المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[تعريف المندوب والمستحب والتطوع والسنة] - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - جـ ١

[حسن العطار]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدَّمَة الْكِتَاب]

- ‌[الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[تَعْرِيفِ الْأُصُولِيّ]

- ‌ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ

- ‌[تَعْرِيف الْفَرْض وَالْوَاجِب]

- ‌[تَعْرِيفِ الْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ]

- ‌[تَعْرِيفِ السَّبَب]

- ‌[تَعْرِيفِ الْقَضَاء]

- ‌[تَعْرِيفِ الدَّلِيلُ]

- ‌[تَعْرِيف الْعِلْم]

- ‌[تَعْرِيف الْجَهْل]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَائِزُ التَّرْكِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ يُوجِبُ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ]

- ‌[فَرْضِ الْكِفَايَةِ مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ جَوَازًا وَقْتَ الْأَدَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الَّذِي لَا يُوجَدُ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ]

- ‌(مَسْأَلَةُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ) بِمَا بَعْضُ جُزْئِيَّاتِهِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ

- ‌(مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ مُطْلَقًا) :

- ‌[مَسْأَلَةُ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَشْرُوطِهِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ) :

- ‌(مَسْأَلَةٌ: يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وَيُوجَدُ مَعْلُومًا لِلْمَأْمُورِ آثَرَهُ) :

- ‌(خَاتِمَةٌ الْحُكْمُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرَيْنِ)

- ‌(الْكِتَابُ الْأَوَّلُ) :فِي الْكِتَابِ وَمَبَاحِثِ الْأَقْوَالِ

- ‌(الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ)

- ‌(مَسْأَلَةُ الْمَفَاهِيمِ) الْمُخَالَفَةُ (إلَّا اللَّقَبَ حُجَّةً لُغَةً)

- ‌(مَسْأَلَةُ الْغَايَةِ قِيلَ مَنْطُوقٌ) أَيْ بِالْإِشَارَةِ

- ‌[مَسْأَلَةُ إنَّمَا بِالْكَسْرِ قَالَ الْآمِدِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ لَا تُفِيدُ الْحَصْرَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَلْطَافِ حُدُوثُ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَالْجُمْهُورُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ) :

- ‌[مَسْأَلَةٌ ثْبُوت اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[وَمَسْأَلَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إنْ اتَّحِدَا]

- ‌(مَسْأَلَةٌ: الِاشْتِقَاقُ) مِنْ حَيْثُ قِيَامُهُ بِالْفِعْلِ:

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُتَرَادِفِ وَاقِعٌ خِلَافًا لِثَعْلَبَ وَابْنِ فَارِسٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الْمُتَعَدِّدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكِ يَصِحُّ لُغَةً إطْلَاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ]

- ‌(الْحَقِيقَةُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ) لَهُ ابْتِدَاءً

- ‌الْمَجَازُ)

- ‌(مَسْأَلَةُ الْمُعَرَّبُ

- ‌[مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى إمَّا حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْكِنَايَةُ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ مُرَادًا مِنْهُ لَازِمُ الْمَعْنَى]

- ‌(الْحُرُوفُ)

- ‌(الْأَمْرُ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ مِنْ الْكَلَامِ اخْتَلَفُوا هَلْ لِلْأَمْرِ النَّفْسِيِّ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ لِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ]

- ‌[الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مُؤَقَّتٍ يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ النَّفْسِيُّ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ إيجَابًا أَوْ نَدْبًا نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الْوُجُودِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَانِ غَيْرَ مُتَعَاقِبَيْنِ أَوْ بِغَيْرِ مُتَمَاثِلَيْنِ غَيْرَانِ]

- ‌(النَّهْيُ)

- ‌(الْعَامِّ)

الفصل: ‌[تعريف المندوب والمستحب والتطوع والسنة]

لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّسْمِيَةِ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا.

(وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ مُتَرَادِفَةٌ) أَيْ أَسْمَاءٌ لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ كَمَا عُلِمَ مِنْ حَدِّ النَّدْبِ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ (خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابَنَا) أَيْ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ فِي تَفْهِيمِ تَرَادُفِهَا حَيْثُ قَالُوا هَذَا الْفِعْلُ إنْ وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ السُّنَّةُ أَوْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ كَأَنْ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ

ــ

[حاشية العطار]

صَحِيحَةً الَّذِي هُوَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ خِطَابِ الْوَضْعِ مِنْ الْفِقْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ أَيْ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ صَحِيحُ لِأَنَّ الْفِقْهَ بَاحِثٌ عَنْ الْخِطَابَيْنِ التَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيِّ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ تَحِلُّ وَتَحْرُمُ وَتَصِحُّ وَتَفْسُدُ.

(قَوْلُهُ: لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّسْمِيَةِ) قَالَ النَّاصِرُ الْمُتَبَادِرُ أَنْ يُقَالَ لَا مَدْخَلَ لِلتَّسْمِيَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ الْمُجْتَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْفِقْهِيِّ لَا عَنْ التَّسْمِيَةِ فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ مَدْخَلِيَّةِ التَّسْمِيَةِ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ إذْ لَوْ كَانَ لَهَا مَدْخَلٌ فِيهِ كَانَ النِّزَاعُ فِيهَا نِزَاعًا فِيهِ فَيَكُونُ الْخِلَافُ مَعْنَوِيًّا وَلَعَلَّ وَجْهَ مَا عَبَّرَ بِهِ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِعَدَمِ الْفَسَادِ مَدْخَلِيَّةُ التَّسْمِيَةِ كَانَ النِّزَاعُ فِيهَا فَرْعَ النِّزَاعِ فِيهِ فَيَكُونُ الْخِلَافُ مَعْنَوِيًّا وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ ظَنِّيَّةَ الدَّلِيلِ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلتَّسْمِيَةِ بِالْوَاجِبِ أَيْ السَّاقِطِ وَلِعَدَمِ الْفَسَادِ بِالتَّرْكِ وَكَانَتْ قَطْعِيَّةُ الدَّلِيلِ سَبَبًا لِضِدِّ ذَلِكَ كَانَ لِعَدَمِ الْفَسَادِ مَدْخَلٌ فِي التَّسْمِيَةِ بِاعْتِبَارِ سَبَبِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَعْتَبِرْ السَّبَبَ.

