الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَهُ تَصْرِيحًا بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا.
(وَالْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ)
ــ
[حاشية العطار]
لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا مُخْتَلِفٌ أَيْ وَالْمَطْلُوبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَفْهُومِ بِغَيْرِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ (قَوْلُهُ: لِذَلِكَ) أَيْ لِعِلْمِهِ مِنْ
تَعْرِيفِ الْفِقْهِ
(قَوْلُهُ: أَيْ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ الشَّارِحُ تَمَامَ التَّعْرِيفِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ) كَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَأَبِي حَفْصٍ الزَّنْجَانِيِّ وَمُرَادُ الشَّارِحِ بِذَلِكَ النَّقْضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِهَذَا الْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ السَّلْبِ الْكُلِّيِّ فِي قَوْلِهِ وَمَا قَالُوا الْفِقْهُ إلَخْ إذْ مَعْنَاهُ مَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
(قَوْلُهُ: تَصْرِيحًا بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا الْفَائِدَةُ فِي تَصْرِيحِ بَعْضِهِمْ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ.
[تَعْرِيفِ الْفِقْه]
(قَوْلُهُ: وَالْفِقْهُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ لَا دَاعِيَ لِتَعْرِيفِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَرَّفَ الْفِقْهَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ لِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ الْإِضَافِيِّ وَالْفِقْهُ الْوَاقِعُ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ لَا مَعْنَى لَهُ كَالزَّايِ مِنْ زَيْدٍ حَتَّى يُعَرِّفَهُ وَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْرِيفِ جُزْئِهِ الْأَوَّلِ أَعْنِي أُصُولَهُ.
وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ فَإِنَّمَا عَرَّفُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا مَعْنَى أُصُولِ الْفِقْهِ مُرَكَّبًا إضَافِيًّا لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْمُرَكَّبِ عَلَى مَعْرِفَةِ أَجْزَائِهِ فَتَعَرَّضُوا لِتَعْرِيفِ طَرَفَيْهِ، ثُمَّ عَرَّفُوهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى اللَّقَبِيِّ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ غَايَةُ الْمُنَاسَبَةِ وَالِارْتِبَاطِ نَاسَبَ تَعْرِيفَهُ عَقِبَ تَعْرِيفِهِ لِالْتِفَاتِ النَّفْسِ إلَى بَيَانِهِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِبَيَانِ الْأُصُولِ وَكَفَى بِهِ دَاعِيًا وَأَبْلَغُ مِنْهُ أَنَّ لَفْظَ أُصُولِ الْفِقْهِ لَمَّا كَانَ لَقَبًا مُشْعِرًا بِمَدْحِ هَذَا الْفَنِّ بِابْتِنَاءِ الْفِقْهِ عَلَيْهِ، وَلَا شُبْهَةَ فِي تَوَقُّفِ الْمَدْحِ بِذَلِكَ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّ الْفِقْهَ ذُو خَطَرٍ وَقَدْرٍ وَإِلَّا فَلَا مَدْحَ بِذَلِكَ الِابْتِنَاءِ وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَ الْمُضَافِ إلَيْهِ بِمَعْنَى الْأَحْكَامِ دُونَ مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَنْبَنِي عَلَى الدَّلِيلِ اهـ.
قِيلَ مَبْنَى السُّؤَالِ عَلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُصَنِّفَ الْفِقْهَ لِوُقُوعِهِ جُزْءًا فِي قَوْلِنَا أُصُولُ الْفِقْهِ وَلَك أَنْ تَقُولَ تَعْرِيفُ الْفِقْهِ لِوُقُوعِهِ جُزْءًا مِنْ تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ بِقَوْلِنَا دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ اهـ.
وَأَقُولُ تَعْرِيفُ الْفِقْهِ بِمَا ذُكِرَ شَهِيرٌ لَا يَحْتَاجُ لِبَيَانِهِ بِاعْتِبَارِ جَعْلِهِ جُزْءًا مِنْ الْمُعَرَّفِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِذِكْرِهِ بَيَانُ جِهَةِ شَرَفِ فَنِّ الْأُصُولِ وَإِظْهَارُهَا قَالَ الْمُجِيبُ وَلِأَنَّ قَضِيَّةَ جَعْلِهِ جُزْءًا مِنْ الْمُعَرَّفِ أَنْ لَا يَحْتَاجَ لِبَيَانٍ وَإِلَّا نَافَى ذِكْرَهُ فِي التَّعْرِيفِ كَيْفَ وَقَدْ قَالُوا مُعَرَّفُ الشَّيْءِ مَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَتُهُ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَجْزَاءُ التَّعْرِيفِ مَعْلُومَةً عِنْدَ السَّامِعِ قَبْلَ الْمُعَرِّفِ فَتُذْكَرُ لَهُ مَحْمُولَةً عَلَيْهِ لِتَنْكَشِفَ لَهُ الْحَقِيقَةُ الْمَجْهُولَةُ عِنْدَهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ إلَخْ) تَعْرِيفٌ لِعِلْمِ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ التَّصْدِيقَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسَائِلِ كَمَا هُوَ أَحَدُ إطْلَاقِ مَعْنَى الْعِلْمِ، ثُمَّ إنَّ الْحُكْمَ يُطْلَقُ عَلَى خِطَابِ اللَّهِ إلَخْ وَهَذَا اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ وَعَلَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ الَّتِي بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ إيجَابِيَّةً كَانَتْ أَوْ سَلْبِيَّةً وَعَلَى إذْعَانِ تِلْكَ النِّسْبَةِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ وَهَذَا مُصْطَلَحُ الْمَنَاطِقَةِ وَعَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ إذَا عَبَّرُوا عَنْ الْحُكْمِ الْخَبَرِيِّ بِالنِّسْبَةِ التَّقْيِيدِيَّةِ أَضَافُوا الْمَحْكُومَ بِهِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوا مَعْنَى قَوْلِنَا زَيْدٌ أَبُوهُ قَائِمٌ زَيْدٌ قَائِمُ الْأَبِ حَيْثُ فُسِّرَ الْعِلْمُ هُنَا بِالتَّصْدِيقِ الَّذِي مَوْرِدُهُ النِّسْبَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَعَيَّنَ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ هُنَا بِالنِّسْبَةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ أَيْ بِجَمِيعِ النِّسَبِ التَّامَّةِ اهـ.
قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ حُقِّقَ أَنَّ النِّسْبَةَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَ زَيْدٍ وَقَائِمٍ مَثَلًا هُوَ الْوُقُوعُ بِعَيْنِهِ وَاللَّاوُقُوعُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ هُنَا نِسْبَةٌ أُخْرَى هِيَ مَوْرِدُ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ وَأَنَّهُ قَدْ تُتَصَوَّرُ تِلْكَ النِّسْبَةُ فِي نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ حُصُولِهَا وَلَا حُصُولِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَعَلُّقٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَعَلُّقَ الثُّبُوتِ أَوْ الِانْتِفَاءِ وَتُسَمَّى حُكْمِيَّةً وَمَوْرِدَ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ وَنِسْبَةً ثُبُوتِيَّةً أَيْضًا نِسْبَةُ الْعَامَّ إلَى الْخَاصِّ أَعْنِي الثُّبُوتَ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَصَوَّرُ أَوَّلًا فِي حُصُولِهَا وَقَدْ تُسَمَّى سَلْبِيَّةً أَيْضًا إذَا اُعْتُبِرَ انْتِفَاءُ الثُّبُوتِ.
وَقَدْ تُتَصَوَّرُ بِاعْتِبَارِ حُصُولِهَا أَوَّلًا حُصُولُهَا فِي نَفْس الْأَمْرِ فَإِنْ تَرَدَّدَ فَهُوَ الشَّكُّ وَإِنْ أَذْعَنَ لِحُصُولِهَا أَوَّلًا حُصُولُهَا فَهُوَ التَّصْدِيقُ الْمُسَمَّى بِالْحُكْمِ فَالنِّسْبَةُ الثُّبُوتِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا عُلُومٌ ثَلَاثَةٌ:
اثْنَانِ تُصُوِّرَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَالثَّانِي يَحْتَمِلُهُ، وَالثَّالِثُ تَصْدِيقِيٌّ فَظَهَرَ. أَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ لَيْسَ مُغَايِرًا لِلْوُقُوعِ وَاللَّاوُقُوعِ وَأَمَّا النِّسْبَةُ التَّقْيِيدِيَّةُ الْمُغَايِرَةُ لَهَا فَمِمَّا لَا تَثْبُتُ وَإِلَّا لَزِمَ ازْدِيَادُ أَجْزَاءِ الْقَضِيَّةِ وَتَصَوُّرَاتُ التَّصْدِيقِ عَلَى أَرْبَعَةٍ اهـ.
وَمَا حَقَّقَهُ ذَلِكَ الْفَاضِلُ هُوَ مُخْتَارُ الْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ فِي حَاشِيَةِ التَّهْذِيبِ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَ الْمُرَكَّبَ التَّامَّ مُشْتَمِلًا عَلَى نِسْبَةٍ تَامَّةٍ يَرْتَبِطُ بِهَا
أَيْ بِجَمِيعِ النِّسَبِ التَّامَّةِ (الشَّرْعِيَّةِ) أَيْ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الشَّرْعِ الْمَبْعُوثِ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ (الْعَمَلِيَّةِ)
ــ
[حاشية العطار]
الْمَحْمُولُ بِالْمَوْضُوعِ وَأَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ غَيْرُ وَاقِعَةٍ وَهِيَ نِسْبَةٌ تَقْيِيدِيَّةٌ هِيَ مَوْرِدُ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ عِنْدَهُمْ لَكِنَّهُ خِلَافُ التَّحْقِيقِ وَعَلَيْهِ دَرَجَ سم.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ تَفْرِيعًا عَلَى كَلَامٍ ذَكَرَهُ لَا يَخْلُو عَنْ مُنَاقَشَةِ اللَّهِ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ مِنْ الْفِقْهِ فَمِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ كَيْفَ وَعِلْمُ الْفِقْهِ أَمَّا التَّصْدِيقَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَسَائِلِ أَوْ نَفْسِ الْمَسَائِلِ وَالْمَسْأَلَةُ لَا تَكُونُ إلَّا خَبَرِيَّةً فَلْيُتَأَمَّلْ، وَوَافَقَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ وَزَادَ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَسَلَفُهُ فِي ذَلِكَ النَّجَّارِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْأَعَاجِمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ فَلْيُنْظَرْ مَا سَلَفَ النَّجَّارِيِّ وَلَا يُقَالُ إنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِمُقَايَسَةِ إطْلَاقِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اصْطِلَاحَاتٌ طَرِيقُهَا النَّقْلُ عَنْ أَرْبَابِهَا لَا الْمُقَايَسَةُ وَالِاسْتِظْهَارُ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ مَا هُوَ مَفْقُودٌ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَالْقَوْمُ يُقَلِّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إلَى كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ فَيَقَعُونَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْغَلَطَاتِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الشَّرْعِ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ لَزِمَ اسْتِدْرَاكُ قَيْدِ الْمُكْتَسَبِ وَقَيْدٌ مِنْ أَدِلَّتِهَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ مَا لَمْ يُرْوَ عَنْهُ كَالثَّابِتِ مِنْهَا بِالْقِيَاسِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضٌ مِنْ الشَّرْعِ فَيَكُونَ هَذَا الْأَخْذُ مِنْ أَخْذِ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ كَقَوْلِك أَخَذْت خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يَعُمُّ الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ وَالِاعْتِقَادِيَّة فَهُوَ كُلٌّ وَالْأَحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ بَعْضٌ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ النِّسْبَةَ فِي قَوْلِهِ شَرْعِيَّةٌ صَحِيحَةٌ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا لِاخْتِلَافِ الْمَنْسُوبِ وَالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ بِالْبَعْضِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ كَذَا قِيلَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّ الشَّارِحَ بِصَدَدِ بَيَانِ جِهَةِ النِّسْبَةِ وَهِيَ أَنَّ نِسْبَتَهَا لِلشَّرْعِ بِاعْتِبَارِ أَخْذِهَا مِنْهُ وَنَمْنَعُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ الْقِيَاسِ لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ فَالْقِيَاسُ مُسْتَنِدٌ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ أَيْضًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الشَّرْعِ بِالْوَاسِطَةِ وَظَهَرَ أَمْرُ النِّسْبَةِ عَلَى هَذَا ظُهُورًا بَيِّنًا.
1 -
(قَوْلُهُ: النَّبِيُّ الْكَرِيمُ) آثَرَ التَّعْبِيرَ بِالنَّبِيِّ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالرَّسُولِ؛ لِأَنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالرَّسُولِ شَائِبَةَ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ الْمَبْعُوثِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ أَكْثَرُ
أَيْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ وَأَنَّ الْوِتْرَ مَنْدُوبٌ (الْمُكْتَسَبِ) ذَلِكَ الْعِلْمُ (مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ) أَيْ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ
ــ
[حاشية العطار]
اسْتِعْمَالًا.
(قَوْلُهُ: الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ) مِنْ قَبِيلِ تَعَلُّقِ الْإِسْنَادِ بِطَرَفَيْهِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ النِّسَبُ وَالْمُرَادُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَمَلِ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ الْعَمَلَ وَمَحْمُولُهَا الْكَيْفِيَّةَ وَهِيَ الْوُجُوبُ وَأَخَوَاتُهُ كَمَا يُقَالُ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ مَثَلًا، ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْعَمَلِ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ أَنَّ تَعَلُّقَهَا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُفِيدٌ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَمُعْتَبَرَةٌ مَعَهُ حَتَّى يَرِدَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْكَيْفِيَّةُ عِبَارَةً عَنْ الْأَحْوَالِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْفِقْهِ بَلْ قَيْدٌ لِلْمَوْضُوعِ وَتَتِمَّةٌ لَهُ مَعْنَاهُ أَنَّ تَعَلُّقَهَا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا يَثْبُتُ لَهَا الْكَيْفِيَّةُ وَأَنَّهَا مِنْ عَوَارِضِهَا لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا وَلَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَظَهَرَ أَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْفِقْهِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ فَيُبْحَثُ عَنْهَا بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَمَوْضُوعُ مَسَائِلِهِ رَاجِعٌ لِمَوْضُوعِهِ بِأَنْ يَكُونَ ذَاتَه أَوْ نَوْعَهُ أَوْ عَرَضًا ذَاتِيًّا لَهُ أَوْ نَوْعًا مِنْ عَرَضِهِ الذَّاتِيِّ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ.
وَفِي كُتُبِ الْمَنْطِقِ مَسْطُورٌ، وَأُورِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ أَنَّهُ يُبْحَثُ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ عَنْ أَفْعَالِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَمُتْلَفَاتِ الْبَهَائِمِ وَأَنَّهُمْ عَدُّوا مِنْ الْفِقْهِ عِلْمَ الْفَرَائِضِ وَمَوْضُوعُهُ التَّرِكَةُ.
وَالْجَوَابُ كَمَا أَفَادَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ مَوْضُوعُهَا رَاجِعًا إلَى فِعْلِ الْمُكَلَّفِ يَجِبُ تَأْوِيلُهَا حَتَّى يَرْجِعَ مَوْضُوعُهَا إلَيْهِ كَمَسْأَلَةِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى فِعْلِ الْوَلِيِّ وَأَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْفَرَائِضِ قِسْمَةُ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ لَا التَّرِكَةُ إذْ الْمُبَيَّنُ فِيهِ أَحْوَالُ قِسْمَتِهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْقِسْمَةُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ فَيَكُونَ مَوْضُوعُهُ الْعَمَلُ أَيْضًا.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ سم وَتَبِعُوهُ فِيهِ مِنْ أَنَّ تَعْمِيمَ الْأَفْعَالِ يَجْعَلُهَا شَامِلَةً لِأَفْعَالِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ يَجْعَلُهَا شَامِلَةً لِغَيْرِ الْوُجُوبِ وَأَخَوَاتِهِ كَالْمَنْعِ وَالضَّرْبِ فِي نَحْوِ قَوْلِنَا زِنَا الصَّبِيِّ يُمْنَعُ مِنْهُ، وَالْأَمْرِ فِي قَوْلِنَا صَلَاةُ الصَّبِيِّ يُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ نَحْوَ الْمَنْعِ وَالْأَمْرِ وَالضَّرْبِ لَيْسَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَعْرُوفَةِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَغَيْرِهِمَا وَتِلْكَ الْأَحْكَامُ هِيَ الْمُرَادَةُ بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ كَمَا حَقَّقُوهُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَدُّدُ الْكَيْفِيَّاتِ وَتَكَثُّرُهَا الْمُؤَدِّي لِعَدَمِ الضَّبْطِ وَالِانْتِشَارِ وَأَنَّا إذَا وَجَدْنَا فِعْلَيْنِ تَعَلَّقَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ نَوْعَ تَعَلُّقٍ نَقُولُ الْفِعْلُ الْمُتَعَلِّقُ كَيْفِيَّةٌ لِلْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ وُجُوبُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ إلَخْ فِي سِيَاقِ رَدِّ قَوْلِ النَّاصِرِ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ صُورَتُهُ وَهَيْئَتُهُ كَتَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا وَأَنَّهُ سَهْوٌ وَلَقَدْ صَدَقَ فِي الْحُكْمِ بِالسَّهْوِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِهِمْ.
وَأَمَّا الْبَحْثُ عَنْ اسْتِحَالَةِ الْخَمْرِ خَلًّا مَثَلًا وَعَنْ سَبَبِيَّةِ الزَّوَالِ لِلظُّهْرِ وَنَحْوِهِمَا فَيَرْجِعُ لِلتَّأْوِيلِ السَّابِقِ بِأَنْ يُقَالَ اسْتِعْمَالُ الْخَمْرِ الْمُسْتَحِيلَةِ خَلًّا جَائِزٌ وَالصَّلَاةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الزَّوَالِ تَجِبُ قَالَ سم أَيْضًا.
وَأَمَّا قَوْلُنَا اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَاجِبٌ فَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ الْوَاجِبِ لِلِاعْتِقَادِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْفِقْهِ بِخِلَافِ الْعِلْمِ بِنَفْسِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فَمِنْ الْكَلَامِ وَيَرُدُّهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ عَلَى الْخَيَالِيِّ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَنْدَرِجَ الِاعْتِقَادُ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَاجِبَةٌ فَيَكُونَ دَاخِلًا فِي الْفِقْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّ أَكْثَرَ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الِاعْتِقَادِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِكَيْفِيَّةٍ مِثْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَاجِبَةٌ أَيْ الِاعْتِقَادُ بِوُجُودِهِ وَصِفَاتِهِ وَاجِبٌ فَيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ الِاعْتِقَادِ اهـ.
لَا يُقَالُ عَمَّمَ الشَّارِحُ الْفِعْلَ الْقَلْبِيَّ كَالنِّيَّةِ قُلْنَا النِّيَّةُ أَيْضًا مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْقَلْبِ وَأَمَّا الِاعْتِقَادُ وَالْمَعْرِفَةُ وَنَحْوُهُمَا فَلَيْسَا مِنْ الْأَفْعَالِ الْقَلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ وَلَوْ جَعَلْنَا أَمْثَالَ الِاعْتِقَادِيَّاتِ دَاخِلَةً فِي مَوْضُوعِ الْفِقْهِ لَزِمَ اخْتِلَاطُ مَسَائِلِهِ بِمَسَائِلِ الْكَلَامِ وَلَا يَصِحُّ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: ذَلِكَ الْعِلْمُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ
لِلْأَحْكَامِ فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْأَحْكَامِ الْعِلْمُ بِغَيْرِهَا مِنْ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَالْبَيَاضِ وَبِقَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَأَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ وَبِقَيْدِ الْعِلْمِيَّةِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ أَيْ الِاعْتِقَادِيَّةِ
ــ
[حاشية العطار]
الْمُكْتَسَبَ صِفَةٌ لِلْعِلْمِ وَلَيْسَ تَقْدِيرَ النَّائِبِ لِلْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَيْ.
(قَوْلُهُ: لِلْأَحْكَامِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْأَدِلَّةِ وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ لَامِيَّةٌ (قَوْلُهُ: بِقَيْدِ الْأَحْكَامِ إلَخْ) أُخْرِجَ بِهِ لَا بِالْعِلْمِ لِشُمُولِهِ فِي نَفْسِهِ لِلتَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَالْبَيَاضِ وَإِنْ كَانَ هُنَا يَنْصَرِفُ لِلتَّصْدِيقِ بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِهِ بِالْأَحْكَامِ وَبِالنَّظَرِ إلَى هَذَا قَالَ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي وَعَبَّرُوا عَنْ الْفِقْهِ هُنَا بِالْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ لِظَنِّيَّةِ أَدِلَّتِهِ ظَنًّا إلَخْ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ هُنَا التَّصْدِيقُ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ تَصْدِيقٌ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ بِانْصِرَافِهِ إلَى التَّصْدِيقِ يَخْرُجُ تَصَوُّرُ الْأَحْكَامِ فَلَا يُقَالُ جَعْلُ الْعِلْمِ شَامِلًا لِلتَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ يُؤَدِّي إلَى خُلُوِّ التَّعْرِيفِ عَنْ قَيْدٍ مُخْرِجٍ لِتَصَوُّرِ الْأَحْكَامِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ) الْمُرَادُ بِالذَّوَاتِ مَا لَوْ وُجِدَ فِي الْخَارِجِ كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَاهِيَّاتُ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِالْعَقْلِ لَا بِنَفْسِهَا فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ وُجُودُهَا فِي الْخَارِجِ كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَيَصِحُّ قَوْلُهُ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُودِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ فِي الْخَارِجِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فَلَا وَقَدْ حَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى أَتَمَّ تَحْرِيرٍ وَالْمُرَادُ بِالصِّفَاتِ الْمَعَانِي الَّتِي إنْ وُجِدَتْ فِي الْخَارِجِ لَمْ تَقُمْ بِنَفْسِهَا فَتَدْخُلُ فِيهِ صِفَاتُ الْبَارِي وَالْأَفْعَالُ وَالْأُمُورُ الِاعْتِيَادِيَّةُ وَقَدْ يُشْكِلُ ذَلِكَ بِدُخُولِ الْحُكْمِ حِينَئِذٍ فِي الصِّفَاتِ وَيُجَابُ بِأَنَّ جَعْلَ جِنْسِ التَّعْرِيفِ هُوَ الْعِلْمُ بِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ خُرُوجُ الْعِلْمِ بِمَا عَدَاهُ مِنْ الصِّفَاتِ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْحُكْمِ قَدْ يَكُونُ تَصَوُّرًا وَهُوَ أَيْضًا خَارِجٌ.
(قَوْلُهُ: الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ) الْمُرَادُ بِالْعَقْلِيَّةِ مَا حَكَمَ بِهَا الْعَقْلُ بِدُونِ الِاسْتِنَادِ لِلْحِسِّ وَبِالْحِسِّيَّةِ خِلَافُهَا فَالْأَحْكَامُ الْوَضْعِيَّةُ كَثُبُوتِ الرَّفْعِ لِلْفَاعِلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاضِعِ عَقْلِيَّةٌ وَإِلَى غَيْرِهِ حِسِّيَّةٌ لِاسْتِنَادِهَا لِلْحِسِّ وَهُوَ السَّمَاعُ وَثُبُوتُ الْإِحْرَاقِ لِلنَّارِ حِسِّيٌّ لِاسْتِنَادِ الْعَقْلِ فِيهِ إلَى الْإِحْسَاسِ بِإِحْرَاقِ أَفْرَادِهَا فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ إنَّهُ أَغْفَلَ التَّنْبِيهَ عَلَى خُرُوجِ الْوَضْعِيَّةِ كَثُبُوتِ الرَّفْعِ لِلْفَاعِلِ وَاعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ الْحَاكِمَ بِأَنَّ النَّارَ الْكُلِّيَّةَ مُحْرِقَةٌ هُوَ الْعَقْلُ لَا الْحِسُّ وَإِنْ كَانَ الْحِسُّ يَحْكُمُ بِالْجُزْئِيِّ فَلَوْ قَالَ وَإِنَّ هَذِهِ نَارٌ مُحْرِقَةٌ لَأَجَادَ اهـ.
عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ جَعْلُ أَلْ فِي النَّارِ لِلْحُضُورِ فَيَكُونُ إشَارَةً إلَى نَارٍ حَاضِرَةٍ جُزْئِيَّةٍ.
(قَوْلُهُ: الْعِلْمِيَّةِ أَيْ الِاعْتِقَادِيَّةِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ وَإِنْ كَانَ عِلْمًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ ثُبُوتُ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى لَكِنَّهُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عِلْمِيَّةً وَاعْتِقَادِيَّةً وَلِلْمُحَشِّي هَاهُنَا كَلَامٌ فِي أَنَّ اعْتِقَادَنَا أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْآنَ وَأَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِنْ الْفِقْهِ أَوْ الْكَلَامِ وَأَطَالَ ذَيْلَ الْكَلَامِ وَتَرَدَّدَ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ تَفْصِيلًا طَوِيلًا انْحَطَّ آخِرَ الْكَلَامِ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْمَسَائِلَ الِاعْتِقَادِيَّةَ الَّتِي طَرِيقُهَا السَّمْعُ فَقَطْ فِقْهٌ عِنْدَهُ قَالَ.
وَفِي شَرْحِ الْوَالِدِ عَلَى الْمِنْهَاجِ اسْتِظْهَارُ أَنَّ وُجُوبَ اعْتِقَادِ أَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ الدِّيَانَاتِ بِالسَّمْعِ لَا يُسَمَّى فِقْهًا قَالَ وَلَكِنِّي لَسْت أُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَقُولُ مَا نَقَلْته لَك سَابِقًا هُوَ التَّحْقِيقُ فَلَا يُوقِعَنَّكَ هَذَا التَّطْوِيلُ فِي تَشْكِيكٍ وَالشَّيْخُ النَّجَّارِيُّ رحمه الله قَالَ
كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَبِقَيْدِ الْمُكْتَسَبِ عِلْمُ اللَّهِ وَجِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ بِمَا ذُكِرَ وَبِقَيْدِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الْمُكْتَسَبِ لِلْخِلَافِيِّ مِنْ الْمُقْتَضَى وَالنَّافِي الْمُثْبَتِ بِهِمَا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْفَقِيهِ لِيَحْفَظَهُ عَنْ إبْطَالِ خَصْمِهِ فَعِلْمُهُ مَثَلًا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي أَوْ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ
ــ
[حاشية العطار]
لَا يَدْخُلُ الِاعْتِقَادَاتُ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ فِيهَا بِحُصُولِ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ لَا بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ عَلَى الِاعْتِقَادِيَّاتِ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ قَبِيلِ الْعُلُومِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأَفْعَالِ وَإِنْ أُطْلِقَتْ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى مُتَعَارَفِ اللُّغَةِ.
(قَوْلُهُ: كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ إلَخْ) مَثَّلَ بِمِثَالَيْنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَسَائِلَ الِاعْتِقَادِيَّةَ قِسْمَانِ مَا دَلِيلُهُ الْعَقْلُ كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَمَا دَلِيلُهُ السَّمْعُ كَالْمِثَالِ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: عِلْمُ اللَّهِ وَجِبْرِيلَ) أَيْ فَلَا يُسَمَّى وَاحِدٌ مِنْهَا فِقْهًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُنْقَسِمَ إلَى الضَّرُورِيِّ وَالْكَسْبِيِّ هُوَ الْعِلْمُ الْحُصُولِيُّ وَعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ حُضُورِيٌّ وَعِلْمُ جِبْرِيلَ عليه السلام مُسْتَنِدٌ لِلْوَحْيِ.
وَأَمَّا عِلْمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْحَاصِلُ عَنْ اجْتِهَادٍ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الْكَمَالُ إنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لِلْحُكْمِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِنَقْلٍ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ أَوْ إخْبَارِهِ عَنْهُ وَهُوَ صلى الله عليه وسلم لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا يُعَدُّ فِقْهًا بَلْ هُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ وَبِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى فِقْهًا بِالْإِصْلَاحِ وَتَسْمِيَتُهُ فِقْهًا هُوَ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ عِلْمَهُ صلى الله عليه وسلم الْحَاصِلَ عَنْ اجْتِهَادٍ لَا يُسَمَّى فِقْهًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِلْمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ بَلْ بِبَعْضِهَا وَهُوَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ وَاسْتَشْكَلَ الشِّهَابُ خُرُوجَ عِلْمِ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ بِأَنَّهُ حَيْثُ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ التَّهَيُّؤُ لَزِمَ ثُبُوتُ هَذَا الْمَفْهُومِ بِأَسْرِهِ لَهُ صلى الله عليه وسلم وَكَذَا جِبْرِيلُ قَالَ سم وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ هَذَا الْإِشْكَالِ نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ لَمْ نَقُلْ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِنْ قُلْنَا بِهِ فَحُكْمُهُ صلى الله عليه وسلم بِالِاجْتِهَادِ إنْ كَانَ خَطَأً فَلَا يُقَرُّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ صَوَابًا يَنْقَلِبُ بِوَاسِطَةِ التَّقْرِيرِ إلَى الضَّرُورِيِّ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْوَحْيِ وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادَهُ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يُشْبِهُ الْوَحْيَ اهـ.
وَأَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا كُلِّهِ فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْعِلْمَ عَلَى التَّهَيُّؤِ فَالْمُرَادُ التَّهَيُّؤُ الْحَاصِلُ عَنْ مُمَارَسَةِ الْأَدِلَّةِ وَالْقَوَاعِدِ وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُجْتَهِدُ وَأَمَّا الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ صلى الله عليه وسلم فَهَذَا الْمَعْنَى فِطْرِيٌّ فِيهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِطَرِيقِ الْكَسْبِ كَالْمُجْتَهِدِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: الْمُكْتَسَبِ لِلْخِلَافِيِّ) قَالَ الْكَمَالُ هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الْخِلَافِيَّ يَسْتَفِيدُ عِلْمًا بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ وَانْتِفَائِهِ مِنْ مُجَرَّدِ تَسَلُّمِهِ مِنْ الْفَقِيهِ وُجُودُ الْمُقْتَضَى وَالنَّافِي إجْمَالًا وَأَنَّهُ يُمْكِنُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حِفْظُهُ عَنْ إبْطَالِ الْخَصْمِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا وَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ الْمَذْكُورِ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الْمُقْتَضِي أَوْ النَّافِي فَيَكُونَ هُوَ الدَّلِيلُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ كَانَ فَقِيهًا فَالصَّوَابُ أَنَّ قَيْدَ التَّفْصِيلِيَّةِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ عِلْمِ الْخِلَافِيِّ بَلْ هُوَ تَصْرِيحٌ بِاللَّازِمِ فَهُوَ لِلْبَيَانِ دُونَ الِاحْتِرَازِ كَقَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا فَإِنَّهُ لِلْبَيَانِ إذْ لَا اكْتِسَابَ إلَّا مِنْ الدَّلِيلِ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ صَنِيعُ الشَّارِحِ حَيْثُ ذَكَرَ الِاحْتِرَازَ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْقُيُودِ وَمَا بَعْدَهُ وَسَكَتَ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ صَنِيعُ الشَّارِحِ أَيْ إلَى كَوْنِ مِنْ أَدِلَّتِهَا لِلْبَيَانِ دُونَ الِاحْتِرَازِ فَالضَّمَائِرُ فِي قَوْلِهِ وَبَعْدَهُ وَعَنْهُ تَرْجِعُ إلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ الْخِلَافِيِّ عِلْمٌ مُدَوَّنٌ يُقَارِبُ مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ وَفَنِّ الْمُنَاظَرَةِ وَدَلَائِلُهُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الْجَدَلِ إذْ الْغَرَضُ مِنْهُ حِفْظُ الْمُدَّعَى
وَعَبَّرُوا عَنْ الْفِقْهِ هُنَا بِالْعِلْمِ
ــ
[حاشية العطار]
وَإِبْطَالُ نَقِيضِهِ الَّذِي هُوَ مُدَّعَى الْخَصْمِ فَالْخِلَافِيُّ مَنْسُوبٌ لِعِلْمِ الْخِلَافِ أَيْ الْمُشْتَغَلِ بِهِ فَلَا تُتَوَهَّمُ مِنْ بَعْضِ الْحَوَاشِي هَاهُنَا وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنْ التَّمْثِيلِ بِابْنِ الْقَاسِمِ الْآخِذِ عَنْ أَشْهَبَ وَبِالْمُزَنِيِّ الْآخِذِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْخِلَافِيَّ خَاصٌّ بِمَنْ أَخَذَ الْحُكْمَ عَنْ نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ حَافِظٍ لِقَوْلِ إمَامِهِ يُرِيدُ تَأْيِيدَهُ وَلَوْ فِي عَصْرِنَا وَقَالَ زَكَرِيَّا الْحَقُّ أَنَّ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ خَرَجَ بِهِ الْعِلْمُ الْمَذْكُورُ لِلْمُقَلِّدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُهُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ بِوَاسِطَةِ دَلِيلٍ إجْمَالِيٍّ كَمَا مَرَّ اهـ.
وَبَقِيَ هَاهُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا طَالَعَ الْمُقَلِّدُ الْمَسَائِلَ مَعَ الدَّلَائِلِ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ عَنْ أَدِلَّتِهَا فَيَكُونُ فَقِيهًا مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى عَدَمِ فَقَاهَةِ الْمُقَلِّدِ قَالَ الْخَيَالِيُّ وَغَايَةُ مَا يُقَالُ إنَّهُ كَمَا أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى عَدَمِ فَقَاهَةِ الْمُقَلِّدِ كَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ الْعُلُومِ الْمُدَوَّنَةِ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْإِجْمَاعَيْنِ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِأَنْ يُجْعَلَ لِلْفِقْهِ مَعْنَيَانِ وَعَدَمُ حُصُولِ أَحَدِهِمَا فِي الْمُقَلِّدِ لَا يُنَافِي حُصُولَ الْآخَرِ فِيهِ. اهـ.
قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ يَعْنِي أَنَّ بَيْنَ الْإِجْمَاعَيْنِ تَنَافِيًا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ الْعُلُومِ الْمُدَوَّنَةِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ الْغَيْرَ الْمُجْتَهِدُ الْعَالِمُ بِتِلْكَ الْمَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ فَقِيهًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْفَقِيهِ إلَّا الْعَالِمُ بِالْفِقْهِ وَالْفِقْهُ هُوَ الْمَسَائِلُ الْمُدَوَّنَةُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ فَقَاهَةِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ يُنَافِيهِ فَوَجَبَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ التَّوْفِيقُ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ لِلْفِقْهِ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لِلْمُقَلِّدِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ فَبِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ يَكُونُ فَقِيهًا.
وَالثَّانِي: مَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ وَهُوَ الْعِلْمُ بِمَعْنَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ عَنْ الْأَمَارَاتِ.
فَبِاعْتِبَارِ عَدَمِ حُصُولِهِ لَا يَكُونُ فَقِيهًا (وَعَبَّرُوا عَنْ الْفِقْهِ إلَخْ) إنْ قُلْت هَلَّا أَبْقَاهُ عَلَى مَعْنَاهُ لِإِمْكَانِهِ بِحَمْلِ الْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ وَمُقَلِّدِيهِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَمُقَلِّدِيهِ الْعَمَلُ بِمَا يَظُنُّهُ وَإِنْ خَالَفَ الْوَاقِعَ فَإِذَا ظَنَّ حُكْمًا حَصَلَ لَهُ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ بِأَنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مُقَلِّدِيهِ وَالدَّلِيلُ وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ تَحْصِيلَ الْيَقِينِ بِالْأَحْكَامِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ مُخْتَصٌّ بِالْمُجْتَهِدِ وَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا نَظَرَ فِي دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ
وَإِنْ كَانَ لِظَنِّيَّةِ أَدِلَّتِهِ ظَنًّا كَمَا سَيَأْتِي التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ ظَنُّ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي هُوَ لِقُوَّتِهِ قَرِيبٌ مِنْ الْعِلْمِ وَكَوْنُ الْمُرَادِ بِالْأَحْكَامِ جَمِيعًا لَا يُنَافِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ أَكَابِرِ الْفُقَهَاءِ
ــ
[حاشية العطار]
وَحَصَلَ لَهُ ظَنُّ الْحُكْمِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ قَطْعًا وَكُلَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا يَكُونُ مَعْلُومًا مَا عِنْدَهُ قَطْعًا.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَلِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْمَظْنُونَ الَّذِي أَدَّى إلَيْهِ رَأْيُ الْمُجْتَهِدِ يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ بِهِ قَطْعًا وَكَثُرَتْ الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ مُتَوَاتِرَةَ الْمَعْنَى.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ فَرْعُ الْعِلْمِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَطْعِيَّةَ لَيْسَتْ حَاصِلَةً عَنْ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ بَلْ الْحَاصِلُ عَنْهُ هُوَ ظَنُّ الْحُكْمِ فَالْحُكْمُ ظَنِّيٌّ مِنْ حَيْثُ اسْتِفَادَتُهُ مِنْ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ لَكِنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ وَالِاتِّبَاعِ عَلَيْهِ قَطْعًا أَوْصَلَهُ إلَى الْعِلْمِ بِثُبُوتِهِ قَطْعًا وَهَذَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مُفَادِ الدَّلِيلِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الْمَدْلُولِ ظَنِّيًّا وَلِذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ فَإِنْ قُلْت فَمُعْظَمُ مُتَضَمَّنِ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ ظُنُونٌ قُلْنَا لَيْسَتْ الظُّنُونُ فِقْهًا وَإِنَّمَا الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ قِيَامِ الظُّنُونِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ أَخْبَارُ الْآحَادِ وَأَقْيِسَةُ الْفِقْهِ لَا تُوجِبُ عَمَلًا لِذَوَاتِهَا وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ وَهِيَ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ رِوَايَةِ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَإِجْرَاءِ الْأَقْيِسَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ إلَخْ) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَإِنْ زَائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ ظَنِّيٌّ لِظَنِّيَّةِ أَدِلَّتِهِ وَالدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ لَا يُنْتِجُ إلَّا ظَنًّا فَدَلَالَتُهُ ظَنِّيَّةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَدِّمَاتُهُ كُلُّهَا ظَنِّيَّةً أَوْ بَعْضُهَا لَا يُقَالُ إنَّ الْفِقْهَ أَحْكَامٌ قَطْعِيَّةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ طَرِيقٍ قَطْعِيٍّ كَإِجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ بَلَغَ الْمُجْتَهِدَ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِالْتِزَامِ خُرُوجِهَا عَنْهُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ الْأَدِلَّةُ اللَّفْظِيَّةُ لَا تُفِيدُ إلَّا ظَنًّا وَكَذَا مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْفِقْهِ وَمَشَى عَلَيْهِ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَجَعَلَ التَّعْبِيرَ بِالظَّنِّ تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْأَقَلِّ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الضَّرُورِيَّةُ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا فَإِنَّ الْمُجْتَهِدِينَ اسْتَنْبَطُوهَا وَحَصَّلُوهَا عَلَى أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ فَلَيْسَتْ فِي أُصُولِهَا ضَرُورِيَّةً بِمَعْنَى أَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِمْ بِلَا دَلِيلٍ إلَّا أَنَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهَا الْتَحَقَتْ بِضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَلِذَلِكَ كَفَّرُوا جَاحِدَهَا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْمَحْصُولِ قَدْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْفِقْهِ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ إنَّ الْعِلْمَ بِأَحْكَامِ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ لِحُصُولِهِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا بِالِاسْتِدْلَالِ لَيْسَ مِنْ مُسَمَّى الْفِقْهِ فِي شَيْءٍ اهـ.
وَهُوَ كَلَامٌ وَجِيهٌ وَالنَّفْسُ إلَيْهِ أَمْيَلُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ اسْتَنْبَطَهَا الْمُجْتَهِدُونَ بَعِيدٌ فَإِنَّ وُجُوبَ أَمْثَالِهَا مِنْ عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم إلَى الْآنَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فَهِيَ مِنْ الْقَوَاطِعِ يَقِينًا.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ ظَنُّ الْمُجْتَهِدِ) قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ إشْعَارٌ بِأَنَّ عَلَّاقَةَ الْمَجَازِ فِيهِ الْمُجَاوَرَةُ أَوْ الضِّدِّيَّةُ أَوْ الْمُشَابَهَةُ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّ التَّعَارِيفَ تُصَانُ عَنْ الْمَجَازِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَاضِحَةٍ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ بِالظَّنِّ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ هُوَ مَجَازٌ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّهَيُّؤِ شَائِعٌ عُرْفًا فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى الْقَرِينَةِ. اهـ.
أَقُولُ قَدْ أَبْعَدَ الْمَرْمَى حَيْثُ جَعَلَ الْقَرِينَةَ مَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ وَكَيْفَ تَكُونُ قَرِينَةُ الْمَجَازِ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ
سَهْمٌ أَصَابَ وَرَامِيهِ بِذِي سَلَمٍ
…
مَنْ بِالْعِرَاقِ لَقَدْ أَبْعَدْت مَرْمَاك
وَجَعَلَهُ قَوْلَ الشَّارِحِ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّهَيُّؤِ إلَى آخِرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْعِلْمِ فِي الظَّنِّ مَجَازٌ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ مَمْنُوعٌ بِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّهَيُّؤِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْمَلَكَةِ الْمَشْهُورُ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْعِلْمِ وَبَيْنَ الظَّنِّ الَّذِي لَيْسَ مِمَّا يَسْتَغِلُّ فِيهِ لَفْظَ الْعِلْمِ إلَّا الْمَنَاطِقَةُ وَالْكَلَامُ هُنَا بِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ فِي رَدِّ كَلَامِ النَّاصِرِ الْآتِي اعْتَرَفَ بِأَنَّ الشَّارِحَ بَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّ الْعِلْمَ الْمُفَسَّرَ بِهِ الْفِقْهُ وَهُوَ الظَّنُّ وَثَانِيًا أَنَّ الْفِقْهَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ التَّهَيُّؤُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَدْ يُقَالُ إنَّ اعْتِبَارَ الْمُجَاوَرَةِ هَاهُنَا لَا يَتِمُّ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ الْمُرَادُ بِالْمُجَاوَرَةِ مَا يَعُمُّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا حَالًّا فِي الْآخَرِ بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ الْحُلُولِ أَوْ كَوْنَهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ أَوْ كَوْنَهُمَا مُتَلَازِمَيْنِ فِي الْوُجُودِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْخَيَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اهـ.
وَلَا مُلَابَسَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ لَا يُقَالُ
فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً مِنْ أَرْبَعِينَ سُئِلَ عَنْهَا لَا أَدْرِي؛ لِأَنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِلْعِلْمِ بِأَحْكَامِهَا بِمُعَاوَدَةِ النَّظَرِ، وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّهَيُّؤِ شَائِعٌ عُرْفًا يُقَالُ فُلَانٌ يَعْلَمُ النَّحْوَ وَلَا يُرَادُ أَنَّ جَمِيعَ مَسَائِلِهِ حَاضِرَةٌ عِنْدَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ بَلْ إنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِذَلِكَ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ قَيْدٌ وَاحِدٌ جَمْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُعَرَّفَ بِخِطَابِ اللَّهِ الْآتِي
ــ
[حاشية العطار]
الظَّنُّ وَالْعِلْمُ مُتَجَاوِرَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَهُوَ النَّفْسُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْيَقِينِ يَزُولُ الظَّنُّ وَعِنْدَ وُجُودِ الظَّنِّ يَزُولُ الْيَقِينُ فَهُمَا مُتَنَافِيَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ إنْ قِيلَ هُمَا يَتَعَاقَبَانِ فِي الْمَحَلِّ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِمَا بِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُمَا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ قُلْنَا الْمُجَاوَرَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا حَيْثُ يَكُونَانِ مَعًا فِي الْمَحَلِّ.
