المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

(وَالْأُصُولِيُّ) أَيْ الْمَرْءُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْأُصُولِ أَيْ الْمُلْتَبِسُ بِهِ (الْعَارِفُ - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - جـ ١

[حسن العطار]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدَّمَة الْكِتَاب]

- ‌[الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[تَعْرِيفِ الْأُصُولِيّ]

- ‌ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ

- ‌[تَعْرِيف الْفَرْض وَالْوَاجِب]

- ‌[تَعْرِيفِ الْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ]

- ‌[تَعْرِيفِ السَّبَب]

- ‌[تَعْرِيفِ الْقَضَاء]

- ‌[تَعْرِيفِ الدَّلِيلُ]

- ‌[تَعْرِيف الْعِلْم]

- ‌[تَعْرِيف الْجَهْل]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَائِزُ التَّرْكِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ يُوجِبُ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ]

- ‌[فَرْضِ الْكِفَايَةِ مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ جَوَازًا وَقْتَ الْأَدَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الَّذِي لَا يُوجَدُ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ]

- ‌(مَسْأَلَةُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ) بِمَا بَعْضُ جُزْئِيَّاتِهِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ

- ‌(مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ مُطْلَقًا) :

- ‌[مَسْأَلَةُ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَشْرُوطِهِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ) :

- ‌(مَسْأَلَةٌ: يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وَيُوجَدُ مَعْلُومًا لِلْمَأْمُورِ آثَرَهُ) :

- ‌(خَاتِمَةٌ الْحُكْمُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرَيْنِ)

- ‌(الْكِتَابُ الْأَوَّلُ) :فِي الْكِتَابِ وَمَبَاحِثِ الْأَقْوَالِ

- ‌(الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ)

- ‌(مَسْأَلَةُ الْمَفَاهِيمِ) الْمُخَالَفَةُ (إلَّا اللَّقَبَ حُجَّةً لُغَةً)

- ‌(مَسْأَلَةُ الْغَايَةِ قِيلَ مَنْطُوقٌ) أَيْ بِالْإِشَارَةِ

- ‌[مَسْأَلَةُ إنَّمَا بِالْكَسْرِ قَالَ الْآمِدِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ لَا تُفِيدُ الْحَصْرَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَلْطَافِ حُدُوثُ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَالْجُمْهُورُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ) :

- ‌[مَسْأَلَةٌ ثْبُوت اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[وَمَسْأَلَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إنْ اتَّحِدَا]

- ‌(مَسْأَلَةٌ: الِاشْتِقَاقُ) مِنْ حَيْثُ قِيَامُهُ بِالْفِعْلِ:

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُتَرَادِفِ وَاقِعٌ خِلَافًا لِثَعْلَبَ وَابْنِ فَارِسٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الْمُتَعَدِّدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكِ يَصِحُّ لُغَةً إطْلَاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ]

- ‌(الْحَقِيقَةُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ) لَهُ ابْتِدَاءً

- ‌الْمَجَازُ)

- ‌(مَسْأَلَةُ الْمُعَرَّبُ

- ‌[مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى إمَّا حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْكِنَايَةُ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ مُرَادًا مِنْهُ لَازِمُ الْمَعْنَى]

- ‌(الْحُرُوفُ)

- ‌(الْأَمْرُ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ مِنْ الْكَلَامِ اخْتَلَفُوا هَلْ لِلْأَمْرِ النَّفْسِيِّ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ لِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ]

- ‌[الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مُؤَقَّتٍ يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ النَّفْسِيُّ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ إيجَابًا أَوْ نَدْبًا نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الْوُجُودِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَانِ غَيْرَ مُتَعَاقِبَيْنِ أَوْ بِغَيْرِ مُتَمَاثِلَيْنِ غَيْرَانِ]

- ‌(النَّهْيُ)

- ‌(الْعَامِّ)

الفصل: (وَالْأُصُولِيُّ) أَيْ الْمَرْءُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْأُصُولِ أَيْ الْمُلْتَبِسُ بِهِ (الْعَارِفُ

(وَالْأُصُولِيُّ) أَيْ الْمَرْءُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْأُصُولِ أَيْ الْمُلْتَبِسُ بِهِ (الْعَارِفُ بِهَا) أَيْ بِدَلَائِل الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ (وَبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِهَا) يَعْنِي الْمُرَجِّحَاتِ الْمَذْكُورِ مُعْظَمُهَا فِي الْكِتَابِ السَّادِسِ

ــ

[حاشية العطار]

الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ بَقِيَتْ الدَّلَائِلُ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَسَائِلِ الْبَاحِثَةِ عَنْ أَحْوَالِ الدَّلَائِلِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تِلْكَ الْمَسَائِلَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ يَجْعَلُهَا كُبْرَى لِصُغْرَى هِيَ دَلِيلٌ تَفْصِيلِيٌّ نَحْوِ {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً ثَانِيهِمَا تَقْدِيرُ الْمُضَافِ وَعَلَيْهِمَا فَلَا إيرَادَ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي ذَاكَ سَابِقًا.

