الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ) :
وَبِهِ ظَاهِرٌ فِي الْأَمْرِ
ــ
[حاشية العطار]
الْحَرْبِيَّ يَضْمَنُ مُتْلِفَهُ وَمُجْنِيَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَفِي شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ وَنَقَلُوا وَجْهَيْنِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ دَخَلَ الْكَافِرُ الْحَرَمَ وَقَتَلَ صَيْدًا هَلْ يَضْمَنُهُ؟ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ اهـ.
فَلْيُتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يُفْهِمُ قُوَّةُ كَلَامِ الْفُرُوعِ عَدَمَ ضَمَانِ الْحَرْبِيِّ وَلَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ]
(قَوْلُهُ: لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ) أَيْ كَمَا عُلِمَ مِنْ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ لَا الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَهُوَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا هُوَ بِالْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّكَالِيفِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَحْصِيلِهِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَأَوْرَدَ سم أَنَّ مَا هُنَا مُنَافٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ تَجْوِيزِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ نَفْيُ الْجَوَازِ أَيْ لَا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِالْفِعْلِ نَافَى جَوَازَ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، وَإِنْ أُرِيدَ لَا يَصِحُّ نَافَى قَوْلَهُمْ وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ بِالْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ اتِّفَاقًا عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ مَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِامْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَارِيَةً عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا يَأْتِي مِنْ النُّقُولِ وَنِسْبَتِهِ لِأَهْلِ الصَّحِيحِ مَعَ لُزُومِ التَّلْفِيقِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
فَالْأَوْلَى أَنَّنَا نَخْتَارُ الشِّقَّ الثَّانِيَ وَالْمُمْتَنِعُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ فِعْلًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَا وُرُودَ لَهُ أَصْلًا نَعَمْ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ اتَّجَهَ مَا أَوْرَدَهُ وَمَا أَوْرَدَهُ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ الِاعْتِقَادَاتِ مُكَلَّفٌ بِهَا بِاعْتِبَارِ أَنْفُسِهَا لَا بِاعْتِبَارِ أَسْبَابِهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَهِيَ مِنْ قَبِيلِ الْكَيْفِ مُتَّجَهٌ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ نَفْسَهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ، وَمَا أَجَابَ بِهِ سم بِأَنَّ مِنْ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ لَا يُوَافِقُ عَلَى التَّصْحِيحِ الْمَذْكُورِ بَلْ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ نَقْلًا عَنْ التَّفْتَازَانِيِّ مِنْ أَنَّ الْقَصْدَ بِطَلَبِ الْمُسَبَّبَاتِ الْأَسْبَابُ اهـ.
لَا يُلَاقِي اعْتِرَاضَ النَّاصِرِ، فَإِنَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ لِلنَّفْسِ الِاعْتِقَادُ إلَّا بِالنَّظَرِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: إنَّ التَّكْلِيفَ بِالنَّظَرِ الْمُوجِبِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ عَنْهُ فَالْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ، وَإِنْ تَعَلَّقَ فِي الظَّاهِرِ بِالْمُسَبَّبِ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ بِالتَّأْوِيلِ إلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمُسَبِّبِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَالْأَحْسَنُ الْمَصِيرُ إلَى مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ السَّيَالَكُوتِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْخَيَالِيِّ عَنْ الْمَوْلَى سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي رِسَالَةٍ مُؤَلَّفَةٍ فِي الْإِيمَانِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمَأْمُورِ اخْتِيَارِيًّا وَمَقْدُورًا أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي نَفْسِهِ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ عَلَى مَا سَبَقَ إلَى بَعْضِ الْأَوْهَامِ بَلْ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُكَلَّفُ بِتَحْصِيلِهِ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْأَوْضَاعِ وَالْهَيْئَاتِ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ أَوْ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ كَالْعِلْمِ وَالنَّظَرِ أَوْ الِانْفِعَالَاتِ كَالتَّسَخُّنِ وَالتَّبَرُّدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا نَظَرْت لِكَثِيرِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَجَدْته بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ اسْمٌ لِلْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي يَكُونُ الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ وَالْأَلْفَاظُ وَالْحُرُوفُ مِنْ أَجْزَائِهَا وَلَا يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ كَسْبِهَا وَأَجْزَائِهَا وَمَعَ هَذَا لَا يَكُونُ الْوَاجِبُ الْمَقْدُورُ الْمُثَابُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ إلَّا نَفْسُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ، وَإِذَا تَأَمَّلْت فَرَأْسُ الطَّاعَاتِ وَأَسَاسُ الْعِبَادَاتِ الْإِيمَانُ الْمُفَسَّرُ بِالتَّصْدِيقِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ دُونَ الْفِعْلِ وَمَعْنَى كَوْنِ الْإِيمَانِ مِنْ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ، وَأَوْرَدَ أَيْضًا عَدَمَ شُمُولِ أَمْرِ النَّدْبِ وَنَهْيِ الْكَرَاهَةِ وَالتَّخْيِيرِ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّكْلِيفِ لَا يَشْمَلُهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ فِيهَا عَلَى الْمُقَايَسَةِ وَالْعِلْمِ مِنْ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ السَّابِقِ.