[تَعْرِيفِ الْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ]

(قَوْلُهُ: وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ) وَمِثْلُهُ الْحَسَنُ وَالنَّفَلُ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ (قَوْله مُتَرَادِفَةٌ) أَيْ اصْطِلَاحًا لُغَةً نَظِيرَ مَا مَرَّ.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ.

(قَوْلُهُ: كَمَا عُلِمَ) أَيْ عَلَى مَا عُلِمَ أَيْ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ لَا بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُسَمًّى بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ.

(قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ) كَالْبَغَوِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَالْخُوَارِزْمِي فِي الْكَافِي وَالْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ قَالُوا) ظَرْفٌ لِنَفْيِهِمْ وَالْحَيْثِيَّةُ تَعْلِيلِيَّةٌ.

(قَوْلُهُ: هَذَا الْفِعْلُ) أَيْ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ ظُلْمًا غَيْرُ جَازِمٍ الَّذِي هُوَ كُلِّيٌّ وَفَائِدَةُ الْإِشَارَةِ بَيَانُ أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ لَا فِي مُطْلَقِ الْفِعْلِ وَلَيْسَتْ الْإِشَارَةُ لِلْفِعْلِ الْجُزْئِيِّ كَمَا تُوهِمُهُ الْإِشَارَةُ إذْ الْجُزْئِيُّ الْحَقِيقِيُّ لَا تُتَصَوَّرُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ وَلَا فِعْلُهُ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ مَتَى فَعَلَهُ مَرَّةً انْقَضَى فَالْمُعَادُ لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ بَلْ فِعْلٌ مُمَاثِلٌ لَهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ لَا يَدُومُ وَقَدْ يُقَالُ هَذَا تَدْقِيقٌ فَلْسَفِيٌّ وَالْعُرْفُ الْعَامُّ لَا يَلْتَفِتُ لِمِثْلِهِ فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الشَّرْحِ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ إذَا فَعَلَ مَنْدُوبًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ صَرِيحٌ فِي رَدِّ هَذَا الْمَنْقُولِ لِأَنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي رَوَاتِبِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْمُؤَكَّدِ مِنْهَا وَغَيْرِهِ بِمُدَاوَمَتِهِ صلى الله عليه وسلم وَعَدَمِهَا وَهَذَا صَرِيحٌ مِنْهُمْ فِي عَدَمِ مُدَاوَمَتِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ وَلِأَنَّ فِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدَعُ الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا بَعْدُ» وَلِأَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الرِّوَايَةِ الدَّالَّةِ عَلَى «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ جَمِيعَ شَعْبَانَ» وَالرِّوَايَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ بَعْضَهُ بِأَنَّهُ تَارَةً كَانَ يَصُومُ كُلَّهُ وَتَارَةً كَانَ يَصُومُ بَعْضَهُ وَاحْتِمَالُ أَنَّ مَرَّاتِ الْبَعْضِ تَقَدَّمَتْ وَمَرَّاتِ الْكُلِّ تَأَخَّرَتْ فَلَمْ يَلْزَمْ التَّرْكُ بَعْدَ الْفِعْلِ بَعِيدٌ نَعَمْ ذَكَرَ السُّيُوطِيّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ عَدَّ مِنْ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ جَمِيعَ نَوَافِلِهِ كَانَتْ فَرْضًا.

وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ خِلَافُ هَذَا أَيْضًا فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا خِلَافًا فِي نَوَافِلَ مُعَيَّنَةٍ كَالضُّحَى هَلْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ لَا فَلَوْ وَافَقُوا عَلَى وُجُوبِ جَمِيعِ نَوَافِلِهِ لَمْ يَتَّجِهْ تَخْصِيصُ بَعْضِ النَّوَافِلِ بِالْخِلَافِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يُنَافِي التَّفْصِيلَ فِي نَفْسِهِ لِجَوَازِ أَنَّ بَعْضَ نَوَافِلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَمَةِ وَالْبَعْضَ وَجَبَ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَمَةِ بَلْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ.

وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم إتْمَامَ كُلِّ تَطَوُّعٍ شُرِعَ فِيهِ أَيْ وُجُوبُ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ عَدَمُ وُجُوبِ نَوَافِلِهِ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ وُجُوبِ الْإِتْمَامِ مَعَ وُجُوبِ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: كَانَ فِعْلُهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) دَلَّتْ الْكَافُ عَلَى عَدَمِ الِانْحِصَارِ فِي الْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ وَلَعَلَّ الضَّابِطَ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى حَدِّ الْمُوَاظَبَةِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي ضَابِطِ الْمُوَاظَبَةِ وَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يُتْرَكَ إلَّا لِعُذْرٍ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ صلى الله عليه وسلم -

ص: 126

فَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ وَهُوَ مَا يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ الْأَوْرَادِ فَهُوَ التَّطَوُّعُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمَنْدُوبِ لِعُمُومِهِ لِلْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ بِلَا شَكٍّ (وَهُوَ) أَيْ الْخِلَافُ (لَفْظِيٌّ) أَيْ: عَائِدٌ إلَى اللَّفْظِ وَالتَّسْمِيَةِ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ كَمَا يُسَمَّى بِاسْمٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ كَمَا ذَكَرَ هَلْ يُسَمَّى بِغَيْرِهِ مِنْهَا فَقَالَ الْبَعْضُ لَا إذْ السُّنَّةُ الطَّرِيقَةُ وَالْعَادَةُ وَالْمُسْتَحَبُّ الْمَحْبُوبُ وَالتَّطَوُّعُ الزِّيَادَةُ، وَالْأَكْثَرُ نَعَمْ وَيَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ طَرِيقَةٌ وَعَادَةٌ فِي الدِّينِ وَمَحْبُوبٌ لِلشَّارِعِ بِطَلَبِهِ وَزَائِدٌ عَلَى الْوَاجِبِ.

(وَلَا يَجِبُ) الْمَنْدُوبُ (بِالشُّرُوعِ) فِيهِ أَيْ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ

ــ

[حاشية العطار]

صَرِيحًا وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَيُحْتَمَلُ دُخُولُهُ فِيمَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَوْ فِي الْمُسْتَحَبِّ لِأَنَّهُ مَحْبُوبٌ لِلشَّارِعِ بِطَلَبِهِ صَرِيحًا.

وَأَمَّا مَا هَمَّ بِفِعْلِهِ وَمَنَعَهُ مِنْهُ مَانِعٌ كَمَا فِي تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ حِينَ خَطَبَ وَكَانَ عَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهَا فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ أَوْ عَزَمَ وَمَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ أَيْضًا كَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ تَاسُوعَاءَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بِمَا فَعَلَهُ ثُمَّ إنْ دَلَّ الْحَالُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَاظَبَ عَلَيْهِ أُلْحِقَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَإِلَّا فَبِالْقِسْمِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا رَغِبَ فِيهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ صَرِيحًا وَلَا فَعَلَهُ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ) وَلَا يُقَالُ إنَّهُ سُنَّةٌ لِأَنَّ السُّنَّةَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ وَلَا يَكُونُ طَرِيقَةً إلَّا بِالتَّكْرَارِ حِينَئِذٍ.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يُنْشِئُهُ) أَيْ وَجَعْلُهُ مَطْلُوبًا مِنْ حَيْثُ انْدِرَاجُهُ أَمْرٌ عَامٌّ وَالْإِنْشَاءُ مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصُ.

(قَوْلُهُ: لِعُمُومِهِ) يَعْنِي أَنَّهُ مُرَادِفٌ لِكُلٍّ مِنْهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَادِقٌ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا حَتَّى يُرَادِفَهَا لِأَنَّ الْأَعَمَّ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُرَادِفُهُ الْأَخَصُّ.

(قَوْلُهُ: إذْ السُّنَّةُ) أَيْ وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ مَعَ التَّكْرَارِ (قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَحَبُّ الْمَحْبُوبُ) أَيْ وَمَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ مَحْبُوبٌ لِلنَّفْسِ لِعَدَمِ كَثْرَتِهِ إذْ لَوْ كَثُرَ لَرُبَّمَا حَصَلَ مِنْهُ الْمَلَلُ وَالسَّآمَةُ كَذَا قِيلَ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا تَثْبُتُ الْمَحَبَّةُ بِارْتِكَابِهِ وَفِعْلِهِ وَلَوْ مَرَّةً وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّ السُّنَّةَ يُقَالُ لَهَا مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ حُبًّا لِلشَّارِعِ وَهُوَ كَذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: وَالتَّطَوُّعُ الزِّيَادَةُ) أَيْ عَلَى مَا فَعَلَهُ الشَّارِعُ.

(قَوْلُهُ: وَيَصْدُقُ إلَخْ) فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ نَعَمْ (قَوْلُهُ: وَمَحْبُوبٌ لِلشَّارِعِ بِطَلَبِهِ) أَيْ هُوَ مَطْلُوبٌ لَهُ بِسَبَبِ الطَّلَبِ فَلَيْسَتْ الْمَحَبَّةُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْمَيْلِ بَلْ بِمَعْنَى الطَّلَبِ النَّفْسِيِّ لِأَنَّهَا وَصْفٌ لِلشَّارِعِ فَلَا يُنَاسِبُهُ مَعْنَى الْمَيْلِ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى.

(قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ الْمَنْدُوبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ) أَيْ لَا يَصِيرُ الشُّرُوعُ فِيهِ سَبَبًا لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ فَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَفِي الْمَنْدُوبِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْكُلِّ فِي الْبَعْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بِالشُّرُوعِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ وَإِنَّمَا فَسَّرَ ضَمِيرَ يَجِبُ بِالْمَنْدُوبِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ السُّنَّةِ وَمَا بَعْدَهَا لِعُمُومِهِ لِلْكُلِّ كَمَا سَبَقَ.

(قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ) فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ مَا حَصَلَ بِهِ الشُّرُوعُ إذْ هُوَ لَا نِزَاعَ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ وَقَدْ يُوَجَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ لِجَوَازِ تَرْكِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا أَنَّهُ بِالتَّلَبُّسِ بِهِ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَهُوَ بَعِيدٌ مَعَ تَجْوِيزِ تَرْكِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَلُزُومِ تَبْعِيضِ الْعِبَادَةِ نَدْبًا وَوُجُوبًا لَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ عِنْدَنَا وَعَلَّلَ النَّاصِرُ مَنْدُوبِيَّةَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْوُجُوبِ وَالسَّبَبُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ بِالذَّاتِ مُقَارَنٌ بِالزَّمَانِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُمْ كَحَرَكَةِ الْيَدِ لِحَرَكَةِ الْخَاتَمِ اهـ.

أَيْ فَلَا يَكُونُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مَنْدُوبًا وَعَلَيْهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ مَبْنَى هَذَا النَّظَرِ أَنَّ ذَاتَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ سَبَبٌ فِي الْوُجُوبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَوْ كَانَ سَبَبًا أَيْ عِلَّةً فِي الْكُلِّ كَمَا قَالَ لَزِمَ تَوَقُّفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ

ص: 127

لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَتْرُكَ إتْمَامِهِ

ــ

[حاشية العطار]

فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْكُلِّ نَفْسَ هَذَا الْجُزْءِ وَقَدْ جُعِلَ عِلَّةً لِلْكُلِّ فَيَكُونُ سَبَبًا فِي نَفْسِهِ أَيْضًا وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُرَكَّبَةَ لَا يَكُونُ بَعْضُ أَجْزَائِهَا عِلَّةً فِيهَا لِلْمَحْذُورِ الْمَذْكُورِ وَحِينَئِذٍ بَطَلَ قَوْلُهُ إنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ بِالذَّاتِ إلَخْ فَإِنَّ السَّبَبَ هُوَ نَفْسُ الشُّرُوعِ لِتَوَقُّفِ الْإِتْمَامِ عَلَيْهِ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى الْإِتْمَامِ سَبْقًا زَمَانِيًّا لَا ذَاتِيًّا وَلَيْسَ مُقَارِنًا لِلْإِتْمَامِ لِأَنَّهُ أَتَى فَلَا يَمْتَدُّ زَمَنُهُ حَتَّى يُجَامِعَ الْإِتْمَامَ وَلَا يَلْزَمُ فِي السَّبَبِ مُقَارَنَتُهُ لِلْمُسَبَّبِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.

أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّنَا سَبَبٌ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَلَيْسَ مُقَارِنًا لَهُ وَكَذَلِكَ الزَّوَالُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَيَسْتَمِرُّ هَذَا الْوُجُوبُ بَعْدَهُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْعُهْدَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْفَرْضَ وَإِنَّمَا الْمُقَارَنَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الشَّرْطِ كَالطُّهْرِ لِلصَّلَاةِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ بِالذَّاتِ مُقَارِنٌ بِالزَّمَانِ جَرْيٌ عَلَى اصْطِلَاحِ الْحُكَمَاءِ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبَبِ.

وَأَمَّا الْأُصُولِيُّونَ فَإِنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْ السَّبَبِ بِالْعِلَّةِ أَيْضًا وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ عِنْدَهُمْ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالسَّبَبُ مَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ إلَخْ لَكِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْعِلَّةِ فَقَدْ خَلَطَ الشَّيْخُ رحمه الله اصْطِلَاحًا بِاصْطِلَاحٍ لِيَتِمَّ لَهُ النَّظَرُ الْمَذْكُورُ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ كَتَبَ هَاهُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ كَمَا قُلْنَا وَبَعْدَ ذَلِكَ سَلَّمُوا السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ وَأَجَابُوا عَنْهُ تَبَعًا لسم بِأَنَّ السَّبَبَ حُصُولُ الْجُزْءِ وَثُبُوتُهُ أَيْ كَوْنُهُ حَاصِلًا ثَابِتًا وَهُوَ مُقَارِنٌ لِلْوُجُوبِ بِأَزْمَانٍ وَهُوَ يَرْجِعُ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الشُّرُوعُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ حُصُولَ الْجُزْءِ وَثُبُوتَهُ لَازِمٌ لَهُ وَمُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ اللَّائِقُ فِي الْجَوَابِ بَيَانُ مَنْشَأِ الْغَلَطِ كَمَا بَيَّنَّا لِئَلَّا يَبْقَى حُصُولُ الِاشْتِبَاهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاصْطِلَاحَيْنِ فَافْهَمْ وَنُقِلَ عَنْ تَقْرِيرِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ وُجُوبِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ لِتَوَقُّفِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ وَأُورِدَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا لَا مَنْدُوبًا وَأَجَابَ بِأَنَّ النَّدْبَ مِنْ حَيْثُ الْقُدُومُ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يُنَافِي وُجُوبَهُ بِالْأَخْذِ فِيهِ اهـ.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ وَاجِبًا لَزِمَ أَنَّ كُلَّ مَنْدُوبٍ وَاجِبٌ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَيُنَافِي وَصْفَهُ بِالنَّدْبِ وَدَعْوَى أَنَّ النَّدْبَ وَصْفٌ لِلْقُدُومِ خُرُوجٌ عَنْ الِاصْطِلَاحِ فَإِنَّ الْمَوْصُوفَ بِالنَّدْبِيَّةِ ذَاتُ الْعِبَادَةِ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ إلَخْ) إشَارَةٌ لِقِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ أَشَارَ لِكُبْرَاهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ إلَخْ وَلِصُغْرَاهُ بِقَوْلِهِ وَتَرْكُ إتْمَامِهِ وَنَظْمُ الْقِيَاسِ هَكَذَا تَرْكُ إتْمَامِ الْمَنْدُوبِ تَرْكٌ لِلْمَنْدُوبِ وَتَرْكُ الْمَنْدُوبِ جَائِزٌ يُنْتِجُ تَرْكَ إتْمَامِ الْمَنْدُوبِ جَائِزٌ وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ تَرْكَ إتْمَامِ الْمَنْدُوبِ تَرْكٌ لَهُ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ وَهُوَ تَرْكُ مَا يَأْتِي وَإِبْطَالُ مَا مَضَى وَالتَّرْكُ الْجَائِزُ أُرِيدَ بِهِ التَّرْكُ ابْتِدَاءً لَمْ يَتَّحِدْ الْوَسَطُ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ فِي الصُّغْرَى تَرْكُ الْإِتْمَامِ وَإِنْ أُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ فَلَا نُسَلِّمُ جَوَازَهُ لِأَنَّ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهَا مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لَيْسَ لَهَا قَبْلَهُ.

وَالْجَوَابُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الثَّانِي وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ حَدِيثُ الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ فَظَهَرَ أَنَّ الْبَحْثَ مَعَ تَكْرَارِ الْحَدِّ الْوَسَطِ عَلَى تَقْدِيرٍ أَوْ الْكُبْرَى عَلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ فَهُوَ نَقْضٌ تَفْصِيلِيٌّ لِوُرُودِهِ عَلَى مُقَدَّمَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَمَّا وُرُودُهُ عَلَى الْكُبْرَى فَظَاهِرٌ.

وَأَمَّا مَنْعُ تَكَرُّرِ الْحَدِّ الْوَسَطِ فَلِأَنَّ تَكَرُّرَهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ إنْتَاجِ الْقِيَاسِ وَالْمُقَدَّمَةُ عِنْدَهُمْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الدَّلِيلِ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِشُرُوطِ إنْتَاجِهِ وَإِنَّ الْجَوَابَ إثْبَاتٌ لِلْمُقَدَّمَةِ الْمَمْنُوعَةِ وَهِيَ الْكُبْرَى وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمَمْنُوعُ الصُّغْرَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّاصِرُ وَلَا الْكُبْرَى

ص: 128

الْمُبْطِلِ لِمَا فُعِلَ مِنْهُ تُرِكَ لَهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ بِوُجُوبِ إتْمَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] حَتَّى يَجِبَ بِتَرْكِ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْهُ قَضَاؤُهُمَا وَعُورِضَ فِي الصَّوْمِ بِحَدِيثِ «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ

ــ

[حاشية العطار]

فَقَطْ كَمَا قَالَهُ سم وَيَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ أَيْضًا لُزُومُ الْمُصَادَرَةِ لِأَنَّ الْكُبْرَى لَازِمَةٌ لِلْمُدَّعِي إذْ قَوْلُنَا الْمَنْدُوبُ لَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ يَلْزَمُهُ أَنَّ تَرْكَهُ جَائِزٌ وَقَدْ جُعِلَ كُبْرَى الْقِيَاسِ.

(قَوْلُهُ: الْمُبْطِلُ) صِفَةُ التَّرْكِ وَضَمِيرُ مِنْهُ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ لِلْمَنْدُوبِ.

(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِوُجُوبِ إتْمَامِهِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْكُورَانِيُّ فَقَالَ لَا يَخْلُو مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ الْفِعْلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى حَقِيقَةِ النَّفْلِ أَوْ الْقَلْبِ بِالشُّرُوعِ وَاجِبًا.

وَالثَّانِي بَاطِلٌ إجْمَاعًا إذْ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ فِي الشَّرِيعَةِ يَكُونُ بَعْضُهُ نَفْلًا وَبَعْضُهُ وَاجِبًا وَأَيْضًا لَوْ كَانَ بِالشُّرُوعِ يَصِيرُ وَاجِبًا لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ثَوَابُ الْوَاجِبِ لَا ثَوَابُ النَّفْلِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ اهـ.

قَالَ سم قَوْلُهُ وَالثَّانِي بَاطِلٌ إجْمَاعًا بَاطِلٌ أَمَّا أَوَّلًا فَمِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا الْإِجْمَاعُ وَهُوَ قَطْعًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ وَكَيْف يَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَةِ مَنْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَدَعْوَى تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ فَتَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ غَيْرَ مَسْمُوعَةٍ إلَّا بِنَقْلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ وَعَمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي إثْبَاتِ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ اسْتِقْرَاءِ الشَّرِيعَةِ حَتَّى يَجْزِمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا ذُكِرَ.

وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَنْ نَذَرَ الْفِعْلَ الَّذِي يُشْرَعُ فِيهِ انْعَقَدَ نَذْرُهُ وَلَزِمَهُ إتْمَامُ مَا يَشْرَعُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ الشُّرُوعُ فِيهِ وَهَذَا نَظِيرُ مَا ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى بُطْلَانِهِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَأَيْضًا إلَخْ فَالْمُلَازَمَةُ الَّتِي ادَّعَاهَا مَمْنُوعَةٌ لِجَوَازِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَجِبُ الشُّرُوعُ فِيهِ وَمَا لَا يَجِبُ الشُّرُوعُ فِيهِ وَهَذَا إنْ لَمْ يَقُلْ الْمُوجِبُ بِلَا تَمَامٍ بِأَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ فَقَوْلُهُ فَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مُجَرَّدَ دَعْوَى.

