الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(مَسْأَلَةٌ) :
الْفِعْلُ (الْمَقْدُورُ) لِلْمُكَلَّفِ (الَّذِي لَا يَتِمُّ) أَيْ لَا يُوجَدُ (الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ) بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ
ــ
[حاشية العطار]
صلى الله عليه وسلم اعْمَلُوا عَمَلًا فِي وَقْتِ كَذَا وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا إلَى حِينِ كَذَا، إلَّا أَنَّ هَذَا الزَّمَانَ الْمَحْدُودَ هُوَ الَّذِي أُمِرْنَا فِيهِ بِالْعَمَلِ الْمَذْكُورِ فَنَقُولُ حِينَئِذٍ لِلْمُخَالِفِ: إنَّ مَعْنَى خُرُوجِ الْوَقْتِ انْقِضَاءُ زَمَنِ الْعَمَلِ فَإِذَا ذَهَبَ زَمَانُ الْعَمَلِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْعَمَلِ إذْ لَا يُسْتَشْكَلُ فِي الْعُقُولِ كَوْنُ شَيْءٍ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى زَمَانًا لَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ زَمَنًا غَيْرَهُ.
فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: كُلُّ وَقْتٍ فَهُوَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ وَقْتٌ فَقَدْ أَبْطَلَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِّهِمَا الْوَقْتَ وَتَعَدَّى حُدُودَهُمَا فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَدَاءِ عَمَلٍ مَا فِي وَقْتٍ مَا فَعَمِلَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّمَا عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، وَمَنْ أَمَرَهُ بِعَمَلِهِ فَقَدْ شَرَعَ شَرِيعَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ تَعَالَى بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهَا إذْ قَدْ نَهَى عَنْ تَعَدِّي حُدُودِهِ.
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالْأَزْمَانِ وَبَيْنَ تَعَلُّقِهِ بِالْأَعْيَانِ أَوْ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان، فَإِنْ قَالُوا فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ صَلَاةٍ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَتَعَمَّدَ تَرْكَ صَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ سَفَرٍ وَمَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا قُلْنَا لَهُمْ: نَأْمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ عز وجل إذْ يَقُولُ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] وَبِمَا يَقُولُ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ صلى الله عليه وسلم إذْ يَقُولُ مَنْ فَرَّطَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ جُبِرَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَطَوُّعِهِ.
وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ فَنَأْمُرُهُ بِالتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْإِكْثَارِ مِنْ التَّطَوُّعِ لِيَثْقُلَ مِيزَانُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَسُدَّ مَا ثَلَمَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ نَأْمُرَهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً يَنْوِي بِهَا ظُهْرًا لَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ عز وجل بِهِ أَوْ عَصْرًا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ أَوْ نَأْمُرُهُ بِصِيَامِ يَوْمٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ فَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ سَأَلُونَا بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي نَاسِي الصَّلَاةِ وَالنَّائِمِ عَنْهَا وَالْمُفْطِرِ بِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ أَدَّى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ كَمَا أَمَرَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَهُ وَلَا نَدْرِي أَقُبِلَ مِنْهُ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ فِي وَقْتِهِ وَلَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى عَامِدِ الْإِفْطَارِ لَقُلْنَا بِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إنَّمَا رَوَاهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الضَّعْفِ اهـ.
وَفِي الْمَنْخُولِ لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ نَحْوُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا يَتَلَقَّى مِنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عِنْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَاللَّفْظُ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا صَلَاةً فِي وَقْتٍ، وَقَدْ فَاتَ فَلَا تَدَارُكَ لَهُ، فَإِنْشَاؤُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ صَلَاةً أُخْرَى كَإِنْشَاءِ الْعِبَادَةِ فِي مَكَان آخَرَ إذَا تَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا بِالْمَكَانِ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِهَا فِيهِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ فِي الشَّرِيعَةِ أَوْ بِقِيَاسٍ مُقْتَضِبٍ مِنْ أَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَالُوا: يَجِبُ الْقَضَاءُ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِالْأَدَاءِ اهـ.
[مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الَّذِي لَا يُوجَدُ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ]
(قَوْلُهُ: الْفِعْلِ الْمَقْدُورِ) أَيْ الْمُكْتَسِبِ كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ مَثَلًا أَوْ الْإِحْرَاقِ لِمُمَاسَّةِ النَّارِ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُوجَدُ) أَيْ لَا تُوجَدُ صُورَتُهُ فِي الْخَارِجِ، وَأَشَارَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يُتِمُّ أَيْ يُكْمِلُ.