(قَوْلُهُ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْأَمْرِ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي نَحْوِ اُتْرُكْ وَدَعْ وَذَرْ وَأَجَابَ سم بِجَوَابَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ الظُّهُورُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ بِنَاءٌ عَلَى الْغَالِبِ وَاقِعٌ حَتَّى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ الظُّهُورُ فِي غَيْرِ مَا يَكُونُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ بِقَرِينَةِ الْمَتْنِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي فِي شَرْحِ حَدِّ الْأَمْرِ بِأَنَّهُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِ كَفٍّ مَا نَصُّهُ وَسُمِّيَ مَدْلُولُ كَفٍّ أَمْرًا؛ لِأَنَّهُمَا مُوَافِقَةٌ لِلدَّالِ
لِأَنَّهُ مُقْتَضٍ لِلْفِعْلِ وَأَمَّا فِي النَّهْيِ الْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (فَالْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ) أَيْ الِانْتِهَاءُ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وِفَاقًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ) أَيْ وَالِدِهِ وَذَلِكَ فِعْلٌ
ــ
[حاشية العطار]
فِي اسْمِهِ، فَإِنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِمُوَافَقَتِهِ فِي الْمَعْنَى لِلنَّهْيِ فَيُوَجَّهُ هَذَا الْقِسْمُ هُنَا بِمَا يُوَجَّهُ بِهِ النَّهْيُ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي النَّهْيِ) أَيْ، وَأَمَّا الْفِعْلُ فِي النَّهْيِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: الْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ، التَّرْكُ لُغَةً عَدَمُ فِعْلِ الْمُقَدَّرِ) سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ قَصْدٌ مِنْ التَّارِكِ أَمْ لَا كَمَا فِي حَالِ الْغَفْلَةِ وَالنَّوْمِ وَسَوَاءٌ تَعَرَّضَ لِضِدِّهِ أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ، وَأَمَّا عَدَمُ مَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ فَلَا يُسَمَّى تَرْكًا، وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ: تَرَكَ فُلَانٌ خَلْقَ الْأَجْسَامِ نَقَلَهُ فِي الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ وَذَكَرَ لَهُ مَعَانٍ أُخَرَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الِانْتِهَاءُ) لَا يُقَالُ: الِانْتِهَاءُ الِانْكِفَافُ وَهُوَ أَثَرُ الْكَفِّ لَا نَفْسُ الْكَفِّ فَلَا يَحْسُنُ تَفْسِيرُهُ بِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: الِانْتِهَاءُ أَثَرُ النَّهْيِ لَا أَثَرُ الْكَفِّ يُقَالُ: نَهَاهُ فَانْتَهَى وَمَنْ نُهِيَ عَنْ شَيْءٍ فَكَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ فَقَدْ انْتَهَى بِذَلِكَ النَّهْيِ فَظَهَرَ أَنَّ الْكَفَّ هُوَ الِانْتِهَاءُ اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وِفَاقًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ) حَيْثُ قَالَ: الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ الِانْتِهَاءُ وَيَلْزَمُ مِنْ الِانْتِهَاءِ فِعْلُ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلَا يَنْعَكِسُ فَيُقَالُ الْمَطْلُوبُ فِعْلُ الضِّدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الِانْتِهَاءُ؛ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ مُتَقَدِّمٌ فِي الرُّتْبَةِ فِي التَّعَقُّلِ عَلَى فِعْلِ الضِّدِّ، وَإِنْ قَارَنَهُ فِي الزَّمَنِ فَهُوَ مَعَهُ كَالسَّبَبِ مَعَ الْمُسَبَّبِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الِانْتِهَاءَ يَحْصُلُ بِدُونِ فِعْلِ الضِّدِّ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ وَلَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى فِعْلِ الضِّدِّ لَكِنْ ذَلِكَ فَرْضٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَالْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ هُوَ الِانْتِهَاءُ.