[تَعْرِيفِ الْأُصُولِيّ]

(قَوْلُهُ: وَالْأُصُولِيُّ الْعَارِفُ إلَخْ) لَمَّا اعْتَبَرَ فِي الْأُصُولِيِّ مَا لَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ طُرُقُ الِاسْتِفَادَةِ وَحَالُ الْمُسْتَفِيدِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِتَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ بَعْدَ تَعْرِيفِ الْأُصُولِ فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الْكُورَانِيُّ مِنْ أَنَّ تَعْرِيفَ الْأُصُولِ يَعْنِي تَعْرِيفَ الْأُصُولِيِّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُصُولِيِّ زِيَادَةُ اعْتِبَارٍ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأُصُولِ.

وَأَمَّا إذَا كَانَ فَلَا إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ صَحَّ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي مَفْهُومِ الْأُصُولِيِّ الَّذِي هُوَ مَنْسُوبٌ لِلْأُصُولِ مَا لَيْسَ مِنْ الْأُصُولِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمَّا تَوَقَّفَ عِنْدَ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِيِّ عَلَى مَعْرِفَتِهِ زَادَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَرْدُودًا كَمَا بَيَّنَهُ الشَّارِحُ فَإِنْ قُلْت هَلَّا فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ الْأُصُولِيَّ بِمَنْ قَامَتْ بِهِ الْمَلَكَةُ كَمَا قَالَ الْكَسْتَلِيُّ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ إنَّ الْعَالِمَ بِكُلِّ صِنَاعَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْ عَرَفَ جَمِيعَ مَسَائِلِهَا وَالْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ الْأُولَى تَهَيُّؤُهُ لَهُ تَهَيُّؤًا تَامًّا بِأَنْ تَحْصُلَ عِنْدَهُ مَبَادِئُهُ بِأَسْرِهَا مَعَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ مِنْهَا وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْعِرْفَانِ عِنْدَهُ بِالْمَلَكَةِ الثَّانِيَةِ، وَاسْتِحْصَالُهُ إيَّاهَا بِالْفِعْلِ بِأَنْ يَنْظُرَ فِي مَبَادِيهِ وَيَحْصُلَ مِنْهَا مُشَاهِدًا إيَّاهُ وَيُسَمَّى عَقْلًا مُسْتَفَادًا بِالْقِيَاسِ إلَيْهِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَلَكَةُ اسْتِحْضَارِهِ بَعْدَ غَيْبُوبِيَّتِهِ مَتَى شَاءَ مِنْ تَجَشُّمِ كَسْبٍ جَدِيدٍ وَيُسَمَّى عَقْلًا بِالْفِعْلِ فَأَسَامِي الْعُلُومِ تُطْلَقُ عَلَى الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى مَسَائِلِهَا وَلَكِنَّ الْحَاصِلَ لِلْإِنْسَانِ الْبَاقِي مَعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ الْعُلُومِ إمَّا مَلَكَةُ الِاسْتِنْبَاطِ أَوْ مَلَكَةُ الِاسْتِحْضَارِ حَتَّى إنَّهُ لَا يُرَادُ بِقَوْلِنَا فُلَانٌ فَقِيهٌ مُتَكَلِّمٌ غَيْرُ هَذَا اهـ.

وَأَيْضًا لَوْ فَسَّرَ الْأُصُولِيَّ هُنَا بِمَا ذَكَرْنَا كَانَ جَامِعًا لِمَعَانِي إطْلَاقَاتِ الْعِلْمِ الثَّلَاثَةِ وَلَا يُرَادُ الِاعْتِرَاضُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْكُورَانِيُّ قُلْت لَا يُسَاعِدُهُ ذَلِكَ عَلَى مَا سَلَكَهُ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ وَقَصَدَهُ وَظَهَرَ لَك مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْكَسْتَلِيِّ أَنَّ مَا قَالَهُ سم نَقْلًا عَنْ الصَّفَوِيِّ أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ عَلَى التَّهَيُّؤِ أَيْضًا بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الشَّرِيفِ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَلَكَةِ وَجَعْلُهُ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مَرَاتِبَ الْمَلَكَةِ فَتَدَبَّرْ.

(قَوْلُهُ: أَيْ الْمَرْءِ الْمَنْسُوبِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأُصُولِيَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ.