(قَوْلُهُ: الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ) أَيْ الْمُطْلَقُ وُجُوبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَقْدُورِ، وَإِنْ تَقَيَّدَ بِغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] الْآيَةَ، فَإِنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ مُقَيَّدٌ بِالدُّلُوكِ لَا بِالْوُضُوءِ وَالتَّوَجُّهِ لِلْقِبْلَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَحْصِيلِ النِّصَابِ وَاجِبٌ مُقَيَّدٌ فَلَا يَجِبُ وَإِلَى نَفْسِهِ وَأَفْرَادِهِ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ قَالَ السَّيِّدُ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ هُوَ مَا لَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى مُقَدِّمَةِ وُجُودِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ قَيْدَا الْحَيْثِيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مُطْلَقًا بِالْقِيَاسِ إلَى مُقَدِّمَةٍ وَمُقَيَّدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أُخْرَى، فَإِنَّ الصَّلَاةَ بَلْ التَّكَالِيفُ بِأَسْرِهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فَهِيَ بِالْقِيَاسِ إلَيْهَا مُقَيَّدَةٌ.
وَأَمَّا بِالْقِيَاسِ إلَى الطَّهَارَةِ فَوَاجِبَةٌ مُطْلَقًا وَبِالْجُمْلَةِ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ أَمْرَانِ إضَافِيَّانِ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْحَيْثِيَّةِ فِي حُدُودِ الْأَشْيَاءِ الْإِضَافِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِهِ) أَيْ لَا يُوجَدُ مَعَ عَدَمِهِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ وُجُودُهُ عَلَى غَيْرِهِ أَيْضًا فَالْقَصْرُ فِي قَوْلِهِ إلَّا بِهِ إضَافِيٌّ أَيْ بِالْإِضَافَةِ إلَى عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَا مُطْلَقًا اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَاجِبٌ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ) تَحْرِيرٌ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هَلْ يَكُونُ أَمْرًا بِشَرْطِهِ
سَبَبًا كَانَ أَوْ شَرْطًا (وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَجَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية العطار]
وَإِيجَابًا لَهُ أَوْ وُجُوبُهُ مُتَلَقًّى مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَإِلَّا فَوُجُوبُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لِلْوَاجِبِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِشَرْطِيَّتِهِ سِوَى حُكْمِ الشَّارِعِ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ الْعَقْلِيَّ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَازِمٌ عَقْلًا فَقَوْلُهُ: وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَاجِبٌ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ وَإِلَّا فَالشَّرْطُ وَاجِبٌ إجْمَاعًا، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ وَجَبَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُتَلَقًّى مِنْ نَفْسِ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْأَصْلِ فَتَكُونُ دَلَالَتُهَا عَلَيْهِ تَضْمِينُهُ أَوْ مِنْ دَلَالَةِ الصِّيغَةِ فَالْتِزَامِيَّةٌ ذَهَبَ إلَى هَذَا، وَنَصَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَإِلَى الْأَوَّلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ كَمَا سَيَعْلَمُ مَنْ نَقَلَ عِبَارَتَهُ فِيمَا بَعْدُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ وُجُوبَهُ مُتَلَقًّى مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ هُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمُتَابِعُوهُ حَيْثُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: إنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْأَسْبَابَ وَاجِبَةٌ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ وَسَيَأْتِي التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ إلَخْ) فِيهِ طَيُّ مُلَازَمَةٍ أَوْلَى وَطَيُّ بَيَانِ الْمُلَازَمَتَيْنِ وَبُطْلَانُ اللَّازِمِ لِظُهُورِهَا وَتَمَامُ الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَجِبْ لَجَازَ تَرْكُهُ وَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ لَجَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ غَيْرَ وَاجِبٍ مَلْزُومٍ لِجَوَازِ تَرْكِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمُتَوَقِّفِ لَا يُمْكِنُ بِدُونِهِ، وَأَمَّا بُطْلَانُ اللَّازِمِ فَلِأَنَّ جَوَازَ تَرْكِ الْوَاجِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَقَدْ فَرَضَ وَاجِبًا اهـ. كَمَالٌ.
وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ عَلَى الدَّلِيلِ مَا مُحَصِّلُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي وَقَعَ مُقَدَّمًا إنْ كَانَ هُوَ الْمُقَيَّدُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ فَالتَّالِي غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِدَلِيلٍ
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْوَاجِبِ سَاكِتٌ عَنْهُ (وَثَالِثُهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ يَجِبُ (إنْ كَانَ سَبَبًا كَالنَّارِ لِلْإِحْرَاقِ) أَيْ كَإِمْسَاسِ النَّارِ لِمَحَلٍّ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِإِحْرَاقِهِ عَادَةً بِخِلَافِ الشَّرْطِ كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَجِبُ بِوُجُوبِ مَشْرُوطِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّبَبَ لِاسْتِنَادِ الْمُسَبَّبِ إلَيْهِ أَشَدُّ ارْتِبَاطًا بِهِ مِنْ الشَّرْطِ بِالْمَشْرُوطِ.
(وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) يَجِبُ (إنْ كَانَا شَرْطًا شَرْعِيًّا) كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ (لَا عَقْلِيًّا) كَتَرْكِ ضِدِّ الْوَاجِبِ
ــ
[حاشية العطار]
آخَرَ غَيْرَ دَلِيلِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْجَوَازُ الْمُسْتَلْزِمُ لِجَوَازِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُطْلَقُ أَيْ الْوُجُوبُ بِوَجْهٍ مَا فَاللَّازِمُ حِينَئِذٍ مِنْ الدَّلِيلِ وُجُوبُ الْفِعْلِ الْمَقْدُورِ بِوَجْهٍ مَا وَهُوَ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْوُجُوبُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ، وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ سم أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَارَ الشِّقَّ الْأَوَّلَ وَبِوَجْهِ لُزُومِ التَّالِي بِأَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُ تَرْكِ الْوَاجِبِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْإِيجَابِ فَلَا يَكُونُ هَذَا الْإِيجَابُ إيجَابًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ إيجَابِ الشَّيْءِ لَيْسَ إيجَابًا لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ عَدَمُ كَوْنِ ذَلِكَ الْإِيجَابِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إيجَابًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ لَا يَتِمُّ بِدُونِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إيجَابُهُ إيجَابًا لَهُ لَمْ يَثْبُتْ إيجَابُهُ.
وَأَمَّا إيجَابُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَلَا يُقَيَّدُ فِي كَوْنِ هَذَا الْإِيجَابِ الْمُسْتَقِلِّ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إيجَابًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ. اهـ.
وَقَوْلُ بَعْضِ الْحَوَاشِي: إنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْوَاجِبِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ شَرْطِهِ مَنْظُورٌ فِيهِ بِأَنَّ الْكَلَامَ كَمَا عَلِمْت فِي وُجُوبِهِ مِنْ الْأَمْرِ الْمَخْصُوصِ لَا فِي وُجُوبِهِ مُطْلَقًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ: لَا يَجِبُ) أَيْ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِدَلِيلٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَبَبًا كَانَ أَوْ شَرْطًا قَالَ النَّاصِرُ: هَذَا الْقَوْلُ، وَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِح يَنْفِيهِ صَرِيحُ كَلَامِ التَّفْتَازَانِيِّ قَالَ لَا خِلَافَ فِي إيجَابِ السَّبَبِ كَالْأَمْرِ بِالْقَتْلِ أَمْرٌ بِضَرْبِ السَّيْفِ مَثَلًا وَالْأَمْرُ بِالْإِشْبَاعِ أَمْرٌ بِالْإِطْعَامِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِهِ اهـ.
وَأَجَابَ سم بَعْدَ تَشْنِيعِهِ عَلَى شَيْخِهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمَا بِمَا حَصَّلَهُ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ قَالَ مَسْأَلَةُ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ إذَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ غَيْرُ لَازِمٍ عَقْلًا كَتَرْكِ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا عَادَةَ كَجُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ وَحَاصِلُهُ مَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ شَرْطًا مِنْ مُمْكِنَاتِ الْمُكَلَّفِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَقِيلَ وَالسَّبَبُ فَقَدْ صَرَّحَ فِي السَّبَبِ وَرَجَّحَ عَدَمَ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ وَالسَّبَبُ وَالشَّارِحُ نَفْسُهُ صَرَّحَ بِهِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ الْآتِي فَلَا يَجِبْ أَيْ السَّبَبُ إلَخْ. اهـ.
وَأَقُولُ: هَذَا لَا يَدْفَعُ كَلَامَ التَّفْتَازَانِيِّ، فَإِنَّ مُرَادَهُ الْخِلَافُ الْقَوِيُّ، وَلَمَّا كَانَ الْخِلَافُ فِي السَّبَبِ وَاهِيًا نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْوَاجِبِ سَاكِتٌ عَنْهُ) ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَعُونَةٍ أُخْرَى.
