسة بين "قُمْ" (وهو فعل أمر) و"قُم" (الذي هو اسم مدينة) في قوله:"أيها القاضي بقُم قد عزلناك فقُمْ"، لم يواته معنى مطابق لمقتضى الحال بحيث يكون اللفظُ بليغًا مبينًا لعلة العزل، فجاء إنشاءُ العزل بدون سببٍ يستند إليه. وإنما جرَّ الصاحبَ إلى ذلك تطلُّبُ السجع، ولم يكن له من غرض في المعنى الذي أُدِّيَ في الكلام. فكان القاضي يقول إذا سئل عن سبب عزله:"أنا معزول السّجع من غير جرم ولا سبب". الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان (بيروت: دار صادر، 1397/ 1977)، ج 4، ص 398.

(1)

قال ابن خلكان: "ورأيتُ في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد وادعاها، فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد، وقالوا: إنها ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ووقعت أوراقه إليه فادعاها. فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشئ، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة ومكث زمانًا كثيرًا فلم يفتح الله سبحانه عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر المقدم ذكره. فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير، أنشد ابن أفلح، وقيل إن هذين البيتين لأبي محمد بن أحمد المعروف بابن جكينا الحريمي البغدادي، الشاعر المشهور"، ثم ذكر البيتين اللذين أوردهما المصنف، وفيهما "بالمشان" بدل "العراق"، و"رماه" بدل "ألجمه"، و"الديوان" بدل "بغداد". وفيات الأعيان، ج 4، ص 65. وانظر رواية للقصة مختلفة الحيثيات في البغدادي: خزانة الأدب، ج 6، ص 464.

ص: 1262

وقولُنا: "على وجه تتمكن به من نفوس المخاطبين بها"، خرج به علمُ اللغة والنحو والصرف؛ إذ لا يُشترط فيها ذلك. وقولنا:"من حيث حسن ربط أجزاء الكلام" إلخ، لإخراج علم البلاغة؛ لأنه لا تُشترط فيه تلك الحيثية. وبذلك فارق هذا الفنُّ بقيةَ فنون الأدب اللساني.

وقولنا: "ما يُستجاد من الألفاظ ويحسن من الأساليب"، إشارةٌ إلى أن من أخصِّ وظائف المنشِئين التدربَ على اختيار أخفِّ الألفاظ استعمالًا و [أحسنِها](1) رونقًا، وتحسينِ أسلوب الخطاب، واختيار ما يُناسِبُ المقامَ منها. وسيأتي الكلامُ على اختيار الألفاظ في القسم اللفظي، والكلامُ على الأساليب بعد هذا.

وقولنا: "مع بلاغته"، لإخراج ما ليس ببليغ، فليس من الإنشاء المبحوث عنه عرفًا، وإنما هو التعبيرُ عن المعاني كيفما اتفق. وذلك لا يتوقَّفُ إلا على معرفة المفردات، وكيفية ربط الكلم بعضها ببعض، والبحثُ عنه في أوليات علمي النحو والصرف.

وموضوعُه (2) الكلامُ العربي من حيث ربطُ جملِه، ومحاسن كلمه. وبذلك فارق موضوعَ البلاغة؛ إذِ الإنشاء لا يتعلق إلا بالكلام المشتمل على جُمَلٍ كثيرة، ولا يدخل الجملةَ الواحدة المفيدة. إلا أن بعضَ أبوابٍ من البلاغة لا تخلو من شديد انتسابٍ بمسائل (3) الإنشاء، كالفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، وبعض المحسنات البديعية.

واستمدادُه من كلام البلغاء وخطبهم، ورسائلهم، وأشعارهم، وآداب العرب وعوائدهم، ومشهورِ أحوال الأمم المعروفة وأمثالها. قال ابن الأثير في المثل

(1) اللفظة التي بين حاصرتين ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.

(2)

أي الإنشاء.

(3)

الأولى أن يقال "انتساب إلى"، إلا أن يكون قصد بلفظ "انتساب" معنى الاتصال لا النسبة.

ص: 1263

السائر: "وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم"(1)، وأهم ما يفتقر إليه أنواع ثمانية: علم العربية، وأمثال العرب العاربة ومن بعدهم، وأيا مهم ووقائعهم، والاطلاع على كلام المتقدمين من الكتاب في النظم والنثر وحفظ كثير منها، ومعرفة الأحكام السلطانية، وحفظ القرآن والتدرب به، و [حفظ] مشهور الأخبار النبوية (2).