(قَوْلُهُ: أَيْ الْمُتَلَبِّسُ) بَيَانٌ لِجِهَةِ النِّسْبَةِ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ بِالْعَارِفِ بِالْأُصُولِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ الْعَارِفُ بِهَا وَلِأَنَّ الْمُتَلَبِّسَ مَفْهُومُهُ أَعَمُّ مِنْ الْعَارِفِ إذْ الْمُلَابَسَةُ الْمُخَالَطَةُ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَقُومَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالْمُتَلَبَّسِ أَوْ يَقُومَ بِالْمُتَلَبِّسِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي لِلْأُصُولِ إذْ التَّلَبُّسُ هُوَ الِاتِّصَافُ بِالْعِلْمِ دُونَ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْبَارِدِ قَوْلُ بَعْضِ الْحَوَاشِي التَّلَبُّسُ بِالْقَوَاعِدِ مَجَازِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ فَالْجَوَابُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ اهـ.

إذْ الْعِلْمُ إمَّا نَفْسُ الْمَعْلُومِ وَالتَّغَايُرُ اعْتِبَارِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَمْرُ ظَاهِرٌ عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَعْلُومَ لَمَّا لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ الْعِلْمِ كَانَ التَّلَبُّسُ بِأَحَدِهِمَا تَلَبُّسًا بِالْآخَرِ حَقِيقَةً وَهَبْ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ فَأَيُّ حَجْرٍ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ.

(قَوْلُهُ: يَعْنِي الْمُرَجِّحَاتِ) أَيْ لِبَعْضِ الْأَدِلَّةِ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَأَتَى بِالْعِنَايَةِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ طُرُقِ اسْتِفَادَةِ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ مَا يَتَوَسَّلُ إلَيْهَا مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَغَيْرِهَا وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ طُرُقِ الْمُسْتَفِيدِ مَا يُوَصِّلُهُ إلَى مَطْلُوبِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهَا فَتَخْصِيصُ الْأُولَى بِالْمُرَجِّحَاتِ وَالثَّانِيَةِ بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ خَفِيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ لَا يَدُلُّ عَلَى خَاصٍّ بِخُصُوصِهِ وَلِهَذَا أَتَى بِالْعِنَايَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ عَبَّرَ بِالْعِنَايَةِ إذْ الطُّرُقُ حَقِيقَةً الْمَسَائِلُ الْحِسِّيَّةُ وَقَالَ سم عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ

ص: 48

(وَ) بِطُرُقِ (مُسْتَفِيدِهَا) يَعْنِي

ــ

[حاشية العطار]

لَمَّا كَانَتْ الْمُرَجِّحَاتُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ طُرُقًا لِاسْتِفَادَةِ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَإِنَّ الْمُرَجِّحَاتِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا وَإِنَّمَا طُرُقُ الِاسْتِفَادَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ هُوَ النَّقْلُ مَثَلًا عَبَّرَ بِالْعِنَايَةِ لِخَفَاءِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ وَلَمَّا كَانَ طُرُقُ الشَّيْءِ مَا يُوَصِّلُ إلَيْهِ وَلَيْسَتْ الْمُجْتَهِدُ طُرُقًا لِلْمُسْتَفِيدِ عَبَّرَ بِيَعْنِي أَيْضًا لِخَفَاءِ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ اهـ.

لَكِنَّ قَوْلَهُ إنَّ طُرُقَ الِاسْتِفَادَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ النَّقْلُ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.

وَلَعَلَّ وَجْهَ النَّظَرِ بِالْقِيَاسِ فَقَطْ وَأَمَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَلَا يُرْتَابُ فِي أَنَّ طَرِيقَهَا النَّقْلُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ لِلْأُصُولِيِّ إلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ الْغَيْرِ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَيْضًا مَنْقُولٌ وَإِنْ كَانَ الْقَائِسُ هُوَ الْمُجْتَهِدُ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأُصُولِيِّ هُنَا الْمُجْتَهِدَ بَلْ الْعَارِفَ بِفَنِّ الْأُصُولِ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: وَبِطُرُقِ مُسْتَفِيدِهَا) جَعَلَ الْكَمَالُ وَمُسْتَفِيدِهَا عَطْفًا عَلَى الظَّرْفِ أَيْ وَبِمُسْتَفِيدِهَا وَزَعَمَ أَنَّ صَنِيعَ الشَّارِحِ تَكَلُّفٌ أَوْقَعَهُ فِيهِ تَرْكُ إعَادَةِ الْجَارِ وَهُوَ الْبَاءُ إذْ كَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يُقَالَ وَبِمُسْتَفِيدِهَا وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَثْقَلَ تَكْرَارَ الْجَارِ مَرَّةً ثَانِيَةً فَتَرَكَهُ اكْتِفَاءً بِوُضُوحِ الْمَعْنَى اهـ.