(قَوْلُهُ: وَثَالِثُهَا إلَخْ) يَعْلَمُ كَوْنَ هَذَا ثَالِثًا مِنْ قَوْلِهِ وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ مُقَابِلَ الْأَكْثَرِ وَهُمْ الْأَقَلُّ يَقُولُونَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَهَذَانِ قَوْلَانِ ثَالِثُهُمَا مَا ذَكَرَهُ وَتَحْتَهُ قَوْلَانِ قَوْلُ الْإِمَامِ وَقَوْلُ غَيْرِهِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: يَجِبُ أَخْذُهُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاجِبٌ.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَإِمْسَاسٍ) قَدَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَيْسَ ذَاتَ النَّارِ وَإِنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ التَّكْلِيفُ (قَوْلُهُ: كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ) أَيْ فِيمَا إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: بِوُجُوبِ مَشْرُوطِهِ) أَيْ وَإِنَّمَا وُجُوبُهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: أَشَدُّ ارْتِبَاطًا) ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْمُسَبِّبِ وَلَا كَذَلِكَ الشَّرْطُ مَعَ الْمَشْرُوطِ، فَصَارَ بِذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الصِّيغَةِ فِي الْمُسَبِّبِ كَأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهَا فِي السَّبَبِ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي الْبُرْهَانِ هَكَذَا مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ اقْتِضَاءَ مَا يُفْتَقَرُ الْمَأْمُورُ بِهِ إلَيْهِ فِي وُقُوعِهِ فَإِذَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ افْتِقَارُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَى الطَّهَارَةِ فَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ يَتَضَمَّنُ أَمْرًا بِالطَّهَارَةِ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِطِ وَظُهُورِ ذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ تَكَلُّفِ دَلِيلٍ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْمُخَاطَبِ إيقَاعٌ وَالْإِمْكَانُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي قَاعِدَةِ التَّكْلِيفِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيقَاعِ الْمَشْرُوطِ دُونَ الشَّرْطِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَى سُكَّانِ الْبَوَادِي أَنْ يَسْعَوْا فِي ابْتِنَاءِ مَدِينَةٍ لِيُقِيمُوا الْجُمُعَةَ فِيهَا قُلْنَا هَذَا الْآنَ مِنْ فَنِّ الْخَرْقِ، فَإِنَّ الْمُتَبَدِّينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِالْجُمُعَةِ وَلَوْ أُمِرُوا بِهَا مَعَ كَوْنِ الْجُمُعَةِ مَشْرُوطَةً بِالْبُنْيَانِ لَوَجَبَ أَنْ يَسْعَوْا فِي تَحْصِيلِهِ.
(قَوْلُهُ: كَتَرْكِ ضِدِّ الْوَاجِبِ) ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ عَقْلِيٌّ لِذَلِكَ الْوَاجِبِ وَذَلِكَ كَتَرْكِ الْعُقُودِ فِي الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ ضِدٌّ لِلْقِيَامِ لَهَا لِلْقَادِرِ
(أَوْ عَادِيًّا) كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِغَسْلِ الْوَجْهِ فَلَا يَجِبُ بِوُجُوبِ مَشْرُوطِهِ إذْ لَا وُجُودَ لِمَشْرُوطِهِ عَقْلًا أَوْ عَادَةً بِدُونِهِ فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّارِعُ بِالطَّلَبِ بِخِلَافِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّهُ لَوْلَا اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ لَوُجِدَ مَشْرُوطُهُ بِدُونِهِ وَسَكَتَ الْإِمَامُ عَنْ السَّبَبِ، وَهُوَ لِاسْتِنَادِ الْمُسَبَّبِ إلَيْهِ فِي الْوُجُودِ كَاَلَّذِي نَفَاهُ فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّارِعُ بِالطَّلَبِ فَلَا يَجِبُ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ مُخْتَارًا لِقَوْلِ الْإِمَامِ