(قَوْلُهُ: فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مُقَدِّمَةِ التَّمْهِيدِ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا لَا أَدْرِي وَقَدْ وَقَعَ قَوْلُ لَا أَدْرِي لِغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ.
(قَوْلُهُ: بِمُعَاوَدَةِ النَّظَرِ) مِنْ الْعَوْدِ بِمَعْنَى الصَّيْرُورَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٍ عَنْ شُعَيْبٍ عليه السلام {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} [الأعراف: 89] فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمُعَاوَدَةِ يُوهِمُ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ نَظَرٌ فِي تِلْكَ وَنَسِيَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ التَّهَيُّؤِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ مَا اعْتَرَضَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ التَّهَيُّؤَ الْبَعِيدَ حَاصِلٌ لِغَيْرِ الْفَقِيهِ وَالْقَرِيبَ لَا ضَابِطَ لَهُ إذْ لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَيَّ قَدْرٍ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ يُقَالُ لَهُ التَّهَيُّؤُ الْقَرِيبُ وَلَا يَلِيقُ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْجَدِّ الْعِلْمُ وَيُرَادُ بِهِ تَهَيُّؤٌ مَخْصُوصٌ لَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عَلَيْهِ. وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنْ لَا دَلَالَةَ لِلَفْظِ الْعِلْمِ عَلَى تَهَيُّؤٍ مَخْصُوصٍ فَقَوْلُكُمْ لَا ضَابِطَ لَهُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إدْرَاكِ جُزْئِيَّاتِ الْأَحْكَامِ وَقَدْ اُشْتُهِرَ عُرْفًا إطْلَاقُهُ عَلَى هَذِهِ الْمَلَكَةِ أَفَادَهُ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ السُّؤَالِ وَقَدْ اعْتَرَضَ الشِّهَابُ وَالنَّاصِرُ الشَّارِحَ بِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ هَاهُنَا الظَّنُّ مَجَازًا وَذَكَرَ هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّهَيُّؤُ مَجَازًا فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَافٍ.
وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ أَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْنَاهُ هَذَا وَالْأَحْسَنُ مَا أَفَادَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ هُوَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْحَاصِلَةِ لَهُ بِالْفِعْلِ حَاصِلَةً بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ قَالَ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْجَمِيعِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ تَتَزَايَدُ يَوْمًا فَيَوْمًا وَأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ التَّعْرِيفِ فِقْهُ مِثْلِ مَالِكٍ رحمه الله لِثُبُوتِ لَا أَدْرِي فِي حَقِّهِ اهـ.
وَأَقُولُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ مِثْلَ الْمُزَنِيّ وَسَحْنُونٍ الْآخِذِينَ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَالْمُخَرِّجِينَ عَلَى قَوَاعِدِهِمْ لَا يُسَمَّى مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِاجْتِهَادِهِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسَائِلِ الَّتِي اسْتَنْبَطُوهَا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُخَرَّجَةٌ عَلَى قَوَاعِدِ إمَامِهِ وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَادِثَةٍ لَيْسَ لِإِمَامِهِ فِيهَا نَصٌّ أَمَّا مَا خَالَفَ فِيهِ إمَامَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُجْتَهِدًا فِيهِ وَهَذَا فِي أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنهم كَثِيرٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى لِلْمُصَنِّفِ مَا خُلَاصَتُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوُضُوءِ تَفَرُّدَاتِ الْمُزَنِيّ لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَذْهَبِ إذَا لَمْ يُخَرِّجْهَا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَ فِي مَسْأَلَةِ خَلْعِ الْوَكِيلِ أَنَّ الْمُزَنِيّ لَا يُخَالِفُ أُصُولَ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنَّهُمَا يُخَالِفَانِ أُصُولَ صَاحِبِهِمَا اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنْ يَلْحَقَ مَذْهَبَهُ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ بِالْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ مَا انْحَازَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي أَصْلٍ يَتَعَلَّقُ الْكَلَامُ فِيهِ بِقَاطِعٍ وَإِذَا لَمْ يُفَارِقْ
فَخِلَافُ الظَّاهِرِ وَإِنْ آلَ مَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ كَوْنِهِمَا قَيْدَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(وَالْحُكْمُ) الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ بِالْإِثْبَاتِ تَارَةً وَالنَّفْيِ أُخْرَى
ــ
[حاشية العطار]
الشَّافِعِيَّ فِي أُصُولِهِ فَتَخْرِيجَاتُهُ مُخَرَّجَةٌ عَلَى قَاعِدَةِ إمَامِهِ وَإِنْ كَانَ لِتَخْرِيجٍ مُخَرَّجٍ الْتِحَاقٌ بِالْمَذْهَبِ فَأَوْلَاهُ تَخْرِيجُ الْمُزَنِيّ لِعُلُوِّ مَنْصِبِهِ وَتَلَقِّيه أُصُولَ الشَّافِعِيِّ اهـ.
وَفِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ أَنَّ الْمُزَنِيّ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَزِيدُونَ عَلَى اجْتِهَادِهِ اجْتِهَادًا وَلَكِنْ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُزَنِيّ رُبَّمَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ وَانْحَازَ عَنْ الْمَذْهَبِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ اهـ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَوْجُهُ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى مَذْهَبِهِ يُخَرِّجُونَهَا عَلَى أُصُولِهِ وَيَسْتَنْبِطُونَهُ امِنْ قَوَاعِدِهِ وَيَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ اهـ.
قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَقَوْلُهُ وَيَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا إلَى آخِرِهِ يُوهِمُ أَنْ يُعَدَّ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَوْلُ الْفَصْلُ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ وَلَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مَا نَافَى قَوَاعِدَ مَذْهَبِهِ لَمْ يُعَدَّ وَمَا نَاسَبَهَا عُدَّ.
(قَوْلُهُ: فَخِلَافُ الظَّاهِرِ) إذْ الظَّاهِرُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي مَعْرِضِ التَّقْيِيدِ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا قَيْدٌ مُسْتَقِلٌّ لَا جُزْءُ قَيْدٍ قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى تَدْقِيقَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تَعْرِيفَاتِهِمْ أَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَشَايِخِ الْأُصُولِ فَجَعْلُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قَيْدًا وَاحِدًا جَمْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ.
وَفِي سم كَلَامٌ طَوِيلٌ تَرَكْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ التَّعْمِيمِ فِي مَوْضُوعِ الْعِلْمِ مَعَ قِلَّةِ جَدْوَاهُ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي ذَلِكَ التَّعْمِيمِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ آلَ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي الِاحْتِرَازِ إذْ يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا يُحْتَرَزُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ.
(قَوْلُهُ: الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ لِتَبَادُرِ ذِهْنِ الْأُصُولِيِّ عِنْدَ سَمَاعِهِ إلَيْهِ وَكَذَا ذِهْنُ طَالِبِ الْأُصُولِ إذْ عُلِمَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ أَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَلَيْسَتْ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ كَمَا يُوهِمُهُ ذِكْرُهُ عَقِبَ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ الْأَحْكَامُ حَتَّى يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ وَهُوَ هَذَا الْمَعْنَى لِلُزُومِ اسْتِدْرَاكِ قَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ الْحُكْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَكُونُ إلَّا شَرْعِيًّا وَيَلْزَمُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الْمُعَرَّفُ بِهِ الْفِقْهُ تَصَوُّرًا لِتَعَلُّقِهِ بِمُفْرَدٍ وَهُوَ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنِسْبَةٍ مَعَ أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ قَبِيلِ التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصْدِيقَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسَائِلِ، ثُمَّ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي هُنَا كَلَامٌ فِي تَقْسِيمِ أَلْ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَذْهَبَيْ النُّحَاةِ وَالْبَيَانِيِّينَ فِيهَا هُوَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُحَرَّرٍ كَمَا يُعْلَمُ بِالْوُقُوفِ عَلَى حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ تَطْوِيلٌ بِمَا لَا دَاعِيَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ تَسَاهُلٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ جَارٍ بَيْنَ الْبَيَانِيِّينَ وَلَيْسَ لِلنُّحَاةِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ صِنَاعَتِهِمْ وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ تَبَعًا لِلْبَيَانِيِّينَ لِتَعَلُّقِ غَرَضٍ لَفْظِيٍّ بِهِ كَذِكْرِهِمْ نِكَاتَ حَذْفِ الْفَاعِلِ فِي بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ فَلَا تُفْعَلُ وَآثَرَ التَّعْبِيرَ بِالْمُتَعَارَفِ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ أَخْصَرِيَّتِهِ إشَارَةً إلَى أَتَمِّيَّةِ الْمَعْرِفَةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: بِالْإِثْبَاتِ تَارَةً إلَخْ) كَقَوْلِهِ الْحُكْمُ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَهَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى وَجْهِ ذِكْرِ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَهُوَ الْبَحْثُ عَنْ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ لَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ ذَكَرَ الْحُكْمَ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ قَبْلَهُ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْحُكْمِ وَلِذَلِكَ جُعِلَتْ أَلْ لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالْإِثْبَاتِ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ السَّبَبِيَّةِ وَلَا تَنَاقُضَ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ تَارَةً؛ لِأَنَّ كُلًّا بِاعْتِبَارٍ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَالْإِثْبَاتَ بَعْدَهَا أَوْ هُمَا بِالنَّظَرِ لِحَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي، ثُمَّ إنَّ تَوَقُّفَ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ بِالْوَاسِطَةِ فَإِنَّ إثْبَاتَ الْأُصُولِيِّ لَهُ وَنَفْيَهُ لَيْسَ مِنْ الْمَسَائِلِ بَلْ مِنْ الْمَبَادِئِ فَذِكْرُهُ إنَّمَا هُوَ لِتَوَقُّفِ بَعْضِ
(خِطَابُ اللَّهِ) أَيْ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ الْأَزَلِيُّ الْمُسَمَّى فِي الْأَزَلِ
ــ
[حاشية العطار]
الْمَبَادِئِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ تَوَقُّفُ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى الْمُتَوَقِّفِ عَلَى شَيْءٍ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: خِطَابُ اللَّهِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُصْطَلَحَ هُوَ مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ كَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا هُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا نَفْسِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ نَفْسُ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَفْعَلُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِالذَّاتِ بَلْ الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ إذَا نُسِبَ لِلْحَاكِمِ يُسَمَّى إيجَابًا وَإِذَا نُسِبَ إلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ وَهُوَ الْفِعْلُ يُسَمَّى وُجُوبًا وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْإِيجَابِ يُقَالُ أَوْجَبَ الْفِعْلَ فَوَجَبَ فَكَيْفَ يَكُونُ عَيْنَهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرَتُّبُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارٍ عَلَى نَفْسِهِ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إذْ مَرْجِعُهُ إلَى تَرَتُّبِ أَحَدِ الِاعْتِبَارَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُك ضَرَبْت تَأْدِيبًا مَعَ أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ التَّأْدِيبُ هُوَ الضَّرْبُ إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ فِعْلًا مُؤْلِمًا اُعْتُبِرَ ضَرْبًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ قُصِدَ بِهِ التَّأَدُّبُ تَأْدِيبٌ، ثُمَّ عَلَّلَ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ نَفْسِهِ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَاعْتَبَرَ أَنَّهُ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي مُتَرَتِّبٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ السَّيِّدَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ حَقَّقَ أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ الْإِيجَابِ وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ الْوَاضِحُ أَنَّ كَلَامَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ أَثَرُ الْخِطَابِ هَذَا وَلَوْ حُمِلَ الْخِطَابُ عَلَى مَا خُوطِبَ بِهِ أَيْ مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ وَهُوَ الْأَثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا فَحِينَئِذٍ يُرَادُ بِالْحُكْمِ مَا حُكِمَ بِهِ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ لَا يُنَاسِبُ الْحَمْدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْخِطَابَ بِالْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ إلَخْ وَهُوَ مَا وَقَعَ بِهِ التَّخَاطُبُ.
وَفِي سم كَلَامٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ هَاهُنَا وَأَرَادَ أَيْضًا عَدَمَ تَنَاوُلِ الْحُكْمِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ مَا ثَبَتَ بِنَحْوِ الْقِيَاسِ إذْ لَا خِطَابَ فِيهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ وَنَحْوَهُ كَاشِفٌ عَنْ خِطَابِهِ تَعَالَى وَمُعَرِّفٌ لَهُ.
1 -
(قَوْلُهُ: أَيْ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ) الْخِطَابُ فِي الْأَصْلِ تَوْجِيهُ الْكَلَامِ نَحْوَ الْغَيْرِ لِلْإِفْهَامِ، ثُمَّ نَقُلْ إلَى الْكَلَامِ الْمُخَاطَبِ بِهِ وَهُوَ مَا أَرَادَهُ الشَّارِحُ وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَنَوِّعَ إلَى الْأَقْسَامِ الْآتِيَةِ هُوَ هَذَا لَا الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَقَيَّدَ الْكَلَامَ بِالنَّفْسِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظِيَّ لَيْسَ بِحُكْمٍ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الْمُخْتَصَرِ وَوَصْفُهُ بِالْأَزَلِيِّ بَعْدَ وَصْفِهِ بِالنَّفْسِيِّ مِنْ قَبِيلِ الْوَصْفِ بِاللَّازِمِ لَا مَا قَالَهُ الشِّهَابُ مِنْ أَنَّهُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْمَوْصُوفِ كَقَوْلِهِمْ الْجِسْمُ الطَّوِيلُ الْعَرِيضُ الْعَمِيقُ لَهُ فَرَاغٌ يَشْغَلُهُ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَنَّ الْأَزَلِيَّ قِيلَ هُوَ مُرَادِفُ الْقَدِيمِ وَقِيلَ أَعَمُّ لِتَخْصِيصِ الْقَدِيمِ بِمَا لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَزَلِ) قَالَ الشِّهَابُ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالْمُسَمَّى وَلَا كَوْنُهُ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ فِيهِ لِاسْتِلْزَامِهِمَا وُجُودَ التَّسْمِيَةِ فِي الْأَزَلِ بَلْ وُجُودُ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ لِقَوْلِهِ حَقِيقَةً إذْ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا اهـ.
قَالَ سم لَا شُبْهَةَ فِي قُوَّةِ هَذَا الْإِشْكَالِ وَصُعُوبَتِهِ نَعَمْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ لَكِنْ عَلَى مَعْنَى الْمُسَمَّى فِيمَا لَا يَزَالُ حَالَ كَوْنِهِ
خِطَابًا حَقِيقَةً عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَيَأْتِي (الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ) أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا
ــ
[حاشية العطار]
مَلْحُوظًا فِي الْأَزَلِ أَيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْآنَ هَذَا اللَّفْظُ إطْلَاقًا حَقِيقِيًّا بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْحَالَةِ وَبِمُلَاحَظَتِهَا أَيْ بِاعْتِبَارِ تَقَدُّمِ وُجُودِهِ وَعَدَمِ أَوَّلِيَّتِهِ انْتَهَى وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ وَلَوْ قِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ التَّسْمِيَةَ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْإِشْكَالِ بَلْ الْمَعْنَى مُقَدَّرًا تَسْمِيتَةُ بِذَلِكَ لَتَمَّ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّجَّارِيِّ إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِالْمُسَمَّى وَالْمُسَمَّى بِذَلِكَ هُوَ اللَّهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ سَمَّاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْهِجَائِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ بَلْ بِاسْمٍ إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِحُرُوفٍ هِجَائِيَّةٍ كَانَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَطَّرَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَسْمِيَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ لِلْأُصُولِيِّينَ وَلَوْ أَصْطَلَحُوا عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِغَيْرِ هَذَا الِاسْمِ لَسَاغَ لَهُمْ كَبَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا أَرْبَابُ الِاصْطِلَاحِ وَلَيْتَ شِعْرِي مَاذَا يَصْنَعُ فِي مُقَابِلِ هَذَا الْقَوْلِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ لَا يُسَمَّى فِي الْأَزَلِ خِطَابًا بَلْ فِيمَا لَا يَزَالُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: حَقِيقَةً) كَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُقَالُ إطْلَاقُ الْخِطَابِ عَلَيْهِ مَجَازٌ وَالْحُدُودُ تُصَانُ عَنْ الْمَجَازِ اهـ.
وَأَقُولُ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنَّهُ إشَارَةٌ إلَى مُقَابِلٍ لَهُ وَأَمَّا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ فِي ذَلِكَ فَطَرِيقَةُ النَّقْلِ عَنْهُمْ لَا دَعْوَى التَّصْحِيحِ الْمُشْعِرِ بِضَعْفِ مُقَابِلِهِ بَلْ هُوَ إشَارَةٌ إلَى مُخْتَارِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ قِدَمِ الْحُكْمِ وَالْخِطَابِ بِنَاءً عَلَى أَزَلِيَّةِ تَعَلُّقَاتِ الْكَلَامِ وَتَنَوُّعِهِ فِي الْأَزَلِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَغَيْرِهِمَا وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ كَمَا سَيَأْتِي أَيْ فِي تَوْجِيهِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً مِنْ أَنَّهُ نَزَّلَ الْمَعْدُومَ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ وَالْخِطَابَ حَادِثَانِ بِنَاءً عَلَى حُدُوثِ تَعَلُّقَاتِ الْكَلَامِ وَعَدَمِ تَنَوُّعِهِ فِي الْأَزَلِ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ حَقِيقَةً عَلَى الْأَصَحِّ إلَى أَنَّ تَفْسِيرَ خِطَابِ اللَّهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ الْأَزَلِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ أَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَيُفَسَّرُ الْخِطَابُ بِالْكَلَامِ الْمُوَجَّهِ لِلْإِفْهَامِ أَوْ الْكَلَامِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ إفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِفَهْمِهِ اهـ.
فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الْخِطَابُ فِي الْأَزَلِ مُتَعَلِّقًا بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ يَلْزَمُ طَلَبُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ الْمَعْدُومِ وَهُوَ سَفَهٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ السَّفَهَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ مِنْ الْمَعْدُومِ حَالَ عَدَمِهِ.
وَأَمَّا طَلَبُهُ مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ فَلَا كَمَا إذَا قَدَّرَ الرَّجُلُ ابْنًا لَهُ فَأَمَرَهُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَالَ الْوُجُودِ وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَفْعَلَ فِيمَا يَزَالُ فَلَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ) قَالَ الشِّهَابُ كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِيَعْنِي بَدَلَ أَيْ اهـ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ وَالْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلْمُكَلَّفِ الْمَلْزُومِ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْبَالِغِ الْعَاقِلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَقَدْ فَسَّرَهُ هُنَا بِالْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَفِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْمَلْزُومِ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ لِسَلَامَتِهِ هُنَا مِنْ نَوْعِ تَكْرَارٍ فِي الْمَعْنَى إذْ مِنْ جُمْلَةِ التَّعَلُّقِ الْإِلْزَامُ فَيَصِيرُ حَاصِلَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْمُلْزِمِ بِالْفِعْلِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُلْزَمِ بِالْفِعْلِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَفَسَّرَهُ فِيمَا يَأْتِي بِالْمَلْزُومِ إلَخْ مُرَاعَاةً لِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ إذْ لَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ لِلْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَهُوَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ.
(قَوْلُهُ: تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا) أَيْ صُلُوحِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ مُسْتَجْمِعًا لِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِهِ وَهَذَا التَّعْلِيقُ قَدِيمٌ بِخِلَافِ التَّنْجِيزِيِّ فَإِنَّهُ حَادِثٌ
قَبْلَ وُجُودِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَتَنْجِيزِيًّا بَعْدَ وُجُودِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا كَمَا سَيَأْتِي
ــ
[حاشية العطار]
لِأَنَّهُ التَّعَلُّقُ بِالْفِعْلِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَتَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ. .
1 -
(قَوْلُهُ: قَبْلَ وُجُودِهِ) وَكَذَا بَعْدَهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَكَذَا بَعْدَ الْبَعْثَةِ غَيْرُ مُسْتَكْمِلٍ بَقِيَّةَ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ كَالْعِلْمِ بِالْبَعْثَةِ وَبُلُوغِ الْأَحْكَامِ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا) قَالَ الشِّهَابُ سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمَتْنِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ مِنْهُ وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَبِهِ يُوَجَّهُ كَلَامُهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَيْنِ مَعًا يُعْتَبَرَانِ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ الَّذِي أَسْلَفْنَاهُ وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ هُنَا " وَتَنْجِيزِيًّا " دُونَ " أَوْ تَنْجِيزِيًّا " وَقَالَ الْعَضُدُ فِي تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْخِطَابِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ الْكَلَامُ الَّذِي عُلِمَ أَنَّهُ يُفْهَمُ فَيُسَمَّى وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ الْكَلَامُ الَّذِي أَفْهَمَ لَمْ يَكُنْ خِطَابًا وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّ الْكَلَامَ حُكْمٌ فِي الْأَزَلِ أَوْ يَصِيرُ حُكْمًا فِيمَا لَا يَزَالُ اهـ.
فَأَنْتَ تَرَاهُ صَرَّحَ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ التَّنْجِيزِيِّ اهـ.
قَالَ سم وَحَاصِلُهُ مُنَازَعَةُ الشَّارِحِ فِي اعْتِبَارِ التَّنْجِيزِيِّ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ، وَصَرِيحُ الْعَضُدِ بِخِلَافِهِ.
وَأَقُولُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِظَاهِرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ وَمُجَرَّدُ مُخَالَفَةِ الْعَضُدِ لَا تَقْدَحُ فِي ذَلِكَ لِلْقَطْعِ بَعْدَ الْتِزَامِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ تَقْلِيدَ الْعَضُدِ مَعَ الْقَطْعِ بِاطِّلَاعِهِمَا عَلَى كَلَامِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ اتِّفَاقُ الْقَوْمِ عَلَى مَا قَالَهُ بَلْ لَوْ فُرِضَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَيْهِ جَازَ لَهُمَا الْمُخَالَفَةُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى مَا شَاءَ إذْ لَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ اهـ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ بِهِ مَعَ قَيْدِ الْآخَرِ فِي الْخَارِجِ إذْ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ صِفَةِ التَّنْجِيزِ وَمُقَابِلِهِ مَعًا كَمَا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ قَبْلِيَّةِ الْوُجُودِ مَعَ بَعْدِيَّتِهِ بِالنَّظَرِ إلَى مُكَلَّفٍ وَاحِدٍ حَتَّى يُوجَدَ التَّعَلُّقَانِ فِي الْخَارِجِ مَعًا وَيَكُونَ الْخِطَابُ مُتَّصِفًا بِالتَّعَلُّقَيْنِ مَعًا بِأَنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا أَيْضًا وَالْأَقْرَبُ فِي مِثْلِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالتَّعَلُّقَيْنِ بِكُلِّ تَعَلُّقٍ فِي وَقْتِهِ أَيْ أَنَّهُ بِحَيْثُ يَتَعَلَّقُ قَبْلَ الْوُجُودِ بِهَذَا الْوَجْهِ وَبَعْدَهُ بِذَلِكَ الْوَجْهِ وَهَذَا الِاتِّصَافُ دَائِمِيٌّ لِلْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأَفْعَالِ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُتَبَادَرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِ الصِّفَتَيْنِ مَعًا فِي وَقْتٍ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ كُلٍّ فِي وَقْتِهَا الَّتِي هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِهِ وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ الْحُكْمِ بِعَدَمِ وُجُودِ التَّنْجِيزِيِّ فَإِنَّ اللَّازِمَ وُجُودُ التَّنْجِيزِيِّ فِي وَقْتِهِ لَا دَائِمًا وَإِنَّمَا اللَّازِمُ دَائِمًا هُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا جَاءَ وَقْتُ التَّنْجِيزِ تَنَجَّزَ وَهَذَا مَوْجُودٌ بِلَا رَيْبٍ وَكَذَلِكَ يُشْكِلُ قَوْلُهُ هُنَا إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّارِحَ أَرَادَ أَنَّهُ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا فِي الْحَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا فِيمَا قَبْلُ وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَةُ الْعِبَارَةِ عَلَيْهِ قَاصِرَةً وَإِنَّ حَمْلَ الْمَتْنِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقٌ لَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ تَعَلُّقٍ فَيَكْفِي فِي صِدْقِهِ أَدْنَى تَعَلُّقٍ فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا التَّعَلُّقِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَا يَذْهَبُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْقَوْمِ وَمُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ.
فَالِاعْتِذَارُ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ وَلَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ مِمَّا لَا يُقْبَلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ يُؤْخَذُ عَلَى إطْلَاقِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ هُنَا ضَرُورَةً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُ اصْطِلَاحَاتِ الْفُنُونِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا لِمَكَانِ الْإِلْبَاسِ وَإِيهَامِ أَنَّهُ اصْطِلَاحُ أَهْلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَا اصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا لِأَغْرَاضٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ فَتَغْيِيرُ تِلْكَ الِاصْطِلَاحَاتِ كَثِيرًا يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ تِلْكَ الْأَغْرَاضِ وَتَرْتَفِعُ الثِّقَةُ بِالنَّقْلِ عَنْ الْمُصْطَلَحِ الْأَوَّلِ وَأَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَهُوَ عَبَثٌ يُحْتَرَزُ عَنْ مِثْلِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّا إذَا أَخَذْنَا فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ التَّعَلُّقَ التَّنْجِيزِيَّ بَعْدَ الْبَعْثَةِ لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِالضَّرُورَةِ وَصَارَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ لَغْوًا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَكَيْفَ ذَكَرُوهُ وَعَدُّوهُ مَسْأَلَةً وَالْمَسَائِلُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَظَرِيَّةً وَقَدْ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] وَنَقَلُوا فِيهِ خِلَافَ الْمُعْتَزِلَةِ إلَخْ يَرُدَّانِ قَوْلَهُ إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَالْأَقْرَبُ أَنْ لَا يُجْعَلَ جُزْءًا مِنْ التَّعْرِيفِ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِوَقْتِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِتَقْدِيرٍ وَذَلِكَ بَعْدَ
(مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ) أَيْ مُلْزَمٌ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي فَتَنَاوَلَ الْفِعْلَ الْقَلْبِيَّ الِاعْتِقَادِيَّ وَغَيْرَهُ وَالْقَوْلِيَّ وَغَيْرَهُ وَالْكَفَّ وَالْمُكَلَّفَ الْوَاحِدَ كَالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَصَائِصِهِ وَالْأَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدِ وَالْمُتَعَلِّقَ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ الثَّلَاثَةِ
ــ
[حاشية العطار]
الْبَعْثَةِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ لُزُومِ لَغَوِيَّةِ قَوْلِهِمْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ تَأَمَّلْ جِدًّا.
(قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَقْيَسُ أَوْ فَتْحِهَا أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْكِسَائِيّ بِجَوَازِ إضَافَةِ حَيْثُ إلَى الْمُفْرَدِ أَوْ بِتَقْدِيرِ أَنْ يُجْعَلَ أَنَّ وَمَعْمُولَهَا فِي التَّقْدِيرِ اسْمَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ ثَابِتٌ فَعَدُّ الْفَتْحِ لَحْنًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مُلْزَمٌ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ يُوجِبُ الدَّوْرَ إذْ التَّكْلِيفُ بِمَعْنَى إلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ نَوْعٌ مِنْ الْحُكْمِ فَإِدْخَالُهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ دَوْرٌ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَذَا سَهْوٌ؛ لِأَنَّ أَخْذَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْحُكْمِ فِي تَعْرِيفِهِ لَا يُوجِبُ الدَّوْرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِدُونِ تَعَقُّلِ مَفْهُومِ الْحُكْمِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
وَأَقُولُ هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْفَ وَالْمُكَلَّفُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مَفْهُومُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الذَّاتِ وَالْوَصْفِ كَمَا هُوَ حَالُ الْمُشْتَقَّاتِ وَتَعَقُّلُ مَفْهُومِ الْمُرَكَّبِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَعَقُّلِ كُلٍّ مِنْ جُزْئَيْهِ وَالتَّكْلِيفُ أَحَدُ جُزْئَيْهِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إلَخْ مَمْنُوعٌ إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَقُّلُ الذَّاتِ مُجَرَّدَةً عَنْ الْوَصْفِ فِي مَفْهُومِ الْمُشْتَقِّ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ وَارْتِكَابُ التَّجْرِيدِ فِي مِثْلِهِ مُخِلٌّ بِالتَّعْرِيفِ (قَوْلُهُ: فَيَتَنَاوَلُ) أَيْ التَّعْرِيفَ لَا الْفِعْلَ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ قَوْلُهُ الْآتِي وَالْمُتَعَلِّقَ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ الثَّلَاثَةِ إذَا الْمُتَعَلِّقُ هُنَاكَ صِفَةُ الْخِطَابِ اهـ.
وَأَقُولُ يَصِحُّ رَفْعُ الْفِعْلِ وَنَصْبُ الْقَلْبِيِّ وَكَذَا رَفْعُ الْمُكَلَّفِ وَنَصْبُ الْوَاحِدِ وَرَفْعُ الْمُتَعَلِّقِ وَيُجْعَلُ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرًا أَيْ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ تَبَاعُدًا عَنْ التَّكْرَارِ اللَّفْظِيِّ مَعَ ظُهُورِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ إسْنَادَ التَّنَاوُلِ إلَى ضَمِيرِ التَّعْرِيفِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ مَجَازٌ إذْ الْمُتَنَاوَلُ الْفِعْلُ أَوْ الْمُكَلَّفُ أَوْ الْمُتَعَلِّقُ (قَوْلُهُ: الِاعْتِقَادِيَّ) أَيْ كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ فِعْلٌ لِلنَّفْسِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ نَفْسَهُ بَلْ بِأَسْبَابِهِ الْمُحَصِّلَةِ لَهُ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُعَدُّ فِعْلًا عُرْفًا لَا يَنْفَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ كَوْنَهُ لَيْسَ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ مَقْدُورٌ بِنَفْسِهِ لِلْمُكَلَّفِ وَلَا يَتَعَلَّقُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ إلَّا بِهِ نَفْسِهِ أَفَادَهُ سم وَبِهِ يَظْهَرُ لَك مَا رَدَدْنَا بِهِ كَلَامَهُ سَابِقًا فِي إدْخَالِ مِثْلِ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ وَاجِبٌ تَحْتَ مَوْضُوعِ عِلْمِ الْفِقْهِ إذْ حَاوَلَ هُنَاكَ أَنَّ الِاعْتِقَادَ فِعْلٌ.
وَأَمَّا أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ هَلْ هُوَ الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ أَوْ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ فَسَيَأْتِي فِي الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي حَاشِيَةِ الْمَقُولَاتِ الصُّغْرَى.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الِاعْتِقَادِيِّ وَهُوَ الْفِعْلُ الْقَلْبِيُّ الَّذِي لَيْسَ اعْتِقَادِيًّا كَالنِّيَّةِ وَالْفِعْلِ الْقَوْلِيِّ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقَوْلُهُ وَغَيْرَهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفِعْلِ الْقَلْبِيِّ وَالْقَوْلِيِّ كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَفْعَالِ مِثْلِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ أَوْ غَيْرِ الْقَوْلِيِّ وَهُوَ أَقْرَبُ (قَوْلُهُ وَالْكَفَّ) أَيْ كَفَّ النَّفْسِ وَزَجْرَهَا الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ النَّهْيِ فَعَطْفُهُ عَلَى الْقَوْلِيِّ عَطْفٌ خَاصٌّ أَتَى بِهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَدَمِ شُمُولِ التَّعْرِيفِ لَهُ النَّاشِئِ عَنْ تَوَهُّمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا.
(قَوْلُهُ: وَالْمُكَلَّفَ الْوَاحِدَ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ اسْمُ جَمْعٍ يَصْدُقُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَالتَّعْبِيرُ بِهِ أَظْهَرُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمُكَلَّفِينَ لِظُهُورِ الْمُرَادِ فِي الْجِنْسِ دُونَ الْجَمْعِ وَفِي إدْخَالِ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ كَالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَصَائِصِهِ إدْخَالٌ لِنَحْوِ خُزَيْمَةَ فِي جَعْلِ شَهَادَتِهِ شَهَادَةَ اثْنَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدِ) فِيهِ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى نَحْمَدُك عِنْدَ قَوْلِهِ الْأَخْصَرُ مِنْهُ سُؤَالًا وَجَوَابًا فَلَا إعَادَةَ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُتَعَلِّقَ) أَيْ وَالْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ عَطْفٌ عَلَى الْفِعْلِ أَيْضًا قَالَ سم وَسَهَا شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ فِي بَعْضِ مَرَّاتِ تَدْرِيسِ الشَّرْحِ فَقَالَ
مِنْ الِاقْتِضَاءِ الْجَازِمِ وَغَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ الْآتِيَةِ لِتَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ
ــ
[حاشية العطار]
وَالْفِعْلُ الْمُتَعَلِّقُ وَعَلَّقُوهُ عَنْهُ فَاحْذَرْهُ (وَقَوْلُهُ بِأَوْجُهِ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَعَلِّقِ وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ قَبِيلِ مُلَابَسَةِ الشَّيْءِ لِأَوْصَافِ أَنْوَاعِهِ وَلَيْسَتْ صِلَةَ الْمُتَعَلِّقِ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْخِطَابِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ لَا تِلْكَ الْأَوْجُهَ وَلِأَنَّ مَعْنَى تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِشَيْءٍ بَيَانُ حَالِهِ مِنْ كَوْنِهِ مَطْلُوبًا أَوْ غَيْرَهُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْخِطَابُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَلْ الْخِطَابُ مُتَّصِفٌ بِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الِاقْتِضَاءِ) بَيَانٌ لِأَوْجُهِ وَالْمُرَادُ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ أَوْ الْكَفِّ فَيَشْمَلُ الِاقْتِضَاءَ الْجَازِمَ الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَغَيْرَ الْجَازِمِ لِيَشْمَلَ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ وَقَوْلُهُ وَالْآتِيَةِ صِفَةٌ لِمَدْخُولَاتِ مِنْ أَوْ لِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
(قَوْلُهُ: لِتَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ) عِلَّةٌ لِشُمُولِ التَّعْرِيفِ الْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ الثَّلَاثِ بِجَعْلِ الْحَيْثِيَّةِ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَعْنَيَيْهَا مَعًا وَهُمَا التَّقْيِيدُ وَالتَّعْلِيلُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ التَّعَلُّقُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ وَهُوَ مَعْنَى التَّقْيِيدِ أَوْ بِسَبَبِ وُجُودِ الْإِلْزَامِ وَلِأَجْلِ تَحَقُّقِهِ وَهُوَ مَعْنَى التَّعْلِيلِ فَتَنَاوَلَتْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةُ الْأَوَّلَ وَهُوَ الِاقْتِضَاءُ الْجَازِمُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّقْيِيدِ وَتَنَاوَلَتْ الْأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الِاقْتِضَاءُ غَيْرُ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْخِطَابِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِفِعْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَالْمُرَادُ بِتَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ لِلثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا تُجَامِعُهَا وَلَا تُخْرِجُهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ دُخُولَهَا فِيمَا قَبْلَهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا حَتَّى يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْقَصْدِ بِهَا إدْخَالُ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلْقَطْعِ بِدُخُولِهَا فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْهَا فَعُلِمَ انْدِفَاعُ قَوْلِ التَّفْتَازَانِيِّ لَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِبَارَ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ الْإِبَاحَةِ بَلْ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَصْرِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى التَّقْيِيدِ وَانْدِفَاعِ مَا أَوْرَدَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مِنْ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ التَّعْرِيفِ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الْإِلْزَامُ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِأَجْلِ الْإِلْزَامِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِلْزَامَ نَفْسَهُ.
وَأَيْضًا الْمَعْهُودُ أَنَّ الْحَيْثِيَّاتِ تُعْتَبَرُ لِلْإِخْرَاجِ وَالِاحْتِرَازِ لَا لِلْإِدْخَالِ كَمَا قَالَهُ اهـ.؛ لِأَنَّ مَبْنَى إيرَادِهِ الْأَوَّلِ عَلَى قَصْرِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى التَّعْلِيلِ وَمَبْنَى إيرَادِهِ الثَّانِي عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الْإِدْخَالُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إخْرَاجُ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ تَكُونُ لِلْإِدْخَالِ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ اهـ.
مُلَخَّصًا مِنْ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي كِلَا مَعْنَيَيْهِ مَعًا مَجَازٌ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فَحَمْلُ التَّعْرِيفِ عَلَى مِثْلِهِ بَعِيدٌ سِيَّمَا مَعَ خَفَاءِ الْقَرِينَةِ، ثُمَّ إنَّ صَرْفَ الْحَيْثِيَّةِ التَّقْيِيدِيَّةِ إلَى بَعْضِ أَقْسَامِ التَّعَلُّقِ وَالتَّعْلِيلِيَّةِ إلَى بَعْضٍ آخَرَ يُوجِبُ بُعْدًا آخَرَ فِي الْكَلَامِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ الَّذِي لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ وَحِينَئِذٍ فَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ الْحَيْثِيَّةُ التَّقْيِيدِيَّةُ وَمُرَادُ الشَّارِحِ عُمُومُ التَّكْلِيفِ لِلتَّكْلِيفِ أَصَالَةً وَتَبَعًا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَصَالَةً كَنَفْسِ الْإِلْزَامِ أَوْ تَبَعًا كَتَوَابِعِ الْإِلْزَامِ وَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَيْثِيَّةَ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَقَرَّرَ تَقْتَضِي شُمُولَ التَّعْرِيفِ لِخِطَابِ الْوَضْعِ إذْ يَصْدُقُ عَلَى الْخِطَابِ الْوَارِدِ بِكَوْنِ الزِّنَا سَبَبًا لِلْحَدِّ مَثَلًا أَنَّهُ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ الزِّنَا لِأَجْلِ أَنَّهُ مُلْزَمٌ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ إذْ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ
لِلْأَخِيرَيْنِ مِنْهَا كَالْأَوَّلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدَا أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِمَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَخَرَجَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَذَوَاتِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْجَمَادَاتِ كَمَدْلُولَيْ {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} [البقرة: 255] {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102]{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} [الأعراف: 11]{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف: 47] وَبِمَا بَعْدَهُ مَدْلُولُ وَمَا تَعْمَلُونَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى
ــ
[حاشية العطار]
يُوجَدْ أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّ غَرَضَهُ إخْرَاجُ خِطَابِ الْوَضْعِ كَمَا سَيُفْصِحُ عَنْهُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ الَّذِي أَثْبَتَ بِهِ الشَّارِحُ تَبَعِيَّةَ الِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرَ لِلتَّكْلِيفِ حَاصِلُهُ الدَّوَرَانُ وَمَحَلُّ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ لَا مُضَاعِفَ لَهُ وَقَدْ أَضْعَفْته بِالنِّسْبَةِ إلَى خِطَابِ الْوَضْعِ بِثُبُوتِ خِطَابِ الْوَضْعِ فِي حَقِّ مَنْ انْتَفَى عَنْهُ التَّكْلِيفُ كَمَا فِي غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِخِلَافِ الِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ إذْ لَمْ يَثْبُتَا فِي حَقِّ مَنْ انْتَفَى عَنْهُ التَّكْلِيفُ أَصْلًا. .
(قَوْلُهُ: لِلْأَخِيرَيْنِ) أَيْ لِلِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ كَالْأَوَّلِ الظَّاهِرِ أَيْ الِاقْتِضَاءِ الْجَازِمِ، فَإِنَّ تَنَاوُلَ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ لَهُ ظَاهِرٌ، وَلِلْأَخِيرَيْنِ خَفِيٌّ؛ لِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ الْجَازِمَ هُوَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَذَلِكَ مَعْنَى التَّكْلِيفِ.
وَأَمَّا الِاقْتِضَاءُ غَيْرُ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرُ فَلَا إلْزَامَ فِيهِمَا، فَفِي تَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ لَهُمَا خَفَاءٌ وَبَيَّنَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدْ أَيْ وَلَوْلَا ثُبُوتُ تَعَلُّقِ إلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ لَمْ يَثْبُتْ تَعَلُّقُهُمَا حَتَّى إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ تَعَلُّقُ إلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ قَبْلَ ثُبُوتِ تَعَلُّقِ الِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُمَا مُنْتَفِيَانِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَائِهِ أَيْ وَبَعْدَ الْبَعْثَةِ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ تَعَلُّقُهُمَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ تَعَلُّقُ إيجَابِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم.
(قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِمَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الِانْتِفَاءِ قَبْلَهَا لَا يَقْتَضِي كَوْنَ خُصُوصِ بَعْضِهَا عِلَّةً فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ انْتِفَاءً وَوُجُودًا.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الِانْتِفَاءِ قَبْلَهَا وَالثُّبُوتِ بَعْدَهَا يَتَضَمَّنُ الدَّوَرَانَ وَهُوَ مِنْ مَسَالِكِ الْغَايَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ فَيَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ بَعْضِهَا لِلْبَعْضِ الْآخَرِ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا تَعْيِينُ خُصُوصِ التَّكْلِيفِ لِلْعِلِّيَّةِ دُونَ الْعَكْسِ فَلِمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ أَصَالَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَكَوْنِهِ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مِنْ الْبَعْثَةِ (قَوْلُهُ:، ثُمَّ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ بِخُرُوجِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالسُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقِيَاسِ إذْ لَا خِطَابَ. وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ كُلًّا مِمَّا ذُكِرَ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ لَهُ أَيْ إنَّهُ كَاشِفٌ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُعَرِّفٌ لَهُ وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا أَدِلَّةً لِأَحْكَامٍ. أَفَادَهُ سم. وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَا إشْعَارَ فِي الْكَلَامِ بِوُرُودِ اعْتِرَاضٍ أَصْلًا وَإِنَّمَا الْوَجِيهُ أَنَّهُ لَمَّا فَسَّرَ الْخِطَابَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِذَاتِهِ أَعْنِي الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الْأَزَلِيَّ أَشَارَ إلَى مَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْ دَلِيلِهِ تَكْمِيلًا لِلْبَيَانِ وَتَوْضِيحًا لِلْمَقَامِ فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ النَّجَّارِيُّ مِنْ أَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا إطْلَاعٌ لَنَا عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ إثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا لَا خُرُوجًا وَلَا دُخُولًا؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى فَمَا الطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الطَّرِيقَ إلَيْهِ الْأَلْفَاظُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالسُّنِّيَّةُ لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ) لَمْ يَخْرُجْ بِقَوْلِهِ الْمُتَعَلِّقُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلْخِطَابِ إذْ خِطَابُهُ تَعَالَى لَا يَخْلُو عَنْ تَعَلُّقٍ بِشَيْءٍ.
(قَوْلُهُ: بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ) أَيْ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} [البقرة: 255] مِثَالٌ لِلْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ وَوُجُوبِهَا وقَوْله تَعَالَى {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] مِثَالٌ لِلْمُتَعَلِّقِ بِصِفَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَذَوَاتِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْجَمَادَاتِ) بَقِيَ عَلَيْهِ ذَوَاتُ الْبَشَرِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ وَبَقِيَّةُ الْحَيَوَانَاتِ وَأَفْعَالُهُمَا وَصِفَاتُهُمَا وَصِفَاتُ الْمُكَلَّفِينَ الَّتِي لَيْسَتْ أَفْعَالًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي بَيَانِ الْإِخْرَاجِ بِالْعِنْوَانِ التَّنْصِيصُ عَلَى كُلِّ مَا خَرَجَ بَلْ يَكْفِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْبَعْضِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ) قَالَ النَّاصِرُ
وَلَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مُخَاطَبٌ بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ فِي مَالِهِمَا مِنْهُ كَالزَّكَاةِ
ــ
[حاشية العطار]
هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ.
وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ فَهُوَ أَيْ الْخِطَابُ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِهِمْ وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ الْمَوْلَى التَّفْتَازَانِيَّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ فِي مَبْحَثِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ صَرَّحَ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَعَمَلَكُمْ وَعَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ وَمَعْمُولَكُمْ بِشُمُولِ مَعْمُولَكُمْ عَلَى الثَّانِي لِلْأَفْعَالِ قَالَ؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ أَوْ لِلْعَبْدِ لَمْ نُرِدْ بِالْفِعْلِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ الَّذِي هُوَ الْإِيجَادُ وَالْإِيقَاعُ بَلْ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْإِيجَادِ وَالْإِيقَاعِ أَعْنِي مَا يُشَاهَدُ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مَثَلًا وَلِلذُّهُولِ عَنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ يَعْنِي شُمُولَ الْمَعْمُولِ لِلْأَفْعَالِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِ مَا مَصْدَرِيَّةً اهـ.
أَيْ فَكَذَا الْفِعْلُ هُنَا الْمُرَادُ بِهِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِهِ هُنَا حَيْثُ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْخِطَابِ الْأَثَرُ الَّذِي يُوجِدُهُ الْمُكَلَّفُ بِهِ الْخَارِجُ لَا إيقَاعُ هَذَا الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهَذَا نَفْيُ الْخِطَابِ التَّكْلِيفِيِّ عَنْ فِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ الْوَضْعِيَّ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ نَفْيًا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» إلَخْ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ عَنْ فِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ إذْ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِهِمَا عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ هُوَ لَا بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَذَا وَيَكُونُ نَفْيًا بِمَعْنَى النَّهْيِ، ثُمَّ كَانَ الْأَنْسَبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ وَخَرَجَ بِالْمُكَلَّفِ فِعْلُ غَيْرِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ أَوْ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِإِيهَامِ عِبَارَتِهِ نَفْيَ خِطَابِ الْوَضْعِ أَيْضًا فَيُخَالِفُ مَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ وَقَدْ يُقَالُ يُوقِعُ هَذَا الْإِيهَامَ كَوْنُ الْكَلَامِ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِفِعْلِ كُلٍّ بَالِغٍ عَاقِلٍ يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا جَعْلُ الشِّهَابِ عَمِيرَةَ الْمَنْفِيَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كُلًّا مِنْ الْخِطَابَيْنِ فَمُنَافٍ لِكَلَامِ الشَّارِحِ الْآتِي كَمَا اعْتَرَفَ هُوَ وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ دَلِيلًا وَغَيْرَهُ وَأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ كَذَا لَيْسَ فِعْلًا قَطْعًا فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ كَذَا وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا إلَّا أَنَّ الشَّيْءَ الْمُضَافَ إلَيْهِ الْكَوْنُ قَدْ يَكُونُ فِعْلًا وَالْخِطَابُ الْمُبَيِّنُ لِكَوْنِ الْفِعْلِ كَذَا خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ قَطْعًا إذْ لَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِهِ إلَّا طَلَبَهُ أَوْ الْإِذْنَ فِيهِ أَوْ بَيَانَ حَالِهِ كَبَيَانِ كَوْنِهِ سَبَبًا وَكَأَنَّ الشَّيْخَ تَوَهَّمَ أَنَّ جَعْلَ الْكَوْنِ الْمُضَافِ إلَى الْفِعْلِ مُتَعَلِّقَ الْخِطَابِ ابْتِدَاءً مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقًا لَهُ وَلَوْ صَحَّ مَا تَوَهَّمَهُ لَزِمَ انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ ابْتِدَاءً بِالْكَوْنِ الْمُضَافِ إلَيْهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْبِيرُ الشَّارِحِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا أَفَادَهُ سم.
(قَوْلُهُ: وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إلَخْ) هَذَا دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيهَا ذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يُتَوَهَّمُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ وَلِيِّهِمَا وَبَقِيَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى نَفْيِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِمَا ذُكِرَ مَا أَوْرَدَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ} [النور: 58] .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُرْشِدُوا الْقَاصِرِينَ لِلِاسْتِئْذَانِ بِدَلِيلِ تَصْدِيرِ الْآيَةِ بِخِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَفِيهِ أَنَّ خِطَابَ الْأَمْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإِرْشَادِ الْقَاصِرِينَ لِذَلِكَ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْإِرْشَادِ إلَى شَيْءٍ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّهُ مُبَيِّنٌ لِحَالِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَنْفِيُّ هُوَ التَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ وَالتَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْإِرْشَادِ وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ فِي نَحْوِ خَبَرِ «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ» فَالتَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ الْأَوْلِيَاءِ.
(قَوْلُهُ: بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ) إنْ كَانَ وَجَبَ بِمَعْنَى ثَبَتَ تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ فِي مَالِهِمَا أَوْ مِنْ الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ فَقَوْلُهُ فِي مَالِهِمَا مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرَارٍ مَحْذُوفٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْ مَا الْوَاقِعِ عَلَى الْمُؤَدَّى
وَضَمَانِ الْمُتْلَفِ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ حَيْثُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا لِتَنَزُّلِ فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ وَصِحَّةُ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا لَيْسَ هُوَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا كَالْبَالِغِ بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِفِعْلِ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ
ــ
[حاشية العطار]
أَيْ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ عَلَى الْوَلِيِّ كَائِنًا فِي مَالِهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَضَمَانِ الْمُتْلَفِ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَدَاءِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ فَالضَّمَانُ بِمَعْنَى الْغُرْمِ وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِضَمَانِ بَدَلِ الْمُتْلَفِ أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا وَجَبَ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ أَوْ عَلَى الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ وَالضَّمَانُ عَلَى هَذَيْنِ بِمَعْنَى الْمَضْمُونِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُخَاطَبُ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ حُذِفَ وَأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقَامَهُ أَيْ يُخَاطَبُ خِطَابًا كَخِطَابِ صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ حَيْثُ فَرَّطَ ظَرْفٌ لِيُخَاطَب أَوْ لِأَتْلَفَتْهُ.
(قَوْلُهُ: كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ) هَذَا عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ فَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ الصَّوْمِ وَفَرَّقَ بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَشُقُّ أَمْرُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنْ قُلْت قَوْلُنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ إنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ مَنْدُوبَةٌ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ النَّدْبَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى مَنْدُوبَةٍ مَطْلُوبَةٌ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَلَا أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنْ الْوَلِيِّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِطَابَ الْوَلِيِّ بِأَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَى نَدْبِهَا أَنَّ لَهَا حُكْمَ الْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ إثَابَةُ فَاعِلِهِ وَعَدَمُ إثْمِهِ بِالتَّرْكِ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ الْإِشْكَالِ.
(قَوْلُهُ: الْمُثَابِ عَلَيْهَا) بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِلصَّبِيِّ فَنَائِبُ فَاعِلِ الْمُثَابِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى أَلْ الْوَاقِعَةِ عَلَى الصَّبِيِّ فَالصِّلَةُ جَارِيَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ لَهُ أَوْ نَعْتٌ لِعِبَادَةِ فَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى الصَّبِيِّ فَالنَّعْتُ سَبَبِيٌّ وَالصِّلَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ وَلَمْ يَبْرُزْ لَا مِنْ اللَّبْسِ أَوْ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ فَالنَّعْتُ حَقِيقِيٌّ بِمَعْنَى الَّتِي يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَيْهَا قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا لِتَقْوَى الشُّبْهَةُ فِي تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِهَا إذْ الصِّحَّةُ وَحْدَهَا تَتَحَقَّقُ بِاسْتِجْمَاعِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْفِعْلِ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ الطَّلَبُ بِهِ كَالْمُبَاحِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ هُوَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ صِحَّةِ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا كَمَا فِي الْبَالِغِ أَيْ حَتَّى يُقَالَ أَمْرُهُ بِهَا نَصٌّ فِي تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَاعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ بِأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ أَمْرَ الْبَالِغِ بِهَا عِلَّةٌ لِلصِّحَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَذَا قَوْلُهُ بَلْ لِيَعْتَادَهَا قَضِيَّتُهُ أَنَّ الِاعْتِيَادَ عِلَّةٌ لِلصِّحَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
وَأَجَابَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الِاعْتِيَادَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ بَاعِثَةٌ لِحَمَلَةِ الشَّرْعِ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا فَأَحْكَامُ الْمَوْلَى سبحانه وتعالى مُنَزَّهَةٌ عَنْ الْعِلَلِ الْبَاعِثَةِ.
وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ صِحَّةَ الْعِبَادَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعَبُّدُ بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ شَرْعًا وَلِهَذَا لَوْ أَعَادَ الظُّهْرَ مَثَلًا مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ خَلَلٍ فِي فِعْلِهَا أَوَّلًا كَانَتْ بَاطِلَةً فَيَصِحُّ تَعْلِيلُ صِحَّتِهَا بِالْأَمْرِ بِهَا وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَأْمُورٌ بِهَا رَاجِعٌ لِلْعِبَادَةِ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ صِحَّةَ عِبَادَةِ الْبَالِغِ مَأْمُورٌ بِهَا فَتَكُونُ الصِّحَّةُ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ رَاجِعًا لِلصِّحَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمُكَلَّفِ لِلْعُمُومِ فِي أَشْخَاصِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَأَنَّ امْتِنَاعَ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَتَالِيَيْهِ فِي الظَّاهِرِ نَفْيٌ لِلتَّكْلِيفِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْخَاصِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ.
(وَفِي التَّحْقِيقِ) أَيْ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لِذَلِكَ وَتَحْرِيرِهِ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى نَفْيِ التَّكْلِيفِ عَنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ دُونَ سَائِرِهَا وَالتَّخْصِيصُ بِالنَّظَرِ لِلْأَوَّلِ رَاجِعٌ لِعُمُومِ الْأَشْخَاصِ الْمَلْزُومِ وَإِلَى الثَّانِي رَاجِعٌ لِعُمُومِ الْأَحْوَالِ اللَّازِمِ أَفَادَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ قَالَ سم وَحَاصِلُهُ حَمْلُ أَلْ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْخَاصِ أَوْ الْأَحْوَالِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا يُوجِبُ اخْتِلَالَ التَّعْرِيفِ إذْ لَا يَصْدُقُ حِينَئِذٍ إلَّا عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ كُلِّ مُكَلَّفٍ سِوَى مَا وَقَعَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْوَاحِدِ كَالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالنِّسْبَةِ لِخَصَائِصِهِ فَالْوَجْهُ حَمْلُ الـ فِي الْمُكَلَّفِ عَلَى الْجِنْسِ
كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ وَالْمُكْرَهِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ.
وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ الْآتِي فَلَيْسَ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ
ــ
[حاشية العطار]
وَيَكُونُ مَقْصُودُ الشَّارِحِ بَيَانَ الْوَاقِعِ وَدَفْعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْرِيفِ قَصْدًا إلَى زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَإِلَّا فَلَا ضَرُورَةَ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ التَّعْرِيفِ أَنَّ كُلَّ خِطَابٍ تَعَلَّقَ بِجِنْسِ الْمُكَلَّفِ فَهُوَ حُكْمٌ وَأَمَّا أَنَّ الْخِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ كُلِّ مُكَلَّفٍ أَوْ لَا فَأَمْرٌ آخَرُ اهـ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَخْ أَنَّ مَا أَفَادَهُ هَذَا النَّفْيُ مِنْ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ عَنْ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ الْبَالِغِينَ الْعَاقِلِينَ يَرْجِعُ عِنْدَ تَحْقِيقِهِ وَتَحْرِيرِهِ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِهِمْ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ فَيَكُونُ الْخِطَابُ التَّكْلِيفِيُّ فِي الْوَاقِعِ مُتَعَلِّقًا بِأَفْعَالِ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ فَالتَّخْصِيصُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْوَالِ قَالَ النَّاصِرُ مَا حَاصِلُهُ إنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَخْ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَرَدَّهُ ابْنُ قَاسِمٍ بِأَنَّ اسْتِلْزَامَ الْعُمُومِ فِي الْأَشْخَاصِ لِلْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ لَا يُنَافِي جَوَازَ التَّخْصِيصِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا اللَّازِمِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِلْزَامِ هَاهُنَا أَنَّهُ إذَا عَمَّ الْحُكْمُ فِي الْوَاقِعِ الْأَشْخَاصَ لَزِمَ أَنْ يَعُمَّ أَيْضًا فِي الْوَاقِعِ الْأَحْوَالَ وَذَلِكَ يُنَافِي التَّخْصِيصَ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا مَعْنَى لَهُ لَا أَنَّ الصِّفَةَ إذَا أَفَادَتْ الْعُمُومَ فِي الْأَشْخَاصِ كَانَتْ مُفِيدَةً لَهُ فِي أَحْوَالِهَا أَيْضًا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّخْصِيصَ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ وَحْدَهَا كَمَا لَا يَخْفَى فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا هُوَ الْحَقُّ هَذَا وَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ أَلْ هَاهُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُمُومِ وَرَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا وَرَدَ عَنْ الشِّهَابِ تَأَمَّلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ وَيَحْمِلُ كَلَامُ الشَّارِحِ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ إيرَادِ تَقْرِيرِهِ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمُكَلَّفِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالشُّمُولِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ وَإِذْ لَا يَتَعَلَّقُ شَيْءٌ بِفِعْلِ مُكَلَّفٍ فَيُفِيدُ عَكْسَ التَّعْرِيفِ فَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ فَلَا يَفْسُدُ عَكْسُ التَّعْرِيفِ وَالثَّانِي عَلَى التَّحْقِيقِ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ فَسَادَ عَكْسِ التَّعْرِيفِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ اللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ يَرْجِعُ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ عَلَى مِنْوَالِ مَا سَبَقَ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي) قَالَ الشِّهَابُ فِيهِ قُصُورٌ عَنْ تَنَاوُلِ خِطَابِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَيُجَابُ بِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيبًا أَوْ اكْتِفَاءً أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ حَيْثُ أُطْلِقَ التَّكْلِيفُ فِي كَلَامِهِمْ يُرِيدُونَ بِهِ قَسِيمَ الْوَضْعِ بِأَنْوَاعِهِ مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ كَوْنُ الْغَفْلَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مَعَهَا مَوَانِعَ مِنْ تَعَلُّقِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْخِطَابِ عُلِمَ كَوْنُهَا مَوَانِعَ أَيْضًا مِنْ بَقِيَّتِهَا لِظُهُورِ أَنَّ مَانِعِيَّتَهَا لَيْسَ إلَّا لِعَدَمِ التَّأَهُّلِ مَعَهَا لِلْخِطَابِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ) أَيْ حَيْثُ أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَمْلِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى مَعْنَيَيْهَا التَّقْيِيدِ
وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ زَادَ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ مَا يُدْخِلُهُ فَقَالَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ أَوْ الْوَضْعِ.
لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ الْوَضْعِ مَا مُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَالزَّوَالِ سَبَبًا لِزَوَالِ الظُّهْرِ
ــ
[حاشية العطار]
وَالتَّعْلِيلِ يَدْخُلُ خِطَابُ الْوَضْعِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي أَدْخَلَ بِهِ الشَّارِحُ الِاقْتِضَاءَ الْغَيْرَ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدْ الْوَضْعُ أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الطَّرِيقُ الْمَذْكُورُ حَاصِلُهُ الدَّوَرَانُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَحَلُّ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَقَدْ عَارَضَهُ هُنَا ثُبُوتُ خِطَابِ الْوَضْعِ مَعَ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ فِي الْجُمْلَةِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ وَالِاقْتِضَاءِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ إذَا لَمْ يَثْبُتَا بِدُونِ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّ أَحَدٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ زَادَ أَوْ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْخِطَابُ نَوْعَانِ تَكْلِيفِيٌّ وَوَضْعِيٌّ فَإِذَا ذُكِرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ ذِكْرُ الْآخَرِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْهُ يَمْنَعُ كَوْنَ الْخِطَابِ الْوَضْعِيِّ حُكْمًا فَكَيْفَ ذَكَرَهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بَلْ كَيْفَ يَصِحُّ وَقَدْ يُقَالُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةٍ أَوْ الْوَضْعِ لِدُخُولِهِ فِي الْحَدِّ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ الْأَعَمُّ مِنْ الصَّرِيحِ وَالضِّمْنِيِّ وَخِطَابُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الضِّمْنِيِّ إذْ مَعْنَى سَبَبِيَّةِ الزَّوَالِ مَثَلًا إيجَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ فَانْدَفَعَ مَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ الْوَضْعِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: زَادَ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ) قَالَ الشِّهَابُ فِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ التَّعْرِيفِ السَّابِقِ فِيهِ تَسَامُحٌ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَا تَلْزَمُ مَنْ جَعْلِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ أَعَمُّ مِنْ الصَّرِيحِيِّ وَالضِّمْنِيِّ وَخِطَابُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الضِّمْنِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ إذْ جَعْلُ الزِّنَا سَبَبًا لِلْحَدِّ مَثَلًا يَرْجِعُ إلَى إيجَابِ الْحَدِّ عِنْدَ الزِّنَا وَجَعْلُ الطَّهَارَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ يَرْجِعُ إلَى تَجْوِيزِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ عِنْدَهَا وَتَحْرِيمِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَقِسْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّعْرِيفِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَتِمُّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَدْخُلُهُ مِنْ أَنَّ قَيْدَ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ يُخْرِجُهُ اهـ.
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَمَا نَقَلْنَا عِبَارَتَهُ قَالَ سم وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَدْفُوعٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ وَاحِدٌ فَالتَّعْرِيفَانِ حِينَئِذٍ مُتَسَاوِيَانِ فِي أَدَاءِ الْمُرَادِ وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ فَتَمَّ كَلَامُ الشَّارِحِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَدَّعِ لُزُومَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لِمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ بَلْ حَاصِلُ كَلَامِهِ حِكَايَةُ أَمْرٍ وَاقِعٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ مَا ذُكِرَ قَاصِدًا بِزِيَادَتِهِ الْإِدْخَالَ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا أَنَّ الْإِدْخَالَ مُتَوَقِّفٌ فِي الْوَاقِعِ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوَّلًا فَأَمْرٌ آخَرُ وَلَوْ سَلِمَ فَالْمُرَادُ مَا يُدْخِلُهُ إدْخَالًا ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ لَا يَلِيقُ بِالْحُدُودِ فَلَا يُنَافِي دُخُولَهُ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ قِيلَ بَعْضُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَيُشْكِلُ قَوْلُهُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ إلَخْ مِنْ لَازِمِهِ صِيَغُ الْعُمُومِ وَالْحُكْمُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ قُلْنَا الْحُكْمُ عَلَى الْعَامِّ قَدْ يَكُونُ عَلَى مَجْمُوعِ أَفْرَادِهِ لَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ وَكَلَامُ الشَّارِحِ جَارٍ عَلَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ مَنْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وَالتَّقْدِيرُ وَفَرِيقٌ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ إلَخْ فَلَا يَلْزَمُ الْعُمُومُ. اهـ.
مُلَخَّصًا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ كَلِمَةَ مَنْ لِلْعُمُومِ الِإِفْرَادِيِّ لَا لِلْعُمُومِ الْمَجْمُوعِيِّ وَقَدْ قَالُوا إنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَالْحُكْمُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِفْرَادِ دُونَ الْمَجْمُوعِ وَيَرُدُّ عَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمَعْنَى جَمِيعُ مَنْ جَعَلُوهُ مِنْهُ زَادُوا إلَخْ وَهُوَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ مِثْلُ الْأَوَّلِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْتِزَامِهِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ إلَخْ) اعْتِرَاضٌ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ لِلْخِطَابِ الشَّامِلِ لِخِطَابِ التَّكْلِيفِ وَخِطَابِ الْوَضْعِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ وَقَدْ أَوْرَدَ التَّفْتَازَانِيُّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ فِي التَّلْوِيحِ.
وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعَلُّقِ الْوَضْعِيِّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُجْعَل فِعْلُ الْمُكَلَّفِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا مَثَلًا لِشَيْءٍ أَوْ يُجْعَلَ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا مَثَلًا لَهُ وَالشَّارِحُ رحمه الله لَمْ يَرْتَضِ هَذَا الْجَوَابَ لِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الضِّمْنِيَّ بِكَوْنِ الزَّوَالِ سَبَبًا لِلظُّهْرِ مَثَلًا إنَّمَا يَتَعَلَّقُ أَوَّلًا بِالذَّاتِ بِالزَّوَالِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُبَيِّنُ وَهُوَ كَوْنُهُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَإِنْ تَكَلَّفْنَا بِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبَيِّنُ فِي الْجُمْلَةِ
وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ ثَمَّ لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ
ــ
[حاشية العطار]
وَهُوَ كَوْنُ الزَّوَالِ سَبَبًا لَهُ فَالْوُجُوبُ لَيْسَ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ وَإِنَّمَا فِعْلُهُ نَفْسُ الظُّهْرِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَعْوَى تَعَلُّقِهِ بِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَا يَشْمَلُ أَيْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادَرِ الْخَالِي عَنْ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِالْحُدُودِ وَإِلَّا بِطَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِدُونِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى ارْتِكَابِهِ الثَّانِي أَنَّا إذَا اعْتَمَدْنَا عَلَى هَذَا التَّكَلُّفِ نَقُولُ إنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ يَكُونُ الزَّوَالُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ كَمَا أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ الظُّهْرُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ التَّكَلُّفِ تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ الزَّوَالِ عَلَى وَجْهٍ خَالٍ عَنْ التَّكَلُّفِ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ.
وَكُلٌّ مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ حُكْمٌ وَضْعِيٌّ مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْآخَرِ مَقْصُودٌ إنْ لَمْ يَكُنْ الثَّانِي هُوَ الْمَقْصُودُ وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ مَعَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ تَنَاوَلَ التَّعَلُّقَ الْأَوَّلَ لَا يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ قَطْعًا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا مُتَعَلِّقُهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَالزَّوَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ أَيْ لَا يَشْمَلُ هَذَا الْوَضْعَ الْخَاصَّ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِخُصُوصِ مَا لَيْسَ بِفِعْلٍ تَعَلُّقًا خَالِيًا عَنْ التَّكَلُّفِ بِأَنْ يُلَاحَظَ تَعَلُّقُهُ بِهِ ابْتِدَاءً وَعَدَمُ شُمُولِهِ لِذَلِكَ لَا يَنْدَفِعُ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ بَيَانُ مُتَعَلِّقِ آخِرِ الْخِطَابِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِخُرُوجِ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ مُتَعَلِّقَيْهِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِ تَعَلُّقِهِ بِهِ ظَاهِرًا لَا يَنْدَفِعُ بِبَيَانِ دُخُولِهِ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ الْآخَرِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِ تَعَلُّقِهِ بِهِ فِيهِ تَكَلُّفٌ وَلَا يُدْفَعُ فِي اعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ التَّعَلُّقَيْنِ وَكَوْنُ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ بِخُصُوصِهِ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ الْوَضْعِ اتِّحَادُ الْخِطَابِ وَإِلَّا لَزِمَ امْتِنَاعُ تَعَدُّدِ الْحُكْمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَعَدَّدَ فِيهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقَاتِهِ لَا يُقَالُ شَرْطُ مُتَعَلِّقِ الْوَضْعِ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا فَغَيْرُهُ وَإِنْ وَقَعَ مُتَعَلِّقًا فِي الظَّاهِرِ لَا يَكُونُ الْخِطَابُ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ الْوَضْعِيَّاتِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا بَاطِلٌ لِتَصْرِيحِ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِهِ حَتَّى ابْنِ الْحَاجِبِ نَفْسِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الِاعْتِرَاضَ لَيْسَ هُوَ بِمَا لَيْسَ فِعْلًا فَقَطْ بَلْ بِفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا مُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ شَامِلٌ لِمَا لَيْسَ فِعْلًا أَصْلًا كَالزَّوَالِ وَلِمَا هُوَ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَا يَشْمَلُهُ التَّعْرِيفُ مَعَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لِقَيْدِهِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا يُقَالُ بَلْ يَشْمَلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْمُكَلَّفِ أَعْنِي الْإِنْسَانَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا اعْتِبَارَ لِمِثْلِ هَذَا فِي غَيْرِ التَّعْرِيفِ لِعَدَمِ انْفِهَامِهِ مِنْ اللَّفْظِ فَكَيْفَ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى مَا مُتَعَلِّقُهُ فِعْلُ الْبَهِيمَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِجِنْسِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقُ الْحَيَوَانِ إذْ لَا يُقْدِمُ عَلَى ذَلِكَ عَاقِلٌ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ سم.
وَأَقُولُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي جَوَابِ التَّفْتَازَانِيِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا تَكَلَّفَهُ فِي إيرَادَاتِهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى هَذَا الْقَصْرِ (قَوْلُهُ: وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنَّفُ) السِّينُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ أَيْ أَعْمَلَ بِمَعْنَى أَطْلَقَ (وَقَوْلُهُ كَغَيْرِهِ) تَقْوِيَةٌ وَسَنَدٌ لِلْمُصَنِّفِ.
وَأَمَّا هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَاسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ أَوْ حَالٌ مِنْ الْمُضَافِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِعْمَالِ طَلَبُ الْعَمَلِ كَالِاسْتِخْرَاجِ وَالِاسْتِغْفَارِ طَلَبُ الْخُرُوجِ وَالْمَغْفِرَةِ فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَعْنَى الطَّلَبِ يَبْقَى مَعْنًى لَا الْأَعْمَالِ كَمَا ذَكَرَهُ وَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ لِلْكَلَامِ كَبِيرُ مَعْنًى فَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ طَلَبٌ مَجَازِيٌّ أَيْ جُعِلَ عَامِلًا فِي الْمَكَانِ مُفِيدًا لَهُ كَأَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ الْعَمَلُ وَالْإِفَادَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّأْكِيدِ هَاهُنَا نَعَمْ السِّينُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُضَارِعِ فِي نَحْوِ حَدِيثِ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» الْحَدِيثَ قَالُوا إنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ وَبَيَّنُوا بِأَنَّ هَذَا الِافْتِرَاقَ وَاقِعٌ أَلْبَتَّةَ فَالتَّأْكِيدُ فِيهِ ظَاهِرٌ دُونَ مَا هُنَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ) عَدَّى اسْتَعْمَلَ بِاللَّامِ إمَّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى اسْتَعَارَ أَوْ هِيَ بِمَعْنَى فِي، ثُمَّ إنَّ عَلَامَةَ هَذَا الْمَجَازِ الْمُشَابَهَةُ فَإِنَّ الْمَعْنَى مَحَلٌّ لِتَرَدُّدِ الْفِكْرِ وَجَوْلَاتِهِ كَالْمَكَانِ وَالْقَرِينَةَ اسْتِحَالَةَ كَوْنِ الْمَعْنَى مَكَانًا كَذَا قَرَّرَ سم وَمَنْ اعْتَبَرَ الْمُشَابَهَةَ فِي أَنَّ كُلًّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ خِطَابَ اللَّهِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوْلُنَا لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ كَمَا إنَّ الْمَكَانَ الْحِسِّيَّ يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابَ الْمَحَزَّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَرَتُّبُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ عَلَى التَّعْرِيفِ السَّابِقِ فَهُوَ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَجَوُّزٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ هُنَا فِي الْقَرِيبِ بِعَلَاقَةِ الضِّدْيَةِ وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ هَذَا
كَثِيرًا وَيُبَيِّنُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ كَمَا سَيَأْتِي.
فَقَوْلُهُ هُنَا (وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ هُنَا وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَقُولُ
ــ
[حاشية العطار]
الْمَجَازِ قَوْلُهُ مِنْ هُنَا وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْمُشَارِ بِهِ لِلْبَعِيدِ لِحَمْلِهِ عَلَى التَّجَوُّزِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَعْنَى غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَكَأَنَّهُ بَعِيدٌ أَوْ بِاعْتِبَارِ انْقِضَاءِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ لَفْظَةِ مِنْ هُنَا وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَيُبَيَّنُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ) قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ثَمَّ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى أَزْيَدَ مِنْ مَشَارِبِهَا إلَيْهِ لُوحِظَ فِيهِ كَوْنُهُ مَكَانًا وَأَمَّا بَيَانُ ذَاتِهِ فَبِقَرِينَةٍ خَارِجِيَّةٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا. .
(قَوْلُهُ: فَقَوْلُهُ هُنَا وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ) الْقَوْلُ بِمَعْنَى الْمَقُولِ مُبْتَدَأٌ وَهُنَا مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَى الْقَوْلِ بِمَعْنَى الْمَقُولِ وَقَوْلُهُ أَيْ مِنْ هُنَا جَعَلَهُ النَّاصِرُ خَبَرًا عَنْ الْقَوْلِ بِإِقَامَتِهِ أَيْ مَقَامَ قَوْلِنَا مَعْنَاهُ وَأَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ إذْ إرَادَةُ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظَةِ " أَيْ " بَعِيدٌ جِدًّا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ يُقَالُ فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ أَيْ وَمِنْ هُنَا أَيْ هَذَا اللَّفْظُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَقُولُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَارَ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وَجُمْلَةُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ مَفْعُولُهُ وَلَك أَنْ تَجْعَلَ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ أَيْ قَضِيَّةُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ نَاشِئَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَامِلُ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ أَنَّ الْمُعَلَّلَ لَا يَكُونُ إلَّا فِعْلًا وَلَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْوَاقِعِ خِطَابَ اللَّهِ أَنْ نَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الِاعْتِقَادُ أَيْ مِنْ أَجْلِ اعْتِقَادِ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ نَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ وَجَعَلَ الشَّارِحُ مِنْ تَعْلِيلِيَّةً لَا ابْتِدَائِيَّةً مَعَ أَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلْمَكَانِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِثَمَّ لِتَخَلُّفِ ضَابِطِ الِابْتِدَائِيَّةِ فِيهِ فَإِنَّ الرِّضَا يَقُولُ إنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِمِنْ الِابْتِدَائِيَّةِ شَيْئًا مُمْتَدًّا كَالسَّيْرِ وَيَكُونُ الْمَجْرُورُ بِهَا الشَّيْءَ الْمُبْتَدَأَ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِهَا أَصْلًا لِلشَّيْءِ الْمُمْتَدِّ نَحْوَ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ فَإِنَّ الْخُرُوجَ لَيْسَ شَيْئًا مُمْتَدًّا إذْ هُوَ الِانْفِصَالُ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ خُطْوَةٍ وَتُعْرَفُ بِأَنْ يَحْسُنَ فِي مُقَابَلَتِهَا إلَى أَوْ مَا يُفِيدُ فَائِدَتَهَا نَحْوُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَلْتَجِئُ إلَيْهِ فَالْبَاءُ هُنَا أَفَادَتْ مَعْنَى الِانْتِهَاءِ اهـ.
ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ هُوَ الِاعْتِقَادُ لَا التَّلَفُّظُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ وَالِاعْتِقَادُ لَيْسَ أَمْرًا مُمْتَدًّا وَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ أَصْلًا لِأَمْرٍ مُمْتَدٍّ إلَّا بِتَكَلُّفٍ كَمَا لَا يَظْهَرُ أَصْلُ مُقَابَلَةِ مِنْ هُنَا بِإِلَى أَوْ مَا يُفِيدُ فَائِدَتَهَا فَضْلًا عَنْ حُسْنِ مَوْقِعِهَا إلَّا بِتَكَلُّفٍ أَيْضًا بِخِلَافِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ إنَّ التَّعْلِيلَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِصِحَّةِ الِابْتِدَاءِ بَلْ هُوَ أَظْهَرُ لِلْمُنَاسِبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَالَ الْكَمَالُ وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفِنَا بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ أَنَّا نَقُولُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَلَا حُكْمَ عِنْدَنَا لِلْعَقْلِ بِحُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا أَخَذْنَا الْخِطَابَ جِنْسًا يَتَنَاوَلُ الْمَخْلُوقَ وَغَيْرَهُ وَبِإِضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ خَرَجَ خِطَابُ مَنْ سِوَاهُ فَلَا حُكْمَ إلَّا خِطَابُهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ غَيْرُ وَافِيَةٍ بِإِيضَاحِ هَذَا الْمَحَلِّ اهـ.
وَمُرَادُهُ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَعُمُّ مِنْ تَعْرِيفِنَا الْحُكْمَ بِمَا ذُكِرَ أَنْ نَقُولَ إلَخْ فَنُوَجِّهُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالْحَمْلِ عَلَى الْعِلْمِ أَيْ ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ وَعِلْمِ هَذَا الْقَوْلِ السَّابِقِ لِلْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لَا الْمُطْلَقِ الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ مَخْصُوصًا هُوَ خِطَابُ اللَّهِ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أَنْ لَا حُكْمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا لِلَّهِ كَمَا أَفَادَتْهُ لَا الَّتِي هِيَ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْجِنْسِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِالْأَخَصِّ الِاخْتِصَاصُ بِالْأَعَمِّ حَتَّى يَتَفَرَّعَ عَلَى الْأَوَّلِ اعْتِقَادُ الثَّانِي.
وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ نَفْيَ جِنْسِ مُطْلَقِ الْحُكْمِ بَلْ نَفْيَ جِنْسِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ أَوْ يُقَالُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ فَإِذَا اخْتَصَّ بِهِ تَعَالَى هَذَا الْحُكْمُ الْمَخْصُوصُ لَزِمَ اخْتِصَاصُ الْمُطْلَقِ بِهِ اهـ.
وَيَرِدُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ النَّفْيُ بِلَا الَّتِي هِيَ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْجِنْسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ هِيَ لِنَفْيِ جِنْسِ مَا فِيهِ الْكَلَامُ مِنْ الْحُكْمِ وَهُوَ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يُقَالُ إنَّ السُّؤَالَ سَاقِطٌ مِنْ أَصْلِهِ بَعْدَ أَنْ عَرَفْت تَأْوِيلَ الْكَمَالِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ) الْمُنَاسِبُ لِعُمُومِ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ
(لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ) فَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ
ــ
[حاشية العطار]
تَعْرِيفُ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ أَصْلٌ لِهَذَا الْقَوْلِ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ كَيْفَ وَصِحَّةُ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْقَصْرِ حَتَّى لَوْ ثَبَتَ حُكْمٌ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَصِحَّ التَّعْرِيفُ بِكَوْنِ الْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُحَشِّي فَهِمَ أَنَّ إنْكَارَ الْكَمَالِ مِنْ جِهَةِ التَّصَوُّرِ بِأَنَّ التَّصَوُّرَ الْمُسْتَفَادَ بِالتَّعْرِيفِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِلْحُكْمِ فَقَالَ لَيْسَ الْعِلَّةُ التَّعْرِيفَ الَّذِي هُوَ التَّصَوُّرُ بَلْ التَّصْدِيقُ الضِّمْنِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ التَّعْرِيفِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَنَا لَا حُكْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا فَإِنَّ مَنْ جَوَّزَ الْحُكْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَقُولُ بِأَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ خِطَابَ اللَّهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِاَللَّهِ فَمَعْرِفَتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ أَصْلًا لِلِاخْتِصَاصِ بَلْ الِاخْتِصَاصُ أَصْلٌ لَهُ، ثُمَّ اعْتَرَضَ الْمُحَشِّي كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ التَّعْرِيفُ السَّابِقُ أَنَّ الْحُكْمَ التَّكْلِيفِيَّ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ لَا مُطْلَقُ الْحُكْمِ الشَّامِلِ لِلتَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية العطار]
لَا حُكْمَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ يَتَضَمَّنُ حُكْمَيْنِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ وَالنَّفْيُ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَكِنَّهُ أَرَادَ التَّنْصِيصَ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ إذْ هُوَ مُنْحَصِرٌ فِي الْوَاقِعِ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ فَقَطْ وَمَعْنَى حُكْمِ الْعَقْلِ عِنْدَهُمْ أَيْ إدْرَاكُهُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى
فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ وَقَوْلُهُ أَيْ لَا يُؤْخَذُ إلَّا مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِمَّا سَيَأْتِي عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْ بَعْضِهِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَلِمَا شَارَكَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِهِمَا عَنْهُ مَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وِفَاقًا بَدَأَ بِهِ تَحْرِيرًا لِمَحَلِّ النِّزَاعِ فَقَالَ (الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ) لِلشَّيْءِ (بِمَعْنَى: مُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ) كَحُسْنِ الْحُلْوِ وَقُبْحِ الْمُرِّ
ــ
[حاشية العطار]
إلَخْ وَلَيْسَ الْعَقْلُ مُسْتَبِدًّا بِالْحُكْمِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا لِلْعَقْلِ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بَلْ جَعَلُوهُ طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِهِ يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ سَمْعٍ وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَهُمْ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فَمَا كَانَ حَسَنًا عَقْلًا جَوَّزَهُ الشَّرْعُ وَمَا كَانَ قَبِيحًا عَقْلًا مَنَعَهُ الشَّرْعُ فَالشَّرْعُ عِنْدَهُمْ تَابِعٌ لِلْعَقْلِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ إنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ فِيمَا أَدْرَكَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحِهَا وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ الْحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْقَبِيحَ مَا قَبَّحَهُ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا سَيَأْتِي عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ) أَيْ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ عَاجِلًا وَالثَّوَابِ أَوْ الْعِقَابِ آجِلًا عَلَى الْفِعْلِ وَمِنْ وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ إلَخْ مَا سَيَأْتِي وَقَوْلُهُ الْمُعَبَّرِ نَعْتٌ لِمَا وَضَمِيرُ بَعْضِهِ يَعُودُ لِمَا وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْبَعْضِ تَرَتُّبُ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ وَالثَّوَابِ أَوْ الْعِقَابِ عَلَى الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ أَيْ الْعَقْلِيَّيْنِ وَهَلْ مَحَلُّ النِّزَاعِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ فَقَطْ أَوْ يَعُمُّ التَّكْلِيفِيَّ وَالْوَضْعِيَّ؟ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْعَضُدِ وَالشِّهَابِ الْعُمُومُ.
(قَوْلُهُ: وَلِمَا شَارَكَهُ إلَخْ) الضَّمِيرُ فِي شَارَكَهُ وَفِي عَنْهُ يَرْجِعَانِ لِبَعْضٍ وَيَصِحُّ رُجُوعُ ضَمِيرِ عَنْهُ لِمَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وَهُوَ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لَفْظًا لَكِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ رُتْبَةً؛ لِأَنَّهُ فَاعِلُ شَارَكَ وَضَمِيرُ بِهِمَا عَائِدٌ عَلَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا الْفَائِدَةُ فِي تَقْسِيمِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ إلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْمَعْنَى الثَّالِثِ وَاعْتَرَضَ الشِّهَابُ وَالنَّاصِرُ قَوْلَ الشَّارِحِ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ حَذْفَهُ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِهِمَا عَنْهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَتَكَلَّفَ سم فِي الْجَوَابِ بِمَا أَثَرُ الْكُلْفَةِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وِفَاقًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ يَحْكُمُ وَقَوْلُهُ بَدَأَ بِهِ أَيْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وِفَاقًا.
(قَوْلُهُ: لِلشَّيْءِ) لَمْ يَقُلْ وَالْحُسْنُ لِلشَّيْءِ وَالْقُبْحُ لَهُ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ اخْتِصَارًا
(وَ) بِمَعْنَى (صِفَةِ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ) كَحُسْنِ الْعِلْمِ وَقُبْحِ الْجَهْلِ (عَقْلِيٌّ) أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا
ــ
[حاشية العطار]
لِوُضُوحِ الْمَقَامِ وَإِيمَاءً إلَى أَنَّهُ قَدْ يُوصَفُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِاعْتِبَارَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي الصِّدْقِ الضَّارِّ وَالْكَذِبِ النَّافِعِ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى مُلَائِمَةِ الطَّبْعِ) فَمَا وَافَقَ الطَّبْعَ فَحَسَنٌ وَمَا نَافَرَهُ فَقَبِيحٌ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا وَلَا حَسَنًا وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِهَذَا الْمَعْنَى بِالْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ فَيُقَالُ الْحَسَنُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَالْقَبِيحُ مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَمَا خَلَا عَنْهُمَا لَا يَكُونُ شَيْئًا مِنْهُمَا وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ مُلَابَسَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ لِصِدْقِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِمَا بَعْدَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا وَتَمَامِيَّةُ هَذَا الْوَجْهِ تَنْبَنِي عَلَى جَعْلِ الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الشَّامِلِ لَهَا مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا وَهُوَ الظَّاهِرُ فَالْأَحْسَنُ أَنَّهُ مِنْ مُلَابَسَةِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى بِمَعْنَى مُصَاحَبَتِهِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَالْمُرَادُ لَفْظُ الْحُسْنِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ أَنَّهُ بِصَدَدِ بَيَانِ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ وَلِمَا شَارَكَهُ فِي التَّعْبِيرِ إلَخْ وَكَأَنَّهُ قَالَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ يُطْلَقُ بِالْإِطْلَاقَاتِ الثَّلَاثَةِ كَذَا وَكَذَا إلَخْ لَكِنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ لِصِحَّةِ الْحَمْلِ أَيْ مَعْنَاهُمَا عَقْلِيٌّ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ بِمَعْنَى عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ حَالٌ إمَّا مِنْ الْحُسْنِ أَوْ الْقُبْحِ عَلَى تَجْوِيزِ سِيبَوَيْهِ مَجِيءَ الْحَالِ مِنْ الْمُبْتَدَأِ أَوْ مِنْ مَرْفُوعٍ عَقْلِيٍّ، وَإِضَافَةُ مَعْنَى لِمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ وَإِضَافَةُ مُلَائِمَةٍ لِلطَّبْعِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ.
وَكَذَا الْمُنَافَرَةُ وَزَادَ لَفْظُ الْمَعْنَى حَتَّى فَاتَهُ الِاخْتِصَارُ الْمَقْصُودُ لَهُ وَلَزِمَ ارْتِكَابُ خِلَافِ مَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ بَيَانِيَّةِ الْإِضَافَةِ وَلَمْ يَقُلْ وَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ بِمُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَدْخُولَ الْبَاءِ هُوَ الْمُرَادُ بِالْقُبْحِ وَالْحُسْنِ وَلَوْلَا زِيَادَتُهُ لَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ وَعَلَيْك بِالِاعْتِبَارِ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ جَرَيَانِ هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فَاعْتَبِرْ (قَوْلُهُ: وَبِمَعْنَى صِفَةِ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ وَقَعَتْ فِي مَتْنِ الْمَوَاقِفِ أَيْضًا فَقَالَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ يُقَالُ لِمَعَانٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: صِفَةُ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ فَقَالَ السَّيِّدُ أَيْ كَوْنُ الصِّفَةِ صِفَةَ كَمَالٍ وَكَوْنُ الصِّفَةِ صِفَةَ نُقْصَانٍ يُقَالُ الْعِلْمُ حَسَنٌ أَيْ لِمَنْ اتَّصَفَ بِهِ كَمَالٌ وَارْتِفَاعُ شَأْنٍ وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ أَيْ لِمَنْ اتَّصَفَ بِهِ نُقْصَانٌ وَاتِّضَاعُ حَالٍ اهـ.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي التَّوْضِيحِ الْمَعْنَى الثَّانِي كَوْنُهُ صِفَةَ كَمَالٍ وَكَوْنُهُ صِفَةَ نُقْصَانٍ. اهـ.
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ الْمُسَمَّاةِ بِالتَّلْوِيحِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى الْعِلْمُ حَسَنٌ وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ اهـ.