وَرَدَّهُ سم بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ مَا زَعَمَهُ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي تَقْرِيرِ الشَّارِحِ التَّكَلُّفَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ الْعَطْفُ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُضَافُ مُتَعَلِّقًا بِكُلِّ الْمُتَعَاطِفَيْنِ وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ وَشُيُوعِهِ وَإِنْ أَرَادَ التَّكَلُّفَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَطْلَقَ الطُّرُقَ عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهَا طُرُقًا فَهَذَا مَمْنُوعٌ إذْ لَا مَعْنَى لِطُرُقِ الشَّيْءِ إلَّا الْأُمُورُ الْمُوَصِّلَةُ إلَيْهِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِنَا طَرِيقُ كَذَا إمَّا إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَ إلَيْهِ وَتَارَةً إلَى الْفَاعِلِ أَيْ الْمُوَصِّلِ فَالْمُرَادُ بِهِ يَصِلُ الْفَاعِلُ فِيهِ أَوْ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَالْمُرَجِّحَاتُ طَرِيقٌ لِلِاسْتِفَادَةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ لَهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ بِهَا إلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَلَا تَكَلُّفَ فِي هَذَا الْمَعْنَى غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِيهِ غَرَابَةً وَدِقَّةٌ يُتَوَهَّمُ مِنْهَا التَّكَلُّفُ فِيهِ.

وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ مِنْ الْعَطْفِ عَلَى الْمُضَافِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَالْعَارِف بِمُسْتَفِيدِهَا وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ حِينَئِذٍ مَعْرِفَةُ ذَاتِ الْمُسْتَفِيدِ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ وَلَا مَعْنَى لَهُ أَوْ مَعْرِفَتُهُ مِنْ حَيْثُ اسْتِفَادَتُهُ الْأَحْكَامَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ وَلَا مُسْتَلْزِمٍ لِلْمُرَادِ فَإِنْ أَرَادَ مَعْرِفَتَهُ مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ الَّتِي يَتَوَقَّفُ تَأَمُّلُهُ لِلِاسْتِفَادَةِ عَلَى التَّلَبُّسِ بِهَا فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَكِنَّ الْعِبَارَةَ قَاصِرَةٌ عَنْ إفَادَتِهِ فَالتَّكَلُّفُ فِي صَنِيعِهِ لَا فِي صَنِيعِ الشَّارِحِ اهـ.

وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الطَّرِيقُ قَدْ تُضَافُ إلَى السَّالِكِ الْوَاصِلِ بِالسُّلُوكِ فِيهَا إلَى الْمَقْصُودِ وَقَدْ تُضَافُ إلَى الْغَايَةِ الْمَقْصُودِ بِالسُّلُوكِ فِيهِ الْوُصُولُ إلَيْهَا أَمَّا الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ فَفِيهِمْ أَنَّهُمَا فَاعِلُ الطَّرِيقِ أَوْ مَفْعُولُهُ كَمَا يُقَالُ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ فِيمَا ذَكَرَهُ إيهَامُ أَنَّ الطَّرِيقَ مُخْتَلِفَةٌ مَعْنًى وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

الثَّانِي: أَنَّ إرَادَةَ الطُّرُقِ مِنْ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مَعْنًى خَفِيٌّ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ تَعْبِيرٌ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فِي التَّخَاطُبِ فَيَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا فِي مَقَامِ شَرْحِ أَلْفَاظِ التَّعْرِيفِ فَلَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِدَفْعِ

ص: 49

صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِشُرُوطِ الِاجْتِهَادِ وَبِالْمُرْجِحَاتِ

ــ

[حاشية العطار]

التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّهُ دَفْعٌ لَهُ بِمِثْلِهِ تَأَمَّلْ.

1 -

(قَوْلُهُ: الْمُجْتَهِدِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْتَفِيدُ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُقَلِّدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ بِوَاسِطَةِ دَلِيلٍ إجْمَالِيٍّ وَهُوَ أَنَّ هَذَا أَفْتَاهُ فِيهِ الْمُفْتِي وَكُلُّ مَا أَفْتَاهُ بِهِ الْمُفْتِي فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ لِآيَةِ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43] وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ فَجَعْلُهُ دَاخِلًا فِي الْمُسْتَفِيدِ سَهْوٌ اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: وَبِالْمُرْجِحَاتِ إلَخْ) الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِتُسْتَفَادُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ؛ لِأَنَّ اسْتِفَادَةَ تَعْيِينِ مَا هُوَ الدَّلِيلُ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُرَادُ إثْبَاتُهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ إنَّمَا هِيَ بِمَعْرِفَةِ الْمُرَجِّحِ الَّذِي قَامَ بِهَذَا الدَّلِيلِ دُونَ غَيْرِهِ كَأَنْ يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ وَآخَرُ عَلَى سُنِّيَّتِهِ وَأَحَدُهُمَا نَصٌّ وَالْآخَرُ ظَاهِرٌ فَالدَّلِيلُ هُوَ الْأَوَّلُ لِتَرْجِيحِهِ بِكَوْنِهِ نَصًّا وَهَذَا شُرُوعٌ مِنْ الشَّارِحِ فِي تَمْهِيدِ اعْتِرَاضٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ ذَكَرَهُ فِيمَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّذِي هُوَ الْفِقْهُ حَاصِلٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ كَمَا سَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ وَحُصُولُهُ مِنْهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ الْأَدِلَّةُ الْإِجْمَالِيَّةُ وَالْمُرَجِّحَاتُ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الدَّلِيلَ التَّفْصِيلِيَّ إنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي أَفَادَهُ بِوَاسِطَةِ تَرَكُّبِهِ مَعَ الدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ الَّذِي هُوَ كُلِّيٌّ لَهُ بِجَعْلِ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ مُقَدِّمَةً صُغْرَى وَالْإِجْمَالِيَّ كُبْرَى هَكَذَا {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً يُنْتِجُ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً.

وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ يُعْلَمُ بِمَعْرِفَتِهَا مَا هُوَ دَلِيلُ الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا.

وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْمُسْتَفِيدَ لِلْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ إنَّمَا يَكُونُ أَهْلًا لِاسْتِفَادَتِهَا مِنْهُ إذَا قَامَتْ بِهِ صِفَاتُ الِاجْتِهَادِ.

فَعُلِمَ أَنَّ ابْتِنَاءَ الْفِقْهِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَهِيَ أُصُولُهُ فَيَكُونُ الْأُصُولِيُّ مَنْ يَعْرِفُهَا وَأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقَانِ لِاسْتِفَادَةِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ دُونَ الْإِجْمَالِيَّةِ وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ الدَّلَائِلَ الْمَذْكُورَةَ وَالْمُرَجِّحَاتِ وَقَامَتْ بِهِ صِفَاتُ الِاجْتِهَادِ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأُصُولِيِّ وَالْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مُسَمَّى الْأُصُولِيِّ مَعْرِفَتُهَا وَفِي مُسَمَّى الْمُجْتَهِدِ قِيَامُهَا بِهِ لِاسْتِنْبَاطِهِ بِهَا الْأَحْكَامَ بِخِلَافِ الْأُصُولِيِّ. فَإِنْ قِيلَ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْته كَوْنَ الدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ أَيْضًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ لِابْتِنَائِهِ عَلَيْهَا.

أُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ أَفْرَادُهَا غَيْرَ مُنْحَصِرَةٍ لَمْ يَحْسُنْ جَعْلُهَا جُزْءًا مِنْ مُسَمَّى الْأُصُولِ لِانْتِشَارِهَا فَفِي الْإِجْمَالِيَّةِ غِنًى عَنْهَا لِكَوْنِهَا كُلِّيَّاتِهَا وَيُعْلَمُ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ حُكْمُ الْجُزْئِيَّاتِ هَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ فَقَطْ.

وَأَمَّا الْمُرَجِّحَاتُ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَتَا مِنْ مُسَمَّى الْأُصُولِ بَلْ طَرِيقُ الِاسْتِفَادَةِ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الْفِقْهِ.

وَأَجَابَ عَنْ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ عَدَمُ ذِكْرِهِمَا فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَعَدَمُ ذِكْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِ بِأَنْ ذَكَرَهُمَا فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِمَا وَإِنْ جَازَ فِي ذِكْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ فِي ذِكْرِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ فَذَكَرَ هُوَ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْأُصُولُ إشَارَةً لِلتَّوَقُّفِ الْمَذْكُورِ.

وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِمَا لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا مِنْهُ وَتَبَعًا لِلْقَوْمِ فِي عَدَمِ ذِكْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَإِنْ

ص: 50

أَيْ بِمَعْرِفَتِهَا تُسْتَفَادُ دَلَائِلُ الْفِقْهِ أَيْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا وَبِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ أَيْ بِقِيَامِهَا بِالْمَرْءِ يَكُونُ مُسْتَفِيدًا لِتِلْكَ الدَّلَائِلِ أَيْ أَهْلًا لِاسْتِفَادَتِهَا بِالْمُرَجِّحَاتِ

ــ

[حاشية العطار]

ذَكَرُوهُ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ الْمُصَنِّفِ يَدَّعِي أُمُورًا أَرْبَعَةً:

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُسْتَفَادَ بِالْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ.

الثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مُسَمَّى الْأُصُولِ.

الثَّالِثُ: أَنَّ ذِكْرَهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ عَلَى مَعْرِفَتِهَا.

الرَّابِعُ: أَنَّ ذِكْرَهُ إيَّاهَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ كَذِكْرِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ قَالُوا الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ أَيْ ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى عَرَبِيَّةً إلَخْ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَمَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ صَرَّحَ بِالْأَرْبَعَةِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ أَمَّا بِالْأَوَّلِ فَفِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَيْهِ.