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ) ، فَإِنَّ الْغَسْلَ إلَى حَدِّ الْوَجْهِ بِأَوَّلِ شَعْرَةٍ مِنْ الرَّأْسِ مُتَعَذِّرٌ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ بِوُجُوبِ إلَخْ) أَيْ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِوَجْهٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّرْعُ بِالطَّلَبِ) يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ أَصْلًا مَعَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي وُجُوبِهِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ أَوْ بِوَجْهٍ مَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ يُقَالُ الْمَعْنَى فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّرْعُ بِالطَّلَبِ لِمَشْرُوطِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَصَدَهُ بِطَلَبٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَوْلَا اعْتِبَارُ الشَّرْعِ) أَيْ طَلَبِهِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ اعْتِبَارَهُ إنْ كَانَ بِاشْتِرَاطِهِ لَمْ يُفِدْ الدَّلِيلَ وُجُوبُهُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الدَّلِيلِ، وَإِنْ كَانَ بِإِيجَابِهِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ مَنَعَ اللُّزُومَ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ اشْتِرَاطِهِ كَافٍ فِي انْتِفَاءِ وُجُودِ مَشْرُوطِهِ بِدُونِهِ اهـ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اشْتِرَاطَهُ لِذَلِكَ الْوَاجِبِ فِي نَفْسِهِ لَا فِي هَذَا الطَّلَبِ الْجَدِيدِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَهُ فِي ذَلِكَ الْوَاجِبِ فِي حَدِّ نَفْسِهِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ إلَّا بِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ، وَإِلَّا فَيُمْكِنُ وُجُودُ صُورَةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ بِدُونِهِ كَانَ اللَّائِقُ قَصْدَ الشَّارِعِ لَهُ بِطَلَبِ الْوَاجِبِ لِلْحَاجَةِ إلَى قَصْدِهِ بِهِ لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِيهِ بِخِلَافِ الْعَقْلِيِّ وَالْعَادِيِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُ صُورَةِ الْوَاجِبِ بِدُونِهِمَا كَانَ فِي طَلَبِهِ غَنِيَّةٌ عَنْ قَصْدِهِمَا بِالطَّلَبِ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَ وُجُودِهِ عَلَيْهِمَا مُقْتَضٍ لَهُمَا وَمُغْنٍ عَنْ قَصْدِهِمَا فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
وَخُلَاصَتُهُ اخْتِيَارُ الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَتَتْمِيمُ الدَّلِيلِ بِأَنْ يُقَالَ فَاللَّائِقُ قَصْدُ الشَّارِعِ لَهُ بِطَلَبِ الْوَاجِبِ.
(قَوْلُهُ: لَوُجِدَ) إذْ لَا تُوقَفُ عَلَيْهِ لَا عَادَةً وَلَا عَقْلًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ السَّبَبُ (قَوْلُهُ: كَاَلَّذِي نَفَاهُ) أَيْ كَالشَّرْطِ الَّذِي نَفَى وُجُوبَهُ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ وَهُوَ الشَّرْطُ الْعَقْلِيُّ وَالشَّرْطُ الْعَادِيُّ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ) أَيْ بِوُجُوبِ الْمُسَبِّبِ أَيْ لَا يَقْصِدُ بِالْأَمْرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالْمُسَبَّبِ وَإِلَّا فَهُوَ وَاجِبٌ قَطْعًا.
(قَوْلُهُ: فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ) وَهُوَ الْمُسَمَّى بِمُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَنْبِيهٌ عَلَى رَدِّ مَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، فَإِنَّهُ قَرَّرَ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ شَرَطَا الشَّرْطَ الشَّرْعِيَّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الِاحْتِرَازَ بِهِ عَنْ الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْطِ الْعَادِيِّ لَا عَنْ السَّبَبِ، وَإِنْ حَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى اخْتِيَارِ وُجُوبِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ دُونَ السَّبَبِ أَيْضًا يَعْنِي كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَضُدُ إيقَاعٌ لَهُ فِي خَرْقِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي نَقَلَهُ هُوَ فِيمَا بَعْدُ وَفِيمَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ قَالَ: فَإِنَّ السَّبَبَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ بِلَا شَكٍّ.