وَأَمَّا فِعْلُ الضِّدِّ فَلَا يُقْصَدُ إلَّا بِالِالْتِزَامِ بَلْ لَا يُقْصَدُ أَصْلًا وَلَا يَسْتَحْضِرُهُ الْمُتَكَلِّمُ وَمَتَى قَصَدَ فِعْلَ الضِّدِّ بِالذَّاتِ وَطَلَبَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَانَ أَمْرًا لَا نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ فَقَوْلُ الْقَرَافِيِّ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ الْتِزَامًا صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ: الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ فِعْلُ الضِّدِّ مُطَابَقَةً لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ اهـ. مِنْ سم.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ فِعْلٌ) فِيهِ أَنَّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الِاعْتِبَارِيَّةِ الَّتِي لَا تَحَقُّقَ لَهَا فِي الْخَارِجِ فَيَكُونُ عَدَمِيًّا فَكَيْفَ كُلِّفَ بِهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، هَذَا مُحَصِّلُ مَا فِي سم وَجَوَابُ بَعْضٍ بِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ، وَإِنْ كَانَ اعْتِبَارِيًّا فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ مِنْ الْعَدَمِ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى التَّكْلِيفِ بِهِ مِنْهُ سَفْسَطَةٌ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارِيَّاتِ لَا يُعْقَلُ فِيهَا تَفَاوُتٌ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ نَعَمْ هِيَ قِسْمَانِ اعْتِبَارِيَّاتٌ اخْتِرَاعِيَّةٌ وَاعْتِبَارِيَّاتٌ انْتِزَاعِيَّةٌ وَإِلَّا تَتَفَاوَتُ فِي نَوْعِهَا
يَحْصُلُ بِفِعْلِ الضِّدِّ لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَقِيلَ) هُوَ (فِعْلُ الضِّدِّ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ.
(وَقَالَ قَوْمٌ) مِنْهُمْ أَبُو هَاشِمٍ هُوَ غَيْرُ فِعْلٍ، وَهُوَ (الِانْتِفَاءُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَذَلِكَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ
ــ
[حاشية العطار]
فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِمَنْعِ أَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ بَلْ هُوَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ وَالْأَفْعَالُ النَّفْسِيَّةُ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ كَمَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ كَيْفَ وَجَمِيعُ الِاعْتِقَادَاتِ مُكَلَّفٌ بِهَا وَهِيَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
(قَوْلُهُ: يَحْصُلُ بِفِعْلِ الضِّدِّ) قَدْ يَخْفَى الْمُرَادُ بِحُصُولِهِ بِفِعْلِ الضِّدِّ، فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا إذَا تَرَكَ الشُّرْبَ وَسَائِرَ الْأَفْعَالِ كَالْأَكْلِ وَشُرْبِ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ضِدٌّ لِشُرْبِ الْخَمْرِ فَعَلَهُ حَتَّى حَصَلَ لَهُ الِانْتِهَاءُ عَنْ شُرْبِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ هُنَا إلَّا انْتِفَاءُ الشُّرْبِ وَلَمْ يُوجَدْ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ مُضَادٌّ يَتَحَقَّقُ حُصُولُ الِانْتِهَاءِ بِفِعْلِ الضِّدِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالضِّدِّ مَا يَشْمَلُ النَّقِيضَ الَّذِي هُوَ النَّفْيُ انْتَهَى كَذَا فِي سم وَفِيهِ أَنَّ النَّقِيضُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ لَا يُكَلَّفُ بِهِ بَلْ الْجَوَابُ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ حَرَكَةٌ وَتَرْكُهُ عَدَمُ تِلْكَ الْحَرَكَةِ فَإِذَا لَمْ يَتَعَاطَ شَيْئًا