وَأَمَّا بِالثَّانِي فَفِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ وَبِالثَّالِثِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا لَمْ تُذْكَرْ فِي كُتُبِهِ إلَخْ وَبِالرَّابِعِ بِقَوْلِهِ وَذَكَرَهَا حِينَئِذٍ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: أَيْ بِمَعْرِفَتِهَا) لَمْ يَقُلْ ابْتِدَاءً وَبِمَعْرِفَةِ الْمُرَجِّحَاتِ مُجَارَاةً لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ إضَافَةِ الطُّرُقِ الَّتِي هِيَ الْمُرَجِّحَاتُ إلَى الِاسْتِفَادَةِ يَقْتَضِي اسْتِفَادَةَ تِلْكَ الدَّلَائِلِ بِنَفْسِ الطُّرُقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ مَعْرِفَتِهَا فَبَيَّنَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَيْ بِمَعْرِفَتِهَا وَيَجْرِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَبِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ (قَوْلُهُ: أَيْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) احْتَاجَ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مَعَ ظُهُورِهِ إذْ لَا مَعْنَى لِدَلَائِلَ إلَّا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ مِنْ جُمْلَةِ دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ: الْمُشَارُ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُسْتَفَادَ بِالْمُرَجِّحَاتِ لَيْسَ كُلُّ الْأَدِلَّةِ مُطْلَقًا كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ مُسْتَفَادُ دَلَائِلِ الْفِقْهِ بَلْ بَعْضُ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَهُوَ مَا عَرَضَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ يَسْتَفِيدُ الْمُجْتَهِدُ بِالْمُرَجِّحَاتِ مَا يَدُلُّ مِنْهَا عَلَى الْحُكْمِ وَهُوَ الْبَعْضُ الرَّاجِحُ مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ جُمْلَةِ إلَخْ) حَالٌ مِنْ " مَا " وَ " مِنْ " تَبْعِيضِيَّةٌ (وَقَوْلُهُ عِنْدَ تَعَارُضِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِبَدَلٍ أَوْ تُسْتَفَادُ وَالضَّمِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ لِمَا وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا لِوُقُوعِهَا عَلَى دَلَائِلَ وَعَلَى الثَّانِي يَرْجِعُ لِدَلَائِلِ الْفِقْهِ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِقَوْلِهِ " دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ " لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعَارُضِ جَمِيعِ دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ لَفْظَةِ جُمْلَةِ بِمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَهْمُ التَّبْعِيضِ مَعَ زِيَادَتِهِ أَقْرَبُ وَبَقِيَ أَنَّ الدَّالَ عِنْدَ التَّعَارُضِ هُوَ الرَّاجِحُ وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ.

وَالْجَوَابُ أَنَّ كَوْنَهُ لَيْسَ دَلِيلًا عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ الْمُرَجِّحِ لِمُقَابِلِهِ لَا يُنَافِي تَرْجِيحَهُ عِنْدَ مُجْتَهِدٍ آخَرَ فَهُوَ دَلِيلٌ عِنْدَهُ أَوْ أَنَّهُ دَلِيلٌ لَوْلَا وُجُودُ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ الْمُعَارِضِ أَوْ الْكَلَامُ عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ.

(قَوْلُهُ: بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ) أَيْ بِقِيَامِهَا بِالْمَرْءِ لَمْ يَجْرِ عَلَى نَسَقِ سَابِقِهِ تَمْهِيدًا لِلِاعْتِرَاضِ الْآتِي عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الصِّفَاتِ الْقِيَامُ لَا الْمَعْرِفَةُ الْمُوهِمُ لَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَقُلْ بِقِيَامِهَا بِهِ مَعَ أَخْصَرِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ قِيَامِهَا بِهِ لَا يُسَمَّى مُجْتَهِدًا فَلِذَلِكَ أَظْهَرَ وَلَمْ يَقُلْ بِقِيَامِهَا بِالْمُجْتَهِدِ فِرَارًا مِنْ التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ (قَوْلُهُ: لِتِلْكَ الدَّلَائِلِ) أَيْ التَّفْصِيلِيَّةِ.

(قَوْلُهُ: فَيَسْتَفِيدَ) مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمِرَةٌ جَوَازًا لِعِطْفِهِ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ وَهُوَ اسْتِفَادَةُ أَيْ أَهْلًا؛ لَأَنْ يَسْتَفِيدَ الْأَدِلَّةَ فَيَسْتَفِيدَ أَيْ بِالْفِعْلِ وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ عَطْفًا عَلَى يَكُونُ لِعَدَمِ تَفَرُّعِ الِاسْتِفَادَةِ بِالْفِعْلِ عَلَى كَوْنِهِ أَهْلًا

ص: 51

فَيَسْتَفِيدُ الْأَحْكَامَ مِنْهَا وَلِتَوَقُّفِ اسْتِفَادَةِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا الَّتِي هِيَ الْفِقْهُ عَلَى الْمُرَجِّحَاتِ.

وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ ذَكَرُوهَا فِي تَعْرِيفِي الْأُصُولِ الْمَوْضُوعِ لِبَيَانِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ أَدِلَّتِهِ لَكِنَّ الْإِجْمَالِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ دُونَ التَّفْصِيلِيَّةِ لِكَثْرَتِهَا جِدًّا وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ صِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ وَأَسْقَطَهَا الْمُصَنِّفُ كَمَا عَلِمْت لِمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ وَإِنَّمَا تُذْكَرُ فِي كُتُبِهِ

ــ

[حاشية العطار]

لِلِاسْتِفَادَةِ نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ مِنْ قَوْلِهِ فَيَسْتَفِيدَ الِاسْتِفَادَةُ بِالْقُوَّةِ صَحَّ الرَّفْعُ بِالْعَطْفِ الْمَذْكُورِ.

(قَوْلُهُ: الَّتِي هِيَ الْفِقْهُ) صِفَةُ الْأَحْكَامِ بِنَاءٌ عَلَى إطْلَاقِ الْفِقْهِ عَلَى الْمَعْلُومِ أَوْ بِتَقْدِيرِ الَّتِي هِيَ أَيْ عِلْمُهَا بِمَعْنَى التَّهَيُّؤِ الْفِقْهَ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ الشِّهَابُ مِنْ أَنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا حَيْثُ أَطْلَقَ الْفَهْمَ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ إلَخْ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُهُ وَمُنْشَؤُهُ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الَّتِي صِفَةُ الِاسْتِفَادَةِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ وَمَا قَالَهُ النَّاصِرُ جَعَلَ الِاسْتِفَادَةَ هِيَ الْفِقْهُ وَظَاهِرُهُ الِاسْتِفَادَةُ بِالْفِعْلِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ أَيْ بِجَمِيعِهَا التَّهَيُّؤُ لِلْعِلْمِ بِجَمِيعِهَا لَا الْعِلْمُ بِجَمِيعِهَا بِالْفِعْلِ.

(قَوْلُهُ: عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ) وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُرَجِّحَاتِ مَعْرِفَتُهَا وَفِي صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ قِيَامُهَا بِهِ.

(قَوْلُهُ: الْمَوْضُوعِ) الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ الْجَعْلُ وَالتَّدْوِينُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِبَيَانِ التَّعْلِيلِ وَلَيْسَ بِالْمُرَادِ بِالْوَضْعِ مَعْنَاهُ الْمَشْهُورُ أَعْنِي تَعْيِينَ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى حَتَّى يُرَدَّ أَنَّ التَّعْرِيفَ يَتَعَلَّقُ بِمُسَمَّى الْأُصُولِ وَالْوَضْعُ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْمَوْضُوعَ لَفْظُ الْأُصُولِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْأُصُولِ الْمُعَرَّفُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُعَرَّفُ بِالتَّعْرِيفَيْنِ السَّابِقَيْنِ فَلَا يَصِحُّ النَّعْتُ أَوْ يُقَدَّرَ الْمُضَافُ أَيْ تَعْرِيفُ مُسَمَّى الْأُصُولِ أَوْ الْمَوْضُوعُ اسْمُهُ.

(قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهِ فَتَكُونُ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ بَيَانًا لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ عِلْمُ الْأُصُولِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ فِي كَوْنِ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ نَظَرًا؛ لِأَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ إمَّا الْقَوَاعِدُ وَإِمَّا مَعْرِفَتُهَا لَكِنَّ بَعْضَ الْقَوَاعِدِ بَاحِثٌ عَنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَبَعْضُهَا بَاحِثٌ وَمُبَيِّنٌ لِلْمُرَجِّحَاتِ، وَبَعْضُهَا مُبَيِّنٌ لِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ لَا أَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ مُسَمَّى أُصُولِ الْفِقْهِ اهـ.

وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَجْعُولَيْنِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ الْقَوَاعِدُ الْبَاحِثَةُ عَنْ أَحْوَالِهَا لَا أَنْفُسُهَا كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِدَلَائِلِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْقَوَاعِدُ الْبَاحِثَةُ عَنْ أَحْوَالِهَا لَا أَنْفُسُهَا.

(قَوْلُهُ: وَأَسْقَطَهَا الْمُصَنِّفُ) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ لِلْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ قَالَ النَّجَّارِيُّ وَلَعَلَّ شُبْهَتَهُ فِي الْإِسْقَاطِ أَنَّ مُسَمَّى الْأُصُولِ عِنْدَهُ الْأَدِلَّةُ الْإِجْمَالِيَّةُ وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ الْأَدِلَّةِ.