وَقَدْ رَدَّهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ أَفْصَحَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ تَرْجِيحُ عَدَمِ وُجُوبِ السَّبَبِ فَانْدَفَعَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى دَفْعِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ السَّبَبَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ بِلَا شَكٍّ فَدَفَعَهُ الشَّارِحُ بِالْمَنْعِ، وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ السَّبَبَ يَنْقَسِمُ كَالشَّرْطِ إلَى شَرْعِيٍّ وَعَقْلِيٍّ وَعَادِيٍّ أَيْ وَوَجْهُ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ السَّبَبِ الْعَقْلِيِّ وَالْعَادِيِّ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ غَيْرُ ظَاهِرٍ نَعَمْ وَجْهُ كَوْنِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ أَوْلَى ظَاهِرُهُ مِنْ جِهَةِ
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي دَفْعِهِ السَّبَبَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ مَمْنُوعٌ يُؤَيِّدُ الْمَنْعَ أَنَّ السَّبَبَ يَنْقَسِمُ كَالشَّرْطِ إلَى شَرْعِيٍّ كَصِيغَةِ الْإِعْتَاقِ لَهُ وَعَقْلِيٍّ كَالنَّظَرِ لِلْعِلْمِ عِنْدَ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَغَيْرِهِ وَعَادِيٍّ كَحَزِّ الرَّقَبَةِ لِلْقَتْلِ، نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَصْدُ بِطَلَبِ الْمُسَبِّبَاتِ الْأَسْبَابُ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي فِي وُسْعِ الْمُكَلَّفِ وَاحْتَرَزُوا بِالْمُطْلَقِ عَنْ الْمُقَيَّدِ وُجُوبُهُ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ وُجُوبُهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ وَبِالْمَقْدُورِ عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ الْآمِدِيُّ: كَحُضُورِ الْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِآحَادِ الْمُكَلَّفِينَ أَيْ وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْجُمُعَةِ كَمَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهَا عَلَى وُجُودِ الْعَدَدِ.
ــ
[حاشية العطار]
أَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبِّبِ الشَّرْعِيَّيْنِ مِنْ طَرَفِ الْعَدَمِ فَقَطْ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ الْكَمَالِ.
(قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.
(قَوْلُهُ: أَوْلَى بِالْوُجُوبِ) عِلَّةُ الْأَوْلَوِيَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ أَشَدُّ ارْتِبَاطًا.
(قَوْلُهُ: مَمْنُوعٌ) وَذَلِكَ لِأَنَّ قُوَّةَ الِارْتِبَاطِ عِنْدَهُ مُقْتَضِيَةٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ لَا لِلْوُجُوبِ.
(قَوْلُهُ: يُؤَيِّدُ الْمَنْعَ) يُمْكِنُ إرْجَاعُ الْمَنْعِ لِلنَّقْضِ التَّفْصِيلِيِّ أَوْ الْإِجْمَالِيِّ فَالْمُؤَيِّدُ كَذَا وَشَاهِدٌ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ السَّبَبَ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ الْإِطْلَاقُ بَلْ يُفَصَّلُ فِيهِ كَالشَّرْطِ.
(قَوْلُهُ: كَصِيغَةِ الْإِعْتَاقِ لَهُ) أَيْ لِحُصُولِ الْعِتْقِ.
(قَوْلُهُ: كَحَزِّ الرَّقَبَةِ) أَيْ كَمَا إذَا قَالَ الشَّارِعُ اُقْتُلْ هَذَا قِصَاصًا مَثَلًا كَانَ مَعْنَاهُ حُزَّ رَقَبَتَهُ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي فِي وُسْعِ الْمُكَلَّفِ إذْ قَدْ يَحُزُّ الرَّقَبَةَ وَلَا يَمُوتُ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمَنْعِ أَفَادَ بِهِ أَنَّ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ مَا قَالَهُ الْبَعْضُ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى قَوْلِهِ سَابِقًا فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّارِعُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بَعْضُهُمْ) هُوَ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعَضُدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِبَارَتُهُ بِنَقْلِ النَّاصِرِ.
(قَوْلُهُ: الْقَصْدُ بِطَلَبِ الْمُسَبِّبَاتِ إلَخْ) وَأَوْرَدَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْتَضِي إخْرَاجَ الْأَسْبَابِ عَنْ كَوْنِهَا وَسِيلَةً فَلَا تَكُونُ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ بَلْ هِيَ الْوَاجِبُ عَبَّرَ عَنْهَا بِالْمُسَبِّبَاتِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ الْبَعْضُ أَنَّ الْأَسْبَابَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْمُبَاشَرَةِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ حُصُولُ مُسَبَّبَاتِهَا.
(قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزُوا) لَمْ يَقُلْ: وَاحْتَزِزْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِغَيْرِهِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: عَنْ الْمُفِيدَةِ وُجُوبُهُ) فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ أَنَّ الْمُطْلَقَ وَاجِبٌ فِي حَدِّ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى الْمَقْدُورِ الْمَذْكُورِ بَلْ يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلَيْهِ، وَالْمُقَيَّدُ يَتَوَقَّفُ نَفْسُ وُجُوبِهِ عَلَى الْمَقْدُورِ فَالْجُمُعَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُضُورِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَدَدِ وَاجِبٌ مُطْلَقٌ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى وُجُودِ الْعَدَدِ وَاجِبٌ مُقَيَّدٌ فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُ الْعَدَدِ لِتَجِبَ الْجُمُعَةُ وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ) أَيْ مَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ كَالزَّكَاةِ إلَخْ فَضَمِيرُ يَتَوَقَّفُ عَائِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ لَا عَلَى الْمُقَيَّدِ أَوْ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ.