أَصْلًا فَقَدْ سَكَنَ وَحِينَئِذٍ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الضِّدَّ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي فِيهِ أَيْ السُّكُونِ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ انْتِفَاءُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُهُ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ بِأَنْ لَا يَشَاءَ فِعْلَ الَّذِي يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ ذَلِكَ، دَلِيلُ الْأَصْحَابِ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ أَبِي هَاشِمٍ وَمُوَافِقِيهِ تَقْرِيرُ الدَّلِيلِ لَوْ كَانَ الْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ انْتِفَاءَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَكَانَ مُسْتَدْعَى حُصُولِهِ مِنْ الْمُكَلَّفِ مُتَصَوِّرًا وُقُوعَهُ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَدَمٌ وَالْعَدَمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَتَقْدِيرُ الْجَوَابِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَدَمَ غَيْرُ مَقْدُورٍ كَيْفَ وَنِسْبَةُ الْقُدْرَةِ إلَى الطَّرَفَيْنِ سَوَاءٌ وَنَحْنُ نُفَسِّرُ الْقَادِرَ بِأَنَّهُ إنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَا نَقُولُ: وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَفْسِيرَ الْقَادِرِ بِمَا ذَكَرَ وَكَوْنُهُ لَمْ يَشَأْ فَلَمْ يَفْعَلْ لَا يُوجِبُ كَوْنَ اسْتِمْرَارِ
بِأَنْ لَا يَشَاءَ فِعْلَهُ الَّذِي يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا قِيلَ: لَا تَتَحَرَّكُ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ عَلَى الْأَوَّلِ الِانْتِهَاءُ عَنْ التَّحَرُّكِ الْحَاصِلِ بِفِعْلِ ضِدِّهِ مِنْ السُّكُونِ وَعَلَى الثَّانِي فِعْلُ ضِدِّهِ وَعَلَى الثَّالِثِ انْتِفَاؤُهُ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُهُ مِنْ السُّكُونِ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ عَلَى الْجَمِيعِ (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ) فِي الْإِتْيَانِ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ
ــ
[حاشية العطار]
الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ أَثَرًا لِقُدْرَتِهِ لِيَكُونَ مُمْتَثِلًا لِلنَّهْيِ إنَّمَا مَقْدُورُهُ التَّرْكُ الَّذِي مَعَهُ يَسْتَمِرُّ الْعَدَمُ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ نِسْبَةُ عَدَمِ الْفِعْلِ لَا عَدَمُ نِسْبَةِ الْفِعْلِ، وَإِنْ عَبَّرَ بِهَذَا تَسَاهُلًا عَنْهُ اهـ كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ لَا فِي تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ تَابِعٌ لِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ فَالْبَاءُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لِلسَّبَبِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ سَبَبِيَّةِ الْفَاعِلِ أَوْ مَشِيئَتِهِ.
(قَوْلُهُ: الْحَاصِلُ) بِالرَّفْعِ نَعْتٌ لِلِانْتِهَاءِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُهُ) غَيْرُ لَازِمٍ إذْ لَا يَظْهَرُ هَذَا إلَّا إذَا خُوطِبَ وَهُوَ سَاكِنٌ إذْ مَنْ خُوطِبَ وَهُوَ مُتَحَرِّكٌ مَطْلُوبٌ بِتَجَدُّدِ الْعَدَمِ كَذَا أَوْرَدَ النَّاصِرُ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ مُعْتَادَ الشَّارِحِ تَبَعًا لِشَيْخَيْ مَذْهَبِهِ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ اسْتِعْمَالُ بِأَنْ بِمَعْنَى كَافِ التَّمْثِيلِ، وَهَذَا مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ سم نَحْوَهُ وَهُوَ جَوَابٌ هَيِّنٌ.