(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى) أُجِيبَ عَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ فِيهَا مَخْصُوصَةٌ بِالْفُرُوضِ بِالْحَدِيثِ الْآتِي وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ حَتَّى يَجِبَ) حَتَّى بِمَعْنَى فَاءِ التَّفْرِيعِ فَيَجِبُ مَرْفُوعٌ.

(قَوْلُهُ: وَعُورِضَ فِي الصَّوْمِ) الْمُعَارَضَةُ أَنْ يُورِدَ الْخَصْمُ فِي مُقَابَلَةِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ دَلِيلًا دَالًا عَلَى نَقِيضِ مُدَّعَاهُ.

(قَوْلُهُ: بِحَدِيثِ الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ) قَالَ النَّاصِرُ لِلْخَصْمِ أَنْ يَحْمِلَ الصَّائِمَ عَلَى مُرِيدِ الصَّوْمِ وَالْفَائِدَةُ فِي النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ أَنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا يَلْزَمُ بِهَا شَيْءٌ لَا يُقَالُ فَيَكُونُ الصَّائِمُ مَجَازًا لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ أَيْضًا مَجَازٌ قَبْلَ تَمَامِهِ وَيَتَرَجَّحُ الْمَجَازُ الْأَوَّلُ

ص: 129

أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَيُقَاسَ عَلَى الصَّوْمِ الصَّلَاةُ

ــ

[حاشية العطار]

يَعْنِي حَمْلُ الصَّائِمِ عَلَى مُرِيدِ الصَّوْمِ بِبَقَاءِ صَامَ فِي قَوْلِهِ إنْ شَاءَ صَامَ عَلَى حَقِيقَتِهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إذْ حَقِيقَةُ الْإِمْسَاكِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ اهـ.

قَالَ سم مَا تَمَسَّكَ بِهِ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَمْلِ الصَّائِمِ عَلَى مُرِيدِ الصَّوْمِ تَجَوُّزَانِ:

أَحَدُهُمَا: فِي لَفْظِ الصَّائِمِ حَيْثُ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَى مُرِيدِ الصَّوْمِ.

وَالثَّانِي: فِي لَفْظِ أَفْطَرَ حَيْثُ اُسْتُعْمِلَ عَلَى هَذَا فِي مَعْنَى اسْتَمَرَّ مُفْطِرًا وَذَلِكَ خِلَافُ حَقِيقَتِهِ قَطْعًا بِخِلَافِ حَمْلِ الصَّائِمِ عَلَى حَقِيقَتِهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُنَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَجَوُّزٌ وَاحِدٌ فِي قَوْلِهِ إنْ شَاءَ صَامَ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى اسْتَمَرَّ صَائِمًا وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ تَقْلِيلَ الْمَجَازِ أَقْرَبُ إلَى الْأَصْلِ فَمَا قُلْنَاهُ أَرْجَحُ.

وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ الصَّائِمَ مَجَازٌ فِيمَا قَبْلَ التَّمَامِ فَمَمْنُوعٌ بَلْ إطْلَاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى الْمُتَلَبِّسِ بِالْحَدَثِ قَبْلَ تَمَامِهِ حَقِيقَةٌ وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ بِالشُّرُوعِ الصَّحِيحِ وَإِنْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ لِصِدْقِ اسْمِ الصَّلَاةِ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً إلَّا بَعْدَ التَّمَامِ وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ بَلْ هُوَ حِينَئِذٍ مَجَازٌ قَطْعًا أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا مَضَى اهـ.

وَبُحِثَ فِي كَلَامِ سم بِأَنَّ دَعْوَاهُ أَنَّ الصَّائِمَ حَقِيقَةٌ فِيمَا قَبْلَ التَّمَامِ مَمْنُوعَةٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ شَرْعًا الْإِمْسَاكَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لَزِمَ أَنَّ الصَّائِمَ قَبْلَ تَمَامِ الصَّوْمِ مَجَازٌ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمُمْسِكِ جَمِيعَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَإِنَّ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ مَنْ نَصَبَهُمْ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي التَّلَبُّسِ بِالْحَدَثِ قَبْلَ تَمَامِهِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَدَثٍ يَتَسَاوَى فِي إطْلَاقِ اسْمِهِ عَلَيْهِ بَعْضِهِ وَكُلِّهِ كَالضَّرْبِ لَا عَلَى خِلَافِهِ كَالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ.

وَفِي قَوْلِهِ يَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ إلَخْ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ كُلِّيًّا مِنْ كَلَامِهِ أَصْلًا وَلَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ الصَّائِمُ لِصِدْقِ كَلَامِهِ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً مَعَ التَّمَامِ.