فَالْمُرَادُ مِنْهُ صِفَةُ كَمَالٍ لِلشَّخْصِ وَصِفَةُ نُقْصَانٍ لَهُ وَهِيَ الْمَلَكَاتُ الْفَاضِلَةُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْكَرَمِ وَالْحِلْمِ وَالنَّقْصُ نَقَائِضُهَا إذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت اتِّجَاهَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الشِّهَابُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَبِمَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ صِفَةَ كَمَالٍ أَوْ نَقْصٍ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ نَفْسَهَا هِيَ الشَّيْءُ الْمُتَّصِفُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَمَا تَكَلَّفَ بِهِ سم فِي رَدِّ اعْتِرَاضِهِمَا بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً فَتَكُونُ الصِّفَةُ هِيَ عَيْنُ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّ الْحُسْنَ كَمَالٌ لِشَيْءٍ مَا كَيْفَ وَكَمَالُ الْجَهْلِ أَقْبَحُ مِنْ نَقْصِهِ وَكَذَلِكَ كَمَالُ كُلٍّ شَرٍّ نَقْصٌ.
وَأَمَّا مَا تَمَسَّكَ بِهِ مِنْ كَلَامِ السَّيِّدِ وَكَلَامِ الْمَوَاقِفِ فَلَا يُفِيدُهُ بَلْ عِبَارَةُ حَاشِيَةِ الْعَضُدِ مُجْمَلَةٌ عَلَى عِبَارَتِهِ الْمُفَصِّلَةِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ كَيْفُ وَقَرِينَةُ هَذَا الْحَمْلِ صَرْفُهُ عِبَارَةَ مَتْنِ الْمَوَاقِفِ الْمُوَافَقَةِ لِمَا فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ عَنْ ظَاهِرِهَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا) أَيْ يَصْدُقُ بِهِ وَيُدْرِكُهُ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى وُرُودِ شَرْعٍ، ثُمَّ إنَّ الْمُدْرَكَ إمَّا كُلِّيٌّ وَإِمَّا جُزْئِيٌّ وَالثَّانِي إمَّا صُوَرُ الْمَحْسُوسَاتِ وَإِمَّا
(وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمَدْحِ) وَ (الذَّمِّ عَاجِلًا) وَالثَّوَابِ (وَالْعِقَابِ آجِلًا) كَحُسْنِ الطَّاعَةِ وَقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ (شَرْعِيٌّ) أَيْ لَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا الشَّرْعُ الْمَبْعُوثُ بِهِ الرُّسُلُ أَيْ لَا يُؤْخَذُ إلَّا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُدْرَكُ إلَّا بِهِ
ــ
[حاشية العطار]
مَعَانٍ مُنْتَزَعَةٌ مِنْهَا وَمُدْرِكُ الْكُلِّيَّاتِ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ وَهِيَ الْقُوَّةُ الْعَاقِلَةُ وَمَا عَدَاهَا فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا مُرْتَسِمَةٌ فِي آلَاتِهَا وَمُدْرِكُ الْمَعَانِي الْجُزْئِيَّةِ الْقُوَّةُ الْوَاهِمَةُ وَمُدْرِكُ صُوَرِ الْمَحْسُوسَاتِ هُوَ الْحِسُّ الْمُشْتَرَكُ وَمَا قِيلَ هُنَا إنَّ إسْنَادَ الْإِدْرَاكِ لِلْعَقْلِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ بَابِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى آلَتِهِ فَإِنَّ الْمُدْرِكَ حَقِيقَةً هُوَ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ فَمَعْنَى عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَقْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ هُوَ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ الَّذِينَ الْكَلَامُ بِاصْطِلَاحِهِمْ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى (قَوْلُهُ: وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمَدْحِ إلَخْ) إنْ أُرِيدَ بِتَرْتِيبِ ذَلِكَ حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ قُدِّرَ فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ أَيْ اسْتِحْقَاقُ تَرَتُّبِ إلَخْ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ اسْتِحْقَاقُ التَّرَتُّبِ لَا نَفْسُهُ لِجَوَازِ تَخَلُّفِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّرْتِيبِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لَا حُصُولَهُ بِالْفِعْلِ فَلَا تَقْدِيرَ وَعَاجِلًا وَآجِلًا ظَرْفَانِ لِلْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ أَوْ لِلتَّرْتِيبِ إنْ كَانَ بِمَعْنَى لِحُصُولٍ بِالْفِعْلِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ الْمُقَدَّرِ وَلَا لِلتَّرْتِيبِ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ بِالنَّظَرِ إلَى الظَّرْفِ الثَّانِي لِتَحَقُّقِهِمَا فِي الْحَالِ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: كَحُسْنِ الطَّاعَةِ) يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ لِتَرَتُّبِ الْمَدْحِ عَاجِلًا وَالثَّوَابِ آجِلًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَوْلُهُ وَقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ يَخْتَصُّ بِالْحَرَامِ فَالْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ حِينَئِذٍ وَاسِطَةٌ.
(قَوْلُهُ: شَرْعِيٌّ) أَيْ مُسْتَفَادٌ مِنْ الشَّرْعِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ خِطَابُ اللَّهِ وَرَدَ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ بِكَوْنِ شَيْءٍ سَبَبًا لِلْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ إلَخْ حَتَّى يَعْتَرِضَ أَنَّ هَذَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ الْآنَ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا حُكْمَ بِهِ إلَّا الشَّرْعُ) يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ قَضِيَّةَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ فِي جُزْأَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ الْمُفَادِ بِطَرِيقِ الْحَصْرِ حَتَّى يَكُونَ مَا أَثْبَتَهُ الْمُخَالِفُ لِلْعَقْلِ هُوَ مَا أَثْبَتْنَاهُ لِلشَّرْعِ مَعَ أَنَّ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْمُخَالِفُ إنَّمَا هُوَ إدْرَاكُ الْعَقْلِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاَلَّذِي أُثْبِتَ لِلشَّرْعِ فِي الْجُمْلَةِ الْحَصْرِيَّةِ كَوْنُهُ حَاكِمًا فَلَمْ يَتَّحِدْ مَوْرِدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى الْخَصْمِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ فِي كِلَا جُزْأَيْ الْحَصْرِ هُوَ الْإِدْرَاكُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَلَا يُدْرَكُ إلَّا بِهِ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا يُحْكَمُ بِهِ إلَّا بِالشَّرْعِ أَيْ لَا يَكُونُ وَاسِطَةً فِي إدْرَاكِهِ أَيْ إنَّهُ طَرِيقٌ إلَى إدْرَاكِهِ لَا كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّ طَرِيقَ إدْرَاكِهِ الْعَقْلُ فَظَهَرَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ لَا يَحْكُمُ إلَخْ تَجَوُّزٌ فِي الظَّرْفِ عِلَاقَتُهُ اللُّزُومُ أَوْ السَّبَبِيَّةُ وَجُعِلَ التَّجَوُّزِ عَقْلِيًّا مِنْ قَبِيلِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى مَكَانِهِ الْمَجَازِيِّ لِاشْتِمَالِ الشَّرْعِ عَلَى الْحُكْمِ اشْتِمَالَ الْكُلِّ عَلَى بَعْضِهِ أَوْ حَذْفِيًّا أَيْ ذُو الشَّرْعِ لَا يُلَائِمُهُ تَفْسِيرُ الشَّارِحِ الْمَذْكُورُ وَإِنَّمَا أَتَى بِالْحَصْرِ هُنَا دُونَ الْعَقْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الشَّرْعُ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ أَيْضًا وَلَا مَدْخَلَ عِنْدَنَا لِلْعَقْلِ فِي الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا الشَّارِعُ مَعَ أَنَّهُ دَافِعٌ لِلتَّجَوُّزِ فِي الْمُسْنَدِ وَهُوَ " يَحْكُمُ " وَالْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَهُوَ الشَّارِعُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إلَّا الشَّرْعُ فَإِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّجَوُّزِ فِيهِمَا مُحَافَظَةً عَلَى ذِكْرِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْمَنْسُوبِ.
(قَوْلُهُ: الْمَبْعُوثُ بِهِ الرُّسُلُ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهَذَا الْقَيْدِ الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ فَالشَّرْعُ أَعَمُّ مِنْ الْمَبْعُوثِ بِهِ الرُّسُلُ لِمَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ
(خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ عَقْلِيٌّ أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ لِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ كَحُسْنِ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الْكَذِبِ الضَّارِّ أَوْ بِالنَّظَرِ كَحُسْنِ الْكَذِبِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الصِّدْقِ الضَّارِّ وَقِيلَ الْعَكْسُ وَيَجِيءُ الشَّرْعُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ أَوْ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ
ــ
[حاشية العطار]
النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاحْتِرَازُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ حَاكِمٌ بِذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ لِرَسُولٍ أَوْ نَبِيٍّ لَيْسَ بِرَسُولٍ فَالْوَجْهُ تَرْكُ هَذَا الْقَيْدِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ نَظَرًا لِكَثْرَةِ حَمْلِهِ شَرْعَ الرُّسُلِ الْآخِذِينَ لِلْأَحْكَامِ مِنْهُمْ وَبِأَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ الْمَارِّ أَعْنِي اسْتِوَاءَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ وَهُوَ مَعْنَى الرَّسُولِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ حُذِفَ عَامِلُهُ أَيْ نُخَالِفُ خِلَافًا أَوْ هُوَ حَالٌ بِتَأْوِيلِهِ بِ " مُخَالِفًا " وَقَوْلُهُ فِي قَوْلِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ الْعَامِلِ فِي " خِلَافًا " وَالْأَصْلُ تَخَالَفَ خِلَافًا بِقَوْلِنَا إنَّهُ شَرْعِيٌّ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ عَقْلِيٌّ وَضَمِيرُ إنَّهُ يَرْجِعُ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِتَأْوِيلِهِ بِمَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ) أَيْ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالرَّوَافِضِ كَمَا فِي الْمَنْخُولِ لِلْغَزَالِيِّ قَالَ فِيهِ رَدًّا لَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَدَلِ أَنْتُمْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ حُسْنَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحَهَا مُسْتَدْرَكُ الْعُقُولِ وَأَوَّلُهَا وَنَحْنُ نُنَازِعُكُمْ فِي ذَلِكَ وَمَوَاضِعُ الضَّرُورَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فَإِنْ نَسَبُونَا إلَى عِنَادٍ عَكَسْنَا عَلَيْهِمْ دَعْوَاهُمْ، ثُمَّ الْعِنَادُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ وَنَحْنُ الْجَمْعُ الْغَفِيرُ وَالْجَمْعُ الْكَثِيرُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنَّا التَّوَاطُؤُ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ وَمَرِّ الدُّهُورِ مِنْ غَيْرِ فَرْضِ رُجُوعِ أَحَدٍ مِنَّا إلَى الْإِنْصَافِ وَلَنَا فِي تَحْقِيقِ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ اعْتِدَاءٌ يُجَانِسُ الْفِعْلَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا فِي الصُّورَةِ وَالصِّفَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْغَافِلَ عَنْ الْمُسْتَنِدِ فِيهِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بَيْنَهُمَا وَالْمُخْتَلِفَانِ فِي صِفَةِ الذَّاتِ يَسْتَحِيلُ اشْتِبَاهُهُمَا وَتَجَانُسُهُمَا وَكَذَا يُقَالُ فِي النِّكَاحِ وَالزِّنَا.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ مَصْلَحَةٍ) قَالَ الشِّهَابُ قَدْ يُشَكَّكُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ الْعَقْلُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَلَى الْفِعْلِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ فَهُوَ حُكْمٌ بِذَلِكَ لِوَسَطٍ إذْ هُوَ مَا يُقْرَنُ بِقَوْلِنَا؛ لِأَنَّهُ حِينَ يُقَالُ؛ لِأَنَّهُ كَذَا وَكُلُّ حُكْمٍ كَذَلِكَ فَهُوَ نَظَرِيٌّ فَتَقْسِيمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إلَى ضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ مِنْ تَقْسِيمِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِوَسَطٍ لَا يُنَافِي الضَّرُورَةَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يُنَافِيهَا إذَا كَانَ بِتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَالِانْتِقَالِ مِنْهَا إلَى الْمَطْلُوبِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ زَوْجٌ ضَرُورِيٌّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ سُلِّطَ مُقَارِنٌ لَهَا فِي الْإِدْرَاكِ وَهُوَ أَنَّهَا تَنْقَسِمُ بِمُتَسَاوِيَيْنِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ قَدْ تَحْتَاجُ لِوَسَطٍ بِدُونِ حَرَكَةٍ فَكِّرْ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّشْكِيكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ أَيْ الْحُسْنَ مَثَلًا لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ أَمَّا إذَا كَانَ الْمَعْنَى يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ الَّذِي فِي الْفِعْلِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ فَلَا تَشْكِيكَ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ) .
قَالَ الشِّهَابُ: الْأَوَّلُ يُشِيرُ إلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالثَّانِي يُشِيرُ لِلتَّحْرِيمِ اهـ قَالَ سم أَمَّا إسْقَاطُهُ الْإِبَاحَةَ فَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَشْمَلُهَا إذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهَا أَوْ تَرْكِهَا مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ.
وَأَمَّا تَرْكُهُ الْكَرَاهَةَ فَفِيهِ نَظَرٌ إذْ يَتَرَتَّبُ الْمَدْحُ عَلَى تَرْكِهَا فَيَشْمَلُهَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إذْ لَمْ يَرِدْ اشْتِرَاطُ تَرَتُّبِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِلَّا أَشْكَلَ عَلَى الشِّهَابِ فِي عَدِّ النَّدْبِ إذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ عِقَابٌ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ السَّيِّدِ فِي حَوَاشِي الْعَضُدِ مَا يُفِيدُ إدْخَالَ الْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ أَيْضًا عِنْدَهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْفَتْحِ كَوْنَ الْفِعْلِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الذَّمَّ عِنْدَ الْعَقْلِ وَبِالْحُسْنِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا قَيَّدُوهُ بِكَوْنِ الْفِعْلِ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ، ثُمَّ الْقُبْحُ هُوَ مَعْنَى الْحُرْمَةِ وَالْحُسْنُ تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ وَتَارِكُهُ الذَّمَّ عِنْدَ الْعَقْلِ فَهُوَ الْوُجُوبُ، وَإِلَّا فَإِنْ اسْتَحَقَّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ فَقَطْ فَهُوَ النَّدْبُ، أَوْ اسْتَحَقَّ تَارِكُهُ الْمَدْحَ فَقَطْ فَهُوَ الْكَرَاهَةُ، أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ وَلَا تَرْكِهِ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ فَهُوَ الْإِبَاحَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي أَنَّهُ عَقْلِيٌّ وَفِي يَحْكُمُ بِهِ وَهُوَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ بِمَعْنَى التَّرَتُّبِ السَّابِقِ وَفِي قَوْلِهِ أَيْ يُدْرِكُ إلَخْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَعْنَى حُكْمِ الْعَقْلِ إدْرَاكُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ كَالْإِسْنَوِيِّ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْحَاكِمَ حَقِيقَةً هُوَ الشَّرْعُ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعَقْلَ هَلْ هُوَ كَافٍ فِي مَعْرِفَتِهِ أَوْ لَا
فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ كَحُسْنِ الصَّوْمِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَقُبْحِ صَوْمِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالَ وَقَوْلُهُ وَكَغَيْرِهِ عَقْلِيٌّ وَشَرْعِيٌّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا وَتَرْكُهُ كَغَيْرِهِ الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ لِلْعِلْمِ بِهِمَا مِنْ ذِكْرِ مُقَابِلِهِمَا الْأَنْسَبِ كَمَا قَالَ بِأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ الْعِقَابَ عِنْدَهُمْ لَا يَتَخَلَّفُ وَلَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ، وَالثَّوَابُ يَقْبَلُهَا وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّفْ أَيْضًا.
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: كَحُسْنِ الصِّدْقِ) تَمْثِيلُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْمُشَارِ إلَيْهِمَا بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ أَوْ تَمْثِيلٌ لِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ إدْرَاكِ حُسْنِ إلَخْ وَالنَّظَرُ فِي حُسْنِ الْكَذِبِ النَّافِعِ إلَى نَفْعِهِ وَفِي قُبْحِ الصِّدْقِ الضَّارِّ إلَى ضَرَرِهِ (وَقَوْلِهِ وَقِيلَ الْعَكْسُ) يَعْنِي قُبْحَ الْكَذِبِ النَّافِعِ وَحُسْنَ الصِّدْقِ الضَّارِّ نُظِرَ فِي الْأَوَّلِ إلَى كَوْنِهِ كَذِبًا وَفِي الثَّانِي إلَى كَوْنِهِ صِدْقًا (وَقَوْلُهُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ) أَيْ لِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ إلَخْ) أَيْ يُدْرِكُ ذَلِكَ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ فِي إدْرَاكِهِمَا لِتَوَقُّفِ إدْرَاكِهِ إيَّاهُمَا عَلَى وُرُودِهِ فَإِنَّهُ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْفِعْلَ جِهَةُ حُسْنٍ أَوْ جِهَةُ قُبْحٍ قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ وَقَدْ لَا يُدْرِكُ الْعَقْلُ لَا بِالضَّرُورَةِ وَلَا بِالنَّظَرِ وَلَكِنْ إذَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ عُلِمَ أَنَّ ثَمَّةَ جِهَةً مُحَسِّنَةً كَمَا فِي صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ أَوْ جِهَةً مُقَبِّحَةً كَصَوْمِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالَ حَيْثُ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ فَإِدْرَاكُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَوْقُوفٌ عَلَى كَشْفِ الشَّرْعِ عَنْهُمَا بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَمَّا كَشْفُهُ عَنْهُمَا فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَهُوَ مُؤَكِّدٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ بِهِمَا بِأَمْرِهِ إمَّا بِضَرُورَتِهِ أَوْ بِنَظَرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ) أَيْ مِنْ حُسْنِ الْفِعْلِ أَوْ قُبْحِهِ لِخَفَاءِ مَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ (وَقَوْلُهُ كَغَيْرِهِ إلَخْ) إشَارَةٌ لِسُؤَالَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَفْظِيٌّ وَهُوَ أَنَّ شَرْطَ الْخَبَرِ الْمُطَابَقَةُ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هُنَا لِإِفْرَادِ الْخَبَرِ وَتَثْنِيَةِ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ تَرَكَ ذِكْرَ الْمُقَابِلِ فِي جَانِبِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ فَمَا وَجْهُهُ وَفِي قَوْلِهِ: الْأَنْسَبِ إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ سُؤَالٍ مُرَتَّبٍ عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ مَا وَجْهُ تَعَيُّنِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ دُونَ مُقَابِلِهِمَا؟
(قَوْلُهُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ) وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِأَحَدِهِمَا وَحُذِفَ خَبَرُ الْآخَرِ لِدَلَالَةِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ الْمُبْتَدَأِ مُفْرَدًا لَفْظًا وَمَعْنًى وَقَوْلُهُ أَوْ كِلَاهُمَا أَيْ عَلَى تَقْدِيرِهِ مُفْرَدًا لَفْظًا فَقَطْ (قَوْلُهُ: الْأَنْسَبِ كَمَا قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ بَيَانٌ لِحِكْمَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا الْمُقَابِلِ دُونَ عَكْسِهِ لَا قَيْدٌ لِلْمُقَابِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عُلِمَ مِنْ ذِكْرِهِ الْمُقَابِلَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْعِقَابَ عِنْدَهُمْ لَا يَتَخَلَّفُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بِمُجَرَّدِهِ إنَّمَا يُثْبِتُ نِسْبِيَّةَ مُقَابِلِ الثَّوَابِ فَلَا بُدَّ فِي تَتْمِيمِ الدَّلِيلِ مِنْ مُلَاحَظَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَاسَبَ إيثَارَ الثَّوَابِ بِالذِّكْرِ نَاسَبَ إيثَارَ مَا يُنَاسِبُهُ وَهُوَ مُقَابِلُ الْمَدْحِ الَّذِي هُوَ الذَّمُّ لِلْمُنَاسِبَةِ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: لَمْ يَتَخَلَّفْ) أَيْ فَهِيَ أَخَصُّ بِهِمْ وَأَلْصَقُ وَكَانَ الْأَنْسَبُ عِنْدَ إرَادَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إيثَارَهُ بِالذِّكْرِ لِمَزِيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ مُعْتَقِدِهِمْ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ
(وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ)
ــ
[حاشية العطار]
مَا عَسَاهُ أَنْ يُقَالَ لَا دَخَلَ لِلْأَخَصِّيَّةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. .
(قَوْلُهُ: وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا إنَّمَا ذَكَرَهُمَا الْأَصْحَابُ بَعْدَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْ تَنَزَّلْنَا مَعَكُمْ وَسَلَّمْنَا جَدَلًا قَوْلَكُمْ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ لَكِنْ لَا يَصِحُّ قَوْلُكُمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْمُصَنِّفُ أَوْرَدَهُمَا لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَمْ يَظْهَرْ لِذِكْرِهِمَا بَعْدَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَائِدَةٌ لِفَهْمِهَا مِنْهَا اهـ.
قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَمَّا أَوَّلًا فَبِأَنَّ التَّنَزُّلَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ قَوْلَ الْمَحْصُولِ وَاعْلَمْ أَنَّا مَتَى بَيَّنَّا فَسَادَ الْقَوْلِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ فَقَدْ صَحَّ مَذْهَبُنَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا مَحَالَةَ فَيُمْكِنُ أَنَّ الْأَصْحَابَ سَلَّمُوا أَيْ جَدَلًا بِالْقَوْلِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، ثُمَّ بَيَّنُوا أَنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ لَا يَصِحُّ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ اهـ.
مَا نَصُّهُ اعْلَمْ وَفَّقَك اللَّهُ أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامَ نَظَرًا وَبَيَانُهُ هُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَازِمًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ لُزُومًا قَطْعِيًّا لَا يُتَصَوَّرُ إقَامَةُ الدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْقَطْعِيِّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْدَ تَسْلِيمِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ أَصْلًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ سَلِمَ اللُّزُومُ الْقَطْعِيُّ لِوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا حُكْمَ لَهَا قَبْلَ الشَّرْعِ بِالْعَقْلِ.
وَمَتَى كَانَ اللُّزُومُ الْقَطْعِيُّ وَاقِعًا إمَّا حَقِيقَةً أَوْ بِحُكْمِ التَّسْلِيمِ اسْتَحَالَ تَخَلُّفُ اللَّازِمِ عَنْهُ فَلَا يَقْبَلُ الْمُعَارَضَةَ وَمَتَى كَانَ اللَّازِمُ ظَنِّيًّا وَكَانَ وُقُوعُ الْمَلْزُومِ ظَنِّيًّا كَانَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ قَابِلًا لِلْمُعَارَضَةِ لَكِنْ مَتَى سَلِمَ لَهُمْ قَاعِدَةُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَطْعًا عَلَى مَذْهَبِهِمْ فَلَا يُمْكِنُنَا إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَالصَّوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لَهُمْ الْقَاعِدَةَ أَصْلًا انْتَهَى وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّنَزُّلَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَتَهُ وَبِاحْتِمَالِ ذَلِكَ يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَنَصُّهُ عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا مُتَابَعَةٌ لِلْأَصْحَابِ وَاقْتِدَاءٌ بِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ اكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إلَى التَّنَزُّلِ حَيْثُ أَفْرَدَهُمَا بِالذِّكْرِ مَعَ فَهْمِهِمَا مِمَّا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهُمَا أَوْ قَصَدَ الِاحْتِيَاطَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّنَزُّلُ فَذَكَرَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ التَّنَزُّلَ وَعَدَمَهُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ لُزُومِ التَّنَزُّلِ لَكَانَ ذِكْرُهُمَا إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْجَدَلِ وَأَمَّا مُجَرَّدُ نَقْلِ الْخِلَافِ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ إذْ قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَخْصِيصِ ذِكْرِ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْجَدَلِ وَبَيَانِ عَدَمِ تَمَامِ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى خُصُوصِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمُعْتَرِضُ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَقْلِيدِ الْأَصْحَابِ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يُفِيدُ تَأَمَّلْ هَكَذَا اعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَا يَدْفَعُ اعْتِرَاضَهُ حَيْثُ قَالَ: مَسْأَلَةٌ تُرْسَمُ بِشُكْرِ الْمُنْعِمِ؛ شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَا يُدْرَكُ وُجُوبُهُ بِالْعَقْلِ عِنْدَنَا وَهَذَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْأَصْلِ الَّذِي سَبَقَ عَقْدُهُ اهـ.
فَتَرْجَمَ هَذَا الْأَصْلَ بِمَسْأَلَةٍ مُعْتَرِفًا بِانْدِرَاجِهِ تَحْتَ مَا سَبَقَ عَقْدُهُ وَهُوَ مَسْأَلَةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ وَكَفَى بِهِ سَلَفًا لِلْمُصَنِّفِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ ذَلِكَ يَعْنِي الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ وَاقِعًا فِي قِسْمِ الضَّرُورِيَّاتِ وَإِنَّمَا هُوَ مُدْرَكٌ بِالنَّظَرِ عَقْلًا وَالْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ فِي بُطْلَانِ مَا صَارُوا إلَيْهِ أَنَّ الشُّكْرَ تَعَبٌ لِلشَّاكِرِ نَاجِزٌ وَلَا يُفِيدُ الْمَشْكُورَ شَيْئًا فَكَيْفَ يَقْضِي الْعَقْلُ بِوُجُوبِهِ فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ يُفِيدُ الشَّاكِرَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ فِي الْأَجَلِ وَالْعَقْلُ قَاضٍ بِاحْتِمَالِ التَّعَبِ الْعَاجِلِ لِارْتِقَابِ النَّفْعِ الْآجِلِ قُلْنَا كَيْفَ يُدْرَكُ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَمِنْ أَيْنَ يَعْرِفُ الْعَاقِلُ هَذَا وَالْمَشْكُورُ يَقُولُ لَا يَجِبُ عَلَيَّ نَفْعُك ابْتِدَاءً وَمَا يَنْفَعُنِي فَأُعَوِّضُك فَإِنْ قِيلَ يَدْرَأُ الشَّاكِرُ بِالشُّكْرِ الْعِقَابَ الْمُرْتَقَبَ عَلَى تَرْكِ الشُّكْرِ قُلْنَا كَيْفَ يُعْلَمُ ذَلِكَ وَالْكُفْرُ وَالشُّكْرُ سِيَّانِ فِي حَقِّ الْمَشْكُورِ اهـ.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْحَوَاشِي الْمُتَأَخِّرَةِ فِي بَيَانِ التَّنَزُّلِ أَنْ يُقَالَ تَنَزَّلْنَا مَعَكُمْ إلَى أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لَكِنْ يَلْزَمُكُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الشُّكْرُ عَقْلِيًّا فَإِنَّ الْعَقْلَ إذَا خُلِّيَ وَنَفْسَهُ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ الْحُسْنَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمُشْتَمِلَ عَلَيْهَا الشُّكْرُ إمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِعَةً لِلْمَشْكُورِ أَوْ إلَى الشَّاكِرِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلُ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ
أَيْ وَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِإِنْعَامِهِ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالصِّحَّةِ وَغَيْرِهَا بِالْقَلْبِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ تَعَالَى
ــ
[حاشية العطار]
تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِشُكْرِ شَاكِرٍ أَوْ عِبَادَةِ عَابِدٍ كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ الْغِنَى الْمُدَلْمَقُ إذْ لَوْ انْتَفَعَ بِذَلِكَ لَزِمَ افْتِقَارُهُ إلَى خَلْقِهِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ.
وَأَمَّا فَلِأَنَّ النِّعْمَةَ الْوَاصِلَةَ إلَى الشَّاكِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُسْدِيهَا وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَا تُسَاوِي عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ فَلَا يَسْتَوْجِبُ شُكْرًا فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ الشُّكْرُ وَاجِبًا فَيَكُونَ الشُّكْرُ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ الشِّقِّ الثَّانِي أَعْنِي قَوْلَهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ النِّعْمَةَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ وَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) قَالَ الْكَمَالُ كَلَامُ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّ مَوْضُوعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الشُّكْرُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَوْضُوعَهَا الشُّكْرُ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ وَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ كَصَرْفِ النَّظَرِ إلَى مَصْنُوعَاتِهِ وَالسَّمْعِ إلَى تَلَقِّي أَوَامِرِهِ وَإِنْذَارِهِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ. قَالَ سم بَعْدَ تَسْلِيمِ الشَّارِحِ إنَّ مَوْضُوعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ يَكُونُ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ الشَّارِحَ فَرَضَ الْخِلَافَ فِي بَعْضِ صُوَرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّ الشُّكْرَ بِالْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الشُّكْرِ الْعُرْفِيِّ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى الشُّكْرِ الْعُرْفِيِّ بِجَعْلِ أَوْ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَإِدْخَالِ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ صَرْفِ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ لِلطَّاعَةِ فِي قَوْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ أَوْ الثَّنَاءُ بِغَيْرِهِ فَيَمْنَعُهُ الشَّارِحُ اُعْتُبِرَ فِي مَعْنَى الشُّكْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنْ يَكُونَ الثَّنَاءُ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ وَالْعُرْفِيُّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ اهـ.
ثُمَّ إنَّ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ الثَّنَاءُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ عُمُومٌ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ فَإِنَّ إطْلَاقَ الثَّنَاءِ عَلَى عَمَلِ اللِّسَانِ حَقِيقَةٌ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ مَجَازٌ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ الذِّكْرُ بِخَيْرٍ فَيَخْتَصُّ بِاللِّسَانِ فَإِنْ مَشَيْنَا عَلَى أَنَّهُ الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ سَوَاءٌ كَانَ بِاللِّسَانِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَا تَجَوُّزَ وَيَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ لُزُومُ وُقُوعِ الْمَجَازِ فِي التَّعْرِيفِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا وَهِيَ تَقْسِيمُهُ إلَى الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ وَقَوْلُ سم إنَّ الشَّارِحَ فَرَضَ الْخِلَافَ إلَخْ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ الشَّارِحَ صَوَّرَ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ بِغَيْرِ وَجْهِهِ.
(قَوْلُهُ: لِإِنْعَامِهِ) تَعْلِيلٌ لِلثَّنَاءِ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لِاعْتِبَارِهِ فِي مَفْهُومِ الشُّكْرَ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ الشُّكْرِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشِّهَابِ إنَّ الشَّارِحَ أَخَذَهُ مِنْ تَرْتِيبِ الشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ إذْ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: بِالْخَلْقِ) قَالَ الشِّهَابُ حَقِيقَةُ الْخَلْقِ الْإِيجَادُ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِنْعَامِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُنْعَمًا بِهِ فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ اهـ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلْقِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَكَذَا الرِّزْقُ إنْ ضُبِطَ بِالْفَتْحِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَصْدَرِ فِي الْحَاصِلِ بِهِ أَمْرٌ شَائِعٌ. اهـ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّ بِالْخَلْقِ مُتَعَلِّقٌ بِالثَّنَاءِ وَقَوْلُهُ الرِّزْقِ بِكَسْرِ الرَّاءِ لِإِعْطَائِهِ الرِّزْقَ وَكَذَا الصِّحَّةُ أَيْ يُثْنَى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: بِالْقَلْبِ) مُتَعَلِّقٌ بِالثَّنَاءِ وَقَوْلُهُ بِأَنْ يَعْتَقِدَ تَفْسِيرٌ لِلثَّنَاءِ بِالْقَلْبِ وَتَعَلُّقُ الْإِيجَابِ الَّذِي شَرَطَهُ كَوْنُ مُتَعَلِّقِهِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا بِالِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ كَيْفٌ عَلَى التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعَلُّقُهُ بِأَسْبَابِهِ الْمَقْدُورَةِ كَالنَّظَرِ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ إلَخْ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا أَثْنَى بِقَلْبِهِ عَلَى الْمُنْعِمِ بِغَيْرِ
وَلِيُّهَا أَوْ اللِّسَانِ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ يَخْضَعَ لَهُ تَعَالَى (وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ لَا الْعَقْلِ) فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
(وَلَا حُكْمَ) مَوْجُودٌ (قَبْلَ الشَّرْعِ)
ــ
[حاشية العطار]
مَا يُفْهِمُ صُدُورَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا وَكَذَا قَوْلُهُ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا أَثْنَى بِقَلْبِهِ عَلَى الْمُنْعِمِ بِغَيْرِ مَا يُفْهِمُ صُدُورَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا أَوْ كَذَا قَوْلُهُ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا أَثْنَى بِلِسَانِهِ بِغَيْرِ التَّحَدُّثِ الْمَذْكُورِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا أَوْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الثَّنَاءِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صُدُورِ تِلْكَ النِّعْمَةِ مِنْ الْمُنْعِمِ وَلَا تَحَدَّثَ بِهَا وَأَنَّ الثَّنَاءَ بِالْقَلْبِ يَصْدُقُ بِنَحْوِ اعْتِقَادِ الْكَمَالِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ وَالثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ يَصْدُقُ بِنَحْوِ وَصْفِهِ بِالْكَمَالِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ بَلْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ بِأَنَّ فِي الْمَوْضُوعِينَ عَلَى التَّمْثِيلِ عَلَى مَا هُوَ عَادَتُهُ تَبَعًا لِشَيْخَيْ مَذْهَبِهِ وَيَكُونُ مُخَالَفَةُ الْأُسْلُوبِ فِي الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ وَاعْلَمْ أَنَّ تَمْثِيلَهُ الثَّنَاءَ بِالْقَلْبِ وَالثَّنَاءَ بِاللِّسَانِ وَالثَّنَاءَ بِغَيْرِهِمَا بِمَا ذَكَرَهُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ فَمَنْ تَبْلُغُهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ وَصَلَتْ لَهُ نِعْمَةٌ وَلَمْ يُلَاحِظْ أَنَّ اللَّهَ مُولِيهَا وَلَمْ يَتَحَدَّثْ بِهَا وَلَا وُجِدَ مِنْهُ نَحْوُ خُضُوعٍ أَثِمَ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْفُرُوعِ خِلَافُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْحَمْدِ عَلَى النِّعْمَةِ وَاجِبًا أَنَّهُ يَقَعُ وَاجِبًا لَا أَنَّهُ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَلِيُّهَا) أَيْ مُولِيهَا وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ اللِّسَانِ مِنْ الْجَوَارِحِ وَقَوْلُهُ كَأَنْ يَخْضَعَ إلَخْ تَمْثِيلٌ لِلثَّنَاءِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ لَا لِلْغَيْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كُلُّ ثَنَاءٍ بِفِعْلٍ خُضُوعٌ لِلَّهِ تَعَالَى إذْ لَا يَكُونُ الْفِعْلُ ثَنَاءً إلَّا إنْ كَانَ خِدْمَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ خِدْمَةٍ خُضُوعٌ فَالْإِتْيَانُ بِالْبَاءِ أَوْلَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْخُضُوعِ خُصُوصُ سُكُونِ الْأَعْضَاءِ مَهَابَةً مِنْهُ تَعَالَى كَمَا يُفْعَلُ بَيْنَ أَيْدِي الْمُلُوكِ أَوْ تُجْعَلُ الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةً.
(قَوْلُهُ: وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ) هَذَا الْكَلَامُ وَقَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ إلَخْ يَقْضِي بِإِثْمِ مَنْ تَرَكَ الشُّكْرَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْفُرُوعِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ غَفَلَ مُطْلَقًا عَنْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَى النِّعَمِ وَلَمْ يَتَحَدَّثْ بِهَا وَلَا لَاحَظَ الْخُضُوعَ لِلَّهِ تَعَالَى وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ مَا ذَكَرَهُ بِأَنْ يُرَادَ الِاعْتِقَادُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ النِّعَمَ أَنَّ مُولِيَهَا هُوَ اللَّهُ وَالتَّحَدُّثُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إنْ سُئِلَ عَنْ مَوْلَى النِّعَمِ لَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ اللَّهُ وَالْخُضُوعُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ عِزَّةَ اللَّهِ وَعَظَمَتَهُ رَأَى نَفْسَهُ خَاضِعَةً لِذَلِكَ.
وَفِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ لِلْقَرَافِيِّ أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ إطَاعَتُهُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ أَوْ الِاعْتِقَادِ أَوْ التَّرْكِ لِلْمُحَرَّمِ أَوْ الْمَكْرُوهِ وَأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ الطَّاعَاتُ الْوَاجِبَةُ وَمَا هُوَ مَنْدُوبٌ وَهُوَ الطَّاعَاتُ الْمَنْدُوبَةُ، ثُمَّ قَالَ فَظَهَرَ أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ غَيْرُ وَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ الْوَاجِبُ جُزْءُ هَذَا الْمَجْمُوعِ لَا كُلُّهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشُّكْرَ مَجْمُوعُ الطَّاعَاتِ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلُهُ فَظَهَرَ أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ غَيْرُ وَاجِبٍ إلَخْ كَلَامٌ غَيْرُ لَائِقٍ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] نَعَمْ الْمَقْصُودُ وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِجَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَكِنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الشُّكْرِ، ثُمَّ حَمْلُ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ غَيْرُ لَائِقٍ، ثُمَّ إنْ صَدَقَ مَعْنَى الشُّكْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إتْيَانِ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَإِلَّا لَمَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ إلَخْ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ وَلَوْ دَعْوَتُهُ إلَى الْإِيمَانِ دُونَ وُجُوبِ الشُّكْرِ فَهُوَ آثِمٌ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ شُكْرٌ وَعَبَّرَ هَاهُنَا بِالدَّعْوَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي تَحْقِيقِ الْحُكْمِ مُجَرَّدُ الْبَعْثَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَعْوَةِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ إلَى الشَّرْعِ الْمُرْسَلِ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ التَّنْجِيزِيَّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِتَبْلِيغِهِ وَفِيمَا بَعْدُ بِالْبَعْثَةِ رِعَايَةً لِمَا فِي الْآيَةِ الْمُسْتَدَلِّ بِهَا أَعْنِي قَوْلَهُ {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] . .
(قَوْلُهُ: وَلَا حُكْمَ) أَيْ لَا حُكْمَ مُتَعَلِّقٌ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ قَدِيمٌ لَا يَنْتَفِي وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ السَّابِقُ تَجَوُّزًا قَالَهُ زَكَرِيَّا وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَلَى خِلَافِ مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ
أَيْ الْبَعْثَةِ لِأَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ
ــ
[حاشية العطار]
وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ إلَخْ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُصُولِ أَيْ الْعَقَائِدِ وَالْفُرُوعِ فَلَا يَجِبُ تَوْحِيدُهُ وَلَا غَيْرُهُ قَبْلَ إرْسَالِ الرُّسُلِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: مَوْجُودٌ) قَالَ الشِّهَابُ التَّصْرِيحُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْخَبَرِ مَعَ كَوْنِهِ اسْتِقْرَارًا عَامًّا فِي الْمَزْجِ الَّذِي يُصَيِّرُ الْمَجْمُوعَ كَلَامًا وَاحِدًا غَيْرُ مُنَاسِبٍ اهـ.
وَرَدَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّ كَوْنَ الْمَزْجِ يُصَيِّرُ الْمَجْمُوعَ كَلَامًا وَاحِدًا حَقِيقَةً مَمْنُوعٌ قَطْعًا وَكَوْنُهُ يُصَيِّرُهُ كَالْكَلَامِ الْوَاحِدِ لَوْ سَلِمَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الْخَبَرِ لَمَّا كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَادَّةُ الْوُجُودِ فَيُفِيدُ انْتِفَاءَ وُجُودِ نَفْسِ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ أَوْ مَادَّةُ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يُفِيدُ ذَلِكَ بَلْ يُحْتَمَلُ مَعَهُ حُصُولُ نَفْسِ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْمَعْلُومِ احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى بَيَانِهِ حَتَّى يُعْلَمَ الْمَقْصُودُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ قَوْلِهِمْ السُّكُونُ الْعَامُّ يَجِبُ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وُجُوبَ حَذْفِهِ فِي كَلَامٍ لَا يُنَافِي ذِكْرَهُ فِي كَلَامٍ آخَرَ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى بَيَانِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ الشَّارِحُ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِالْحُكْمِ وَيُقَدَّرُ الْخَبَرُ بَعْدَ الظَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ لَكَانَ مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ شَبِيهًا بِالْمُضَافِ مَعَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي لَفْظِ حُكْمَ بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَا مَبْنِيٌّ مَعَهَا عَلَى الْفَتْحِ فَلَا تَنْوِينَ فِيهِ نَعَمْ جَوَّزَ الْبَغْدَادِيُّونَ نَصْبَ التَّشْبِيهِ بِالْمُضَافِ مَعَ إسْقَاطِ تَنْوِينِهِ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ نَحْوُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت اهـ.
أَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الْخَبَرِ إلَخْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ حَذْفَ الْخَبَرِ قَرِينَةٌ عَلَى تَقْدِيرِهِ كَوْنًا عَامًّا وَلَوْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ التَّخْصِيصَ لَذَكَرَهُ إذْ لَا مَعْنَى لِحَذْفِهِ حِينَئِذٍ وَقَوْلُهُ وُجُوبَ حَذْفِهِ فِي كَلَامٍ إلَخْ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ الْحَذْفُ وَاجِبًا مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِوُجُوبِهِ فَهَذَا تَخْصِيصٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْبَعْثَةِ لِأَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ) فَسَّرَ الشَّرْعَ بِالْبَعْثَةِ دُونَ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ وَظَاهِرُ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا قِيلَ جَمِيعُ الرُّسُلِ وَهُوَ مَا قَبْلَ آدَمَ عَلَى الْجَمِيعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ الْحَلِيمِيِّ فِي مِنْهَاجِهِ فِي بَابِ مَنْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَاقِلًا ذَا رَأْيٍ وَنَظَرٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ دِينًا فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ دَعْوَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَلَا شَكَّ أَنَّهُ سَمِعَ دَعْوَةَ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَطَوُّلِ أَزْمَانِ دَعْوَتِهِمْ وَوُفُورِ عَدَدِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ وَاتَّبَعُوهُمْ وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ وَخَالَفُوهُمْ فَإِنَّ الْخَبَرَ قَدْ يَبْلُغُ عَلَى لِسَانٍ الْمُخَالِفِ كَمَا يَبْلُغُ عَلَى لِسَانِ الْمُوَافِقِ وَإِذَا سَمِعَ آيَةَ دَعْوَةٍ كَانَتْ إلَى اللَّهِ فَتَرَكَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِعَقْلِهِ عَلَى صِحَّتِهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ كَانَ بِذَلِكَ مُعْرِضًا عَنْ الدَّعْوَةِ فَكَفَرُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ بِدِينٍ وَلَا دَعْوَةِ نَبِيٍّ عُرِفَ أَنَّ فِي الْعَالَمِ مَنْ يُثْبِتُ إلَهًا وَمَا يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَإِنْ كَانَ فَأَمْرُهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ يَعْنِي فِي أَنَّ الْإِيمَانَ هَلْ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ النَّقْلِ اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي ثُبُوتِ تَكْلِيفِ كُلِّ أَحَدٍ الْإِيمَانَ بَعْدَ وُجُودِ دَعْوَةِ أَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِ، وَفِي تَعْذِيبِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَهَذَا مَا اعْتَمَدَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ إنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَيْسَ فِي هَذَا مُؤَاخَذَةٌ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ.
وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي اعْتِمَادِهِ حَتَّى قَالَ فَمَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَقَصَّرَ فِي الْبَحْثِ عَنْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ فَلَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِي نَجَاةِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ اهـ.
لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَشَاعِرَةُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْأُصُولِ وَالشَّافِعِيَّةُ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ لَا يُعَذَّبُونَ وَقَدْ صَحَّ تَعْذِيبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَحَادِيثَهُمْ آحَادٌ لَا تُعَارِضُ الْقَطْعَ بِعَدَمِ تَعْذِيبِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْذِيبُ مَنْ صَحَّ تَعْذِيبُهُ مِنْهُمْ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعَالَى وَرَسُولِهِ نَظِيرُ مَا قِيلَ فِي كُفْرِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ عليه السلام وَبِأَنَّ تَعْذِيبَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْأَحَادِيثِ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ غَيَّرَ
لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ حِينَئِذٍ مِنْ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] أَيْ وَلَا مُثِيبِينَ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الثَّوَابِ بِذِكْرِ مُقَابِلِهِ مِنْ الْعَذَابِ
ــ
[حاشية العطار]
وَبَدَّلَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ بِمَا لَا يُعْذَرُ بِهِ كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَتَغْيِيرِ الشَّرَائِعِ لَكِنَّ هَذَا لَا يُوَافِقُ إطْلَاقَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَلَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا وُجُوبَ إلَّا بِالشَّرْعِ حَتَّى قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّا لَا نَتَعَبَّدُ أَصْلًا وَفَرْعًا إلَى بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَنْ ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ مِنْ اتِّبَاعِ مَنْ بَقِيَ شَرْعُهُ إذْ ذَاكَ كَعِيسَى عليه السلام لَمْ يَبْقَ إشْكَالٌ أَصْلًا، ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ كُلُّ مَنْ كَانَ بَيْنَ رَسُولَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ وَلَا أَدْرَكُوا الثَّانِيَ فَهُمْ أَهْلُ فَتْرَةٍ وَقَدْ فُهِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِأَحْكَامِ الْإِيمَانِ بِخِلَافِ الْفُرُوعِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ مَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ نَعَمْ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمِلَلُ مِنْ الْفُرُوعِ هَلْ هُوَ كَالْإِيمَانِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ هَذَا النِّزَاعُ فِيهِ نَظَرٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي بِأَنْ يُرَادَ بِهِ لَا حُكْمَ أَصْلِيًّا وَلَا فَرْعِيًّا يَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ قَبْلَ بَعْثَةِ أَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ إلَيْهِ وَإِنْ بُعِثَ إلَى غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ) أَيْ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ وَقَوْلُهُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ لَا شَرْعَ وَهُوَ ظَرْفٌ لِلِانْتِفَاءِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا دَلِيلٌ أَتَى وَمَا سَيَجِيءُ أَنَّهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْقَيْدِ دَلِيلٌ لِمَنٍّ تَأَمَّلَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ) بَيَانٌ لِلَازِمِهِ وَقَدْ يُمْنَعُ اللُّزُومُ بِانْفِكَاكِ التَّرَتُّبِ عَنْ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الظُّهْرِ مَثَلًا بِدُخُولِ وَقْتِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ثَوَابٌ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَرَتُّبُ مَا ذُكِرَ تَرَتُّبَ اسْتِحْقَاقِ الشَّخْصِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ أَوْ نَفْسَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا لَازِمٌ لِتَحَقُّقِ الْحُكْمِ فَإِنْ قُلْت هَذَا الدَّلِيلُ بِتَقْدِيرِ تَمَامِيَّتِهِ إنَّمَا يَنْهَضُ لِنَفْيِ مَا كَانَ مَلْزُومًا لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ دُونَ غَيْرِهِ كَالْإِبَاحَةِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الْجَمِيعِ وَأَيْضًا لِلْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يَمْنَعُوا كَوْنَ مَا ذُكِرَ لَازِمًا مُطْلَقًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا بِشَرْطِ وُجُودِ الْبَعْثَةِ فَلَا يَدُلُّ انْتِفَاؤُهَا قَبْلَهَا عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ فَإِذَا انْتَفَى مَلْزُومُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ انْتَفَى غَيْرُهُ أَيْضًا وَأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مُطْلَقًا حَيْثُ أَثْبَتُوا الْإِثْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ خِلَافًا لِلْمُحْتَرَزِ وَإِذَا كَانَ لَازِمًا عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا فَانْتِفَاؤُهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ وَهُوَ الْحُكْمُ قَبْلَهَا.
(قَوْلُهُ: بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} [الإسراء: 15] الْآيَةَ) قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ يَتِمُّ إذَا كَانَ مَقْصُودُنَا تَحْصِيلَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عِلْمِيَّةً فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِالدَّلَائِلِ الظَّنِّيَّةِ اهـ.
وَقَدْ ضَعَّفَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ بِوُجُوهٍ مِنْهَا آيَةُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ الْعَقْلِيُّ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ أَلْبَتَّةَ وَهَذَا بَاطِلٌ فَذَاكَ بَاطِلٌ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ الشَّرْعُ وَادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ اسْتِمَاعُ قَوْلِهِ وَالتَّأَمُّلُ فِي مُعْجِزَاتِهِ أَوْ لَا يَجِبُ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ بَطَلَ الْقَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ وَإِنْ وَجَبَ فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالشَّرْعِ فَإِنْ وَجَبَ بِالْعَقْلِ فَقَدْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ الْعَقْلِيُّ وَإِنْ وَجَبَ بِالشَّرْعِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْعَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي أَوْ غَيْرَهُ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ حَاصِلُ الْكَلَامِ إلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ يَقُولُ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أَنِّي أَقُولُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي وَهَذَا إثْبَاتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّرْعُ غَيْرَهُ كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ وَلَزِمَ.
أَمَّا الدَّوْرُ وَالتَّسَلْسُلُ وَهُمَا مُحَالَانِ قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ إذَا أَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّهُ رَسُولٌ ثَبَتَ صِدْقُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ مَحْذُورٍ مِنْ إثْبَاتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ أَوْ الدَّوْرِ أَوْ التَّسَلْسُلِ وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الشَّرْعُ بِمَعْنَى أَنَّ
الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّكْلِيفِ وَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ السَّابِقُ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ مِنْهُ وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ (بَلْ الْأَمْرُ) أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ (مَوْقُوفٌ
ــ
[حاشية العطار]
ثُبُوتَهُ بِإِخْبَارِ مَنْ ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ بِالْمُعْجِزَةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ وَلَيْسَ حَاصِلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أَنِّي أَقُولُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي حَتَّى يَلْزَمَ إثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ بَلْ حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَيَجِبُ صِدْقِي وَتَصْدِيقِي فِي كُلِّ مَا أَدَّعِيهِ وَلَيْسَ فِي هَذَا إثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَلَا دَوْرَ وَلَا تَسَلْسُلَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ يَقْطَعُ بِهِ أَنَّ الْخَصْمَ مُوَافِقٌ عَلَى أَنَّ الثُّبُوتَ بِالشَّرْعِ فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ الشَّرْعُ وَتَجِبُ الْمُتَابَعَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ مَعَ اقْتِرَانِ الْمُعْجِزَةِ وَتَمَكُّنِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ مِنْ النَّظَرِ وَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ حَيْثُ قَالَ إنَّهُ إذَا ادَّعَى النَّبِيُّ الرِّسَالَةَ وَاقْتَرَنَ بِدَعْوَاهُ الْمُعْجِزَةُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ وَكَانَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ عَاقِلًا مُتَمَكِّنًا مِنْ النَّظَرِ فَقَدْ ثَبَتَ لِلشَّرْعِ وَاسْتَقَرَّ وُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ سَوَاءٌ نَظَرَ أَمْ لَمْ يَنْظُرْ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ الِاسْتِمْهَالُ وَلَوْ اسْتَمْهَلَ لَمْ يَجِبْ الْإِمْهَالُ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِإِيجَادِ الْعِلْمِ عَقِيبَ النَّظَرِ الَّذِي هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعِقَابِ عَلَى وُجُودِ مَعْنَى لَفْظِ التَّكْلِيفِ إنْ لَمْ تَكُنْ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً أَوْ عَلَى وُجُودِ مَعْنًى هُوَ التَّكْلِيفُ إنْ كَانَتْ بَيَانِيَّةً أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِقَابَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مُلْزَمٍ بِهِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، وَالثَّوَابُ يَكُونُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ تَارَةً وَعَلَى غَيْرِهِ التَّابِعِ فِي الْوُجُودِ لِلْمُلْزَمِ بِهِ أُخْرَى بَلْ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ بِهِ كَصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَصَوْمِهِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ بِوَاسِطَةٍ أَظْهَرُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهَا تَارَةً بِوَاسِطَةٍ وَتَارَةً بِهَا.
(قَوْلُهُ: وَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يُقَالُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ مَعَ أَنَّ خِطَابَ اللَّهِ الَّذِي فَسَّرْت بِهِ الْحُكْمَ قَدِيمٌ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ إلَخْ فَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أُمُورٍ فَإِذَا انْتَفَى وَاحِدٌ مِنْهَا انْتَفَى هُوَ وَالتَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ جُزْءٌ مِنْهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ قَبْلَ الشَّرْعِ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ قَالَ الْكَمَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ إلَخْ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ انْتِفَاءُ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ الْقَدِيمُ وَذَلِكَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ انْتِفَاءُ وَصْفِهِ بِكَوْنِهِ حُكْمًا أَيْ تَسْمِيَتُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى حُكْمًا قَبْلَ حُصُولِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ خِلَافُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ وَأَنَّ الْحَادِثَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ عِنْدَ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ بِصِفَةِ التَّكْلِيفِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّ مُسَمَّاهُ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ فِي الْأَزَلِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا وَبِالْفِعْلِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا وَأَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ قَيْدٌ فِي مُسَمَّاهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ مَعْنَاهُ نَفْيُ حُصُولِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ اهـ.
وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا حُكْمَ إلَخْ ظَاهِرٌ ظُهُورًا تَامًّا فِي أَنَّ الْمَنْفِيَّ قَبْلَ الشَّرْعِ نَفْسُ الْحُكْمِ لَا شَيْءٌ خَارِجٌ عَنْهُ كَتَعَلُّقِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ أَوْ صَرِيحِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ لَا مُشَاحَةَ فِيهِ فَلِهَذَا دَرَجَ الشَّارِحُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَتْنِ وَصَرَّحَ بِمَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُ هُنَا وَفِيمَا سَبَقَ وَالشَّارِحُ ثَبَتَ ثِقَةً فَيَكُونُ تَصْرِيحُهُ بِذَلِكَ لِثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِهِ وَلَوْ مِنْ الْبَعْضِ وَلَمْ يَثْبُتُ اتِّفَاقٌ وَلَا قَاطِعَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَقْصُودَهُ مُجَرَّدُ تَوْجِيهِ ظَاهِرِ الْمَتْنِ وَالْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ وَلَا مِنْ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحًا لِلْمُصَنِّفِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ فَتَذَكَّرْ مَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ) أَيْ هُنَا وَإِلَّا فَقَدْ يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ) الشَّأْنُ هُوَ الْحَدِيثُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ يَعْنِي أَنَّ الْأَمْرَ الثَّابِتَ فِي الْوَاقِعِ لِوُجُودِ الْحُكْمِ كُلَّ وَقْتٍ هُوَ أَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ مَوْقُوفٌ فَالشَّأْنُ هُوَ وَقْفُ وُجُودِ الْحُكْمِ وَالْمَوْقُوفُ هُوَ وُجُودُ الْحُكْمِ فَلَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ بِقَوْلِهِ مَوْقُوفٌ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَوْقُوفٌ خَبَرُ هُوَ أَوْ أَنَّهُ مَحْذُوفٌ وَالضَّمِيرُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ عَائِدٌ عَلَى وُجُودِ الْحُكْمِ وَالتَّقْدِيرُ بَلْ الْأَمْرُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ هُوَ أَوَانُهُ أَيْ الْوُجُودُ مَوْقُوفٌ وَلَعَلَّ الشَّارِحَ إنَّمَا أَغْفَلَ التَّصْرِيحَ بِهَذَا الْمُقَدَّرِ لِوُضُوحِهِ كَذَا قِيلَ وَيَرِدُ عَلَى تَقْدِيرِ لَفْظَةِ " أَنَّهُ " أَنَّ فِيهِ حَذْفَ الْمَوْصُولِ الْحَرْفِيِّ وَبَعْضِ صِلَتِهِ وَيَرِدُ أَيْضًا أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ الْحَدِيثَ الْمُطَابِقَ لِمَا فِي نَفْسِ
إلَى وُرُودِهِ) أَيْ الشَّرْعِ أَشَارَ بِهَذَا كَمَا قَالَ إلَى أَنَّهُ مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ مِنَّا فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِالْوَقْفِ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِمَنْ نَفَى مِنَّا الْحُكْمَ فِيهَا وَبَلْ هُنَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إلَى آخَرَ وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى الْأَوَّلِ إذْ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْعِ مُشْتَمِلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَهُ وَوُجُودُهُ بَعْدَهُ.
ــ
[حاشية العطار]
الْأَمْرِ الْمُطَابِقَةَ لِلْوَاقِعِ فَغَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ الْكَاذِبُ وَهُوَ زَيْدٌ قَائِمٌ مَثَلًا وَإِنْ أَرَادَ الْمُطَابِقَةَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ خَبَرٍ فَإِنَّ الْمُخْبِرُ مُظْهِرٌ لِمُطَابَقَةِ خَبَرِهِ إذَا كَانَ بِصَدَدِ الْإِخْبَارِ فَلَا يَظْهَرُ كَبِيرُ فَائِدَةٍ لِقَيْدِ الْمُطَابَقَةِ وَكَأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ صِدْقِ الْجُمْلَةِ عَلَى الشَّأْنِ الْمُطَابَقَةُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ صِدْقَ الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ هُوَ اتِّحَادُهُمَا خَارِجًا الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهُوَ وَلَا يَلْزَمُ الْمُطَابَقَةُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هَذَا وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ عَلَى وَجْهٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ أَصْلًا فِي صِحَّةِ الْإِخْبَارِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى شَأْنَ النَّاسِ وَحَالَهُمْ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِمْ وَبِمُلَاحَظَةِ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ فَالظَّرْفِيَّةُ فِيهِ نَظِيرُ الظَّرْفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ الدَّارُ فِي نَفْسِهَا قِيمَتُهَا كَذَا أَيْ بِمُلَاحَظَةِ نَفْسِهَا.
وَقَوْلُ سم فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الشَّارِحِ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الْأَمْرِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْوُجُودِ أَيْ بَلْ وُجُودُهُ مَوْقُوفٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى ذَلِكَ فَقَوْلُهُ أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِهِ أَيْ وَهُوَ تَقَرُّرُ وُجُودِهِ أَيْ ثُبُوتِهِ وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ اهـ لَا يَخْفَى مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ رَكَاكَةِ التَّرْكِيبِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَصِيرُ مَجْمُوعُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ هَكَذَا بَلْ الْأَمْرُ أَيْ وُجُودُهُ فِي وُجُودِهِ وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَخَلَّصَ عَنْ الرِّكَّةِ فَعُدِلَ عَنْ تَقْدِيرِ لَفْظِ الْوُجُودِ إلَى لَفْظِ التَّقَرُّرِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الْحَوَاشِي إنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تُجْعَلُ فِي بِمَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ زِيَادَةُ رَكَاكَةٍ عَلَى رَكَاكَةٍ وَقَوْلُ سُمْ أَيْضًا إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي خَبَرِ لَفْظِ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ أَنْ يَكُونَ قَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ وَيُحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الضَّمِيرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الِاسْمِ الظَّاهِرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ كَذَلِكَ اهـ.
غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإِنَّ النُّحَاةَ إنَّمَا أَوْجَبُوا كَوْنَ خَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ بِمَعْنَى الْقِصَّةِ وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا جُمْلَةً؛ لِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَلْيَكُنْ لَفْظُ الشَّأْنِ أَوْلَى بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ سم وَلَوْ سَلِمَ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَهُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بَلْ يَجُوزُ تَخْرِيجُهَا عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا الْإِخْبَارَ عَلَى ضَمِيرِ الشَّأْنِ بِمُفْرَدٍ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّينَ كَمَا أَنَّهُمْ جَوَّزُوا حَذْفَ أَحَدِ جُزْأَيْ الْجُمْلَةِ الْمُخْبَرِ بِهَا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّينَ الْمَانِعِينَ مِنْهُ فَيَجُوزُ تَخْرِيجُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَذْفِ أَحَدِ جُزْأَيْ الْجُمْلَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: إلَى وُرُودِهِ) أَيْ الشَّرْعِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْثَةُ كَمَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُ بِهَا لَزِمَ وَصْفُ الْبَعْثَةِ بِالْوُرُودِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ إذْ الْبَعْثَةُ هِيَ الْإِرْسَالُ وَوَصْفُ الْإِرْسَالِ بِالْوُرُودِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَحْكَامُ لَمْ يَحْسُنْ الْإِضْرَابُ إذْ التَّقْدِيرُ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الْأَحْكَامِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إلَى وُرُودِ الْأَحْكَامِ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ وُرُودُ الْأَحْكَامِ الْبَعْثَةَ. اهـ. سم.
وَقَدْ يُجَابُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُرُودِ الْوُجُودُ فَالْمَعْنَى إلَى وُجُودِ الْإِرْسَالِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي مَقُولَةٍ بَعْدَ هَذِهِ (قَوْلُهُ أَشَارَ بِهَذَا) أَيْ بِقَوْلِهِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ وَقَصَدَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ دَفْعَ مَا يُقَالُ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْإِضْرَابِ لِفَهْمِهِ مِنْ النَّفْيِ قَبْلَهُ بَلْ الْإِتْيَانُ بِهِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ لَمْ يُرِدْ مَعْنَى أَنَّا أَوَّلًا نَدْرِي هَلْ الْحُكْمُ ثَابِتٌ قَبْلَ الْبَعْثَةِ أَوْ لَا بَلْ أَرَادَ أَنَّ وُجُودَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُرُودِ الشَّرْعِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَفْعَالِ) أَيْ فِي شَأْنِ الْأَفْعَالِ وَالْمُرَادُ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ الْأَفْعَالَ وَالِاعْتِقَادَاتِ وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِالِاعْتِقَادَاتِ بِاعْتِبَارِ أَسْبَابِهَا لَا بِاعْتِبَارِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْكَيْفِ لَا الْفِعْلِ حَقِيقَةً وَإِنْ عُدَّتْ مِنْ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَامَحَةِ.
(قَوْلُهُ: فِيهَا) أَيْ الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: إذْ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْعِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إلَى فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى عَلَى وَإِنْ كَانَ الْأَحْسَنُ التَّعْبِيرَ بِعَلَى وَاسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ بِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَوَقُّفَ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ فَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَالْأَحْكَامُ هِيَ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّهُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَكُونُ حَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى الشَّرْعِ أَوْ أَنَّ الْأَحْكَامَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْأَحْكَامِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْعِ هُنَا الْبَعْثَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَحْكَامَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ قَبْلَ التَّبْلِيغِ.
(قَوْلُهُ: مُشْتَمِلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَهُ إلَخْ) أَيْ مُحْتَوٍ عَلَيْهِ احْتِوَاءَ الْمَلْزُومِ عَلَى لَازِمِهِ لَا احْتِوَاءَ الْكُلِّ عَلَى مَا فِي ضِمْنِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاءَ قَبْلَهُ وَالْوُجُودَ بَعْدَهُ خَارِجَانِ عَنْ مَفْهُومِ
وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ) فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَمَا قَضَى بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ضَرُورِيٌّ
ــ
[حاشية العطار]
تَوَقُّفِ الْحُكْمِ، لَازِمَانِ لَهُ، كَذَا قَرَّرَ الشِّهَابُ وَجَعْلُ الْمَلْزُومِ مُحْتَوِيًا عَلَى لَازِمِهِ تَسَامُحٌ إذْ الِاسْتِلْزَامُ مُغَايِرٌ لِلِاحْتِوَاءِ لَكِنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ اعْتِرَاضُ النَّاصِرُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ مَعْنَى الِاشْتِمَالِ وَمَدْلُولِهِ الَّذِي هُوَ احْتِوَاءُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ حَيْثُ قَالَ أَيُّ مُحْتَوًى مَفْهُومُهُ احْتِوَاءُ الْكُلِّ عَلَى مَا فِي ضِمْنِهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِانْتِفَاءَ قَبْلَهُ وَالْوُجُودَ بَعْدَهُ خَارِجَانِ عَنْ مَفْهُومِ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ لَازِمَانِ لَهُ وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُ بِأَنَّ الْوُجُودَ بَعْدَهُ لَا يَلْزَمُ مَفْهُومُ الْمُتَوَقِّفِ لِذَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْطَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَشْرُوطُهُ الَّذِي قَدْ لَا يُوجَدُ بَعْدَهُ اهـ.
فَمُنْدَفِعٌ بِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَدَّعِ أَنَّ الْمُسْتَلْزِمَ مَفْهُومُ التَّوَقُّفِ لِذَاتِهِ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ مَفْهُومُ التَّوَقُّفِ لِلْغَيْرِ وَبَيَانُ هَذَا الْمَلْزُومِ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ فِي الْحُكْمِ الْمَوْصُوفِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَلَا بُدَّ فَإِذَا حُكِمَ بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الشَّرْعِ لَزِمَ انْتِفَاؤُهُ قَبْلَهُ وَوُجُودُهُ بَعْدَهُ هَذَا وَقَوْلُهُ وَوُجُودُهُ بَعْدَهُ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ. .
(قَوْلُهُ: وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ) صِيغَةُ فَعَّلَ هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّصْيِيرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَيِّرُوا الْعَقْلَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْعَقْلِ حَاكِمَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مُنْشِئٌ لِلْحُكْمِ إذْ الْمُنْشِئُ لَهُ اتِّفَاقًا مِنَّا وَمِنْهُمْ لَيْسَ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَمُقَابَلَةُ قَوْلِهِ وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ لِقَوْلِهِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ بِاعْتِبَارِ لَازِمِهِ إذْ يَلْزَمُ مِنْ إدْرَاكِ الْعَقْلِ الْحُكْمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ تَابِعٌ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الذَّاتِيَّيْنِ لِمُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا يَنْفَكَّانِ عَنْ ذَلِكَ الْمُتَعَلِّقِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ أَوْ بِاعْتِبَارِ لَازِمِ قَوْلِهِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ إذْ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِنَا الْحُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَدَمُ إدْرَاكِ الْعَقْلِ لَهُ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّبَعِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَنَفْيُهُ قَبْلَ الشَّرْعِ نَفْيٌ لِتِلْكَ التَّبَعِيَّةِ فَيَنْتَفِي إدْرَاكُ الْعَقْلِ لَهُ فَاسْتَقَامَتْ الْمُقَابَلَةُ وَاعْتُرِضَ هَذَا بِأَنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الذَّمِّ عَاجِلًا وَالْعِقَابِ آجِلًا شَرْعِيٌّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَأَجَابَ النَّاصِرُ بِأَنَّ مَا هُنَا أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ لِشُمُولِهِ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ وَاخْتِصَاصِ مَا تَقَدَّمَ بِالْحَرَامِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ اهـ.
قَالَ سم وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ تَصْرِيحٌ بِتَحْكِيمِ الْعَقْلِ لِاحْتِمَالِ التَّوَقُّفِ وَأَيْضًا فِيمَا هُنَا زِيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ تَفْصِيلُ مَذْهَبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَقْضِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَفْعَالِ) يَعْنِي اعْتَقَدَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ حَاكِمًا فِي الْأَفْعَالِ فَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ حَكَّمَتْ وَلَيْسَ الْمَعْنَى جَعَلَتْهُ حَاكِمًا كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
وَكَأَنَّهُ فِي فِرَارٍ عَنْ جَعْلِ صِيغَةِ فَعَّلَ بِمَعْنَى جَعَلَ؛ لِأَنَّ الْجَعْلَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ صِيغَةَ فَعَّلَ لِلنِّسْبَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ جَعَلَ بِمَعْنَى اعْتَقَدَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف: 19] أَيْ اعْتَقَدُوهُ حَاكِمًا فَالْأَحْسَنُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ وَتَعَلُّقُ الْجَارِ بِحَكَّمَتْ، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادُ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ وَالِاعْتِقَادَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا سَمِعْت مِرَارًا.
(قَوْلُهُ: فَمَا قَضَى إلَخْ) مَا إمَّا مَوْصُولَةٌ أَيْ فَالْحُكْمُ الَّذِي قَضَى الْعَقْلُ بِهِ أَوْ شَرْطِيَّةٌ فَالتَّقْدِيرُ فَأَيُّ حُكْمٍ قَضَى الْعَقْلُ بِهِ وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ إدْرَاكُ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَالْوُجُوبِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ ظَاهِرٌ عَلَى الْمَوْصُولِيَّةِ وَجَوَابُ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ وَهِيَ خَبَرٌ أَيْضًا عَنْ اسْمِ الشَّرْطِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ خَبَرَ اسْمِ الشَّرْطِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً هُوَ جَوَابُهُ وَقِيلَ الْخَبَرُ فِعْلُ الشَّرْطِ وَقِيلَ مَجْمُوعُهُمَا وَقَدْ أَوْرَدَ النَّاصِرُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ أَنَّ جَوَابَ اسْمِ الشَّرْطِ الْمَرْفُوعِ بِالِابْتِدَاءِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ضَمِيرٍ يَرْبِطُهُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ هُنَا لَزِمَ مَحْذُورٌ صِنَاعِيٌّ وَإِنْ قُدِّرَ بِأَنْ قِيلَ الْأَصْلُ فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَقْضِيِّ بِهِ مِنْ وُجُوبٍ مَثَلًا لَزِمَ أَنَّ قَوْلَهُ أَمْرٌ مُسْتَدْرَكٌ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ غَيْرُ قَضَاءِ الْعَقْلِ فِي الْفِعْلِ الضَّرُورِيِّ مَثَلًا بِمَا قَضَى بِهِ فِيهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ تَفْصِيلٌ لِمَا تَقَدَّمَ اهـ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي أَمْرِ قَضَائِهِ بَيَانِيَّةٌ سَلَّمْنَا أَنَّهَا غَيْرُ بَيَانِيَّةٍ فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ التَّفْصِيلُ وَهُنَا مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ فَتَفَاصِيلُ مُقْتَضَى قَضَائِهِ بِهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ فِي فِعْلٍ مِنْ تِلْكَ
كَالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ اخْتِيَارِيٌّ لِخُصُوصِهِ بِأَنْ أَدْرَكَ فِيهِ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً أَوْ انْتِفَاءَهُمَا فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الضَّرُورِيَّ مَقْطُوعٌ بِإِبَاحَتِهِ. وَالِاخْتِيَارِيُّ لِخُصُوصِهِ يَنْقَسِمُ إلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَفْسَدَةٍ فِعْلُهُ
ــ
[حاشية العطار]
الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: ضَرُورِيٌّ) يُطْلَقُ الضَّرُورِيُّ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا لَا قُدْرَةَ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَعَلَى مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ دُعَاءً تَامًّا لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ كَمَا سَيَجِيءُ فِي قَوْلِهِ وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ إلَخْ وَالتَّنَفُّسُ فِي الْهَوَاءِ أَشْبَهُ بِالثَّالِثِ مِنْهُ بِغَيْرِهِ مَعْلُومٌ أَنَّ التَّنَفُّسَ اخْتِيَارِيٌّ فَلَا يُنَافِي جَرَيَانَ الْأَحْكَامِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ نَحْوُ الْهَلَاكِ وَمَنْدُوبًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى تَرْكِهِ مَفْسَدَةٌ وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَمَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا عَلَى تَرْكِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا مَفْسَدَةٌ وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ كَتَنَفُّسٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ كَالْقَتْلِ وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى فِعْلِهِ مَفْسَدَةٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ وَهُوَ أَنَّ الضَّرُورِيَّ مَقْطُوعٌ بِإِبَاحَتِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ الِانْقِسَامَ إلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ بِالِاخْتِيَارِيِّ وَالِاقْتِصَارَ فِي الضَّرُورِيِّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَمَا أَجَابَ بِهِ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِبَاحَةِ الْإِذْنُ فَيَشْمَلُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ أَيْضًا فَلَا يَخْلُصُ بِالْكُلِّيَّةِ وَبَقِيَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الضَّرُورِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى بِالِاخْتِيَارِيِّ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا اخْتِيَارِيٌّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ اخْتِيَارِيٌّ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِخُصُوصِهِ) أَيْ لِخُصُوصِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الِاخْتِيَارِيِّ أَيْ لِخُصُوصِيَّةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ أَوْ عَدَمِ اشْتِمَالِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَا بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ وَأَنَّهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَضَى مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَضَى الْمَذْكُورُ أَوْ بِقَوْلِهِ اخْتِيَارِيٌّ وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَوْ فِعْلٌ يَخْتَارُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ أَوْ الْكَفَّ عَنْهُ أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لِأَجْلِ خُصُوصِيَّةٍ وَجَوَّزَ الْأَخِيرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي وَالِاخْتِيَارِيُّ لِخُصُوصِهِ إلَخْ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قَضَى الْمَذْكُورِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِي بَعْضٍ مِنْهَا لِخُصُوصِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالِاخْتِيَارِيُّ لِخُصُوصِهِ فَقَدْ قَالَ شِهَابٌ إنَّ لِخُصُوصِهِ مُتَعَلِّقٌ بِيَنْقَسِمُ أَوْ بِمُقَدَّرٍ أَيْ وَالِاخْتِيَارِيُّ الْمَقْضِيُّ فِيهِ لِأَجْلِ خُصُوصِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ أَدْرَكَ فِيهِ) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَضَى الْمُعَلَّلِ بِالْخُصُوصِيَّةِ وَضَمِيرُ فِيهِ يَعُودُ عَلَى الِاخْتِيَارِيِّ الْمَقْضِيِّ فِيهِ لِخُصُوصِهِ فَإِدْرَاكُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ فِعْلًا وَتَرْكًا سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَإِدْرَاكُ الْمَفْسَدَةِ فِيهِ فِعْلًا وَتَرْكًا سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ بِالْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ وَإِدْرَاكُ انْتِفَائِهِمَا سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ بِالْإِبَاحَةِ.
(قَوْلُهُ: فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ ظَاهِرٌ) ضَمِيرُ قَضَائِهِ يَعُودُ إلَى الْفِعْلِ وَضَمِيرُ فِيهِ يَعُودُ لِلشَّيْءِ.
(قَوْلُهُ: فِعْلُهُ) فَاعِلُ اشْتَمَلَ
فَحَرَامٌ كَالظُّلْمِ أَوْ تَرْكُهُ فَوَاجِبٌ كَالْعَدْلِ أَوْ عَلَى مَصْلَحَةٍ فِعْلُهُ فَمَنْدُوبٌ كَالْإِحْسَانِ أَوْ تَرْكُهُ فَمَكْرُوهٌ وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ فَمُبَاحٌ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْضِ) الْعَقْلُ فِي بَعْضٍ مِنْهَا لِخُصُوصِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ كَأَكْلِ الْفَاكِهَةِ فَاخْتُلِفَ فِي قَضَائِهِ فِيهِ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ
ــ
[حاشية العطار]
وَقَوْلُهُ أَوْ تَرْكُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ نُكْتَةَ تَقْدِيمِ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ عَلَى الْفَاعِلِ مُرَاعَاةُ قُرْبِ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْفَاعِلِ مِنْهُ الَّتِي هِيَ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ قُرْبِ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عُمْدَةٌ بِخِلَافِ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ وَبَقِيَ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُضَافَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فِعْلُهُ عَائِدٌ لِلْفِعْلِ فَيَلْزَمُ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَافَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَالْمُضَافَ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ فَتَغَايَرَا أَوْ لَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَسَبَ هُنَا الْمَفْسَدَةَ وَالْمَصْلَحَةَ إلَى الْفِعْلِ الْمُضَافِ مَعَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ الْفِعْلُ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ خَارِجًا لِاتِّحَادِهِمَا خَارِجًا أَوْ بِجَعْلِ الْفِعْلِ الْمُضَافِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَاشِئٌ عَنْ الثَّانِي فَتَظْهَرُ النِّسْبَةُ وَأُورِدُ أَيْضًا أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ أَنْ تَتَقَابَلَ الْأَقْسَامُ فِيهِ وَالْقِسْمُ الْمُسَمَّى بِالْمَنْدُوبِ صَادِقٌ بِالْمُسَمَّى بِالْوَاجِبِ لِاشْتِمَالِ فِعْلِهِ أَيْضًا عَلَى مَصْلَحَةٍ وَالْمُسَمَّى بِالْمَكْرُوهِ صَادِقٌ بِالْمُسَمَّى بِالْحَرَامِ لِاشْتِمَالِ تَرْكِهِ أَيْضًا عَلَى مَصْلَحَةٍ فَقَدْ لَزِمَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ جَعْلُ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ حَذَفَ مِنْ تَعْرِيفِ كُلٍّ مِنْ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ قَيْدًا يُسْتَفَادُ مِنْ مُقَابِلِهِ؛ لِأَنَّ وَصْفَ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ بِشَيْءٍ فِي مَقَامِ تَمْيِيزِهِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِهِ وَانْتِفَائِهِ عَنْ الْمُقَابِلِ الْآخَرِ وَالْمَحْذُوفُ لِقَرِينَةٍ كَالثَّابِتِ فَقَوْلُهُ فِي تَعْرِيفِ الْمَنْدُوبِ أَوْ عَلَى مَصْلَحَةٍ فِعْلُهُ أَيْ وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ تَرْكُهُ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ لِمَا قَبْلَهُ فَخَرَجَ الْوَاجِبُ وَقَوْلُهُ فِي تَعْرِيفِ الْمَكْرُوهِ أَوْ تَرْكُهُ أَيْ وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ تَرْكُهُ بِقَرِينَةِ مَا ذُكِرَ فَخَرَجَ الْحَرَامُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ إلَخْ) هَذَا سَلْبٌ جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌّ؛ لِأَنَّ لَيْسَ بَعْضُ صُوَرِ السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ فَالْقَضِيَّةُ سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ لَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ مِنْ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ نَكِرَةٌ وَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَفْظَ الْبَعْضِ رَجَعَ لِلسَّلْبِ الْجُزْئِيِّ (وَقَوْلُهُ لِخُصُوصِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَقْضِ أَيْ فَإِذَا انْتَفَى قَضَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ لَا يَنْتَفِي قَضَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَهُوَ انْتِفَاءُ الْقَضَاءِ وَحِكَايَةِ الْخِلَافِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ فَقَوْلُهُ لِخُصُوصِهِ دَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّنَاقُضِ الْمَذْكُورِ وَلَا تَنَاقُضَ أَيْضًا بَيْنَ مَا هُنَا وَقَوْلِهِ سَابِقًا وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ مُهْمَلَةٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أَوْ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ فَإِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَحْكُمُ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ اسْتِقْلَالًا وَالْمُوجَبَةُ الْمُهْمَلَةُ لَا تُنَاقِضُ السَّالِبَةَ الْجُزْئِيَّةَ.
وَأَمَّا مَا أُجِيبَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ فِي الْجَمِيعِ إلَّا أَنَّهُ تَارَةً يَقْضِي لِلْخُصُوصِ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ بِأَنْ أَدْرَكَ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً أَوْ انْتِفَاءَهُمَا وَتَارَةً لَا يَقْضِي لِخُصُوصِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَا ذُكِرَ بَلْ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ
عَلَى أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (فَثَالِثُهَا لَهُمْ الْوَقْفُ عَنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ) أَيْ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مَحْظُورٌ أَوْ مُبَاحٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَمْنُوعٌ مِنْهُ فَمَحْظُورٌ أَوْ لَا فَمُبَاحٌ وَهُمَا الْقَوْلَانِ الْمَطْوِيَّانِ دَلِيلُ الْحَظْرِ أَنَّ الْفِعْلَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ اللَّهِ
ــ
[حاشية العطار]
وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ عَلَى الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ أَيْضًا لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا تَقَدَّمَ) أَيْ وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ فِي الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَانْتِفَاؤُهُمَا عَنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: فِي قَضَائِهِ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ أَيْ دَلِيلِ الْمُقْتَضَى بِهِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُقْتَضَى بِهِ الَّذِي هُوَ مُدْرَكُ الْعَقْلِ وَقَضَاؤُهُ إدْرَاكُهُ فَالضَّمِيرُ فِي دَلِيلِهِ لِلْقَضَاءِ بِمَعْنَى الْمَقْضِيِّ بِهِ فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ، أَوْ مَقْضِيِّ قَضَائِهِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَقْوَالٍ) فِيهِ أَنَّ الْقَضَاءَ كَمَا عَلِمْت بِمَعْنَى الْمَقْضِيِّ بِهِ وَثَالِثُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ الْوَقْفُ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَيُجَابُ بِالتَّغْلِيبِ أَوْ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّفْصِيلِيِّ كَمَا فِي غَيْرِ الثَّالِثِ وَالْإِجْمَالِيِّ كَمَا فِيهِ إذْ فِيهِ قَضَاءٌ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ.
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهَا) أَيْ الْأَقْوَالَ بِمَعْنَى الْمَقُولَاتِ أَيْ الْمُعْتَقَدَاتِ فَإِنَّ ضَمِيرَ ثَالِثِهَا يَعُودُ لِلْأَقْوَالِ فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ وَصَرَّحَ بِتَعْيِينِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ الْوَقْفُ وَأَشَارَ إلَى تَعْيِينِ الِاثْنَيْنِ بِقَوْلِهِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَدْرِي أَنَّهُ مَحْظُورٌ) فِيهِ أَنَّ تَفْسِيرَ الْوَقْفِ بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَقْوَالِ فِي الْمَقْضِيِّ بِهِ لَا فِي الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ أَوَّلًا فَاخْتُلِفَ فِي قَضَائِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ حُمِلَ سَابِقًا عَلَى الْمَقْضِيِّ بِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ.
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَضِيَّةَ مَانِعَةٌ خُلُوٍّ كَمَا أَنَّهَا مَانِعَةٌ جَمْعٍ فَتَكُونُ مُنْفَصِلَةً وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْإِبَاحَةِ اسْتِوَاءُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْمُصَنِّفِ وَحِينَئِذٍ فَدَعْوَى عَدَمِ الْخُلُوِّ عَنْهُمَا مَمْنُوعَةٌ لِجَوَازِ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا مَثَلًا لَكِنْ خَفِيَتْ الْمَصْلَحَةُ أَوْ الْمَفْسَدَةُ عَلَى الْعَقْلِ فَلَمْ يُدْرِكْ فِيهِ شَيْئًا وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ أَوَّلًا فَمُبَاحٌ مَمْنُوعٌ أَيْضًا، الْجَوَازُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ لَا) أَيْ مَعَ وُجُودِ الْحُكْمِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَ صَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ.
(قَوْلُهُ: وَهُمَا الْقَوْلَانِ الْمَطْوِيَّانِ) الضَّمِيرُ لِلْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ فَمَحْظُورٌ قَوْلُهُ فَمُبَاحٌ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ دَلِيلُ الْحَظْرِ فَهُوَ نَظِيرُ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ لِلْبُدَخْشِيِّ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لِلْعِبَادِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَوُرُودِ الشَّرْعِ مُبَاحَةٌ عِنْدَ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ وَبَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ وَبَعْضِ الْإِمَامِيَّةِ مِنْ الشِّيعَةِ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَفَسَّرَ الْإِمَامُ تَوَقُّفَهُمَا بِعَدَمِ الْحُكْمِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْأَحْكَامَ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ السَّمْعِ فَحَيْثُ لَا شَرْع لَا حُكْمَ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ هُوَ الْحَقُّ وَنَظَرَ فِيهِ الشَّارِحُونَ بِأَنْ لَيْسَ تَوَقُّفًا بَلْ قَطْعًا بِعَدَمِ الْحُكْمِ وَبِأَنَّ عَدَمَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِ السَّمْعِ عَيْنُ النِّزَاعِ خُصُوصًا عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ وَتَسْلِيمِ قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَقْلًا وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ التَّوَقُّفُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ أَيْ لَا نَدْرِي أَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ فَلَا نَدْرِي أَهُوَ إبَاحَةٌ أَوْ لَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ عِنْدَ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ فَلَوْ فُسِّرَ التَّوَقُّفُ بِعَدَمِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَبَعْدَهَا يَكُونُ لِتِلْكَ الْأَفْعَالِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ تَعَالَى لَا مَحَالَةَ فَيَلْزَمُ حُدُوثُهُ.
1 -
(قَوْلُهُ: دَلِيلُ الْحَظْرِ) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِبْطَالِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ لِظُهُورِ أَخْذِهِ مِمَّا سَبَقَ لَهُ فَإِنَّهُ سَاقَ اسْتِدْلَالَ الْأَصْحَابِ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ قَبْلَهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ بُطْلَانَ دَلِيلَيْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ اللَّازِمِ مِنْهُ بُطْلَانُ دَلِيلِ الْوَقْفِ وَهُوَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا لِانْتِفَائِهِ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ الْفِعْلَ تَصَرُّفٌ إلَخْ) أَيْ وَكُلُّ تَصَرُّفٍ فِي مِلْكِ اللَّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مَمْنُوعٌ فَهَذَا التَّصَرُّفُ مَمْنُوعٌ دَلِيلُ الْكُبْرَى الْقِيَاسُ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْجَوَابُ مَنْعُ الْكُبْرَى بِالْفَرْقِ بَيْنَ تَضَرُّرِ الشَّاهِدِ دُونَ الْغَائِبِ وَأَيْضًا حُرْمَةُ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الشَّاهِدِ
بِغَيْرِ إذْنِهِ إذْ الْعَالَمُ أَعْيَانُهُ وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَبْدَ وَمَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَوْ لَمْ يُبِحْ لَهُ كَانَ خَلْقُهُمَا عَبَثًا أَيْ خَالِيًا عَنْ الْحِكْمَةِ وَوَجْهُ الْوَقْفِ عَنْهُمَا تَعَارُضُ دَلِيلَيْهِمَا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَهُمْ أَيْ لِلْمُعْتَزِلَةِ إلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ فُقَهَائِنَا أَيْ كَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْحَظْرِ وَبَعْضِهِمْ بِالْإِبَاحَةِ فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ تَشَعُّبِ ذَلِكَ عَنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ مَا ابْتَغَوْا مَقَاصِدَهُمْ وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا أَيْ كَالْأَشْعَرِيِّ فِيهَا بِالْوَقْفِ مُرَادُهُ بِهِ نَفْيُ الْحُكْمِ فِيهَا أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ)
ــ
[حاشية العطار]
مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الشَّرْعِ.
(قَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِذْنِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ يُبَحْ) نَظْمُ الْقِيَاسِ هَكَذَا لَوْ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْفِعْلُ كَانَ خَلْقُهُمَا عَبَثًا وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَالْجَوَابُ بِالْمُعَارَضَةِ بِأَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ فَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ وَبِالْحِلِّ بِأَنَّهُ رُبَّمَا خَلَقَهُمَا لِيَشْتَهِيَهُ فَيَصْبِرَ عَنْهُ فَيُثَابَ عَلَيْهِ أَوْ خُلِقَ لِغَرَضٍ آخَرَ لَا نَعْلَمُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِبَاحَةِ عَبَثٌ.
(قَوْلُهُ: وَوَجْهُ الْوَقْفِ) لَمْ يَقُلْ وَدَلِيلُ الْوَقْفِ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ إذْ لَا حُكْمَ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلَيْنِ فَإِنَّ فِيهِمَا حُكْمًا وَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ) تَنَازَعَهُ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ وَعُمُومُ الْأَفْعَالِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ فِي الْبَعْضِ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ الْعَقْلُ فِيهِ مَصْلَحَةً وَلَا مَفْسَدَةً وَيُجَابُ بِأَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ فَلَا مُخَالَفَةَ.
(قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ لِغَفْلَتِهِمْ) بَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَقُولُ قَوْلَ ذَلِكَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ تَحْقِيقًا وَالْقَوْلُ يُنْسَبُ لِقَائِلِهِ وَإِنْ اعْتَقَدَ غَيْرُهُ غَلَطَهُ فِيهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّفْيَ حَقِيقَةً بَلْ حُكْمًا أَيْ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَنْفِيِّ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ صُدُورَهُ عَنْهُ فِي حُكْمِ غَيْرِ الصَّادِرِ لِعَدَمِ جَرَيَانِهِ عَلَى قَوَاعِدِهِ.