(قَوْلُهُ: مِنْ السُّكُونِ) لَيْسَتْ مِنْ بَيَانِهِ وَإِلَّا لَاتَّحَدَ هَذَا الْقَوْلُ بِالثَّانِي وَلَا تَعْلِيلِيَّةٌ وَإِلَّا لَاتَّحَدَ بِالْأَوَّلِ بَلْ هِيَ ابْتِدَائِيَّةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ عَدَمَ الْفِعْلِ نَاشِئٌ مِنْ السُّكُونِ لَا نَفْسِهِ وَلَا حَاصِلَ بِهِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: فِيهِ يَخْرُجُ) أَيْ بِالسُّكُونِ لَا يُقَالُ: إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ عَنْ الْأَوَّلِ بِالْكَفِّ الَّذِي يَحْصُلُ بِالسُّكُونِ بَعْدَ الدَّاعِيَةِ لَا بِالسُّكُونِ نَفْسِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يُتَّجَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ فَالْكَفُّ خَفِيٌّ لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ وَالصَّالِحُ لِإِنَاطَةِ الْخُرُوجِ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ هُوَ السُّكُونُ لِظُهُورِهِ اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُشْتَرَطُ) قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: هَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ مَحْكِيٌّ فِي الْمُسْوَدَّةِ الْأُصُولِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ الِانْتِهَاءُ مَشْرُوطًا بِقَصْدِ التَّرْكِ امْتِثَالًا وَاَلَّذِي حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ شَيْخُ الْبِرْمَاوِيِّ عَنْ الْمُسْوَدَّةِ مَا نَصُّهُ وَقِيلَ: إنْ قَصَدَ الْكَفَّ مَعَ التَّمَكُّنِ أُثِيبَ وَإِلَّا فَلَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ اهـ.
نَقَلَهُ الْكَمَالُ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ اعْتِرَافَ الْكُورَانِيِّ بِقَوْلِهِ: لَا وَجْهَ لَا يُرَادِ الْمُصَنِّفِ هَذَا؛ لِأَنَّ
مَعَ الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (قَصَدَ التَّرْكَ) لَهُ امْتِثَالًا فَيَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ وَالْأَصَحُّ (لَا) وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ الْمَشْهُورِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَالْأَمْرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ) لَهُ (بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ إلْزَامًا وَقَبْلَهُ إعْلَامًا وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْجُمْهُورِ قَالُوا (يَسْتَمِرُّ) تَعَلُّقُهُ الْإِلْزَامِيُّ بِهِ (حَالَ الْمُبَاشَرَةِ) لَهُ (وَ) قَالَ (إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يَنْقَطِعُ) التَّعَلُّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَلَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ
ــ
[حاشية العطار]
الْكَلَامَ فِي الْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ وَاشْتِرَاطَ الْقَصْدِ إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ مُتَّجِهٌ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ فَقَوْلُ سم إنَّ قَصْدَ التَّرْكِ امْتِثَالًا عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ وَإِنَّ اعْتِرَاضَ الْكُورَانِيِّ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ مُرَادِ فَهْمِ هَذَا الْقَائِلِ تَحَامُلٌ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: مَعَ الِانْتِهَاءِ) اعْتَرَضَهُ الْكَمَالُ بِأَنَّ فِيهِ إيهَامَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الِانْتِهَاءِ وَالْقَصْدِ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ فَلْيَكُنْ قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ بِمَعْنَى لَا بُدَّ لِيَصِيرَ الْمَعْنَى وَقِيلَ: لَا بُدَّ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ مَعَ الِانْتِهَاءِ إلَخْ، وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ " مَعَ " تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْبُوعِ فَلَا تَقْتَضِي كَوْنَ الْقَصْدِ مَشْرُوطًا مُصَاحَبَتُهُ لِلِانْتِهَاءِ أَنَّ الِانْتِهَاءَ شَرْطٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ التَّرْكِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النِّيَّةَ الْقَصْدُ، وَالْأَعْمَالُ جَمْعُ عَمَلٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُقَابِلِ لِلتَّرْكِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْأَعْمَالِ أَوْ لِاعْتِبَارِهَا فَكَانَتْ التُّرُوكُ عَلَى الْأَصْلِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لَهَا اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ) تَعْبِيرُ غَيْرِهِ بِالتَّكْلِيفِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْأَمْرِ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعَلُّقَيْنِ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ التَّعَلُّقِ الْإِعْلَامِيِّ اعْتِقَادُ وُجُوبِ إيجَادِ الْفِعْلِ كَأَنَّهُ قِيلَ لِلْمُكَلَّفِ: افْعَلْ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ، فَإِنَّ هَذَا الْفِعْلَ وَاجِبٌ إذَا دَخَلَ وَقْتُهُ وَمِنْ الِالْتِزَامِيِّ الِامْتِثَالُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِكُلٍّ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْإِيجَادِ فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَالتَّعَلُّقِ الْإِعْلَامِيِّ تَغَايُرُ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَالتَّعَلُّقِ الْإِعْلَامِيِّ وَإِنَّ الْمَعْنَوِيَّ أَزَلِيٌّ وَالْإِعْلَامِيَّ حَادِثٌ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ التَّعَلُّقَاتُ ثَلَاثَةً: تَنْجِيزِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ وَإِعْلَامِيٌّ، وَأَمَّا الِالْتِزَامِيُّ: فَهُوَ التَّنْجِيزِيُّ.