ولم يكن فنُّ الإنشاء مخصوصًا بالتأليف، ولكنه كان من جملة فنون آداب اللغة العربية، فيوجد بعضُ مسائله متناثرًا في كتب البلاغة ومختارات خطب العرب وملحهم وبدائه أجوبتهم وأمثالهم، فتكون مسائلُه مشمولةً بالرواية من أواخر عصر الدولة الأموية؛ إذ كان ابنُ القرية (3) قد عُني بنوادر العرب ومُلَحهم. ثم

(1) ابن الأثير: المثل السائر، ج 1، ص 27. وقال أيضًا (ص 48):"وبالجملة فإن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون، حتى إنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء والماشطة عند جلوة العروس، وإلى ما يقوله المنادي في السوق على السلعة، فما ظنك بما فوق هذا؟ والسبب في ذلك أنه مؤهل لأن يهيم في كل واد، فيحتاج أن يتعلق بكل فن".

(2)

لخص المصنفُ هنا كلامَ ابن الأثير في أنواع العلوم التي يُحتاج إليها في صناعة تأليف الكلام: المثل السائر، ج 1، ص 28 - 48؛ الجامع الكبير، ص 128 - 140. هذا وقد صنف ابن أبي الحديد كتابًا نقض فيه كتاب "المثل السائر" لابن الأثير، وقال بشأن اشتراط العلوم المذكورة: "أقول: هذا الكلام من أُبَّهَاتِ الكتاب وتزويقاتهم، ولا يُعَوِّلُ عليه مُحصِّل. وهذه الفنون التي يذكرها الكتابُ، ويزعُمون أن الكتابةَ مفتقرَة إليها، إن أردوا بها ضرورتها لها فهذا باطل؛ لأن سَحبان وقُسًّا وغيرهما من خطباء العرب ما كانت تعرفها، وكذلك مَن كان في أول الإسلام من الخطباء كمعاوية وزياد وغيرهما. وإن أرادوا أنها متممة ومكملة فهذا حق، ولكن عدَمها لا يقتضي سلبَ اسم الكتابة، مع أن كل ما يحتاجُ إليه الكاتب يحتاج إليه الشاعرُ وزيادة". ابن أبي الحديد: الفلك الدائر على المثل السائر، ملحق بكتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة (القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر، بدون تاريخ)، ج 4، ص 40 - 41.

(3)

اسمه أيوب. والقِرِّية - بكسر القاف وكسر الراء مشددة وتشديد التحتية - هي أم جد جد أبيه، قتله الحجاج سنة 84. - المصنف. وقد نقلنا هذه الحاشية من كتاب المصنف "أليس الصبح بقريب" (تحقيق محمد الطاهر الميساوي [حلب/ الخرطوم: دار الملتقى وهيئة الأعمال الفكرية، ط 1، 1431/ 2010]، ص 65، الحاشية رقم 3). وابن القرية هو أبو سليمان أيوب بن زيد بن قيس الهلالي النمري، كان أعرابيًّا فصيحًا، واعظًا بليغًا، قتله الحجاج لخروجه مع عبد الرحمن بن الأشعث في معركة دير الجماجم. ذكر الطبري في أخبار السنة الرابعة والثمانين أن ابن القرية =

ص: 1264

شُمِلت بالتدوين في أوائل الدولة العباسية ضمن كتب أدب العرب، مثل كتب أبي عبيدة وأضرابه. ثم كان بعدُ مُدرَجًا في كتب بلاغة العربية، إلى أن شب شبابُ ديوان الإنشاء في الدولة العباسية وما تفرع عنها، فأصبح بلغاءُ الكتاب يميزون مسائلَ هذا الفن بالتدوين، وذلك من منتصف القرن الثالث، فمنهم مَنْ جمع ما صدر عنه من بديع المراسلات أو الخطب أو المقامات، ومنهم مَنْ جمع أفضلَ ما يُؤثر عن العرب ومَنْ يليهم من غرر الخطب وبدائع الجمل، كما صنع الجاحظ في بيانه (توفِّيَ سنة 255 هـ)، ومنهم مَنْ جمع أمثال العرب وموجز أقوالهم، كما فعل أبو منصور الثعالبي في جل كتبه (توفِّيَ سنة 430 هـ).