وَأَقُولُ هَذِهِ تَدْقِيقَاتٌ لَا يَتَحَمَّلُهَا الِاسْتِعْمَالُ اللُّغَوِيُّ وَلَا الْعُرْفِيُّ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْمُتَلَبِّسِ بِالْفِعْلِ مَعْنَاهُ اسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ مَا تَلَبَّسَ بِهِ مِنْ الْحَدَثِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ فِعْلٍ وَفِعْلٍ وَأَنَّ الْمُمْسِكَ عَنْ الْمُفْطِرِ مَعَ النِّيَّةِ مُتَلَبِّسٌ بِحَقِيقَةِ الصَّوْمِ قَطْعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَبَادُرُ لَفْظِ الصَّائِمِ فِيهِ أَيَّ وَقْتٍ وَالتَّبَادُرُ أَمَارَةُ الْحَقِيقَةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِيمَنْ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ الْغُرُوبُ نَعَمْ لَا يُعْتَدُّ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ شَرْعًا لِإِتْمَامِ الْغُرُوبِ وَهَذَا شَيْءٌ آخَرُ فَتَدَبَّرْ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا تَجَوُّزٌ ثَالِثٌ وَهُوَ حَمْلُ الْمُتَطَوِّعِ عَلَى مُرِيدِ التَّطَوُّعِ قَالَ بَعْضٌ مِنْهُمْ لَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ الْآحَادِ وَإِنْ صَحَّ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ عُمُومِ الْقُرْآنِ لِكَوْنِهِ قَطْعِيًّا وَالْحَدِيثُ ظَنِّيٌّ مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ كَلَامٌ مَتْنًا وَسَنَدًا. فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ وَتَسَاهُلُ الْحَاكِمِ مَعْلُومٌ فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ صَحِيحٌ وَلَوْ سُلِّمَ فَالْحَدِيثُ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِحَيْثُ لَا يُعَارِضُ عُمُومَ الْقُرْآنِ فَتَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى عُمُومِهِ وَذَلِكَ إمَّا بِحَمْلِ الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ عَلَى مُرِيدِ الصَّوْمِ تَطَوُّعًا أَوْ بِحَمْلِ الْأَمِيرِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَدْ غَلَبَ نَفْسَهُ وَقَهَرَهَا وَمَلَكَ زِمَامَهَا حَيْثُ صَبَّرَهَا عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا وَكَانَ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَمَا كَانَ مُلْزَمًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَمِثْلُ هَذَا التَّأْوِيلِ لِمُرَاعَاةِ عُمُومِ الْآيَةِ مَقْبُولٌ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَفْطَرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ يَجُوزُ الْإِفْطَارُ مَعَ الْقَضَاءِ. اهـ.

وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ رضي الله عنهما مَا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْقَضَاءِ اهـ.

أَقُولُ وَمَا قَالَهُ مِنْ تَسَاهُلِ الْحَاكِمِ يُؤَيِّدُهُ مَا رَأَيْته فِي تَارِيخِ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ فِي تَرْجَمَةِ الْحَاكِمِ نَقْلًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَالِينِيِّ يَقُولُ طَالَعْت كِتَابَ الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الشَّيْخَيْنِ الَّذِي صَنَّفَهُ الْحَاكِمُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ حَدِيثًا عَلَى شَرْطِهِمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ وَهَذَا إسْرَافٌ وَغُلُوٌّ مِنْ الْمَالِينِيِّ وَإِلَّا فَفِي الْمُسْتَدْرَكِ جُمْلَةٌ وَافِرَةٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَجُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى شَرْطِ أَحَدِهِمَا لَعَلَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ نَحْوُ نِصْفِ الْكِتَابِ وَفِيهِ نَحْوُ الرُّبْعِ مِمَّا صَحَّ سَنَدُهُ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مَنَاكِيرُ وَوَاهِيَاتٌ لَا تَصِحُّ وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ مَوْضُوعَاتٌ عُلِمَتْ لَك لَمَّا اخْتَصَرْت هَذَا الْمُسْتَدْرَكَ وَنَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ «أَمِيرُ نَفْسِهِ» رُوِيَ بِالرَّاءِ وَبِالنُّونِ اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: وَيُقَاسُ عَلَى الصَّوْمِ الصَّلَاةُ) لَعَلَّ الْجَامِعَ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا عِبَادَةً بَدَنِيَّةً مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَفِي

ص: 130

فَلَا تَتَنَاوَلُهُمَا الْأَعْمَالُ فِي الْآيَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.

(وَوُجُوبُ إتْمَامِ الْحَجِّ) الْمَنْدُوبِ لِأَنَّ نَفْلَهُ أَيْ الْحَجِّ (كَفَرْضِهِ نِيَّةً) فَإِنَّهَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَصْدُ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ أَيْ التَّلَبُّسِ بِهِ (وَكَفَّارَةً) فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْجِمَاعِ الْمُفْسِد لَهُ (وَغَيْرَهُمَا) أَيْ غَيْرَ النِّيَّةِ وَالْكَفَّارَةِ كَانْتِفَاءِ الْخُرُوجِ بِالْفَسَادِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَحْصُلُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِفَسَادِهِ بَلْ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ بَعْدَ فَسَادِهِ

ــ

[حاشية العطار]

التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ خِلَافٌ طَوِيلٌ فَالْإِمَامُ الرَّازِيّ يَقُولُ بِالْمَنْعِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالتَّوَقُّفِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلَ كَثِيرَةٍ وَمَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَيُقَاسُ عَلَى الصَّوْمِ غَيْرُهُ لِيَشْمَلَ بَاقِيَ الْمَنْدُوبَاتِ.

وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ صَنِيعُهُ مِنْ أَنَّ الْمَخْرَجَ مِنْ الْأَعْمَالِ إنَّمَا هُوَ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ فَقَطْ فَيُفِيدُ أَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ مِمَّا تَتَنَاوَلُهُ الْأَعْمَالُ فِي الْآيَةِ حُكْمًا لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي.

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ مَعَ عَدَمِ اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ تَعَرَّضَ لَهُمَا الْخَصْمُ فِي كَلَامِهِ فَلَمْ يَرَ الشَّارِحُ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَيْهِ بِالتَّصْرِيحِ بِغَيْرِهِمَا وَلَا تَخْصِيصَ الْمَتْنِ بِهِمَا عَلَى مَا هُوَ عَادَتُهُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِ عَنْ عَدَمِ اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِهِمَا.