وَقَدْ يُقَالُ: وُجُوبُ الْإِعْلَامِيِّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ بَلْ يَكْفِي دُخُولُهُ فِي الْأَمْرِ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الْأَمْرَ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ الْأَمْرُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ وُجُودُ النَّوْعِ بِدُونِ جِنْسِهِ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْكَلَامُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ الَّذِي يَئُولُ إلَى كَوْنِهِ أَمْرًا بِالْفِعْلِ وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ فَلَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ سم مِنْ التَّكَلُّفَاتِ.
(قَوْلُهُ: إلْزَامًا) قَاصِرٌ عَلَى أَمْرِ الْإِيجَابِ وَيُعْلَمُ أَمْرَ النَّدْبِ الْمُؤَقَّتِ بِالْمُقَايَسَةِ وَهُوَ وَإِعْلَامًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ الْحَالِ بِتَقْدِيرِ ذَا أَوْ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ أَيْ تَعَلُّقُ إعْلَامٍ وَإِلْزَامٍ.
(قَوْلُهُ: بِهِ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَالْجَارِّ مُتَعَلِّقٌ بِتَعَلُّقٍ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ وَصْفُ الْمَصْدَرِ قَبْلَ عَمَلِهِ لَكِنَّهُ مُغْتَفَرٌ فِي الظُّرُوفِ وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِالْإِلْزَامِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَخْ) مُقَابِلُ الْأَكْثَرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَلْزَمُ) تَقْرِيرُ الدَّلِيلِ هَكَذَا لَوْ اسْتَمَرَّ التَّعَلُّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا فَائِدَةَ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ كَالصَّلَاةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ لِانْتِفَائِهِ بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْهُ.
(وَقَالَ قَوْمٌ) مِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيّ (لَا يَتَوَجَّهُ) الْأَمْرُ بِأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ إلْزَامًا (إلَّا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ) لَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (، وَهُوَ التَّحْقِيقُ) إذْ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ إلَّا حِينَئِذٍ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَدَمُ الْعِصْيَانِ بِتَرْكِهِ فَجَوَابُهُ قَوْلُهُ (فَالْمَلَامُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ اللَّوْمُ وَالذَّمُّ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ بِأَنَّ تَرْكَ الْفِعْلِ
ــ
[حاشية العطار]
إلَخْ) مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ مَحْذُورٌ وَاحِدٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَحْذُورٌ آخَرُ.
(قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَطْلُوبَ ذُو أَجْزَاءٍ، وَالْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ وَبِأَجْزَائِهِ ثَانِيًا وَبِالْعَرَضِ وَالتَّعَلُّقُ بِهِ لَا يَنْقَطِعُ مَا لَمْ يَحْصُلْ الْفِعْلُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ حُصُولِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْفِعْلُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لَمْ يَحْصُلْ لِبَقَاءِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ فَالْمُلَازَمَةُ فِي قَوْلِهِمْ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مَمْنُوعَةٌ هَذَا إذَا نَظَرْنَا لِمَجْمُوعِ الْأَجْزَاءِ، فَإِنْ نَظَرْنَا لِكُلِّ جُزْءٍ جُزْءٍ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ وَإِنْ كَانَ حَصَلَ حِسًّا لَمْ يَحْصُلْ شَرْعًا؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ الشَّرْعِيَّ الْمُعْتَبَرَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ الْأَجْزَاءِ كُلِّهَا.