(قَوْلُهُ: كَالزَّكَاةِ) أَيْ وَكَالْحَجِّ وُجُوبُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الِاسْتِطَاعَةِ فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا.
(قَوْلُهُ: كَحُضُورِ الْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ) أَيْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تُقَامُ بِهِ مِنْ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى حُضُورِ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْجُمُعَةِ) فَلَا تَنْعَقِدُ بِدُونِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهَا عَلَى وُجُودِ الْعَدَدِ) وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ بِصِفَاتِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ بِالْمِصْرِ أَوْ الْقُرْبَةَ تُقَامُ بِهَا، وَهَذَا وُجُوبٌ مُقَيَّدٌ فَنَظَرَ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِيهِ مُقَيَّدٌ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا نَظِيرٌ لِلْمُحْتَرَزِ عَنْهُ لَا أَنَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْوَاجِبِ كَالسَّيْرِ
(فَلَوْ تَعَذَّرَ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِتَرْكِ غَيْرِهِ) مِنْ الْجَائِزِ كَمَاءٍ قَلِيلٍ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ (وَجَبَ) تَرْكُ ذَلِكَ الْغَيْرِ لِتَوَقُّفِ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (أَوْ اخْتَلَطَتْ) أَيْ اشْتَبَهَتْ (مَنْكُوحَةٌ) لِرَجُلٍ (بِأَجْنَبِيَّةٍ) مِنْهُ (حُرِّمَتَا) أَيْ حُرِّمَ قُرْبَانُهُمَا عَلَيْهِ (أَوْ طَلَّقَ مُعَيَّنَةً) مِنْ زَوْجَته مَثَلًا (ثُمَّ نَسِيَهَا) حُرِّمَ عَلَيْهِ قُرْبَانُهُمَا أَيْضًا أَمَّا الْأَجْنَبِيَّةُ وَالْمُطَلَّقَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَنْكُوحَةُ وَغَيْرُ الْمُطَلَّقَةِ فَلِاشْتِبَاهِهِمَا بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالْمُطَلَّقَةِ.
وَقَدْ يَظْهَرُ الْحَالُ فَيَرْجِعَانِ إلَى مَا كَانَتَا عَلَيْهِ مِنْ الْحِلِّ فَلَمْ يَتَعَذَّرْ فِي ذَلِكَ تَرْكُ الْمُحْرِمِ وَحْدَهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ، وَتَرَكَ جَوَابَ
ــ
[حاشية العطار]
إلَى مَكَّةَ بَعْدَ تَعَلُّقِ وُجُوبِ الْحَجِّ بِالسَّائِرِ لَا فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُوبُ ذَلِكَ كَمِلْكِ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ تَعَذَّرَ إلَخْ) أَتَى بِالْفَاءِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ الثَّلَاثَةَ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْ الْأَصْلِ السَّابِقِ وَهُوَ الْمَقْدُورُ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَخْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَعْلَمُ فِي كُلٍّ مِنْهَا وُجُودَ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِتَرْكِ شَيْءٍ آخَرَ يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، قَالَ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَوَقِّفَ فِي الْحَقِيقَةِ فِي الْأَخِيرَيْنِ مِنْهَا تَعَيُّنُ التَّرْكِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْوَاجِبِ لَا نَفْسِ وُجُودِ الْوَاجِبِ، فَلَوْ فَسَّرَ الشَّارِحُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا يَتِمُّ بِمَا يَتَنَاوَلُ الْعِلْمَ بِوُجُودِ الْوَاجِبِ فَقَالَ الْفِعْلُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ بِأَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ وُجُودُ الْوَاجِبِ أَوْ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ لِظُهُورِ وَجْهِ التَّفْرِيعِ اهـ.
قَالَ سم وَسَلَكَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ هَذَا الْمَسْلَكَ فَقَالَ: الْمُقَدِّمَةُ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ نَفْسُ وُجُودِ الْوَاجِبِ.
وَالثَّانِي: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُمْكِنُ الْكَفُّ عَنْ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِالْكَفِّ عَمَّا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ كَمَا إذَا خَلَطَتْ نَجَاسَةٌ إلَخْ.
وَأَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ إعْرَاضَ الشَّارِحِ عَنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا يُصَدَّقُ فِي كُلٍّ مِنْ الْفَرْعَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مَا دَامَ الِاشْتِبَاهُ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ تَوَقَّفَ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ أَيْ عَلَى وَجْهٍ مُبَرِّئٍ شَرْعًا فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَاءٍ قَلِيلٍ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ) تَبِعَ الشَّارِحُ كَالزَّرْكَشِيِّ فِي التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ الْمَحْصُولِ، وَقَدْ نَاقَشَ ابْنُ هَارُونَ فِي التَّمْثِيلِ بِهِ فَقَالَ: إنَّهُ لَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: بَلْ هُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَلْيَقُ بِأُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمَاءَ جَوْهَرٌ طَاهِرٌ وَالطَّاهِرُ إذَا أُلْقِيَتْ النَّجَاسَةُ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ بِذَلِكَ نَجِسًا فِي عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ قَلْبَ الْأَعْيَانِ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْعِبَادِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ، وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ مِنْهَا لِامْتِزَاجِ أَجْزَائِهَا امْتِزَاجًا تَقَاصَرَتْ مَعَهُ الْقُوَى عَنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ اجْتِنَابُهُ لِذَلِكَ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمَاءَ هَلْ يَصِيرُ كُلُّهُ نَجِسًا أَوْ أَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ الْكُلُّ لِتَعَذُّرِ الْإِقْدَامِ عَلَى تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ لِاخْتِلَاطِ الْمُحَرَّمِ بِهِ قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا وَالثَّانِي هُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَمِمَّا يَظْهَرُ بِهِ كَوْنُ الثَّانِي غَيْرَ لَائِقٍ بِمَذْهَبِنَا أَنَّ عِلَّتَهُ مَوْجُودَةٌ فِيمَا إذَا وَقَعَ بَوْلٌ فِي مَاءٍ هُوَ قُلَّتَانِ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ وَهُوَ وُجُوبُ الِاجْتِنَابِ إذْ يَجُوزُ عِنْدَنَا اسْتِعْمَالُ الْمُخْتَلَطِ كُلِّهِ بَلْ يَجِبُ عَلَى التَّعْيِينِ إذْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَأَيْضًا فَالْحُكْمُ مَوْجُودٌ بِدُونِ الْعِلَّةِ فِيمَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، كَذَا فِي الْكَمَالِ وَالْمِثَالُ الْمُطَابِقُ لِمَذْهَبِنَا امْتِزَاجُ طَعَامِ إنْسَانٍ أَوْ مَائِهِ بِطَعَامِ الْغَيْرِ أَوْ مَائِهِ فِي كَوْنِ صَيْرُورَةِ الْمَاءِ نَجِسًا بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ قَلْبًا لِلْأَعْيَانِ نَظَرٌ يُدْرِكُهُ مَنْ مَارَسَ عِلْمَ الْكَلَامِ وَالْحِكْمَةِ وَلَيْسَ مَا هُنَا مَحَلُّهُ.
(قَوْلُهُ: لِتَوَقُّفِ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ) أَيْ لِتَوَقُّفِ وُجُودِ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ لَا وُجُوبِ تَرْكِهِ، إذْ وُجُودُ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى شَيْءٍ.
(قَوْلُهُ:) أَيْ اشْتَبَهَتْ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الِاخْتِلَاطَ لَيْسَ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَدَاخُلُ الْأَشْيَاءِ فِي بَعْضِهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ عَلَاقَتُهُ السَّبِيبَةُ.
(قَوْلُهُ: مَثَلًا) رَاجِعٌ لِطَلَّقَ فَغَيْرُ الطَّلَاقِ كَالْعِتْقِ كَذَلِكَ أَوْ لِلزَّوْجَيْنِ فَغَيْرُهُمَا مِمَّا زَادَ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يَظْهَرُ الْمُحَالُ) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ كَأَنَّ الْمُنَاسِبَ حَذْفُ أَوْ اخْتَلَطَتْ إلَخْ لِيَتَنَاوَلَ مَا قَبْلَهُ أَوْ إبْدَالٌ أَوْ بَكَانِ لِيَكُونَ مَدْخُولُهَا أَمْثِلَةً لِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَحَاصِلُ الدَّفْعِ إنَّمَا أَفْرَدَ هَذَا؛ لِأَنَّ التَّعَذُّرَ فِيهِ حَالٌّ، وَقَدْ يَزُولُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ وَبَحَثَ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَزُولُ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُهُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ، وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَزُلْ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَمْ يَتَعَذَّرْ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ صُورَتَيْ الْمَنْكُوحَةِ وَنِسْيَانِ الْمُطَلَّقَةِ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ وَحْدَهُ وَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