ثم جاء الذين حاموا حول ضبطِ الأصول وتدوين القواعد، فمزجوا الفنَّ بمسائل علوم البلاغة والمحسنات، وأكثروا فيما عدا ذلك من الوصاية بتتبع منشآت البلغاء من الكتاب، وأتوا بجملة منها، ووازنوا بينها، لتحصل للمتعلم ملكةٌ يقتدر بها على تمييز الحسن من غيره، والنسج على منوال ما يراه حسنا. وفي هذه الطريقة ظهرت أفضلُ كتب الفن وأقربُها إلى الطريقة التعليمية، كما فعل ابنُ الأثير، وسبقه لذلك أبو هلال العسكري في "كتاب الصناعتين"(توفِّيَ سنة 395 هـ). وعلى وقع خطاهم اقتفى السالكون المطولون كتبَهم والمقصرون.

= التحق بعد هزيمة ابن الأشعث بحوشب بن يزيد عامل الحجاج على الكوفة فاستحضره الحجاج، فكان مما قال له ابن القرية:"أقلني عثرتي واسقني ريقي؛ فإنه ليس جواد إلا له كبوة، ولا شجاع إلا له هبوة، ولا صارم إلا له نبوة، فقال الحجاج: كلا والله لأرينك جهنم. قال: فأرحني فإني أجد حرها"، فأمر به الحجاج فضربت عنقه، فلما رآه قتيلًا قال:"لو كنا تركنا ابن القرية حتى نسمع من كلامه! " الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج 6، ص 385 - 386. وانظر ابن الأثير الجزري، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ، تصحيح محمد يوسف الدقاق (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1407/ 1987)، ج 4، ص 224.

ص: 1265

وملكةُ الإنشاء تُكتَسبُ من جهة المعنى ومن جهة ما يعبر عن المعنى، وهو اللفظ والكتابة (1). فالأولُ ينحصر في معرفة إيجاد المعنى في الفكر، وترتيبه، والاستنتاج منه. والثاني يبحث عن حال اللفظ، ومناسبته للمعنى مفردًا أو مركبًا، وذلك أصولُ أساليب الكتابة.

هذا وللإنشاء فضيلةٌ واضحة؛ فإنه لم يخل عصرٌ من رجال تمكَّنوا من سَوْقِ غيرهم بعِصِيَّ آرائهم، ففي الحديث:"إن من البيان لسحرا". (2) وقد اختار الله تعالى المعجزةَ لأصحاب اللسان العربي بلاغةَ القرآن. وقديمًا ما عالج ديموستين (3) - الخطيبُ اليوناني - من العناء ليتدرَّب على الخطابة التي تمكَّن بها بعدُ من قهر فيليبوس ملك مقدونيا ووالد الإسكندر. وسمع أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه زياد بن أبي سفيان - وكان يومئذ لا يُدعى لأبيه - يخطب في زمن عمر رضي الله عنه فقال: "لو كان هذا الفتى قرشيًّا لساق العربَ بعصاه". (4) ولولا مكانةُ عبد الله ابن المقفع الشهير في الكتابة لمَا سلم عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس أخو السفاح من غدر

(1) اعلم أن مقامَ الكتابة في فنِّ الإنشاء غيرُ مقام القول، فقد يحسن في الكتابة ما لا يحسن في الخطابة، أو في المحادثة والعكس. فلا يصح أن يكتب المرء كما يقول، ولا العكس. - المصنف.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

ديموستين Demosthenes زعيم يوناني ولد في أثينا عام 384 قبل الميلاد، كان خطيبًا مصقعًا، ورجلَ دولة مشهور. درس وحفظ خطبَ السابقين عليه من أكابر خطباء اليونان، وكان لخطبه أثرٌ بالغ في تحريك الثورة في مدينة أثينا ضد ملك مقدونيا الإسكندر الأكبر. وقد استغل ديموستين مهارته الخطابية في المرافعة عن موكليه أمام المحاكم، وفي كشف أوضاع الظلم والفساد التي كانت سائدة في أثينا. توفي سنة 322 قبل الميلاد.

(4)

الصحيح أن قائلَ هذا الكلام هو عمرو بن العاص لا علي بن أبي طالب. ابن العربي: العواصم من القواصم، ص 342 (وفيه أن أبا سفيان قال معقبًا على كلام ابن العاص:"أما والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه".)؛ الوطواط، أبو إسحاق جمال الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى الكتبي: غُرر الخصائص الواضحة وعُرر النقائص الفاضحة، نشرة بعناية إبراهيم شمس الدين (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1429/ 2008)، ص 95.

ص: 1266