وَأُجِيبَ أَيْضًا بِالتَّرْدِيدِ بَيْنَ مَنْعِ الْمُلَازَمَةِ عَلَى تَقْدِيرٍ وَبُطْلَانِ اللَّازِمِ عَلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ؛ لِأَنَّكُمْ إنْ أَرَدْتُمْ تَحْصِيلَ حَاصِلٍ بِحُصُولٍ سَابِقٍ عَلَى الطَّلَبِ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ تَحْصِيلَهُ بِحُصُولٍ مُقَارِنٍ لِلطَّلَبِ فَهُوَ غَيْرُ مُحَالٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ التَّحْصِيلَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْحَاصِلُ مَازَالَ مَطْلُوبًا وَالْفَائِدَةُ وَصْفُ ذَلِكَ التَّحْصِيلِ بِالْوُجُوبِ فَعُلِمَ أَنَّهُ فِي هَذَا الْجَوَابِ أَيْضًا تَعَرَّضَ لِإِثْبَاتِ الْفَائِدَةِ الَّتِي نَفَوْهَا وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَيَّنِ كَافٍ فِي الرَّدِّ فَسُلُوكُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَحْتَاجُ لِطَلَبٍ مُرَجَّحٍ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الْفَاعِلِ مُرَجَّحَةٌ كَمَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ فَسَقَطَ مَا أَطَالَ بِهِ سم.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ قَوْمٌ إلَخْ) مُقَابِلُ الْجُمْهُورِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَتَعَلَّقَ) تَصْوِيرٌ لِلتَّوْجِيهِ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ) إنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ لِمَا يَأْتِي أَوْ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَا قُدْرَةَ) ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الْعَرَضُ الْمُقَارِنُ لِلْفِعْلِ فَقَبْلُهُ لَا قُدْرَةَ؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ عِنْدَهُمْ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَلَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ قَبْلَهَا وَقَالَ الْجُمْهُورُ الَّذِي يَعْتَرِضُهُ التَّكْلِيفُ هُوَ الِاسْتِطَاعَةُ بِمَعْنَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لَا الْقُدْرَةِ بِمَعْنَى الْعَرَضِ الْمُقَارِنِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ) اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: إنَّهُ يَلْزَمُ إلَخْ) لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الْإِلْزَامِ إلَيْهِ، وَأَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْقُدْرَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ وَمُتَابِعِيهِ يَلْزَمُ أَنَّ الْقَاعِدَ بَعْدَ دُخُولِ الْقُوتِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا اتِّفَاقًا وَلِأَنَّ مَفْهُومَ الْأَمْرِ وَهُوَ الطَّلَبُ يَسْتَدْعِي تَحْصِيلَ الْمَطْلُوبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَالتَّكْلِيفُ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ سَابِقٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لُزُومُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَبْنَى هَذَا الْخِلَافِ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ الْعَرَضَ هَلْ يَبْقَى زَمَانَيْنِ أَمْ لَا فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ جَوَازُ اسْتِمْرَارِ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي نَفَاهُ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ سَفْسَطَةٌ احْتَاجَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ عِلَّةَ احْتِيَاجِ الْعَالِمِ إلَى الصَّانِعِ الْحُدُوثُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْحُدُوثِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ يَلْزَمُ اسْتِغْنَاءُ الْعَالَمِ عَنْ الصَّانِعِ فَاضْطَرَّ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ لِتَسْتَمِرَّ الْحَاجَةُ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ الْإِمْكَانُ كَمَا عَلَيْهِ الْحُكَمَاءُ وَطَائِفَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُتَكَلِّمِينَ لَمْ يَضْطَرُّوا إلَى ذَلِكَ الْإِمْكَانِ وَصْفٌ قَائِمٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي حَوَاشِينَا الْكُبْرَى عَلَى الْمَقُولَاتِ.
(قَوْلُهُ: فَالْمَلَامُ) أَيْ فَالْعِصْيَانُ إنَّمَا هُوَ بِارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا بِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَإِنْ حَصَلَ النَّهْيُ بِالْأَمْرِ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ إلَخْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهُوَ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الْفِعْلِ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهِ، فَمَا لَمْ