(قَوْلُهُ: عَنْ تَشَعُّبِ) أَيْ تَفَرُّعِ ذَلِكَ عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ الْعَقْلُ لِخُصُوصِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ مَصْلَحَةً وَلَا مَفْسَدَةً بَلْ قَضَى فِيهِ دَلِيلٌ عَامٌّ فَكَيْفَ يَتَفَرَّعُ ذَلِكَ عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِأُصُولِهِمْ هَاهُنَا مُجَرَّدُ إثْبَاتِ الْحُكْمِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ.
(وَهَاهُنَا فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ) وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى عِنْدَ تَرْجَمَةِ الْقَفَّالِ الْكَبِيرِ أَحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ الْكِبَارِ فَقَالَ إنَّ مَذَاهِبَ تُحْكَى عَنْ هَذَا الْإِمَامِ فِي الْأُصُولِ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى قَوَاعِدِ الْمُعْتَزِلَةِ حَتَّى إنَّ أَبَا سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيَّ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِهِ فَقَالَ قَدَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ وَدَنَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ أَيْ دَنَّسَهُ مِنْ جِهَةِ نَصْرِهِ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكُنْت أَغْتَبِطُ بِكَلَامٍ رَأَيْته لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ وَلِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقَتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي مَسْأَلَةِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَهُوَ أَنَّهُمَا لَمَّا حَكَيَا الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ عَقْلًا عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنَ سُرَيْجٍ وَغَيْرَهُ كَانُوا قَدْ بَرَعُوا فِي الْفِقْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي الْكَلَامِ وَطَالَعُوا عَلَى الْكِبَرِ كُتُبَ الْمُعْتَزِلَةُ فَاسْتَحْسَنُوا عِبَارَاتِهِمْ وَقَوْلَهُمْ يَجِبُ شُكْرُ الْمُنْعِمِ عَقْلًا فَذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ غَيْرَ عَالَمِينَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ قَبِيحِ الْمَذْهَبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ.
وَأَمَّا الْقَفَّالُ فَقَدْ قَالَ فِي حَقِّهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ إنَّهُ كَانَ مَائِلًا عَنْ الِاعْتِدَالِ قَائِلًا بِالِاعْتِزَالِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ اهـ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ الْقَفَّالَ أَخَذَ عِلْمَ الْكَلَامِ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَأَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْفِقْهَ.
(قَوْلُهُ: لِلْعِلْمِ بِهِ) عِلَّةٌ لِكَوْنِ قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ التَّشَعُّبِ وَقَوْلِهِ مَقَاصِدَهُمْ أَيْ أُصُولَهُمْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ) أَيْ اسْتِحَالَتُهُ عَقْلًا فِي الثَّلَاثَةِ وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَالتَّكْلِيفِ الْمُحَالِ بِأَنَّ الْمُحَالَ فِي الْأَوَّلِ رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ وَفِي الثَّانِي رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ كَتَكْلِيفِ الْغَافِلِ
أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَنْ لَا يَدْرِي كَالنَّائِمِ وَالسَّاهِي فَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ
ــ
[حاشية العطار]
وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَنْدَفِعُ مَا أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهُ مَنَعَ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ وَجَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ أَنَّ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ وَقَدْ مَنَعَ هَذَا بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ ذَاكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَجْوِيزِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ جَوَازُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ عَلَى أَنَّ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فَائِدَةً مَفْقُودَةً فِي تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّخْصِ هَلْ يَمْتَثِلُ بِالْأَخْذِ فِي الْأَسْبَابِ أَوْ لَا وَلَكِنَّهُ يَبْقَى الْإِشْكَالُ بِالْمُلْجَأِ فَإِنَّ تَكْلِيفَهُ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْلِيفِ الزَّمِنِ بِالْمَشْيِ وَالْإِنْسَانِ بِالطَّيَرَانِ الَّذِي سَيَأْتِي عَدُّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ الَّذِي جَوَّزَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ سم إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِمُجَرَّدِ أَنَّ الْمُلْجَأَ سَاقِطُ الِاخْتِيَارِ رَأْسًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ وَأُورِدَ عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ تَكْلِيفُ الْعَبْدِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْإِجْمَالِيَّةَ حَاصِلَةٌ بِالْفِطْرَةِ وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي انْتِفَاءِ الْغَفْلَةِ عَنْ التَّكْلِيفِ وَالْمُكَلَّفِ بِهِ وَهُوَ الْمَعْرِفَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ وَبِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ إنَّمَا هُوَ فَهْمُ الْمُكَلَّفِ تَكْلِيفَهُ بِأَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَ قَدْرَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ لَا أَنْ يَصْدُقَ بِتَكْلِيفِهِ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ وَعَدَمُ تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ وَهُوَ هُنَا قَدْ فَهِمَ ذَلِكَ وَأَنْ يَصْدُقَ بِهِ.
وَأَمَّا الْغَافِلُ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ فَهُوَ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ كَالصِّبْيَانِ أَوْ يَفْهَمُ لَكِنْ لَمْ يُقَلْ لَهُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ كَاَلَّذِي لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ دَعْوَةُ نَبِيٍّ فَظَهَرَ أَنَّ الْغَافِلَ عَنْ التَّصَوُّرِ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ لَا الْغَافِلَ عَنْ التَّصْدِيقِ وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْمَعْرِفَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ فَقَدْ ضَعُفَ بِامْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ أَمَّا امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْأَوَّلِ وَيُمْكِنُ التَّقْدِيرُ فِي جَانِبِ الْخَبَرِ أَيْ أَمَّا الْأَوَّلُ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ أَوْ فَامْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ؛ لِأَنَّ إلَخْ وَهُوَ أَوْجَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَزْعُ الْخُفِّ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ وَلِمُوَافَقَةِ كَلَامِهِ فِي الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَا يَدْرِي) قَالَ النَّاصِرُ يَصْدُقُ بِالْمَجْنُونِ وَنَفَى تَكْلِيفَهُ اتِّفَاقًا وَيُمْكِنُ عَدَمُ صِدْقِهِ عَلَيْهِ بِجَعْلِ مَنْ كِنَايَةً عَنْ الْمُكَلَّفِ أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِقَرِينَةِ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ السَّابِقِ اهـ.
قَالَ سم وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ كَالسَّاهِي وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَغَيْرِهِمْ لَا يُجَوِّزُهُ مَنْ مَنَعَ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ انْتَهَى يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِلَافِ فِي الْمَجْنُونِ أَيْضًا، ثُمَّ إنَّ إطْلَاقَ السَّكْرَانِ يَشْمَلُ الْمُتَعَدِّيَ بِسُكْرِهِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ كَغَيْرِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَمَا نُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ مِنْ تَصَرُّفِ النَّاقِلِ لَهُ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ حُكْمًا لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا بَلْ مِنْ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ لِتَسَبُّبِهِ فِي إزَالَةِ عَقْلِهِ بِمُحَرَّمٍ قَصْدًا وَعَبَّرَ كَغَيْرِهِ بِالتَّكْلِيفِ مَعَ قُصُورِهِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَلَوْ عَبَّرَ وَأَبْدَلَهُ بِتَعَلُّقِ خِطَابٍ غَيْرِ وَضْعِيٍّ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى اعْتِذَارٍ.
(قَوْلُهُ: فَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ) أَيْ الْمَطْلُوبَ بِالتَّكْلِيفِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُقْتَضَى اللَّازِمَ إذْ التَّكْلِيفُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْيَانَ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ
بِالشَّيْءِ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: امْتِثَالًا) افْتِعَالًا مِنْ مَثَلَ بِوَزْنِ ضَرَبَ أَيْ قَامَ وَانْتَصَبَ أَوْ امْتَثَلَ أَمْرَهُ أَيْ احْتَذَاهُ أَيْ اقْتَدَى بِهِ هَذَا مَعْنَاهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ النَّاصِرُ زِيَادَةَ لَفْظِ الِامْتِثَالِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الِامْتِثَالَ بِالْإِتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ كَمَا أُمِرَ بِهِ فَمَفْهُومُهُ هُوَ مَفْهُومُ مَا قَبْلَهُ أَيْ الْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ سَوَاءٌ جُعِلَ حَالًا أَوْ مَفْعُولًا لَهُ فَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ مَعَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِامْتِثَالُ أَيْ قَصْدُهُ مِنْ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَمَا سَيَأْتِي فِي تَقْسِيمِهِ وَتَعْرِيفَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَضَى هُوَ الْفِعْلُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لَهُ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ صَحَّحَا عَدَمَ اعْتِبَارِ قَصْدِ الِامْتِثَالِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي حُصُولِ الثَّوَابِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَهُنَا اعْتَبَرَاهُ فِي الْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ الْمُكَلَّفِ بِهِ كَفًّا كَانَ الشَّيْءُ أَوْ غَيْرَهُ فَلَمْ يُفَرِّقْ هُنَا بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ.
وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِلِامْتِثَالِ فَسَّرَهُ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي مَقَامٍ يُنَاسِبُهُ لَا جَمِيعُهُمْ وَقَدْ فَسَّرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ فِي تَقْرِيرِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي حَمَلَ الِامْتِثَالَ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ عَلَى قَصْدِهِ فَوَافَقَ مَا صَوَّبَهُ وَبِأَنَّهُ إذَا أَعْرَبَ امْتِثَالًا مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ أَفَادَ مَعْنَى الْقَصْدِ قَطْعًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ لِأَجْلِ الِامْتِثَالِ إلَّا الْإِتْيَانُ بِهِ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى مَا صَوَّبَهُ فَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ الْفَائِدَةَ عَلَى جَعْلِهِ مَفْعُولًا لَهُ وَلَا تَصْوِيبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَبِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِامْتِثَالَ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَفْهُومُهُ هُوَ مَفْهُومُ مَا قَبْلَهُ حَتَّى تَنْتَفِي الْفَائِدَةُ قَيَّدَ فِيهِ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ بِكَوْنِهِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ كَمَا أُمِرَ بِهِ وَأَطْلَقَ فِيمَا قَبْلَهُ عَنْ هَذَا الْقَيْدِ فَتَغَايَرَا تَغَايَرَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَذِكْرُ الْمُقَيَّدِ بَعْدَ الْمُطْلَقِ يُفِيدُ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ فَنَفْيُ
وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالتَّكْلِيفِ بِهِ وَالْغَافِلُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْمَالِ وَقَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي زَمَانِ غَفْلَتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا
ــ
[حاشية العطار]
الْفَائِدَةِ مَمْنُوعٌ.
وَعَنْ الثَّانِي يُمْنَعُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَتَقْسِيمِهِ وَتَعْرِيفَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَضَى هُوَ الْفِعْلُ لَا يُنَافِي أَنَّ الْفِعْلَ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَإِنَّمَا أَطْلَقُوهُ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ كَافٍ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ تَمْيِيزُ الْحُكْمِ وَأَقْسَامُهُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِحُصُولِ ذَلِكَ التَّمْيِيزِ مَعَ إطْلَاقِهِ وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحُ لَمْ يُصَرِّحَا هُنَا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا أَطْلَقَا وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ بَلْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُقَيَّدُ مَا هُنَا بِالْأَمْرِ لَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ قَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْمَالِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّعْمِيمِ وَعَدَمِ إثْبَاتِ الدَّلِيل لِلْمُدَّعِي بِتَمَامِهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا أَعَمُّ مِمَّا بِالْفِعْلِ وَبِالْقُوَّةِ وَالْمُرَادُ بِهِ فِيمَا يَأْتِي مَا هُوَ بِالْفِعْلِ فَلَا تَخَالُفَ أَوْ إنَّ مَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِ غَيْرِهِمَا وَمَا ذَكَرَاهُ فِيمَا يَأْتِي مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا اهـ مُلَخَّصًا وَلَا يَخْفَاك التَّكَلُّفُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ (لَا يُقَالُ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ فُقَهَائِنَا أَنَّ مَنْ أَتَى بِالْوَاجِبِ مَثَلًا غَافِلًا عَنْ مُلَاحَظَةِ الِامْتِثَالِ غَيْرَ مُتَصَوِّرٍ لَهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَهُوَ يُنَافِي اعْتِبَارَ الِامْتِثَالِ فِي مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ (وَأُجِيبَ) بِاحْتِمَالِ مُخَالَفَةِ طَرِيقَتَيْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَبِاحْتِمَالٍ لِلتَّوْفِيقِ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ الِامْتِثَالِ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ عِلَّةَ إتْيَانِهِ بِالْفِعْلِ لَاحَظَ أَنَّهَا قَصْدُ الِامْتِثَالِ وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ فَالدَّلِيلُ صَحِيحٌ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا أَوْ الِامْتِثَالُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ التَّكْلِيفَ.
(قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ) أَتَى بِهِ مَعَ تَقَدُّمِهِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَإِنْ وَجَبَ وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ تَوَقُّفَ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ بِالشَّيْءِ وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا عَلَى الْعِلْمِ بِالتَّكْلِيفِ وَامْتِنَاعَ وُجُودِهِ بِدُونِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَوَقُّفَ نَفْسِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ وَامْتِنَاعُهُ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ اهـ.
وَقَوْلُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إلَخْ أَيْ لِجَوَازِ أَنْ يُكَلَّفَ غَيْرُ الْعَالِمِ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِالتَّكْلِيفِ فَيَأْتِيَ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ امْتِثَالًا قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى أَنْ يَقْتَضِيَ التَّكْلِيفُ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ امْتِثَالًا أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالتَّكْلِيفِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ امْتِثَالًا غَيْرُ مُمْكِنٍ مِنْ الْغَافِلِ فَيَمْتَنِعُ طَلَبُهُ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَكَذَا عَلَى جَوَازِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَوْ لِكَوْنِ تَكْلِيفِهِ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ لَا التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ.
وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا بَعْدَ الْإِعْلَامِ بِهِ فَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِعْلَامِ لَا عَلَى التَّكْلِيفِ حَالَ الْغَفْلَةِ بَلْ التَّكْلِيفُ إذْ ذَاكَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِغَيْرِ مَقْدُورٍ وَتَكْلِيفٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالتَّكْلِيفُ حَقِيقَةً إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْإِعْلَامِ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ صِحَّةُ الِاسْتِلْزَامِ الَّذِي مَنَعَهُ وَانْدِفَاعُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ إلَخْ؛ لِأَنَّا لَمْ نَأْخُذْ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ فِي التَّكْلِيفِ مِنْ مُجَرَّدِ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي مُقْتَضَاهُ بَلْ مِنْ اعْتِبَارِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهِ وَالْفَائِدَةِ فِي التَّكْلِيفِ بِهِ اهـ.
مُلَخَّصًا وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَوَقُّفَ نَفْسِ التَّكْلِيفِ إلَخْ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِاسْتِلْزَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ التَّكْلِيفُ بِدُونِ الْعِلْمِ كَانَ تَكْلِيفًا بِغَيْرِ مَقْدُورٍ وَتَكْلِيفًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَأَجَابَ النَّجَّارِيُّ بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ كَمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا الْجَوَابُ أَقْعَدُ فَإِنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا تُعَلَّلُ بِالثَّمَرَاتِ وَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَابِعَةٌ لِأَفْعَالِ اللَّهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُكَلَّفِينَ لَا إلَى الْحَقِّ تَعَالَى لِتَعَالِيهِ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ أَنْ يَبْعَثَهُ شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ (قَوْلُهُ: بَعْدَ يَقَظَتِهِ) أَيْ زَوَالِ غَفْلَتِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْمَالِ) أَخْرَجَ غَيْرَ الْمَالِ كَالْخَمْرَةِ الْمُحْتَرَمَةِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ لَا ضَمَانَ فِيهِ وَإِنْ امْتَنَعَ إتْلَافُهُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الصَّلَاةِ) أَيْ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا) قَدْ
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَنْ يَدْرِي وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَمَّا أُلْجِئَ إلَيْهِ كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ عَلَى شَخْصٍ يَقْتُلُهُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهِ الْقَاتِلِ لَهُ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ بِالْمُلْجِئِ إلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُلْجِئَ إلَيْهِ وَاجِبُ الْوُقُوعِ وَنَقِيضُهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ وَقِيلَ بِجَوَازِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ كَحَمْلِ الْوَاحِدِ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِي التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ
ــ
[حاشية العطار]
يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّ وُجُوبَ قَضَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هُنَا شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اشْتِغَالُ ذِمَّتِهِ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ الْغَفْلَةِ وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا.
الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِعْلِ لِلصَّلَاةِ قَضَاءً وَهُوَ الْحَاصِلُ بَعْدَ زَوَالِ الْغَفْلَةِ وَهَذَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْإِتْلَافِ فَاشْتِغَالُ ذِمَّتِهِ بِالْبَدَلِ يَثْبُتُ حَالَ الْغَفْلَةِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَوُجُوبُ أَدَاءِ الْبَدَلِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ زَوَالِ الْغَفْلَةِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي إلَخْ) هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ مَا السَّابِقُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ أَيْ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْأَوَّلِ مَثَلًا كَمَا بَيَّنَّاهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ يَدْرِي) إنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَنْ يَدْرِي لِتَتِمَّ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَافِلِ وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ فِي تَفْسِيرِ مَفْهُومِهِ إلَى هَذَا الْقَيْدِ إذْ مَفْهُومُ الْمُلْجَإِ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَافِلِ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَتَصَادَقَانِ فِيمَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ وَهُوَ غَافِلٌ (قَوْلُهُ: وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُ) أَيْ لَا سَعَةَ مِنْ نَدَحْت الشَّيْءَ إذَا وَسَّعْته.
(قَوْلُهُ: عَمَّا أُلْجِئَ إلَيْهِ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ بِأَنَّ ذِكْرَ قَوْلِهِ أُلْجِئَ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ الْمُلْجَأِ فِيهِ دَوْرٌ وَدَفَعَهُ سم بِأَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُلْجَأَ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ أَيْ الشَّخْصُ الْمَعْرُوفُ بِهَذَا الِاسْمِ وَأُلْجِئَ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
(قَوْلُهُ: يَقْتُلُهُ) صِفَةٌ لِشَخْصٍ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ إذْ فَاعِلُ يَقْتُلُهُ هُوَ الْمُلْقَى وَلَمْ يَبْرُزْ جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ لِأَمْنِ اللَّبْسِ هُنَا بِظُهُورِ أَنَّ الْقَاتِلَ هُوَ الْمُلْقَى أَوْ حَالٌ مُنْتَظَرَةٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْمُلْقَى.
(قَوْلُهُ: الْقَاتِلِ لَهُ) صِفَةٌ لِلْوُقُوعِ وَضَمِيرُ لَهُ لِلشَّخْصِ الْمُلْقَى عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَاجِبُ الْوُقُوعِ) أَيْ عَادَةً وَكَذَا قَوْلُهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ (قَوْلُهُ: وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ) أَيْ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ بِهَا يُتَمَكَّنُ مِنْهُمَا وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ فِي وَاجِبِ الْوُقُوعِ وَمُمْتَنِعِهِ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ) وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ لَيْسَ مِنْهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الطَّاقَةَ هِيَ الْقُدْرَةُ فَمَا يُطَاقُ هُوَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ سَوَاءٌ امْتَنَعَ لِنَفْسِ مَفْهُومِهِ وَهُوَ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ أَوْ امْتَنَعَ لَا لِنَفْسِ مَفْهُومِهِ وَهُوَ الْمُحَالُ لِغَيْرِهِ كَخَلْقِ الْأَجْسَامِ وَبِأَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَذْكُورَةَ لِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَهِيَ الِاخْتِيَارُ هَلْ يَأْخُذُ فِي الْأَسْبَابِ جَارِيَةً فِي تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ رَدِّ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ لِانْتِفَائِهَا فِيهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ مُنَافٍ لِمَا يَأْتِي مِنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْهُ قَالَ سم مَا ادَّعَاهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ مَا ذُكِرَ مَمْنُوعٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ بِنَاءِ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنْ يَنْبَنِيَ فَرْدُ الشَّيْءِ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ حُكْمِهِ فَقَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ أَيْ الَّذِي هَذَا مِنْ أَفْرَادِهِ أَيْ لِأَجْلِ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ الَّذِي
مِنْ الِاخْتِيَارِ هَلْ يَأْخُذُ
ــ
[حاشية العطار]
هَذَا مِنْ أَفْرَادِهِ وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ اسْتِثْنَاؤُهُ عَنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزِ لَهُ عَنْهُ وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُنَافَاةِ الَّتِي ادَّعَاهَا آخَرُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَضُدُ وَغَيْرُهُ لَكِنْ يَحْتَاجُ لِتَحْرِيرِ فَرْقٍ وَاضِحٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ التَّكَالِيفِ بِالْمُحَالِ كَالتَّكْلِيفِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَهُوَ صَعْبٌ جِدًّا وَفِي عِبَارَةِ الزَّرْكَشِيّ فِي بَيَانِ الْمُلْجَأِ أَخْذًا مِنْ مَنْعِ الْمَوَانِعِ مَا يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ وَذَلِكَ كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ فَهُوَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْوُقُوعِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ وَلَا هُوَ بِفَاعِلٍ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ كَالسِّكِّينِ فِي يَدِ الْقَاطِعِ فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فِعْلٌ وَحَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ اهـ.
وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاخْتِيَارِ مَنْ لَا فِعْلَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ فَرْدَ الشَّيْءِ يَسْرِي إلَيْهِ الْحُكْمُ مِمَّا انْدَرَجَ هُوَ فِيهِ إذْ الْحُكْمُ عَلَى الْكُلِّيِّ أَوْ الْعَامِّ بِحُكْمٍ حُكْمٌ عَلَى سَائِرِ أَفْرَادِهِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ الثَّانِيَ تَخْصِيصٌ فَمَا مَعْنَى إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْهُ بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكُلِّيَّ أَوْ الْعَامَّ فَإِنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الْبِنَاءِ يُشْعِرُ بِالْمُقَايَسَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمُغَايَرَةِ فَقَوْلُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَنْبَنِيَ إلَخْ كَلَامٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَعْقُولِ وَاعْتَرَضَ النَّاصِرُ أَيْضًا قَوْلَ الشَّارِحِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إلَخْ بِأَنَّ الْبِنَاءَ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ فَكَانَ الظَّاهِرُ إسْقَاطَ لَفْظِ جَوَازِ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ حُكْمُ الْأَصْلِ وَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ فِي الِاصْطِلَاحِ مَحَلُّ الْحُكْمِ لَا الْحُكْمُ كَمَا فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ اهـ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْبِنَاءُ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ مَا ذَكَرَهُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّعْلِيلَ بِأَنَّ هَذَا فَرْدُ ذَاكَ فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُ كَمَا مَرَّ اهـ.
وَفِيهِ مَا مَرَّ قَالَ النَّاصِرُ فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ مِنْ إدْرَاجِ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ كَوْنُ الْمُلْجِئِ إلَيْهِ مُحَالًا وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا.
قُلْت الْمُمْكِنُ
فِي الْمُقَدِّمَاتِ مُنْتَفِيَةً فِي تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ وَإِلَى حِكَايَةِ هَذَا وَرَدِّهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِتَعْبِيرِهِ بِالصَّوَابِ.
(وَكَذَا الْمُكْرَهُ) وَهُوَ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ
ــ
[حاشية العطار]
بِالذَّاتِ قَدْ يَجِبُ لِشَيْءٍ كَتَعَلُّقِ الْعِلَّةِ الْمُوجَبَةِ بِهِ كَالْإِلْقَاءِ مِنْ شَاهِقٍ وَيَسْتَحِيلُ لِآخَرَ كَأَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الْعِلَّةُ الْفَاعِلِيَّةُ بِالِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ مُحَالًا بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْعِبَارَاتِ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فِي الْمُقَدِّمَاتِ) يَعْنِي مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَأْمُورُ بِهِ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا) الْمُشَارُ إلَيْهِ الْغَافِلُ وَالْمُلْجَأُ بِاعْتِبَارِ تَأْوِيلِهِ بِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ فِي تَعْرِيفِ الْمُلْجَأِ وَتَعْرِيفِ الْمُكْرَهِ صَرِيحٌ فِي تَغَايُرِهِمَا وَهُوَ أَيْضًا صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثًا كُلٌّ مِنْهَا أَبْعَدُ مِمَّا تَلِيهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْمَتْنِ قَالَ فَأَبْعَدُهَا تَكْلِيفُ الْغَافِلِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي وَيَتْلُوهَا تَكْلِيفُ الْمُلْجَأِ فَإِنَّهُ يَدْرِي وَلَكِنْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْ الْفِعْلِ وَيَتْلُوهَا الْمُكْرَهُ فَإِنَّهُ يَدْرِي وَلَهُ مَنْدُوحَةٌ بِالصَّبْرِ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ لَا يُلَائِمُهُ مَا ذَكَرَهُ سم بِقَوْلِهِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ وَأَتْبَاعِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُلْجَأَ قِسْمٌ مِنْ الْمُكْرَهِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ جَوَازِ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ كَعَكْسِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ وَحُسْنِهِ لِنُكْتَةٍ وَهِيَ هُنَا مُخَالَفَةُ الْمُلْجَأِ كَغَيْرِهِ بِضَعْفِ الْخِلَافِ فِيهِ جِدًّا حَتَّى عُدَّ الْمُخَالِفُ مُخْطِئًا كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِتَعْبِيرِهِ بِالصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ) قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ فِيهِ تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ اهـ.
وَأَقُولُ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ دَوْرٌ وَيُجَابُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُلْجَأِ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ وَاحْتِرَازُهُمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ كَوْنَ الصَّوَابِ الِامْتِنَاعُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقَوْلُهُ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ أَيْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُنَافِيه التَّعْبِيرُ بِلَوْ لِأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ النَّفْيِ وَلَوْ مَعْنًى كَالِامْتِنَاعِ هُنَا كَانَ النَّفْيُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاطِفَاتِ قَالَ الْكَمَالُ فِيهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ دَعْوَى الْخِلَافِ فِي تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِنَقِيضِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ
بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ
ــ
[حاشية العطار]
مَمْنُوعَةٌ فَقَدْ حَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِتَرْكِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَالتَّكْلِيفِ بِتَرْكِ قَتْلِ الْمُكَافِئِ عُدْوَانًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّ قَوْلَهُ وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِنَقِيضِهِ وَقَوْلَهُ فِي الْمَكْرُوهِ عَلَى الْقَتْلِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ حَالَةَ الْقَتْلِ الصَّادِرِ لِلْإِكْرَاهِ بِتَرْكِهِ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ مَوْضِعَ النِّزَاعِ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ الْمُكْرَهِ وَحَالَ الْمُبَاشَرَةِ مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُمْ قَائِلُونَ بِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ فِعْلِ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ فِعْلِ الْمُكْرَهِ وَقَدْ وَافَقَهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى انْقِطَاعِ التَّكَلُّفِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ مَعَ أَنَّهُ قَائِلٌ بِتَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَوْضِعَ النِّزَاعِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ قَبْلَ صُدُورِهِ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ هَلْ يَجُوزُ عَقْلًا تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ ثُبُوتُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَإِنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الثَّانِي لَا مَعَ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ فِي الْأَمْرَيْنِ اهـ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ أَوْ بِنَقِيضِهِ عَلَى الصَّحِيحِ لَا يُعَارِضُهُ حِكَايَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِنَقِيضِ الْفِعْلِ فِي صُورَتِهِ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّكْلِيفِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِيثَارُ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِكْرَاهُ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِثْمُ الْقَاتِلِ لِإِيثَارِهِ نَفْسَهُ وَمَعْنَى التَّكْلِيفِ بِهِ مِنْ حَيْثُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّ تَخْصِيصَ الْمُكْرَهِ بِالذِّكْرِ لِوُضُوحِ الْخِلَافِ بِالْفِعْلِ مَعَهُمْ فِيهِ لَا لِاخْتِصَاصِ فِعْلِ الْمُكْرَهِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ بِهَذَا الْخِلَافِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُمْ يَفْرِضُونَ النِّزَاعَ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ لِإِيضَاحِ التَّصْوِيرِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَامًّا عَلَى أَنَّهُ يُبْطِلُ الِاعْتِرَاضَ الثَّانِيَ مِنْ أَصْلِهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ حَالُ الْقُدْرَةِ وَأَنَّهُ مَفْقُودٌ فِي الْمُكْرَهِ حَتَّى فِي تِلْكَ الْحَالِ فَالتَّخْصِيصُ بِالْمُكْرَهِ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى
فَإِنَّ الْفِعْلَ لِلْإِكْرَاهِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الِامْتِثَالُ وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِنَقِيضِهِ (وَلَوْ) كَانَ مُكْرَهًا (عَلَى الْقَتْلِ) لِمُكَافِئِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ حَالَةَ الْقَتْلِ لِلْإِكْرَاهِ بِتَرْكِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَإِثْمُ الْقَاتِلِ) الَّذِي هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية العطار]
امْتِثَالِ ذَلِكَ) أَيْ تَكْلِيفُهُ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْفِعْلَ) لِلْإِكْرَاهِ قَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِأَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْصِدَ بِالْفِعْلِ دَاعِيَ الشَّرْعِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُقَابِلِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَبْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَا يَتَأَتَّى مَا ذَكَرَهُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِهِ) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَحْصُلُ وَمَجْرُورُهَا عَائِدٌ إلَى الْفِعْلِ فَالْمَعْجُوزُ عَنْهُ هُوَ الِامْتِثَالُ وَإِنْ وُجِدَ الْفِعْلُ بِدُونِهِ وَأَمَّا النَّقِيضُ فَهُوَ مَعْجُوزٌ عَنْهُ نَفْسُهُ لِوُجُودِ الْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِالنَّقِيضِ وَإِلَّا لَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِنَقِيضِهِ) الضَّمِيرَانِ لِلْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مَعَهُ إلَى أَنَّ امْتِنَاعَ التَّكْلِيفِ إنَّمَا هُوَ حَالَةَ الْفِعْلِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ حَالَةَ الْفِعْلِ قَالَهُ عَمِيرَةُ وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ عِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ وَهُمْ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مُنْتَفٍ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ وَالِانْتِفَاءُ الَّذِي يَخُصُّ الْمُكْرَهَ الِانْتِفَاءُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: لِمُكَافِئِهِ) أَوْ لِغَيْرِهِ الْمُحْتَرَمِ الْمَفْهُومِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ التَّكْلِيفُ فِي الْمُكَافِئِ الَّذِي يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْقَوَدُ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ النَّاصِرُ قَوْلُهُ لِمُكَافِئِهِ بَيَانٌ لِمُتَعَلِّقِ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا قَدَرَهُ بِخُصُوصِهِ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ لَوْ أَظْهَرُ فِيهِ إذْ رُبَّمَا يُقَالُ فِي غَيْرِ الْمُكَافِئِ يُكَلَّفُ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِلْإِكْرَاهِ) صِلَةُ الْقَتْلِ وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ وَقَوْلُهُ بِتَرْكِهِ صِلَةُ تَكْلِيفِهِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى تَرْكِهِ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ النَّاصِرُ وَلَمْ يَقُلْ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَتَرَكَهُ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّرْكِ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِثْمُ الْقَاتِلِ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَى قَتْلِ الْمُكَافِئِ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِالْفِعْلِ وَلَا بِنَقِيضِهِ كَمَا قُلْتُمْ فَلِأَيِّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْإِثْمُ فَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِثْمَ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِيثَارُ أَيْ تَقْدِيمُهُ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ عَلَى مُكَافِئِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى تَرْكِهِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُكْرَهَ لَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ قَتْلِهِ لِمُكَافِئِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْمُكْرَهُ لَهُ إنْ لَمْ يَقْتُلْ ذَلِكَ الْمُكَافِئَ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ) ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْسُنُ الْإِيرَادُ إذَا
(لِإِيثَارِهِ نَفْسِهِ) الْبَقَاءَ عَلَى مُكَافِئِهِ الَّذِي خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا الْمُكْرِهُ بِقَوْلِهِ اُقْتُلْ هَذَا وَإِلَّا قَتَلْتُك فَيَأْثَمُ بِالْقَتْلِ مِنْ جِهَةِ الْإِيثَارِ دُونَ الْإِكْرَاهِ وَقِيلَ يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ
ــ
[حاشية العطار]
كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ (قَوْلُهُ: لِإِيثَارِ نَفْسِهِ بِالْبَقَاءِ) هَذَا لَا يَتَأَتَّى إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ بِهِ غَيْرَ الْقَتْلِ كَالْقَطْعِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِيثَارُ بِالْبَقَاءِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ بِهِ مُفَوِّتًا لِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَمْتَثِلْ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: الَّذِي خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا الْمُكْرَهُ) نَعْتٌ لِمُكَافِئِهِ وَالْهَاءُ فِي خَيَّرَهُ لَيْسَتْ عَائِدَ الْمَوْصُولِ بَلْ تَعُودُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْعَائِدُ الضَّمِيرُ فِي بَيْنَهُمَا وَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَوْصُولِ وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ الَّذِي خَيَّرَهُ الْمُكْرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ وَأَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ الَّذِي مُثَنًّى فِي الْمَعْنَى صِفَةٌ لِلْبَقَاءَيْنِ الْمَذْكُورِ وَالْمُقَدَّرِ مُضَافًا إلَى قَوْلِهِ مُكَافِئَةٌ بِدَلِيلِ إتْيَانِهِ بِالْعَائِدِ مُثَنًّى فِي قَوْلِهِ بَيْنَهُمَا وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ أَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: فَيَأْثَمُ بِالْقَتْلِ) قَالَ النَّاصِرُ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ فَيَأْثَمُ بِالْإِيثَارِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِثْمِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا الْقَتْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ وَلَا بِنَقِيضِهِ لَا حَالَ مُبَاشَرَتِهِ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ وَلَا قَبْلَهَا لِأَنَّ الْقُدْرَةَ إنَّمَا تُوجَدُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ التَّكْلِيفُ وَالنَّهْيُ إلَّا بِإِيثَارِهِ نَفْسَهُ أَيْ بِالْعَزْمِ عَلَى ذَلِكَ فَالْإِثْمُ إنَّمَا هُوَ بِهِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْحَامِلَ لِلشَّارِحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُوَافَقَةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ فَهُوَ إنَّمَا صَرَّحَ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ قَرَّرَهُ فَهُوَ أَيْ الْقَتْلُ ذُو جِهَتَيْنِ جِهَةِ الْإِكْرَاهِ وَلَا إثْمَ مِنْ نَاحِيَتِهَا وَجِهَةِ الْإِيثَارِ وَلَا إكْرَاهَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ أَصْلُ الْقَتْلِ لَا عِقَابَ فِيهِ وَالْقَتْلُ الْمَخْصُوصُ فِيهِ عِقَابٌ لِتَضَمُّنِهِ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ إيثَارُ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ اهـ.
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِثْمَ بِالْقَتْلِ مِنْ جِهَةِ الْإِيثَارِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِثْمُ الْقَاتِلِ إلَخْ أَنَّ إثْمَهُ بِالْقَتْلِ لِأَجْلِ تَضَمُّنِ ذَلِكَ الْقَتْلِ إيثَارَ نَفْسِهِ وَلَا يَنْهَضُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِالْقَتْلِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ بِهِ وَإِثْمُ فَاعِلِهِ مِنْ حَيْثُ تَضَمُّنُهُ الْإِيثَارَ.
وَأَمَّا جَعْلُهُ الْإِثْمَ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِيثَارِ لِأَنَّهُ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِهِ فَلَا يُنَاسِبُ فَرْضَ هَذَا الْقَوْلِ الصَّحِيحِ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ الْمُسْتَدْعِي لِفَرْضِ كَوْنِ السُّؤَالِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ الْمُشَارُ إلَيْهِمَا بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِثْمُ الْقَاتِلِ إلَخْ مُتَعَلِّقَيْنِ بِحَالِ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ الْعَزْمَ لَا يَكُونُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ بَلْ قَبْلَهَا وَهَذَا الْعَزْمُ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى يَأْثَمُ بِهَا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي إثْمَهُ بِالْقَتْلِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ تَضَمُّنِهِ الْإِيثَارَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ)
لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ بِأَنْ يَأْتِي بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لِدَاعِي الشَّرْعِ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَنَوَاهَا عِنْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ أَوْ بِنَقِيضِهِ صَابِرًا عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُكَلِّفْهُ الشَّارِعُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فَامْتَنَعَ مِنْهُ صَابِرًا عَلَى الْعُقُوبَةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالثَّانِي لِلْأَشَاعِرَةِ
ــ
[حاشية العطار]
يَعْنِي قَبْلَ التَّلَبُّسِ فِي الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ الثَّانِي مَفْرُوضٌ فِيمَا قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَفْرُوضٌ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ) أَيْ التَّكْلِيفِ بِنَوْعَيْهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ إضَافَةُ الِامْتِثَالِ إلَى الْإِشَارَةِ إذْ الِامْتِثَالُ يُضَافُ لِلتَّكْلِيفِ دُونَ الْمُكَلَّفِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزَّكَاةِ فَنَوَاهَا) قَالَ النَّاصِرُ لَوْ قَالَ فَنَوَاهُ لَكَانَ أَوْفَقَ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ وَلِلْوَاقِعِ قَالَ سم وَجَّهَ لَهُ وَلِلْوَاقِعِ أَنَّ الْمَنْوِيَّ فِي الْوَاقِعِ هُوَ أَدَاؤُهَا هَذَا مُرَادُهُ ثُمَّ رَدَّ الِاعْتِرَاضَ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي نِيَّةِ الزَّكَاةِ مُلَاحَظَةُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ زَكَاةٌ وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْأَدَاءِ وَقَصْدُهُ وَأَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِ مَذْهَبِ الشَّيْخِ مُوَافِقًا لِاعْتِرَاضِهِ فَلَا يُسَوَّغُ لَهُ بِذَلِكَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّارِحِ إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى اعْتِقَادِهِ الِاعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُكَلِّفْهُ الشَّارِعُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَالنَّاصِرُ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِالنَّقِيضِ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا بِالصَّبْرِ الْمَذْكُورِ إذْ لَا يَحْصُلُ النَّقِيضُ إلَّا بِهَذَا الصَّبْرِ وَكُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَأَجَابَ النَّاصِرُ بِجَعْلِهِ مُبَالَغَةً عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِنَقِيضِهِ مُجَرَّدًا عَنْ النَّظَرِ إلَى التَّكْلِيفِ بِهِ وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ آخَرَ أَوْضَحَ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُكَلِّفْهُ الشَّارِعُ إلَخْ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أُكْرِهَ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي كَلَّفَهُ الشَّارِعُ الصَّبْرَ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ دُونَ التَّكْلِيفِ بِالنَّقِيضِ فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ بِهِ بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ دُونَ التَّكْلِيفِ بِالنَّقِيضِ تَارَةً يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ وَالزِّنَا وَتَارَةً لَا يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ بَلْ يَجُوزُ تَعَاطِي الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْصِيلَ الْمَنْدُوحَةِ فِي الْإِكْرَاهِ بِاعْتِبَارِ مُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ وَأَنَّهُ تَارَةً يَجِبُ ارْتِكَابُهَا وَتَارَةً لَا وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ لَا تُنَافِي وُجُوبَ الصَّبْرِ عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ مُطْلَقًا إذَا كُلِّفَ بِنَقِيضِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِلْمُعْتَزِلَةِ إلَخْ) قَالَ النَّاصِرُ فِي صِحَّةِ تَوْجِيهِهِ حِينَئِذٍ بِمَا مَرَّ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْفِعْلَ لِلْإِكْرَاهِ إلَخْ الْمُقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ نَظَرَ فِي التَّكْلِيفِ إلَى حَالِ الْمُبَاشَرَةِ نَظَرًا؛ لِأَنَّ أَصْلَهُمْ ثُبُوتُ التَّكْلِيفِ قَبْلَ حُدُوثِ الْفِعْلِ وَانْقِطَاعِهِ حَالَ حُدُوثِهِ اهـ.
قَالَ سم وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ مُنَافٍ لِأَصْلِهِمْ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي التَّكْلِيفِ وَعَدَمِهِ بِحَالِ حُدُوثِ الْفِعْلِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ عَكْسُ أَصْلِهِمْ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِيمَا ذُكِرَ بِمَا قَبْلَ حُدُوثِ الْفِعْلِ لَا بِحَالِ حُدُوثِهِ إذْ التَّكْلِيفُ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ قَبْلَ الْحُدُوثِ وَيَنْقَطِعُ تَعَلُّقُهُ حَالَ الْحُدُوثِ وَلَا خَفَاءَ فِي قُوَّةِ هَذَا الْإِشْكَالِ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعْتَزِلَةِ هُنَا بَعْضُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ السَّيِّدِ الْمُعْتَزِلَةَ فِي قَوْلِ الْمَوَاقِفِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْقُدْرَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ بِقَوْلِهِ أَيْ أَكْثَرِهِمْ وَإِنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ خَالَفَ بَقِيَّةَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِ إنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّهُ حَالُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لِلْأَشَاعِرَةِ) أَيْ لِجُمْهُورِهِمْ إذْ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ مَنْ قَالَ إنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ
وَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ آخِرًا وَمِنْ تَوْجِيهِهِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا) بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ
ــ
[حاشية العطار]
الْمُبَاشَرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ آخِرًا) أَيْ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فَقَالَ وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ ثُمَّ يَرِدُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِرُجُوعِهِ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إلَخْ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَمُّحٌ فِي نَفْيِ الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ تَوْجِيهِهِمَا إلَخْ) لِأَنَّ تَوْجِيهَ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى فَرْضِ كَلَامِهِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ وَتَوْجِيهَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ إلَخْ يَدُلُّ فَرْضَ كَلَامِهِ فِيمَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إلَخْ) فِيهِ تَسَمُّحٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ نِزَاعَ الْفَرِيقَيْنِ الْوَاقِعَ بِالْفِعْلِ لَمْ يَتَوَارَدُوا فِيهِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِيهِمَا حَقِيقَةً.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الْأَوَّلِ إلَخْ) فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَهَا إلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ قُبَيْلَ التَّلَبُّسِ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لَا تَكْلِيفَ بِهِ وَلَا بِنِقْضَيْهِ وَبَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْفِعْلِ لِلْإِكْرَاهِ يَمْتَنِعُ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا وَبِنَقِيضِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِرُجُوعِ الْمُصَنِّفِ إلَى الثَّانِي وَأَنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولِهِمْ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّحْقِيقُ هُوَ الثَّانِي وَبِالْجُمْلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَقَعْ لَهَا تَحْرِيرٌ عَلَى مَا يَنْبَغِي فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَا فِي مَوَادِّهِ فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيهَا فَلْيُرْجِعْ لِمُطَوَّلَاتِ كُتُبِ الْكَلَامِ وَلِأَجْلِ هَذَا الِاضْطِرَابِ أَمَرَ الشَّارِحُ أَثْنَاءَ الْبَحْثِ بِالتَّأَمُّلِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ) قَالَ النَّاصِرُ الْأَمْرُ هُوَ الْإِيجَابُ وَالنَّدْبُ وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا وَتَنْجِيزِيًّا مَعًا فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَمْرٌ بِالْمَعْدُومِ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ ذَاتُ الْخِطَابِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْأَمْرَ هُنَا هُوَ الْأَمْرُ الْمَعْنَوِيُّ الْآتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ أَيْ الْكَلَامُ فِي الْأَزَلِ إلَى أَمْرٍ وَغَيْرِهِ لَا الْأَمْرُ التَّنْجِيزِيُّ الَّذِي هُوَ قِسْمٌ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَسَيَأْتِي تَنَوُّعُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ إلَخْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ أَيْضًا يَكُونُ مَعْنَوِيًّا كَمَا يَكُون تَنْجِيِزيًّا فَإِنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَمِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ انْقِسَامُ كُلٍّ مِنْ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ إلَى تَنْجِيزِيٍّ وَمَعْنَوِيٍّ فَسَقَطَ الْإِشْكَالُ رَأْسًا وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ قَدْ تُسْتَشْكَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا فِي حَالِ الْغَفْلَةِ وَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْمَوْجُودِ فِي حَالِ غَفْلَتِهِ.
أَشْكَلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْدُومِ بَلْ الْغَافِلُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَعْدُومُ مَأْمُورًا بَعْدَ وُجُودِهِ بِالْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وُجُودِهِ كَانَ الْغَافِلُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِد
بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ النَّفْسِيَّ الْأَزَلِيَّ لَا تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا
ــ
[حاشية العطار]
قَبْلَ تَذْكِيرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا حَالَ غَفْلَتِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي حَالِ غَفْلَتِهِ فَيَكُونُ حُكْمُ الْغَافِلِ كَحُكْمِ الْمَعْدُومِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَكُونُ مَأْمُورًا حَالَ عَدَمِهِ وَلَا حَالَةَ غَفْلَتِهِ وَيَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ وُجُودِهِ أَوْ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي حَالَةِ الْعَدَمِ وَحَالَةِ الْغَفْلَةِ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِإِفْرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا اهـ.
مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَعْدُومِ هُوَ الْأَمْرُ الْمَعْنَوِيُّ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ حَالَ عَدَمِهِ تَعَلَّقَ بِالْغَافِلِ حَالَ غَفْلَتِهِ بِالْأَوْلَى بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الصَّوَابِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ فَيَشْمَلُ الْمَعْدُومَ حَقِيقَةً وَالْمَوْجُودَ الَّذِي لَمْ يَتَّصِفْ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ فَالْغَافِلُ قَبْلَ وُجُودِهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَلَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ وُجُودِهِ حَالَ غَفْلَتِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ حِينَئِذٍ ثُبُوتُ التَّعَلُّقِ بِطَرِيقِ اسْتِمْرَارِ التَّعَلُّقِ حَالَ الْعَدَمِ وَالْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ فِي مَسْأَلَةِ الْغَافِلِ الَّذِي نُفِيَ عَلَى الصَّوَابِ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ لَا تُشْكَلُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَلَا تَشْتَبِهُ هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ مَا يَشْمَلُ مَا وُجِدَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ لَا يُسَوَّغُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْمَعْدُومِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ وُجِدَ بِدُونِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ اهـ.
بِقَوْلِهِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّعْمِيمِ لِأَنَّ مَنْ وُجِدَ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ قَبْلَ وُجُودِهِ وَلَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ وُجُودِهِ وَقَبْلَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ فِيهِ اهـ. لِأَنَّ هَذَا نَقْضٌ لِمَا بَنَى عَلَيْهِ جَوَابَ الْإِشْكَالِ تَأَمَّلْ وَنَعَمْ مَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا يَظْهَرُ تَعَلُّقُهَا بِهَذَا الْفَنِّ أَصْلًا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ فُرُوعِ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ) وَمِنْهَا الْبَعْثَةُ لَكِنْ يَجِبُ كَوْنُ الْبَاءِ لِلْمَعِيَّةِ لَا لِلْمُلَابَسَةِ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ الْبَعْثَةُ وَلَا يَصِحُّ مُلَابَسَةُ الشَّخْصِ لَهَا بِخِلَافِ الْمُصَاحَبَةِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَكَلَامُ سم هُنَا مَعَهُ بَعِيدٌ عَنْ مَذَاقِ كَلَامِهِ.
(قَوْلُهُ: يَكُونُ مَأْمُورًا إلَخْ) إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا عَلَى وَجْهِ التَّنْجِيزِ لَزِمَ تَفْسِيرُ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ وَإِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا إلَّا بِقَيْدٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا حَالَ عَدَمِهِ وَهُوَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ مِنْ إثْبَاتِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا حَالّ الْعَدَمِ فَاللَّائِقُ بِالْإِيضَاحِ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَعْدُومَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيُوجَدُ بِشَرْطِ التَّكْلِيفِ طَلَبٌ مِنْهُ فِي الْأَزَلِ مَا يَفْهَمُهُ وَيَعْقِلُهُ إذَا وُجِدَ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ فَإِذَا وُجِدَ بِهَا تَعَلَّقَ بِهِ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ بِذَلِكَ الطَّلَبِ الْأَزَلِيِّ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ طَلَبٍ آخَرَ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْعَضُدِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّعَلُّقَ وَاحِدٌ فَلِذُلِّك قَالَ النَّاصِرُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ بَلْ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَبَاحِثِ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ إذَا اُعْتُبِرَ التَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ وَحْدَهُ كَافِيًا فِي تَحَقُّقِ مَفْهُومِ الْحُكْمِ اهـ.
وَهُوَ وَجِيهٌ وَقَالَ النَّجَّارِيُّ ثُمَّ إنَّ هَذَا كُلَّهُ يَعْنِي لُزُومَ التَّنَاقُضِ وَغَيْرُهُ مَبْنِيٌّ كَمَا تَرَى عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ يُسَمَّى حُكْمًا بِدُونِ التَّعْلِيقَيْنِ أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ مُسَمَّى الْحُكْمِ هُوَ الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ التَّعَلُّقُ بِفِعْلِ
بِأَنْ يَكُونَ حَالَةَ عَدَمِهِ مَأْمُورًا (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي نَفْيِهِمْ التَّعْلِيقَ الْمَعْنَوِيَّ أَيْضًا لَنَفِيهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَالنَّهْيَ وَغَيْرَهُ كَالْأَمْرِ وَسَيَأْتِي تَنَوُّعُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَى الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ.
(فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ)
ــ
[حاشية العطار]
الْمُكَلَّفِ عِنْدَ وُجُودِهِ بِشَرَائِطِ التَّكْلِيفِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْكَمَالُ فَلَا إشْكَالَ اهـ.
وَكَلَامُ سم يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ فَإِنَّهُ أَجَابَ عَنْ التَّنَاقُضِ بِأَنَّ حَاصِلَ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ تَعْلِيقُ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ عَلَى الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ فَالْمُتَوَقِّفُ عَلَى الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ الْمُنْتَفِي قَبْلَهُ هُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَالْمَطْلُوبُ إثْبَاتُهُ قَبْلَ الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ هُوَ التَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ اهـ.
وَنَازَعَ النَّاصِرُ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا يَثْبُتُ إلَخْ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي تَعَلُّقِ الْأَمْرِ لَا الْحُكْمِ وَأَنَّ تَعَلُّقَ الْأَمْرِ قِسْمَانِ مَعْنَوِيٌّ وَتَنْجِيرِيٌّ وَأَنَّ التَّعَلُّقَ الْمَعْنَوِيَّ غَيْرُ الْحُكْمِ التَّنْجِيزِيِّ الَّذِي هُوَ مُرَادُ الشَّارِحِ هُنَا بِالْحُكْمِ فَمِنْ أَيْنَ لَزِمَ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْمَبْحَثِ تَحَقُّقُ مَفْهُومِ الْحُكْمِ عِنْدَ تَحَقُّقِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ حَتَّى يَتَأَتَّى هَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّيْخِ اهـ.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ تَعْلِيقَ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لَيْسَ مِنْ التَّعَلُّقِ فِي شَيْءٍ بَلْ يَرْجِعُ لِتَخْصِيصِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِمَا بَعْدَ الْوُجُودِ فَلَيْسَ ثَمَّ إلَّا تَعَلُّقٌ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ فَإِنَّ قَصُدَ التَّعَلُّقُ عَلَى حَالَةِ الْوُجُودِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الشَّارِحِ لَيْسَ تَعَلُّقًا حَالَةَ الْعَدَمِ بَلْ هُوَ عَدَمُ التَّعَلُّقِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَصْلُحُ بَيَانًا لِلتَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَكَوْنِهِ عَدَمًا لِلتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لَا يَجْعَلُهُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا بَلْ هُوَ عَدَمٌ لِلتَّعَلُّقِ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَا يَصْلُحُ لِلْبَيَانِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ حَالَةَ عَدَمِهِ إلَخْ) يَنْبَغِي هُنَا إرَادَةُ عَدَمِهِ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ يُوجَدَ هُوَ وَلَا تُوجَدَ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ وَقَوْلُهُ مَأْمُورًا أَيْ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا.
(قَوْلُهُ: لِنَفْيِهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ) وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُقَسَّمِ نَفْيُ الْأَقْسَامِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْأَمْرُ وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَمْرِ نَفْيُ تَعَلُّقِهِ قَالَ سم لِبَاحِثٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا النَّفْيُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ النَّفْيَ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ فَهَلَّا أَثْبَتُوا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا بِمَعْنَى إرَادَةِ الْفِعْلِ مِنْهُ إذَا وُجِدَ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ اهـ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ وَنَفْيُهُمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ يَقْتَضِي نَفْيَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ يَقْتَضِي نَفْيَ تَعَلُّقِهِ وَأَمَّا أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا فَشَيْءٌ آخَرُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَعَرُّضٌ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ وَغَيْرُهُ) النَّهْيُ يَشْمَلُ غَيْرَ الْجَازِمِ أَيْضًا فَيَنْحَصِرُ قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ فِي الْإِبَاحَةِ وَقَوْلُهُ كَالْأَمْرِ أَيْ فَيَتَعَلَّقَانِ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَقَوْلُهُ سَيَأْتِي أَيْ فَتَسْمِيَةُ الْمُصَنِّفِ لَهُ أَمْرًا بِحَسَبِ الْأَزَلِ صَحِيحٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَصَحُّ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ إلَى الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ لَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِتَعَلُّقِ النَّهْيِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِمَّا سَيَأْتِي وَلَا يَرِدُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْأَمْرِ مَفْهُومٌ أَيْضًا مِمَّا سَيَأْتِي فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ لِأَنَّ وَجْهَ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ وَعَلَى مُخَالَفَةِ الْمُعْتَزِلَةِ لِئَلَّا يُغْفَلَ عَنْ ذَلِكَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ الْفِعْلَ) قَالَ الْكُورَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ جَعَلَ الْمُقَسَّمَ نَفْسَ الْخِطَابِ دُونَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ جِنْسُ الْحُكْمِ فَالْعُدُولُ عَنْ الْحُكْمِ لَا وَجْهَ لَهُ الثَّانِي أَنَّهُ جَعَلَ التَّرْكَ فِي الْحَرَامِ مُتَعَلِّقَ الِاقْتِضَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ غَيْرُ مَقْدُورٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْكَفِّ الثَّالِثُ: أَنَّهُ جَعَلَ خِلَافَ الْأَوْلَى مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَوَّلِيَّةِ لِلْحُكْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ جَعَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامَ لِلْخِطَابِ مِمَّا لَا مَانِعَ عَنْهُ وَكَوْنُهُ جِنْسًا لِلْحُكْمِ غَيْرُ مَانِعٍ وَوَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ تَقْسِيمِ الْحُكْمِ بَيَانُ صِحَّةِ جَعْلِهَا أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ رَدًّا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ جَعْلِ بَعْضِهِمْ إيَّاهَا أَقْسَامًا لِلْحُكْمِ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةٌ وَالتَّعْبِيرُ الْوَاقِعُ هُنَا وَاقِعٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفِ الْمُرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ فَالْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ إلَخْ فَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ الْقَوْمَ هُنَا فِي التَّعْبِيرِ بِالتَّرْكِ ثُمَّ حَقَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِمَّا هُنَا.
وَعَنْ
أَيْ طَلَبَ
ــ
[حاشية العطار]
الثَّالِثِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعَرُّضٌ لِكَوْنِ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلِيَّةٌ أَوْ ثَانَوِيَّةٌ بَلْ عِبَارَتُهُ مُحْتَمَلَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ الْأَقْسَامِ فِي الْجُمْلَةِ لِتَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِبَيَانِهَا كَذَلِكَ إذْ لَا فَائِدَةَ لِلْأُصُولِيِّ فِي تَمْيِيزِ الْأُولَى مِنْهَا عَنْ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَجْعَلْهَا أَقْسَامًا لِلْحُكْمِ بَلْ لِلْخِطَابِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ مِمَّا أَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ وَيَرِدُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ فِي الْحَقِيقَةِ لِنَوْعٍ مِنْ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ لَا الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ فَإِنَّ أَقْسَامَهُ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ فَإِنَّ مِنْهُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ.
ثُمَّ إنَّ الْأُصُولِيَّ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْخِطَابِ الْعَامِّ وَإِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِنَوْعٍ مِنْهُ مُسَمًّى بِالْحُكْمِ فَأَيُّ دَاعٍ لِجَعْلِ الْمُقَسَّمِ مُطْلَقَ الْخِطَابِ مَعَ أَدَائِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الِانْحِصَارِ وَتَصْحِيحِ جَعْلِهَا أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ مَا يَحْتَاجُ لِمَعُونَةٍ بِأَنْ يُرَادَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ إلَخْ فَيَعُودُ لِلْحُكْمِ وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمُوَرَّدَ نَفْسَهُ أَجَابَ مِمَّا يَرْجِعُ إلَيْهِ جَوَابُهُ فَلَا حَاجَةَ لِجَوَابِهِ الدَّاعِي لِلتَّكْرَارِ وَعَلَى الثَّالِثِ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ فِي التَّقْسِيمَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ أَوَّلَ الْمَبَاحِثِ هِيَ التَّقْسِيمَاتُ الْأَوَّلِيَّةُ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ بَيْنَ أَرْبَابِ التَّدْوِينِ.
وَفِي الْكَمَالِ أَنَّ إسْنَادَ الِاقْتِضَاءِ إلَى الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ مَجَازٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ النَّفْسِيَّيْنِ خِطَابٌ نَفْسِيٌّ لَا أَمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ مُغَايِرٌ لَهُ وَكَتَبَ حَاشِيَةً عَلَى هَذَا نَصُّهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ جَعَلَ لِلِاقْتِضَاءِ اقْتِضَاءً أُسْنِدَ إلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ حَيْثُ جَعَلُوا لِلْجَدِّ جَدًّا أَسْنَدُوهُ إلَيْهِ اهـ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِطَابِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فَلَيْسَ مَصْدَرًا أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا اقْتَضَى وُقُوعَ الْخِطَابِ هُنَا عَلَى الِاقْتِضَاءِ يَمْنَعُ مِنْهُ قِسْمُ الْإِبَاحَةِ الْآتِي فِي الِاقْتِضَاءِ إذْ لَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ قَوْلُ الشَّارِحِ فِي اعْتِرَاضِهِ الْآتِي عَلَى الْمُصَنِّفِ.
وَالصَّوَابُ أَوْ خُيِّرَ لِبَقَاءِ الْمَحْذُورِ بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ فِي خُيِّرَ إلَى الْخِطَابِ بِمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ عَلَى هَذَا فَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِضَاءِ هُنَا الطَّلَبُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَيَرْجِعُ لِتَعَلُّقِ الْخِطَابِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اشْتِقَاقُ الْفِعْلِ وَهُوَ اقْتَضَى مِنْهُ لَا بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي هُوَ مَبْنَى الِاعْتِرَاضِ وَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخِطَابِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْإِسْنَادُ مِنْ قَبِيلِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى مَا هُوَ كَالْآلَةِ لَهُ كَمَا قَالُوا فِي إسْنَادِ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ لِلْقُدْرَةِ لَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وُقُوعُ الْمَجَازِ فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّا نَقُولُ كَمَا فِي سم أَنَّ التَّعَارِيفَ الضِّمْنِيَّةَ لَا تَضَايُقَ
كَلَامِ اللَّهِ النَّفْسِيَّ (الْفِعْلُ) مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءِ (اقْتِضَاءً جَازِمًا) بِأَنْ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ
ــ
[حاشية العطار]
فِيهَا أَوْ يُدَّعَى شُهْرَةُ هَذَا الْمَجَازِ اهـ.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ تَعْرِيفًا ضِمْنِيًّا أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ التَّقْسِيمِ إذْ التَّقَاسِيمُ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعَارِيفِ الْأَقْسَامِ وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُضَايَقَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّقْسِيمُ دُونَ التَّعْرِيفِ وَأَمَّا دَعْوَى أَشَهْرِيَّةِ الْمَجَازِ فَلَا تَتِمُّ فِي نَفْسِهَا هُنَا وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي كُلِّ اعْتِرَاضٍ عَلَى التَّعْرِيفِ بِوُقُوعِ الْمَجَازِ فِيهِ يَسُدُّ بَابَ الِاعْتِرَاضِ لِجَرَيَانِهِ فِي كُلِّ مَجَازٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ.
(قَوْلُهُ: كَلَامُ اللَّهِ النَّفْسِيُّ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّامَ فِي الْخِطَابِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ وَالْمَعْهُودُ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ سَابِقًا فِي قَوْلِهِ وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ إلَخْ لَكِنْ لَا بِاعْتِبَارِ الْقُيُودِ لِئَلَّا يَقَعَ تَكْرَارٌ إذَا طُلِبَ الْفِعْلُ مَثَلًا مِنْ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْقُيُودِ بِجَعْلِ مَا هُنَا تَفْصِيلًا لِلْإِجْمَالِ السَّابِقِ.
(قَوْلُهُ: الْفِعْلُ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْتَمِلُ نَحْوَ الْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءٍ) الْجَارَّانِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْفِعْلِ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ الْإِيجَادُ مَعَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ إنَّمَا هُوَ الْأَثَرُ الْحَاصِلُ مِنْ الْفِعْلِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ فَأَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ لِشَيْءٍ وَحَمْلُ الْفِعْلِ عَلَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ لَا تُنَافِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ لِأَثَرٍ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَعْلِيقَ الِاقْتِضَاءِ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ إيجَادُ الْأَثَرِ لِتَوَسُّطِهِ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْأَثَرِ فَإِنَّ مَعْنَى وُجُوبِ الْأَثَرِ وُجُوبُ الْإِتْيَانِ بِهِ أَيْ إدْخَالُهُ فِي الْوُجُودِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْفِعْلِ بِالتَّرْكِ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ فِعْلِ الشَّيْءِ وَكَوْنُ الْمُرَادِ مِنْ التَّرْكِ الْكَفُّ لَا يُنَافِي ذَلِكَ اهـ.
وَفِيهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ أَيْضًا لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِتَوَقُّفِ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُمْ التَّكْلِيفُ إنَّمَا هُوَ بِالْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ أَيْ بِالذَّاتِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ تَبَعًا لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ بِهِ فَهُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ (قَوْلُهُ: اقْتِضَاءً جَازِمًا) الِاقْتِضَاءُ لَيْسَ بِجَازِمٍ حَقِيقَةً وَلَا مُنْقَسِمٌ إلَى مَجْزُومٍ بِهِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ كُلَّ طَلَبٍ حَاصِلٍ فَهُوَ مَجْزُومٌ بِحُصُولِهِ وَإِنْ كَانَ طَلَبَ نَدْبٍ بَلْ الطَّلَبُ مَجْزُوم فِيهِ بِمُتَعَلِّقِهِ أَيْ مَقْطُوعٌ فِيهِ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَهُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَإِسْنَادُ جَازِمًا إلَى ضَمِيرِ الِاقْتِضَاءِ مَجَازٌ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْفَاعِلِ
(فَإِيجَابٌ) أَيْ فَهَذَا الْخِطَابُ يُسَمَّى إيجَابًا (أَوْ) اقْتِضَاءً (غَيْرَ جَازِمٍ) بِأَنْ جَوَّزَ تَرْكَهُ (فَنُدِبَ) .
(أَوْ) اقْتَضَى (التَّرْكَ) لِشَيْءٍ اقْتِضَاءً (جَازِمًا) بِأَنْ لَمْ يُجَوِّزْ فِعْلَهُ (فَتَحْرِيمٌ) .
(أَوْ) اقْتِضَاءً غَيْرَ جَازِمٍ
ــ
[حاشية العطار]
إلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ الْمَجَازِيِّ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ الْجَازِمُ قَالَهُ النَّاصِرُ.
(قَوْلُهُ: فَإِيجَابٌ) أَنْسَبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَوُجُوبٌ وَمِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَوَاجِبٌ لِأَنَّ الْإِيجَابَ هُوَ الْحُكْمُ وَالْوُجُوبُ أَثَرُهُ وَالْوَاجِبُ مُتَعَلِّقُهُ.
وَقَوْلُهُ فَتَحْرِيمٌ أَنْسَبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَحُرْمَةٌ وَمِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَحَرَامٌ لِمَا عُرِفَ وَإِنْ كَانَ التَّعْبِيرُ بِكُلٍّ مِنْهَا صَحِيحًا إذْ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ خِطَابُ اللَّهِ إذَا أَنْسَبُ إلَى الْحَاكِمِ سُمِّيَ إيجَابًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ إلَى مَا فِيهِ الْحُكْمُ وَهُوَ الْفِعْلُ يُسَمَّى وُجُوبًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ حُرْمَةً أَوْ حَرَامًا فَالْوُجُوبُ وَالْإِيجَابُ مَثَلًا مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ وَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ فِيمَنْ عَبَّرَ بِهَا وَمَنْ عَبَّرَ بِالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ اهـ.
زَكَرِيَّا وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالْخِطَابِ لَا نَفْسَ الْخِطَابِ وَإِنَّ جَعْلَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ تَسَامُحٌ لَا يُقَالُ لَا تَغَايُرَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْحُكْمِ وَدَلِيلِهِ لِأَنَّهُ نَفْسُ قَوْلِهِ افْعَلْ لِأَنَّا نَقُولُ الْحُكْمُ هُوَ الْقَوْلُ النَّفْسِيُّ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَعْنَاهُ الْمَصْدَرِيَّ وَالدَّلِيلُ هُوَ الْقَوْلُ اللَّفْظِيُّ (أَوْ اقْتَضَى التَّرْكَ) أَيْ الْكَفَّ قَالَ الْعَضُدُ يَرِدُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْكَفِّ فِي قَوْلِهِ كُفَّ نَفْسَك فَعَلَى حَدِّ الْوُجُوبِ عَكْسًا وَعَلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ طَرْدًا أَيْ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الْوُجُوبِ وَدُخُولِهِ فِي حَدِّ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إيجَابٌ لِلْكَفِّ تَحْرِيمٌ لِلْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ فِيهِمَا بِأَنْ يُقَالَ الطَّلَبُ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ أَوْ مِنْ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفِّ عَنْهُ اهـ.
أَيْ فَيُعْتَبَرُ قَيْدُ الْحَيْثِيَّةِ فِيهِمَا بِأَنْ يُقَالَ هُوَ إيجَابٌ أَوْ نَدْبٌ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلٍ هُوَ الْكَفُّ وَتَحْرِيمٌ أَوْ كَرَاهَةٌ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْكَفِّ عَنْ فِعْلٍ فَظَهَرَ أَنَّ الْفِعْلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَنَاوِلٌ لِلْكَفِّ وَأَنَّ إسْقَاطَ الْمُصَنِّفِ فِيهِ غَيْرَ الْكَفِّ الَّذِي زَادَهُ غَيْرُهُ فِي حَدَّيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ الْمُعْتَبَرِ قَالَ السَّيِّدُ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَى الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الصَّوْمُ وَاجِبًا لِأَنَّ صُومُوا طَلَبٌ لِفِعْلٍ هُوَ كَفٌّ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُمْنَعَ كَوْنُهُ كَفًّا لِأَنَّ جُزْأَهُ أَعْنِي النِّيَّةَ غَيْرُ كَفٍّ اهـ.
وَالنَّاصِرُ أَوْرَدَ مَا أَوْرَدَهُ الْعَضُدُ سَاكَتَا
(بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ) بِالشَّيْءِ كَالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ «فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينَ» (فَكَرَاهَةٌ) أَيْ فَالْخِطَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالْمَخْصُوصِ يُسَمَّى كَرَاهَةً وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَخْصُوصِ دَلِيلُ الْمَكْرُوهِ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ أَوْ دَلِيلُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِنْ الْمَخْصُوصِ (أَوْ بِغَيْرِ مَخْصُوصٍ) بِالشَّيْءِ
ــ
[حاشية العطار]
عَنْ جَوَابِهِ فَشَنَّعَ عَلَيْهِ سم بِمَا رَأَيْنَا تَرْكَهُ خَيْرًا مِنْ نَقْلِهِ وَفِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ عَلَى الشَّمْسِيَّةِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالنَّهْيِ لَيْسَ هُوَ عَدَمَ الْفِعْلِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ لِأَنَّ عَدَمَهُ مُسْتَمِرٌّ مِنْ الْأَزَلِ فَلَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ وَلَا حَاصِلًا بِتَحْصِيلِهِ بَلْ الْمَطْلُوبُ بِهِ هُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ وَحِينَئِذٍ يُشَارِكُ الْأَمْرُ النَّهْيَ فِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْكَفُّ عَنْ فِعْلٍ آخَرَ وَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ إدْرَاجُهُ فِي الْأَمْرِ وَيُمْكِنُ إخْرَاجُهُ عَنْهُ بِأَنْ يُقَيَّدَ الْأَمْرُ بِأَنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُهُمْ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالنَّهْيِ هُوَ عَدَمُ الْفِعْلِ وَهُوَ مَقْدُورٌ لِلْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ اسْتِمْرَارِهِ إذْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ الْفِعْلَ فَيَزُولُ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ وَلَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ فَيَسْتَمِرُّ. اهـ.
قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ قَوْلُهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ أَيْ عَنْ فِعْلٍ آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ طَلَبَ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ نَحْوُ اضْرِبْ أَوْ طَلَبَ الْكَفِّ لَكِنْ لَا يَكُونُ عَنْ فِعْلٍ آخَرَ بِأَنْ يَكُونَ طَلَبَ مُطْلَقِ الْكَفِّ نَحْوُ اُكْفُفْ أَوْ تَكُونُ الْخُصُوصِيَّةُ مُسْتَفَادَةً مِنْ ذِكْرِ الْمُتَعَلِّقِ نَحْوُ اُكْفُفْ عَنْ الزِّنَا قَالَ فَتَدَبَّرْ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ.
(قَوْله بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ) أَيْ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ لَفْظِيٍّ لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ فَالْخِطَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالْخُصُوصِ.
(قَوْلُهُ: كَالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) مَثَّلَ بِحَدِيثَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي النَّهْيِ بَيْنَ اقْتِرَانِهِ بِعِلَّةِ حُكْمِهِ وَعَدَمِ اقْتِرَانِهِ بِهَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا) أَيْ الْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ أَيْ طُبِعَتْ عَلَى طَبْعِهِمْ مِنْ النُّفُورِ وَالتَّوَحُّشِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ عَجَلٍ أَيْ وَإِذَا كَانَتْ عَلَى طَبْعِ الشَّيَاطِينِ كَانَتْ أَعْطَانُهَا مَظِنَّةَ الشَّيَاطِينِ لِأَنَّ اتِّحَادَ الطِّبَاعِ مَظِنَّةُ ائْتِلَافِ الذَّوَاتِ كَمَا قِيلَ شَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَخْصُوصِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْكَرَاهَةَ الْمُتَحَقِّقَةَ حَيْثُ كَانَ دَلِيلُ الْمَكْرُوهِ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا الْحَدُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ التَّقْسِيمِ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ كَوْنُ الِاقْتِضَاءِ بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ وَكُلٌّ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ لَيْسَ نَهْيًا فَقَوْلُهُ عَنْ الْمَخْصُوصِ أَيْ عَنْ النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ فَلَيْسَ مَنْشَأُ السُّؤَالِ مُجَرَّدَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ مَخْصُوصًا وَإِلَّا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَخْصُوصِ وَقِيَاسُ الْمَخْصُوصِ مَخْصُوصٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْشَأَ السُّؤَالِ مُجَرَّدُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الشَّارِحِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَلْحُوظُ مُجَرَّدَ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ خُصُوصِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالْمَقِيسِ فَتَأَمَّلْ اهـ. سم.
وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ الْمُثْبِتَيْنِ لِلْكَرَاهَةِ لَا مُطْلَقِ إجْمَاعٍ وَقِيَاسٍ حَتَّى يَتِمَّ مَا ذَكَرَهُ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ مُخَالَفَةُ مَنْشَأِ السُّؤَالِ لِمَوْرِدِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فَإِنَّ مَوْرِدَ السُّؤَالِ هُنَا التَّعْرِيفُ الضِّمْنِيُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ التَّقْسِيمِ وَمَنْشَؤُهُ مَا ذَكَرَهُ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا) حَالٌ مِنْ دَلِيلٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ دَلِيلَ الْمَكْرُوهِ.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ أَوْ دَلِيلُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَخْصُوصِ قَالَ سم فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ اللَّازِمَ لِلْإِجْمَاعِ مُطْلَقُ الْمُسْتَنِدِ أَمَّا كَوْنُهُ نَهْيًا مَخْصُوصًا فَمِنْ أَيْنَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ غَيْرَ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ قِيلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمُسْتَنَدٍ مَخْصُوصٍ قُلْنَا هَذَا مَمْنُوعٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ خُصُوصًا وَتَخْصِيصُ الْكَرَاهَةِ بِمَا كَانَ بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ مُتَأَخِّرٌ عَنْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ حُدُوثَهُ لَا يُنَافِي اعْتِبَارَ الْمَخْصُوصِيَّةِ فِي الْكَرَاهَةِ عَلَى أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْقَدِيمَ تَفْسِيرُ الْمَخْصُوصِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي قَصَرَ الِاصْطِلَاحُ الْحَادِثُ اسْمَ الْكَرَاهَةِ عَلَيْهَا فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ) أَيْ النَّهْيُ اللَّفْظِيُّ وَمَعْنَى كَوْنِهِ لَفْظِيًّا أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يُفِيدُهُ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ الْمُسْتَفَادُ إلَخْ لَا أَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ لَفْظًا لِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ هُنَا وَقَوْلُهُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ أَوَامِرِهَا أَيْ اللَّفْظِيَّةِ وَفِي كَلَامِهِ
فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ (فَخِلَافُ الْأَوْلَى) أَيْ فَالْخِطَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ يُسَمَّى خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا يُسَمَّى مُتَعَلِّقُهُ بِذَلِكَ فِعْلًا كَانَ كَفِطْرِ مُسَافِرٍ لَا يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ تَرْكًا كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ قِسْمِي الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الطَّلَبَ
ــ
[حاشية العطار]
مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ الْمُقْتَضِيَةُ لِلتَّوْزِيعِ أَيْ وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ هَذَا الْمَنْدُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْ تَرْكِ ذَلِكَ الْمَنْدُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ وَكَذَا سَيَأْتِي تَوْجِيهُ تَسْمِيَتِهِ غَيْرَ مَخْصُوصٍ مَعَ كَوْنِ مُتَعَلِّقِهِ خَاصًّا وَهُوَ تَرْكُ الْمَنْدُوبِ مَثَلًا قَالَ النَّاصِرُ السِّرُّ فِي جَمْعِ الْأَوَامِرِ وَإِفْرَادِ النَّهْيِ تَعَدُّدُ مُتَعَلِّقَاتِ الْأَوَامِرِ وَهِيَ الْأَفْعَالُ الْمُتَنَوِّعَةُ يَعْنِي الْمُعَبَّرَ عَنْهَا فِي كَلَامِهِ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَاتِّحَادُ مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ لَفْظُهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ) وَإِنَّمَا قَالَ هُنَا مُسْتَفَادٌ يُفِيدُ فِي مَبْحَثِ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ تَرْكِهِ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هُنَا اللَّفْظَانِ وَفِيمَا سَيَأْتِي النَّفْسِيَّانِ وَفِي الْأَوَّلَيْنِ تَنْتَفِي الْعَيْنِيَّةُ وَالتَّضْمِينُ وَفِي الْآخَرَيْنِ تَنْتَفِي الْإِفَادَةُ الَّتِي هِيَ الدَّلَالَةُ. اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ: الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ) قَالَ سم قَدْ يُسْتَشْكَلُ ذَلِكَ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ لِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ صِيغَةً دَالَّةً عَلَى طَلَبِ التَّرْكِ الْمُسَمَّى بِخِلَافِ الْأَوْلَى مَعَ انْتِفَاءِ الصِّيغَةِ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ قَطْعًا.
وَأَقُولُ سَلَّمْنَا هَذَا الِاقْتِضَاءَ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الصِّيغَةُ بِالْقُوَّةِ لِأَنَّ وُرُودَ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْمَنْدُوبِ الْمُفِيدَةِ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فِي قُوَّةِ وُرُودِ صِيغَةِ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَلَا إشْكَالَ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُسَمَّى مُتَعَلِّقُهُ بِذَلِكَ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ الْخِطَابَ الْمَذْكُورَ مُتَعَلِّقٌ بِتَرْكِ الشَّيْءِ وَالْمُسَمَّى بِخِلَافِ الْأَوْلَى ذَلِكَ الشَّيْءُ لَا تَرْكُهُ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْخِطَابِ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّرْكَ هُوَ الْأَوْلَى لَا خِلَافُ الْأَوْلَى.
وَأَجَابَ سم فَقَالَ كَمَا أَنَّ التَّرْكَ مُتَعَلَّقُ الْخِطَابِ كَذَلِكَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ مُتَعَلَّقُهُ لِأَنَّهُ مُتَعَلَّقُ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُهُ وَمُتَعَلَّقُ الْمُتَعَلَّقِ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَاسِطَةِ فَالْمُتَعَلَّقُ صَادِقٌ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِالْوَاسِطَةِ وَهَذَا أَعْنِي الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَاسِطَةِ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا بِقَرِينَةِ تَمْثِيلِهِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ الْمُتَعَلِّقِ فَإِنْ قُلْت قَدْ اُشْتُهِرَ أَنَّ الْمِثَالَ لَا يُخَصَّصُ فَالتَّمْثِيلُ لِمُتَعَلَّقِ الْمُتَعَلِّقِ لَا يَمْنَعُ إرَادَةَ نَفْسِ الْمُتَعَلِّقِ أَيْضًا قُلْت الِاقْتِصَارُ فِي التَّمْثِيلِ عَلَى مُتَعَلَّقِ الْمُتَعَلِّقِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْكَ فِي قَوْلِهِ أَوْ تَرْكًا الْمُمَثَّلَ بِهِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِالْوَاسِطَةِ غَيْرُ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِلَا وَاسِطَةٍ فَالْأَمْرُ بِصَلَاةِ الضُّحَى يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ تَرْكِهَا وَالنَّهْيُ مَعْنَاهُ طَلَبُ التَّرْكِ فَحَاصِلُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ تَرْكِهَا طَلَبُ تَرْكِ تَرْكِهَا فَالتَّرْكُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِلَا وَاسِطَةٍ.
وَالثَّانِي هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْوَاسِطَةِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِلَا وَاسِطَةٍ لَا يَكُونُ إلَّا تَرْكًا وَأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَاسِطَةِ قَدْ يَكُونُ تَرْكًا كَمَا فِي تَرْكِ الضُّحَى وَقَدْ يَكُونُ فِعْلًا كَمَا فِي فِطْرِ الْمُسَافِرِ الْمَذْكُورِ وَبِمَا مَرَّ يُعْلَمُ انْدِفَاعُ الِاسْتِشْكَالِ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَقْسِيمَ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ) أَيْ الْفَارِقُ أَوْ عَلَى ظَاهِرِهِ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ قِسْمَيْ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ) الْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةٌ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَقُلْ بَيْنَ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ لِأَنَّ الْفَرْقَ لَيْسَ بَيْنَ قِسْمَيْهِمَا وَهُمَا الطَّلَبُ بِالْمَخْصُوصِ وَالطَّلَبُ بِغَيْرِهِ اهـ.
وَقَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ يُرِيدُ بِالْقِسْمَيْنِ الشَّيْئَيْنِ الْمَطْلُوبَيْنِ بِالْمَخْصُوصِ وَبِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ إنَّ الطَّلَبَ فِي الْمَطْلُوبِ بِالْمَخْصُوصِ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَالِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ أَمَكْرُوه هُوَ إلَخْ وَنَقَلَ سم عَنْ النَّاصِرِ فِي دَرْسِهِ أَنَّ الْقِسْمَيْنِ هُمَا النَّهْيُ الْمَخْصُوصُ وَغَيْرُ الْمَخْصُوصِ الدَّالَيْنِ عَلَى الطَّلَبَيْنِ وَحِينَئِذٍ يُشْكَلُ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلَفْظِ قِسْمَيْ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَائِدَتُهَا الْإِجْمَالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ وَتُجْعَلُ إضَافَتُهَا مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ اهـ.
وَقَالَ النَّاصِرُ فِي الْحَاشِيَةِ فَرَّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ لِيُعْلَمَ مِنْهُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ
فِي الْمَطْلُوبِ بِالْمَخْصُوصِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ فَالِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ أَمَكْرُوهٌ هُوَ أَمْ خِلَافُ الْأَوْلَى اخْتِلَافٌ فِي وُجُودِ الْمَخْصُوصِ فِيهِ كَ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ خِلَافَ الْأَوْلَى وَقِيلَ مَكْرُوهٌ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»
وَأُجِيبَ بِضَعْفِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَتَقْسِيمُ خِلَافِ الْأَوْلَى زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأُصُولِيِّينَ أَخْذًا مِنْ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَابَلُوا الْمَكْرُوهَ بِخِلَافِ الْأَوْلَى فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا وَمِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ بِالنَّهْيِ
ــ
[حاشية العطار]
الْخِطَابَيْنِ الْمَدْلُول عَلَيْهِمَا بِهِمَا. اهـ.
وَمَا قَالَهُ الْأَوَّلَانِ أَوْفَقُ بِكَلَامِ الشَّارِحِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْلِيلِ الشِّهَابِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَطْلُوبِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ أَنَّ الطَّلَبَ لِلتَّرْكِ الْكَائِنَ فِي نَهْيِ أَوْ تَرْكِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ بِالْمَخْصُوصِ وَمَعْنَى كَيْنُونَتِهِ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَشَدُّ) وَجْهُ الْأَشَدِّيَّةِ أَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ مَا ثَبَتَ قَصْدًا وَمَا ثَبَتَ ضِمْنًا وَالْأَوَّلُ أَشَدُّ مِنْ الثَّانِي أَيْ آكَدُ (قَوْلُهُ: فَالِاخْتِلَافُ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَتْنِ وَقَوْلُهُ اخْتِلَافٌ فِي وُجُودِ الْمَخْصُوصِ أَيْ وَعَدَمِهِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافُ الْأَوْلَى) أَيْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى رَجَحَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ لِأَنَّهُ أَنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلِ سَنِّ إفْطَارِهِ وَهُوَ فِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ أَفْطَرَ فِيهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «أُمِّ الْفَضْلِ أُمَامَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ نِسَاءً اخْتَلَفْنَ عِنْدَهَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ بَعْضُهُنَّ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُنَّ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلْت إلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ» وَلَيْسَ النَّهْيُ مُسْتَفَادًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمْ لِضَعْفِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: زَادَهُ الْمُصَنِّفُ) قَالَ الْكَمَالُ الْمَعْرُوفُ لِلْأُصُولِيَّيْنِ تَقْسِيمُ الْأَحْكَامِ إلَى الْخَمْسَةِ وَهِيَ مَا عَدَا خِلَافَ الْأَوْلَى وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ عِنْدَهُمْ طَلَبُ التَّرْكِ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ وَلَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ ذُو النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ آكَدُ مِنْهَا فِي الثَّانِي وَهُوَ ذُو النَّهْيِ غَيْرِ الْمَخْصُوصِ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَشْيَاءَ هَلْ هِيَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي خَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الثَّانِيَ بِاسْمِ خِلَافِ الْأَوْلَى تَمْيِيزًا لَهُ كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ التَّعَرُّضُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فَظَهَرَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْكَرَاهَةِ بِخِلَافِ الْأَوْلَى وَجَعْلَهُ اسْمًا لِنَوْعٍ مِنْ الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ أَمْرٌ اخْتَرَعَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَنَّهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِطَرِيقَةِ الْأُصُولِيِّينَ مُخَالِفٌ لِطَرِيقَةِ الْبَعْضِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا سَمَّوْا بِخِلَافِ الْأَوْلَى مُتَعَلَّقُ الْحُكْمِ لَا الْحُكْمِ بَلْ تَسْمِيَةُ الطَّلَبِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى صَادِرٌ عَنْ غَفْلَةٍ عَنْ مُنَافَاتِهِ لِلْأَدَبِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَخْذًا) قَالَ النَّاصِرُ أَخْذُ الْمُسَمَّى صَحِيحٌ وَأَمَّا أَخْذُ الِاسْمِ فَلَا لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ بِذَلِكَ لَا تَسْتَلْزِمُ تَسْمِيَةَ طَلَبِ تَرْكِهِ بِذَلِكَ وَفِيهَا بَشَاعَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى اهـ.
وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ كَلَامِ الْكَمَالِ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ تَسْمِيَةَ طَلَبِ التَّرْكِ بِذَلِكَ لَيْسَ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ بِذَلِكَ حَتَّى يُنَاقَشَ فِيهِ بِمَنْعِ الِاسْتِلْزَامِ بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُمْ لَمَّا أَطْلَقُوا خِلَافَ الْأَوْلَى عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ صَحَّ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى ذَلِكَ إطْلَاقُهُ عَلَى نَفْسِ الطَّلَبِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُتَعَلَّقِ عَلَى الْمُتَعَلَّق وَكَأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ ذُو خِلَافٍ الْأَوْلَى أَيْ الطَّلَبُ الْمُتَعَلِّقُ بِتَرْكِ خِلَافِ الْأَوْلَى.
وَأَمَّا الْبَشَاعَةُ فَقَدْ يُخَفِّفُ أَمْرَهَا أَنَّ الْأَسَامِيَ الِاصْطِلَاحِيَّةَ لَا يَلْزَمُ فِيهَا مُلَاحَظَةُ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ الْمَحْذُورِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى صُعُوبَةُ تَسْمِيَةِ الطَّلَبِ بِذَلِكَ عَلَى الْقُلُوبِ اهـ.
أَقُولُ دَعْوَى أَنَّ الْأَسَامِيَ الِاصْطِلَاحِيَّةَ لَا يَلْزَمُ فِيهَا مُلَاحَظَةُ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ يُبْطِلُهَا اسْتِقْرَارَ الْمَنْقُولَاتِ كَيْف وَالْمَنْقُولُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ فَتَأَمَّلْ لَا يُقَالُ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ أَشْنَعُ مِنْ إطْلَاقِ خِلَافِ الْأَوْلَى لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُخَالِفِ الْأَوْلَى وَلَمْ يُشْتَهَرْ اسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ فَإِنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي مُثْبِتِ الْحُرْمَةِ وَمُثْبِتُ الْكَرَاهَة فِي مُتَعَلَّقِهِمَا فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ إطْلَاقِهِمَا الْمَذْكُورِ مُنَافَاةً لِلْأَدَبِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ) أَيْ مِنْ كَلَامِ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَحَيْثُ ظَرْفٌ لِهَذَا الْمَحْذُوفِ.