(قَوْلُهُ: فَلَا تَتَنَاوَلُهُمَا الْأَعْمَالُ) قَالَ النَّاصِرُ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ سَيَأْتِي أَنَّ عُمُومَهُ مُرَادٌ تَنَاوُلًا لَا حُكْمًا اهـ.

وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِصَرِيحِ قَرِينَةِ السِّيَاقِ لَا تَتَنَاوَلُهُمَا الْأَعْمَالُ حُكْمًا أَوْ مُطْلَقًا وَهَذَا ظَاهِرٌ.

(قَوْلُهُ: جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ) وَهِيَ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ وَلِلْجَمْعِ الْمَذْكُورِ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِلْقَائِلِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُمَا لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ مُنْقَطِعًا اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: وَوُجُوبُ إتْمَامِ الْحَجِّ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ أَنَّ تَمَامَ الْمَنْدُوبِ لَا يَجِبُ يَنْتَقِضُ بِوُجُوبِ إتْمَامِ الْحَجِّ الْمَنْدُوبِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ ذَلِكَ لِمَعْنًى يَخُصُّ الْحَجَّ وَهِيَ تَسْوِيَةُ الشَّارِحِ بَيْنَ فَرْضِهِ وَنَفْلِهِ كَذَا قَرَّرَ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّ السُّؤَالَ وَارِدٌ عَلَى كُلِّيَّةِ كُبْرَى الْقِيَاسِ السَّابِقِ.

وَالْجَوَابُ تَسْلِيمٌ لِانْتِقَاضِهَا فَيَخْتَلُّ نَظْمُ الْقِيَاسِ حِينَئِذٍ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَوُجُوبُ إتْمَامِ الْحَجِّ اسْتِثْنَاءٌ فِي الْمَعْنَى لَا جَوَابُ نَقْضٍ أَوْ جَوَابٌ عَنْ وَجْهِ إيجَابِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَبِهَذَا ظَهَرَ لَك صِحَّةُ كَلَامِ الْكُورَانِيِّ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ السُّؤَالِ وَأَنَّ مَا رَدَّ بِهِ عَلَيْهِ سم خِلَافُ الْإِنْصَافِ وَعُدُولٌ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْقَاعِدَةِ غَيْرُ الْحَجِّ كَالْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ وَإِذَا ذُبِحَتْ لَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ فَمَا وَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجِّ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بِتَمَامِ الذَّبْحِ تَحْصُلُ الْأُضْحِيَّةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا وُجُوبُ الْإِتْمَامِ بِالشُّرُوعِ وَعَلَى فَرْضِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ فَوُجُوبُ الْإِتْمَامِ لِدَفْعِ تَلَفِ الْمَالِ لَا لِلشُّرُوعِ فِي الْمَنْدُوبِ لَكِنَّ عَدَمَ الْإِتْمَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّلَفَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ بِالشُّرُوعِ جُرْحٌ خَفِيفٌ تَعِيشُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ وَلَا يُنْقِصُ الْقِيمَةَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِاسْتِثْنَاءِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ نَفْلًا بَلْ هُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ فَرْضُ عَيْنٍ.

وَفِي حَقِّ مَنْ حَجَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِنَّ إقَامَةَ شَعَائِرِ الْحَجِّ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ اهـ وَنُوقِشَ بِأَنَّهُ يُصَوَّرُ بِحَجِّ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَبُحِثَ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِهَؤُلَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ الْخِطَابُ إلَيْهِمْ فَإِنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ تَسْقُطُ بِالصِّبْيَانِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَمْ يَقَعْ فَرْضًا بَلْ وَقَعَ نَفْلًا لَكِنَّهُ سَدَّ مَسَدَ الْفَرْضِ أَبَانَ الْكَلَامَ فِي نَفْلٍ يَصِحُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ وَحَجُّ الصَّبِيِّ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِالْوُجُوبِ وَالْحَمْلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِإِتْمَامِهِ تَكَلُّفٌ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ الْقَائِلَ بِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ يَطْرُدُهُ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ نَفْلَهُ كَفَرْضِهِ) ضَمِيرُ نَفْلِهِ يَعُودُ لِلْحَجِّ الْمُطْلَقِ عَنْ كَوْنِهِ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا لَا لِلْحَجِّ النَّفْلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ اتِّحَادُ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ فَفِي كَلَامِهِ اسْتِخْدَامُ حَيْثُ أَطْلَقَ الْحَجَّ أَوَّلًا مُرَادًا بِهِ النَّفَلُ وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ مُرَادًا بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَالْأَعَمُّ يُغَايِرُ الْأَخَصَّ فَقَدْ ذَكَرَ الْحَجُّ بِمَعْنًى وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِمَعْنًى آخَرَ.

(قَوْلُهُ: أَيْ التَّلَبُّسُ بِهِ) تَفْسِيرُ الدُّخُولِ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا بِالدُّخُولِ حَقِيقَتَهُ وَهُوَ الْعُبُورُ فِي الْجِسْمِ أَيْ مُجَاوَزَةُ أَوَّلِ أَجْزَائِهِ بَلْ التَّلَبُّسُ الْمَعْنَوِيُّ بِالْفِعْلِ جَمِيعِهِ لِأَنَّ جَمِيعَهُ مَنْوِيٌّ

ص: 131