(قَوْلُهُ: فِي النِّهَايَةِ) أَيْ فَرَّقَ فِي النِّهَايَةِ أَوْ فَارَقَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ إنَّمَا نُقِلَ فِيهَا الْفَرْقُ وَلَكِنْ لَمَّا أَقَرَّهُ كَانَ كَأَنَّهُ قَائِلٌ بِهِ فَنُسِبَ إلَيْهِ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ مَا فَرَّقَ بَلْ نَقَلَ الْفَرْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْكَمَالِ حَيْثُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ
الْمَقْصُودِ وَغَيْرِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْأَمْرِ وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَخْصُوصِ أَيْ الْعَامِّ نَظَرًا إلَى جَمِيعِ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةِ وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَيُطْلِقُونَ الْمَكْرُوهَ عَلَى ذِي النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَخْصُوصِ وَقَدْ يَقُولُونَ فِي الْأَوَّلِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً كَمَا يُقَالُ فِي قِسْمِ الْمَنْدُوبِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَعَلَى هَذَا الَّذِي هُوَ مَبْنَى الْأُصُولِيِّينَ يُقَالُ أَوْ غَيْرُ جَازِمٍ فَكَرَاهَةٌ.
(أَوْ) اقْتَضَى الْخِطَابُ (التَّخْيِيرَ)
ــ
[حاشية العطار]
فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ النِّهَايَةِ التَّعَرُّضُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ يُقَالُ فِيهِ مَكْرُوهٌ وَمَا لَا فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَقْصُودِ أَنْ يَكُونَ مُصَرَّحًا بِهِ كَقَوْلِهِ لَا تَفْعَلُوا كَذَا أَوْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ كَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَ بِمُسْتَحَبٍّ فَإِنَّ تَرْكَهُ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ لِأَنَّا اسْتَفَدْنَاهُ بِاللَّازِمِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ.
(قَوْلُهُ: الْمَقْصُودُ وَغَيْرُ الْمَقْصُودِ) قَالَ الشِّهَابُ فَسَّرُوا الْمَقْصُودَ بِالصَّرِيحِ وَغَيْرَ الْمَقْصُودِ بِغَيْرِ الصَّرِيحِ فِرَارًا مِمَّا يَقْتَضِي غَيْرُ الْمَقْصُودِ مِنْ كَوْنِ الشَّارِعِ لَمْ يَقْصِدْ النَّهْيَ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ لَا مَانِعَ أَنْ يُرَادَ الْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ وَغَيْرُ الْمَقْصُودِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ بَلْ بِالْقَصْدِ التَّبَعِيِّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ غَيْرُ الْمَقْصُودِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْعَامُّ نَظَرًا إلَى جَمِيعِ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةِ) قَالَ الشِّهَابُ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّهْيَ الطَّالِبَ لِتَرْكِ شَيْءٍ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْأَوَامِرِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ خَاصًّا لِأَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِشَيْءٍ خَاصٍّ لَكِنَّهُ لِتَوَقُّفِ طَلَبِهِ لِتَرْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى عَامٍّ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ جَازَ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَامٌّ بِسَبَبِ تَوَقُّفِ تَوَقُّفِهِ عَلَى عَامٍّ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِصَلَاةِ الضُّحَى مَثَلًا نَهْيٌ عَنْ تَرْكِهَا وَهَذَا النَّهْيُ خَاصٌّ لِخُصُوصِ مُتَعَلِّقِهِ لَكِنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ بِشَيْءٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَلَمَّا تَوَقَّفَ ثُبُوتُهُ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْعَامِّ وُصِفَ بِأَنَّهُ عَامٌّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذَا دَفْعُ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ نَهْيٌ عَامٌّ مُتَعَلِّقٌ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَانَتْ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ كُلِّيَّةٌ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْهَا وَخَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَأَنَّ أَمْرَ النَّدْبِ نَهْيٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى ضِدِّهِ سِيَّمَا إنْ قُلْنَا إنْ عَيَّنَهُ كَمَا سَيَجِيءُ فَالْأَصْوَبُ تَعْبِيرُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِالْمَقْصُودِ وَغَيْرِ الْمَقْصُودِ اهـ.
وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ لَا كَوْنُ النَّهْيِ مُتَعَلِّقًا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَالنَّهْيُ الصَّرِيحُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا أَيْ مُتَعَلِّقًا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ غَيْرُ عَامٍّ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لِثُبُوتِهِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ بِخِلَافِ الضِّمْنِيِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمُتَعَلِّقِهِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ قَوْلُنَا كُلُّ أَمْرٍ بِشَيْءٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ تَوَقُّفُ ثُبُوتِ النَّهْيِ لِمُتَعَلِّقِهِ عَلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، وَعَدَمُ تَوَقُّفِهِ لَا الشُّمُولُ لِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَعَدَمُ الشُّمُولِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشِّهَابِ أَنَّ قَوْلَهُ نَظَرًا إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَيْ الْعَامِّ وَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ خُلُوُّ قَوْلِهِ عُدِلَ عَنْ التَّعْلِيلِ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ حِينَئِذٍ إذْ مُجَرَّدُ الْإِخْبَارِ بِالْعُدُولِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِظُهُورِهِ وَصَرِيحُ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ يَعْنِي عَدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْمَخْصُوصِ نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ مَخْصُوصٌ بِمُتَعَلِّقِهِ وَإِلَى غَيْرِ الْمَخْصُوصِ أَيْ الْعَامِّ نَظَرًا إلَى دَلِيلٍ يَعُمُّ الْأَوَامِرَ النَّدْبِيَّةَ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَالنَّهْيُ فِيهِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْ نَهْيٍ مَخْصُوصٍ بِمُتَعَلِّقِهِ بَلْ مِنْ الْأَمْرِ النَّدْبِيِّ بِوَاسِطَةِ هَذَا الدَّلِيلِ الْعَامِّ. اهـ.
يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ عَدَلَ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ عِلَّةٌ لِلْعُدُولِ نَظَرًا لِلْمَعْطُوفِ دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ وَيُمْنَعَ عَدَمُ الْفَائِدَةِ بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِ الْمَخْصُوصِ الْعَامِّ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ وَهِيَ دَفْعُ الِاعْتِرَاضِ السَّابِقِ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ مَا يَشْمَلُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً حَتَّى يَتَوَجَّهَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ بَلْ الْعَامُّ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرَهُ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ اسْتِفَادَةَ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا تَحْتَاجُ إلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ الْعَامَّةِ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي كَوْنِهَا أَدِلَّةً مَخْصُوصَةً كَالنَّهْيِ الْمَخْصُوصِ فَفِي اعْتِبَارِ كَوْنِ هَذَا النَّهْيِ غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِمَا ذُكِرَ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْ وَعَلَى كُلِّ حَالٍّ فَمَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ نَظَرًا إلَى جَمِيعِ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةِ نَظَرًا إلَى مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةَ أَيْ نَظَرًا إلَى تَوَقُّفِهِ عَلَى
بَيْنَ فِعْلِ الشَّيْءِ وَتَرْكِهِ فَإِبَاحَةُ ذِكْرِ التَّخْيِيرِ سَهْوٌ إذْ لَا اقْتِضَاءَ فِي الْإِبَاحَةِ وَالصَّوَابُ أَوْ خُيِّرَ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ عَطْفًا عَلَى اقْتَضَى وَقَابَلَ الْفِعْلَ بِالتَّرْكِ نَظَرًا لِلْعُرْفِ وَإِلَّا فَالتَّرْكُ الْمُقْتَضَى فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلٌ هُوَ الْكَفُّ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَأَنَّهُ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ.
(وَإِنْ وَرَدَ) الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ بِكَوْنِ الشَّيْءِ (سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا وَصَحِيحًا وَفَاسِدًا) الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ
ــ
[حاشية العطار]
مَا يَعُمُّهَا.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ فِعْلِ الشَّيْءِ وَتَرْكِهِ) يَدْخُلُ فِيهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ كَخِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِأَنَّ تَرْكَ الشَّيْءِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إلَى بَدَلٍ أَوْ لَا اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ: ذِكْرُ التَّخْيِيرِ سَهْوٌ) تَكَلَّفَ فِي دَفْعِهِ بِأَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِضَاءِ الْإِفَادَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ لَا خُصُوصُ الطَّلَبِ كَمَا هُوَ مَبْنَى الْحُكْمِ بِالسَّهْوِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَمِنْهَا أَنَّ اقْتَضَى يَأْتِي بِمَعْنَى أَعْلَمَ وَبِمَعْنَى أَدَّى غَايَتُهُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْمُشْتَرَكَ فِي مَعْنَيَيْهِ وَهُوَ جَائِزٌ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَلَى تَضْمِينِ اقْتَضَى مَعْنَى يَصْلُحُ لَأَنْ يَقَعَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا أَيْ إفَادَةِ الْخِطَابِ التَّخْيِيرَ مِنْ بَابِ عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا اهـ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْوَاوِ وَكُلُّهَا تَمَحُّلَاتٌ.
(قَوْلُهُ: نَظَرًا لِلْعُرْفِ) أَيْ الَّذِي لَا يَعُدُّ التَّرْكَ فِعْلًا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا نُفِلَ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ الْمَذْكُورَةَ بِالنَّظَرِ لِلْعُرْفِ فَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَإِنَّ التَّرْكَ إلَخْ فَحَذَفَ الْجَوَابَ وَأَبْقَى عِلَّتَهُ. (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ) أَيْ الْفِعْلَ الْمُكَلَّفَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ) قُيِّدَ بِالنَّفْسِيِّ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ اللَّفْظِيُّ لِأَنَّ الشَّائِعَ إسْنَادُ الْوُرُودِ إلَيْهِ دُونَ النَّفْسِيِّ وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَادُ إلَى كُلٍّ مَجَازًا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوُرُودِ الْمَجِيءُ وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ.
(قَوْلُهُ: بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا إلَخْ) الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ مُلَابَسَةِ الْمُتَعَلِّقِ لِمُتَعَلِّقِهِ لَا لِلتَّعَدِّيَةِ لِاقْتِضَائِهَا وُقُوعَ الْوُرُودِ عَلَى الْكَوْنِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ: وَصَحِيحًا وَفَاسِدًا) جُعِلَ مِنْ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ كَوْنُ الشَّيْءِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَرَدَّهُ الْعَضُدُ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ فَقَالَ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ جُمْلَةِ أَقْسَامِ الْوَضْعِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إذْ بَعْدَ وُرُودِ أَمْرِ الشَّرْعِ بِالْفِعْلِ فَكَوْنُ الْفِعْلِ صَحِيحًا أَيْ مُوَافِقًا لِلْأَمْرِ أَوْ بَاطِلًا أَيْ مُخَالِفًا لَهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَوْقِيفٍ مِنْ الشَّارِعِ بَلْ يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ فَهُوَ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ هُوَ عَقْلِيٌّ.
(قَوْلُهُ: الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ فَقَالَ جَعْلُهَا لِلتَّقْسِيمِ يَقْتَضِي وُرُودَ الْخِطَابِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَأَنَّ الْوَضْعَ هُوَ الْخِطَابُ الْوَارِدُ بِذَلِكَ وَلَا خَفَاءَ فِي بُطْلَانِهِ إذْ الْوَارِدُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ أَحَدَهَا وَضْعٌ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ غَيْرُهُ فَالصَّوَابُ بِشَهَادَةِ الذَّوْقِ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَارَةِ إذَا كَانَتْ الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا حِينَئِذٍ وَإِنْ وَرَدَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِأَنْ وَرَدَ كَوْنُهُ سَبَبًا مَثَلًا فَإِنَّ وُرُودَ كَوْنِهِ سَبَبًا يَسْتَلْزِمُ وُرُودَهُ بِكَوْنِهِ أَحَدَهَا فَلَا إشْكَالَ قَالَ وَنَظِيرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ قَوْلُهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ اهـ.
وَلَمَّا أَوْرَدَ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَيْهِ أَنَّ أَوْ فِيهِ لِلتَّرْدِيدِ وَهُوَ يُنَافِي التَّحْدِيدَ أَجَابَ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ بِمَا حَاصِلُهُ كَمَا بَيَّنَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ فَلَوْ صَحَّ اعْتِرَاضُ الشَّيْخِ لَزِمَ بُطْلَانُ هَذَا الْجَوَابِ الَّذِي أَطْبَقُوا عَلَى قَبُولِهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُنْقَسِمُ تَعَلُّقُهُ إلَى الِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ مَعَ أَنَّهُ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَقَطْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ثُبُوتِ التَّعَلُّقِ بِالْوَجْهِ الْآخَرِ فَدَلَّ هَذَا الصَّنِيعُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى التَّقْسِيمِ مَا ادَّعَاهُ الشَّيْخُ اهـ.
وَأَقُولُ كَلَامُ سم مَآلُهُ جَعْلُ الْوَاوِ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا لَا يَخْفَى فَهُوَ تَسْلِيمٌ لِلِاعْتِرَاضِ فَتَشْنِيعُهُ عَلَى شَيْخِهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا يَقْتَضِيه عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَإِنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ وَأَلْجَأَ إلَّا الِاعْتِرَافَ بِهِ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْحَوَاشِي الْمُتَأَخِّرَةِ شَنَّعَ عَلَى سم وَبَعْضًا انْتَصَرَ لَهُ وَلَمْ يَأْتِيَا بِمَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية العطار]
يُؤَيِّدُ مَقَالَتَهُمَا حَتَّى إنِّي رَأَيْت تَقْرِيرًا مَنْسُوبًا لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا أَطَالَ فِيهِ الْقَوْلَ مُعَقِّدًا لِلْعِبَارَةِ مُرْتَكِبًا وُجُوهًا مِنْ التَّكَلُّفِ الْتَحَقَ بِهَا كَلَامُهُ بِاللُّغْزِ وَالْمُعَمَّى وَأَعْجَبُ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَجْرَى احْتِمَالَيْ التَّقْسِيمِ وَغَيْرِهِ فِي الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ وَإِنْ وَرَدَ إلَخْ.
وَأَنَّى بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَ لَك الْمَقَامَ تَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي كَلَامِهِمْ مِنْ الْأَوْهَامِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ إلَخْ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حُكِمَ فِيهَا بِلُزُومِ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ وَضْعًا كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَهَذَا الْخِطَابُ يُسَمَّى وَضْعًا عَلَى تَقْدِيرِ وُرُودِ الْخِطَابِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا إلَخْ فَعَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِ الْوَاوِ لِلتَّقْسِيمِ يَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّاصِرُ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ يُسَمَّى وَضْعًا وَهُوَ بَاطِلٌ فَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ وُرُودَ الْخِطَابِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا إلَخْ يُسَمَّى وَضَعَا أَيْ يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَعْطُوفَةِ بِالْوَاوِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى أَوْ وَضْعًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّاصِرِ إذْ الْوَارِدُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ أَحَدَهَا إلَخْ وَسَمِّ أَخَذَ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ وَرَدَّ بِهِ عَلَى النَّاصِرِ فَرَدَّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ بِكَلَامِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَعْلِ الْوَاوِ لِلتَّقْسِيمِ وَبَيْنَ جَعْلِهَا بِمَعْنَى أَوْ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ تَسْمِيَةُ الْخِطَابِ وَضْعًا تَحَقُّقُهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ تَحَقُّقَ الْخِطَابِ فِي أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَالثَّانِي صَحِيحٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّاصِرِ جَعْلُهَا لِلتَّقْسِيمِ إلَخْ.
فَإِنْ قُلْت إذَا خَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى مُصْطَلَحِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ إنَّ الْكَلَامَ هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ وَفِعْلُ الشَّرْطِ قَيْدٌ لَهُ هَلْ يَسْتَقِيمُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَيَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ.
قُلْت لَا فَإِنَّ الْمَحْذُورَ بَاقٍ بِعَيْنِهِ إذْ التَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْخِطَابِ بِالْوَضْعِ مُقَيَّدٌ بِوُرُودِ كَوْنِهِ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ أَيْ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَأَمَّا إنْ جُعِلَتْ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَانَ مَعْنَى تَسْمِيَتِهِ وَضْعًا مُقَيَّدٌ بِتَحَقُّقِ كَوْنِهِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا إلَخْ فَيَنْدَفِعُ الْمَحْذُورُ فَظَهَرَ أَنَّ اسْتِقَامَةَ الْكَلَامِ إنَّمَا تَتِمُّ عَلَى جَعْلِهَا بِمَعْنَى أَوْ.
وَأَمَّا جَعْلُهَا تَقْسِيمِيَّةً فَلَا سَوَاءٌ جَعَلْنَا الْقَضِيَّةَ شَرْطِيَّةً مُوَافِقَةً لِاصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ وَهُوَ التَّقْرِيرُ الْأَوَّلُ أَوْ جَعَلْنَاهَا حَمْلِيَّةً بِاعْتِبَارِ مَا تَئُولُ إلَيْهِ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا هُوَ التَّقْرِيرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ عَلَى التَّقْرِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ ارْتِبَاطُ الثَّانِي بِالْمُقَدَّمِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَعْطُوفَةِ لَا عَلَى الْمَجْمُوعِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْحُكْمُ مُقَيَّدًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَيْضًا لَا عَلَى الْمَجْمُوعِ فَالتَّقْرِيرَانِ سَوَاءٌ وَمَنْشَأُ هَذَا كُلِّهِ وُرُودُ حَرْفِ الشَّرْطِ فِي التَّقْسِيمِ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَتِهِ كَمَا هُوَ صَنِيعُ الشَّارِحِ فَإِنَّ قَوْلَهُ الْوَاوُ تَقْسِيمِيَّةٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ إلَخْ التَّقْسِيمُ مَعَ أَنَّ مَقَامَ التَّقْسِيمِ يُنَافِي التَّعْلِيقَ لِتَبَايُنِ الْمَقَامَيْنِ فَإِنَّ فِي التَّعْلِيقِ حُكْمًا وَلَا حُكْمَ فِي التَّقْسِيمِ وَمَفَادُ التَّقْسِيمِ غَيْرُ مُفَادِ التَّعْلِيقِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ لَا يُقَالُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا يَقْتَضِي أَنَّ غَرَضَهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ التَّقْسِيمُ لِأَنَّ التَّقَاسِيمَ تَتَضَمَّنُ حُدُودَ الْأَقْسَامِ.
قُلْت لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَوْ سُلِّمَ فَالتَّقْسِيمُ حَاصِلٌ فِي ضِمْنِ التَّعْلِيقِ أَيْ عَرَفْت حُدُودَهَا مِنْ التَّقْسِيمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ التَّعْلِيقُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ حَتَّى يَكُونَ حَامِلًا لِلشَّارِحِ عَلَى جَعْلِ الْوَاوِ تَقْسِيمِيَّةً. الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا نَبَّهَ بِتَكْرِيرِ مِنْ عَلَى أَنَّ حُدُودَ خِطَابِ الْوَضْعِ لَمْ تُعْرَفْ مِمَّا ذُكِرَ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي هُنَاكَ فَلَوْ كَانَ غَرَضُ الْمُصَنِّفِ مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ التَّقْسِيمَ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ حُدُودَ أَقْسَامِ الْوَضْعِ لَمْ تُعْرَفْ مِمَّا ذُكِرَ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ لِأَنَّ التَّقَاسِيمَ تَتَضَمَّنُ تَعَارِيفَ الْأَقْسَامِ وَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ بَلْ اعْتَرَفَ هُوَ بِمَعْرِفَتِهَا فِي أَثْنَاءِ عِبَارَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَأَعْجَبُ مِنْ جَوَابِ سم تَمَسُّكُهُ فِي تَأْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ وَلَمَّا أَوْرَدَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَخْ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ تَعْرِيفٌ لِلْحُكْمِ وَالتَّعْرِيفِ لَا حُكْمَ فِيهِ فَلَيْسَ قَضِيَّةً وَمَا هُنَا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ أَوْ حَمْلِيَّةٌ عَلَى الِاعْتِبَارَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ بِلَفْظِ أَوْ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ.
وَالْجَوَابُ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَحَدٍ احْتِمَالَيْ أَوْ وَدَعْوَى سم أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِ أَوْ تَنْوِيعِيَّةً أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُنْقَسِمُ تَعَلُّقُهُ إلَخْ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْف وَقَدْ لَزِمَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَضَمُّنُ التَّعْرِيفِ لِلتَّقْسِيمِ وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فِي الْوَاقِعِ فَقَدْ أَخْرَجَ مَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْإِمَامُ اعْتِرَاضًا وَجَوَابًا عَنْ
وَهِيَ فِيهِ أَجْوَدُ مِنْ أَوْ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَحَذْفُ مَا قَدَّرْته كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْمُخْتَصَرُ أَيْ كَوْنُ شَيْءٍ الْعِلْمُ بِهِ مَعْنًى مَعَ رِعَايَةِ الِاخْتِصَارِ وَوَصْفُ النَّفْسِيِّ بِالْوُرُودِ مَجَازٌ كَوَصْفِ اللَّفْظِيِّ بِهِ الشَّائِعُ
ــ
[حاشية العطار]
مَوْضُوعِهِ وَتَثْبُتُ بِهِ فِي تَقْوِيَةِ كَلَامِهِ بَعْدَ صَرْفِهِ عَمَّا أَرَادُوهُ وَتَأْوِيلِهِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَإِنَّمَا مَعْنَى كَلَامِ الْإِمَامِ مَنْعُ كَوْنِ أَوْ لِلتَّرْدِيدِ وَجَعَلَهَا لِلتَّنْوِيعِ وَأَنَّ الْمُعَرِّفَ الْحُكْمُ بِنَوْعَيْهِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمَنَاطِقَةِ إنَّهُ يَمْتَنِعُ دُخُولُ أَوْ فِي التَّعَارِيفِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالرَّسْمِ وَمِنْ كَوْنِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلشَّكِّ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيَّنُوهُ هُنَاكَ فَأَيْنَ مَقَامُ التَّعْرِيفِ وَالِاخْتِلَافِ فِي أَوْ الْوَاقِعَةِ فِيهِ مِنْ مَقَامِ التَّعْلِيقِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الشَّرْطِ.
وَفِي الْوَاوِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ الْمُدَّعَى أَنَّهَا تَقْسِيمِيَّةٌ فَصَحَّ أَنْ يُقَالَ
صَارَتْ مُشَرِّقَةً وَصِرْت مُغَرِّبًا
…
شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ وَرَحِمَنَا مَعَهُمْ وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ ثُمَّ إنَّ التَّقْسِيمَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ أَوْ التَّقْسِيمِيَّةِ عَلَى مَا زَعَمَهُ الشَّارِحُ إمَّا رَاجِعٌ إلَى الشَّيْءِ أَوْ إلَى كَوْنِ الشَّيْءِ أَوْ إلَى الْخِطَابِ الْوَارِدِ بِهَذَا الْكَوْنِ وَكُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ فِيهِ أَجْوَدُ مِنْ أَوْ) لِأَنَّهَا لِلْجَمْعِ فِي الْحُكْمِ فَهِيَ أَنْسَبُ بِجَمْعِ الْحُكْمِ فِي أَفْرَادِ الْمُقَسَّمِ وَهُوَ هُنَا الشَّيْءُ الْمُقَدَّرُ بِخِلَافِ أَوْ فَإِنَّهَا لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ فَقَدْ تُوُهِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَقَطْ وَهَذَا فِي تَقْسِيمِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا هُنَا أَمَّا فِي تَقْسِيمِ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ فَلَا يُقَالُ إنَّهَا أَجْوَدُ بَلْ مُتَعَيِّنَةٌ اهـ. زَكَرِيَّا
وَإِنَّمَا قَالَ أَجْوَدُ لِأَنَّ لِأَوْ مُنَاسَبَةً بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ الْأَقْسَامِ لِإِفَادَتِهَا الِانْفِصَالَ الْحَقِيقِيَّ بَيْنَ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضِ الْمُفْضِي عَدَمُهُ إلَى فَسَادِ التَّقْسِيمِ فَظَهَرَ أَنَّ أَجْوَدِيَّةَ الْوَاوِ نَظَرًا إلَى الْمُقَسَّمِ مَعَ الْأَقْسَامِ وَأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِي جَمِيعِهَا وَأَنَّ فِي الْوَاوِ جَوْدَةً أَيْضًا بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْأَقْسَامِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ حَتَّى لَوْ لُوحِظَ هَذَا بِخُصُوصِهِ كَانَتْ هِيَ أَجْوَدَ مِنْ الْوَاوِ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَوْنُ الشَّيْءِ) تَفْسِيرٌ لِمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ الَّذِي هُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَالتَّشْبِيهُ لَا يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ ثُبُوتُ الْجَارِّ هُنَا لَا فِي عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ لَا تَفْسِيرَ لِمَا قَدَّرَهُ لِأَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ لَا كَوْنِ الشَّيْءِ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَاهَلَ بِحَذْفِ الْجَارِّ مُرَاعَاةً لِعِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ.
(قَوْلُهُ: لِلْعِلْمِ بِهِ مَعْنًى) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخِطَابَ النَّفْسِيَّ لَا يَكُونُ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا وَصَحِيحًا وَفَاسِدًا وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ذَلِكَ الْخِطَابُ لَا يُقَالُ مَقَامَ التَّعْرِيفِ لَا يَكْفِي فِيهِ الْقَرِينَةُ الْعَقْلِيَّةُ لِأَنَّ قَوْلَ الْمَقَامِ هُنَا لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّعْرِيفِ وَإِنْ فُهِمَ فِي ضِمْنِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّعْرِيفَ الضِّمْنِيَّ لَا يُرَاعَى فِيهِ مَا يُرَاعَى فِي التَّعْرِيفِ الصَّرِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَوَصْفُ النَّفْسِيِّ بِالْوُرُودِ) أَيْ إسْنَادُ الْوُرُودِ إلَيْهِ فَالْوَصْفُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَقَوْلُهُ مَجَازٌ أَيْ عَقْلِيٌّ مِنْ بَابِ الْإِسْنَادِ إلَى السَّبَبِ فَإِنَّ الْخِطَابَ النَّفْسِيَّ الْمَذْكُورَ سَبَبٌ لِوُرُودِ الرَّسُولِ بِمَا ذُكِرَ وَيَصِحُّ جَعْلُ الْمَجَازِ مُرْسَلًا مِنْ إطْلَاقِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ فَإِنَّ مِنْ لَازِمِ الْوُرُودِ بِالشَّيْءِ التَّعَلُّقُ بِهِ فَالْمُرَادُ بِالْوُرُودِ التَّعَلُّقُ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ وَالْقَرِينَةُ اسْتِحَالَةُ الْحَقِيقَةِ.
(قَوْلُهُ: الشَّائِعِ)
وَالشَّيْءُ يَتَنَاوَلُ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرَ فِعْلِهِ كَالزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالزَّوَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَإِتْلَافِ الصَّبِيِّ مَثَلًا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي مَالِهِ وَأَدَاءِ الْوَلِيِّ مِنْهُ (فَوَضْعٌ) أَيْ فَهَذَا الْخِطَابُ يُسَمَّى وَضْعًا وَيُسَمَّى خِطَابَ وَضْعٍ أَيْضًا لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ بِوَضْعِ اللَّهِ أَيْ بِجَعْلِهِ كَمَا يُسَمَّى الْخِطَابُ الْمُقْتَضَى أَوْ الْمُخَيَّرَ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ الْمُتَعَارَفُ كَمَا تَقَدَّمَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا) أَيْ حُدُودَ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَحَدُّ الْإِيجَابِ الْخِطَابُ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ اقْتِضَاءً جَازِمًا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَسَيَأْتِي حُدُودُ السَّبَبِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ
ــ
[حاشية العطار]
نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ شَائِعٌ فِي الْخِطَابِ اللَّفْظِيِّ دُونَ النَّفْسِيِّ (قَوْله وَالشَّيْءُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ أَيْ وَقَوْلُهُ وَاعْتِقَادُهُ أَوْ أَرَادَ بِفِعْلِهِ مَا يَشْمَلُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرُ فِعْلِهِ) تَحْتَهُ شَيْئَانِ مَا لَيْسَ فِعْلًا أَصْلًا وَمَا لَيْسَ فِعْلًا لِلْمُكَلَّفِ بَلْ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فَلِذَا مَثَّلَ الشَّارِحِ بِثَلَاثَةِ أَمْثِلَةٍ.
(قَوْلُهُ: لِوُجُوبِ الضَّمَانِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالضَّمَانِ الْمَضْمُونُ بِهِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الْمُضَافُ لِلضَّمَانِ الثُّبُوتُ لَا الطَّلَبُ الْجَازِمُ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالْوُجُوبِ الْمُقَدَّرِ الْمُضَافِ لِأَدَاءِ الْوَلِيِّ الطَّلَبَ الْجَازِمَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ قَالَهُ النَّاصِرُ قَالَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ جَعْلِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنَيَيْهِ يُذْكَرُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْوُجُوبُ هُنَا ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا صَنَعَهُ مِنْ تَقْدِيرِ الْوُجُوبِ فِي الْمَعْطُوفِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُضَافَ تَسَلَّطَ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ فِي الْمَعْطُوفِ وَأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمَعْطُوفِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَا هُنَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ لَا قَرِيبًا مِنْهُ اهـ.
وَأَقُولُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا فَهِمَهُ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ أَنَّ سَبَبَ قُرْبِهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ تَعَدُّدُ لَفْظِ الْوُجُوبِ الْمَذْكُورِ وَالْمُقَدَّرِ بَلْ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَنَحْوَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدَ مَعْنَيَيْ الْوُجُوبِ هُنَا لُغَوِيٌّ وَالْآخَرُ عُرْفِيٌّ فَلَا اشْتَرَاك حَقِيقَةً وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْمَنْقُولَاتُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ وَبِهَذَا ظَهَرَ دَعْوَى كَوْنِهِ قَرِيبًا مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَفَسَادُ جَعْلِهِ مِنْهُ الْمَبْنِيُّ عَلَى التَّكْلِيفِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ فَقَالَ وَإِنَّمَا قَالَ قَرِيبٌ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ الْمُشْتَرَكِ لِاخْتِلَافِ الْوَضْعَيْنِ إذْ الْوُجُوبُ الْأَوَّلُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالثَّانِي بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ.
(قَوْله لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ بِوَضْعِ اللَّهِ) أَيْ تَعْلِيلٌ لِتَسْمِيَتِهِ بِالْوَضْعِ وَبِخِطَابِ الْوَضْعِ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ فَقَالَ أَخْصَرُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّهُ أَيْ الْخِطَابَ وَضْعُ اللَّهِ أَيْ جَعْلُهُ اهـ.
قَالَ سم لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الْخِطَابِ وَضْعَ اللَّهِ أَيْ جَعْلَهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ وَهُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ قَدِيمَةٌ فَلَيْسَتْ جَعْلًا وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْجَعْلُ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِمُتَعَلَّقِهِ كَوْنُ الشَّيْءِ سَبَبًا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُسَمَّى الْخِطَابُ) الْأَنْسَبُ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِ وَيُسَمَّى خِطَابَ وَضْعٍ.
(قَوْلُهُ: الْمُقْتَضَى أَوْ الْمُخَيَّرُ) الْإِسْنَادُ فِيهِمَا مَجَازِيٌّ إذْ الْمُقْتَضَى وَالْمُخَيَّرُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ الْمُتَعَارَفُ أَيْ مِنْ أَنَّهُ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُلْزَمٌ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ) نَبَّهَ بِتَكْرِيرِ مِنْ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ بِالسُّنَّةِ لِلْوَضْعِ خِطَابُ الْوَضْعِ لَا حُدُودُ أَقْسَامِهِ أَيْضًا وَإِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهَا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ السَّابِقَةَ تَتَضَمَّنُ تَعَارِيفَ أَقْسَامِهِ فَيَكُونُ التَّقْسِيمُ غَيْرَ مَقْصُودٍ أَصَالَةً كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَقَوْلُهُ وَسَيَأْتِي حُدُودُ السَّبَبِ إلَخْ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك مَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا فِي تَقْوِيَةِ اعْتِرَاضِ النَّاصِرِ وَرَدِّ مَا تَمَحَّلُوا بِهِ فِي دَفْعِهِ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي حُدُودُ السَّبَبِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ) فِي إطْلَاقِ الْمُتَعَلِّقِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُنْقَسِمِ إلَى السَّبَبِ وَغَيْرُهُ تَجَوَّزَ حَيْثُ أَطْلَقَ
وَكَذَا حَدُّ الْحَدِّ بِالْجَامِعِ الْمَانِعِ الدَّافِعِ لِلِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ مَا عُرِفَ رُسُومٌ لَا حُدُودٌ لِأَنَّ الْمُمَيَّزَ فِيهَا خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ
ــ
[حاشية العطار]
الْمُتَعَلِّقَ عَلَى مُتَعَلِّقِ الْمُتَعَلِّقِ إذْ الْمُتَعَلِّقُ حَقِيقَةً هُوَ الْكَوْنُ وَفِي قَوْلِهِ وَسَيَأْتِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ حُدُودِ السَّبَبِ وَغَيْرِهِ حُدُودُ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ لِكَوْنِ السَّبَبِ وَغَيْرِهِ مُتَعَلِّقَاتِ تِلْكَ الْأَقْسَامِ فَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِّ السَّبَبِ أَنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ سَبَبًا مَعْنَاهُ جَعْلُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ وَمِنْ حَدِّ الشَّرْطِ أَنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ شَرْطًا مَعْنَاهُ جَعْلُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ وَهَكَذَا.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا حَدُّ الْحَدِّ) الْحَدُّ الْمُضَافُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّعْرِيفِ بِدَلِيلِ تَعَلُّقِ الْجَارِّ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ بِمَعْنَى الْمُعَرَّفِ وَقَوْلُهُ الدَّافِعُ لِلِاعْتِرَاضِ وَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْحَدَّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِمَعْنَى الْمُعَرَّفِ سَوَاءٌ كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ فَلَا يَتَّجِهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ التَّعَارِيفَ الْمَذْكُورَةَ رُسُومٌ لَا حُدُودٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا ثُمَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ رُسُومٌ وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنَّهَا حُدُودٌ اسْمِيَّةٌ وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ حُدُودٌ حَقِيقِيَّةٌ مَمْنُوعٌ كَمَا سَتَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَكَذَا حَدُّ الْحَدِّ إلَى قَوْلِهِ نَعَمْ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَوْنِهَا رُسُومًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ فِيهَا خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ تَعْرِيفَ الْإِيجَابِ بِأَنَّهُ الْخِطَابُ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ اقْتِضَاءً جَازِمًا بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ نَفْسِيٌّ فَهُوَ نَفْسُ الْخِطَابِ فَلَا يَكُونُ خَارِجًا اهـ.
وَبَعْدَ أَنْ قَوَّى هَذَا الِاعْتِرَاضَ سم وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَوَاشِي الْعَضُدِ صَرَّحُوا بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ هُوَ نَفْسُ الْخِطَابِ وَإِنَّمَا أَسُنِدَ إلَى الْخِطَابِ مُبَالَغَةً كَمَا فِي جَدِّ جَدِّهِ وَيُوَافِقُهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّارِحِ نَعَمْ يُخْتَصَرُ فَيُقَالُ الْإِيجَابُ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ الْجَازِمِ إلَخْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاقْتِضَاءُ غَيْرَ الْخِطَابِ لَمْ يَكُنْ هَذَا اخْتِصَارًا لَهُ بَلْ تَمَحُّلٌ فِي الْجَوَابِ بِمَا لَا تَقْبَلُهُ الْأَلْبَابُ فَقَالَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الشَّارِحَ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِنَقْلٍ عَنْهُمْ أَنَّ الْمُمَيِّزَ هُنَا خَارِجٌ أَوْ بِأَنَّهُ أَجَابَ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْمُعْتَرِضِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا حُدُودٌ لَا رُسُومٌ وَأَنَّ الْمُمَيِّزَ فِيهَا ذَاتِيٌّ لَا عَرَضِيٌّ اهـ.
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ دَعْوَى أَنَّ الشَّارِحَ اطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْفَ وَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَأَنَّ سَوَقَ الْعِبَارَةِ يَأْبَى دَعْوَى التَّنَزُّلِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ وَبَعْضُ مَنْ كَتَبَ هُنَا دَفَعَ إشْكَالَ الشِّهَابِ بِحَمْلِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى الطَّلَبِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَلَزِمَ عَلَيْهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لَهُمْ اضْطِرَارَهُ إلَى أَنَّ لِلِاقْتِضَاءِ مَعْنَيَيْنِ وَأَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى الطَّلَبِ.
وَفِي قَوْلِ الشَّارِحِ فِي الِاخْتِصَارِ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادُوهُ وَأَنَّ تَصْرِيحَهُمْ بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ الْخِطَابُ لَمْ يُرِيدُوا بِهِ الْحَصْرَ أَوْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْخِطَابِ وَبَعْدَ أَنْ تَكَلَّفَ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ الْبَعِيدَةَ رَجَعَ آخَرُ إلَى أَنَّ الطَّلَبَ ذَاتِيٌّ أَيْضًا فَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا سِوَى إطَالَةِ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَرَامُ.
وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ سم عَنْ النَّاصِرِ فِي دَرْسِهِ مِنْ أَنَّ انْقِسَامَ التَّعْرِيفِ إلَى الْحَدِّ وَالرَّسْمِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ كَالْإِنْسَانِ وَأَمَّا الْأُمُورُ الْجَعْلِيَّةُ فَهِيَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ يَعْتَبِرُهَا الْعَقْلُ فَإِذَا جَعَلَ لَهَا الْعَقْلُ جِنْسًا وَفَصْلًا وَعَرَّفَهَا بِذَلِكَ فَذَلِكَ حَدٌّ لَهَا وَالْأَجْنَاسُ وَالْفُصُولُ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الْعَقْلُ ذَاتِيَّاتٍ لَهَا فَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ دَاخِلٌ وَخَارِجٌ كَالْأُمُورِ الْحَقِيقِيَّةِ فَسَاقِطٌ جِدًّا بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْمَاهِيَّاتِ قِسْمَانِ مَاهِيَّاتٌ حَقِيقِيَّةٌ كَمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ.
وَمَعْنَى كَوْنِهَا مَاهِيَّاتٍ
نَعَمْ يُخْتَصَرُ فَيُقَالُ الْإِيجَابُ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ الْجَازِمِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ وَسَيَأْتِي حَدُّ الْأَمْرِ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ وَالنَّهْيُ بِاقْتِضَاءِ الْكَفِّ كَمَا يُحَدَّانِ بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ وَلِلْكَفِّ فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَا عَدَا الْإِبَاحَةِ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ
ــ
[حاشية العطار]
حَقِيقَةً أَنَّهَا مُحَقَّقَةُ الْوُجُود خَارِجًا إمَّا بِوُجُودِ أَفْرَادِهَا فِي الْخَارِجِ أَوْ بِوُجُودِهَا نَفْسِهَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُودِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ وَهَذِهِ الْمَاهِيَّاتُ تَعَارِيفُهَا تُكَوِّنُ حُدُودًا وَرُسُومًا فَمَا كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ فَحَدٌّ أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ فَرَسْمٌ وَتُسَمَّى هَذِهِ حُدُودًا وَرُسُومًا حَقِيقِيَّةً.
وَأَمَّا الْمَاهِيَّاتُ الِاعْتِبَارِيَّةُ كَحَقَائِقِ الْأُمُورِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ كَمَا هُنَا فَلَهَا حُدُودٌ وَرُسُومٌ أَيْضًا وَتُسَمَّى حُدُودًا وَرُسُومًا اسْمِيَّةً لِأَنَّهَا بِحَسَبِ الِاسْمِ ثُمَّ إنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى ذَاتِيَّاتِ الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَعَرَضِيَّاتِهَا وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهَا عَسِرٌ جِدًّا وَاصِلٌ إلَى حَدِّ التَّعَذُّرِ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الشَّمْسِيَّةِ عَنْ ابْنِ سِينَا وَذَلِكَ لِاشْتِبَاهِ الْجِنْسِ بِالْعَرَضِ الْعَامِّ وَالْفَصْلِ بِالْخَاصَّةِ.
وَأَمَّا الْمَاهِيَّاتُ الِاعْتِبَارِيَّةُ فَأَمْرُ الْفَرْقِ سَهْلٌ لِأَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ النَّقْلُ عَنْ الْوَاضِعِ فَمَا اعْتَبَرَهُ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ الْمُسَمَّى الَّذِي وُضِعَ لَهُ الِاسْمُ فَذَاتِيٌّ وَمَا لَا فَعَرَضِيٌّ وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي كُتُبِ الْمَنْطِقِ وَالْمَسْأَلَةُ شَهِيرَةٌ فَكَيْفَ خَفِيَ عَلَى الشَّيْخِ الْحَالُ حَتَّى قَالَ مَا قَالَ وَتَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْكَمَالِ الْمُمَيِّزُ لِتَعَلُّقِ الِاقْتِضَاءِ بِالْفِعْلِ وَتَعَلُّقِهِ بِالتَّرْكِ وَتَعَلُّقِ التَّخْيِيرِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَتَفْسِيرُ الْمَاهِيَّةِ بِمَاهِيَّةِ الْحُكْمِ فَغَيْرُ دَافِعٍ لِاعْتِرَاضِ الشِّهَابِ أَيْضًا لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْخِطَابِ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ الْحُكْمِ عِنْدَ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فَلَيْسَ خَارِجًا عَنْ مَاهِيَّتِه.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ يُخْتَصَرُ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ الدَّافِعِ لِلِاعْتِرَاضِ دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِوَجْهٍ فَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ اخْتِصَارُ حُدُودِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فَكَيْف يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ آخِرَ الْكِتَابِ إنَّ اخْتِصَارَهُ مُتَعَذِّرٌ وَرَوْمُ النُّقْصَانِ مِنْهُ مُتَعَذِّرٌ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي) مَقْصُودُهُ بِهَذَا بَيَانُ مُسَاوَاةِ الْمَحْدُودِ هُنَا مِمَّا عَدَا الْإِبَاحَةَ لِلْمَحْدُودِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الْمَعْنَى فَمُسَاوَاةُ التَّعَارِيفِ هُنَا لِلتَّعَارِيفِ بَعْدَ تَوْجِيهِ التَّعْبِيرِ عَنْ الْمَحْدُودِ هُنَا بِالْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى وَفِيمَا بَعْدُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُحَدَّانِ) أَيْ كَمَا يُحَدُّ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ وَالنَّهْيِ بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْكَفِّ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ مُلَاحَظَةُ كُلٍّ عَلَى حِدَتِهِ وَإِفْرَادُهُ بِتَعْرِيفٍ يَخُصُّهُ فِي قَوْلِهِ وَسَيَأْتِي حَدُّ الْأَمْرِ إلَخْ وَحِينَئِذٍ فَالْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ أَعْنِي قَوْلَهُ فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ إلَخْ عَلَى التَّوْزِيعِ أَيْضًا فَيَكُونُ الْمَعْنَى فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَجْمُوعِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَجْمُوعِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالنَّهْيِ وَإِنَّمَا أَجْمَلَ الشَّارِحُ إيثَارَ الِاخْتِصَارِ مَعَ وُضُوحِ الْمُرَادِ.
(قَوْلُهُ: فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا) أَشَارَ بِالْفَاءِ إلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا نَتِيجَةُ مَا قَبْلَهَا مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ وَأَخَوَاتِهِ هُنَا بِالْخِطَابِ الْمُقْتَضِي وَبِالِاقْتِضَاءِ وَحَدِّ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِيمَا يَأْتِي بِالِاقْتِضَاءِ وَحَدِّهِمَا بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخِطَابِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْحَدِّ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْمَحْدُودِ ثُمَّ الْمُنَاسِبُ لِسِيَاقِهِ السَّابِقُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ هُنَا عَلَى التَّوْزِيعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَحْدُودَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِمَجْمُوعِ لَفْظَيْ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ هُوَ عَيْنُ الْمَعْنَى الْمَحْدُودِ الْمُعَبَّر عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالْمَعْنَى الْمَحْدُودُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَجْمُوعِ أَلْفَاظِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى هُوَ عَيْنُ الْمَعْنَى الْمَحْدُودِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِلَفْظِ النَّهْيِ وَاعْتَرَضَ النَّاصِرُ