(قَوْلُهُ: لِمَا قَالَهُ) أَيْ فِي

ص: 52

لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَتِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَيْهِ قَالَ وَذِكْرُهَا حِينَئِذٍ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ كَذِكْرِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ قَالُوا الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ وَهُوَ ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى عَرَبِيَّةً وَأُصُولًا إلَى آخِرِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَمَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ هَذَا كَلَامُهُ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْمَتْنِ

ــ

[حاشية العطار]

مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي أُورِدَتْ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَيْهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ إلَى الْأُصُولِ الَّذِي هُوَ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ.

(قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَقَوْلُهُ وَذِكْرُهَا حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْأُصُولِ.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ ذُو الدَّرَجَةِ) الضَّمِيرُ لِلْمُجْتَهِدِ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُجْتَهِدِ تَعْرِيفٌ لِلْفَقِيهِ؛ لِأَنَّهُ فُسِّرَ بِهِ.

(قَوْلُهُ: وَمَا قَالُوا الْفَقِيهُ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَالُوا.

(قَوْلُهُ: هَذَا) أَيْ الْمَذْكُورُ الْمُتَضَمِّنُ لِتِلْكَ الدَّعَاوَى.

(قَوْلُهُ: لِظَاهِرِ الْمَتْنِ) إنَّمَا قَالَ ظَاهِرِ إلَخْ إشَارَةً إلَى

ص: 53

فِي أَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ لِلدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ مَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ كَمَا قَالَ مِنْ إسْقَاطِهَا مِنْ تَعْرِيفَيْ الْأُصُولِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ بِأَنَّهَا طَرِيقٌ لِلدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَكَأَنَّ ذَلِكَ سَرَى إلَيْهِ مِنْ كَوْنِ التَّفْصِيلِيَّةِ جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ وَهُوَ مُنْدَفِعٌ بِأَنَّ تَوَقُّفَ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا الْمُفِيدُ لِلْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّ تَوَقُّفَهَا

ــ

[حاشية العطار]

احْتِمَالِ تَقْدِيرِ مُضَافٍ قَبْلَ الضَّمِيرِ فِي اسْتِفَادَتِهَا وَمُسْتَفِيدِهَا أَيْ اسْتِفَادَةِ جُزْئِيَّاتِهَا وَمُسْتَفِيدِ جُزْئِيَّاتِهَا.

(قَوْلُهُ: الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ إلَخْ) أَقُولُ مُجَرَّدُ كَوْنِهَا طَرِيقًا لِلدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ لَا يُنَافِي كَوْنَهَا مِنْ الْأُصُولِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأُصُولِ طَرِيقًا لِبَعْضٍ آخَرَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَى كَوْنِهَا طَرِيقًا مَا ذُكِرَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَوْنِهَا طَرِيقًا بَلْ هُوَ كَوْنُهَا طَرِيقًا مَعَ خُرُوجِهَا عَنْ الْأُصُولِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ خُرُوجَهَا كَافٍ وَكَوْنُهَا طَرِيقًا لَا مَدْخَلَ لَهُ فَلَا وَجْهَ لِمُجَرَّدِ ذِكْرِهِ فَضْلًا عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ وَكَيْفَ سَلَّمَ لَهُ الشَّارِحُ الْبِنَاءَ وَنَازَعَ فِي الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ وَهَلَّا نَازَعَهُ فِي نَفْسِ الْبِنَاءِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا صَنَعَهُ مَبْنِيًّا عَلَى التَّنَزُّلِ مَعَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سم.

(قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: جَعْلُ الْمَعْرِفَةِ أَيْ بِطَرِيقِ اسْتِفَادَتِهَا جُزْءًا مِنْ مَدْلُولِ الْأُصُولِ دُونَ الْأُصُولِ لَمْ يَسْبِقْنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ فَذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَأَخَذَهُ الْمُتَعَقِّبُونَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ اهـ. نَجَّارِيٌّ.

(قَوْلُهُ: مِنْ إسْقَاطِهَا) بَيَانٌ لِمَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَالْإِشَارَةِ إلَى جَعْلِ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقًا لِلْإِجْمَالِيَّةِ.

(قَوْلُهُ: جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ) أَيْ فَمَا ثَبَتَ لَهَا يَثْبُتُ لِلْإِجْمَالِيَّةِ وَقَدْ ثَبَتَ لِلتَّفْصِيلِيَّةِ التَّوَقُّفُ عَلَى الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا فِي التَّمْهِيدِ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ لِلْإِجْمَالِيَّةِ أَيْضًا.

(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ مَا سَرَى إلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا طَرِيقٌ لِلْإِجْمَالِيَّةِ فَهَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الدَّعْوَى الْأُولَى.

(قَوْلُهُ: عَلَى مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا أَيْ تَعَلُّقُهَا بِشَيْءٍ خَاصٍّ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْمُقْتَضِي تَوَقُّفَ الْإِجْمَالِيَّةِ أَيْضًا عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ إفَادَتَهَا الْأَحْكَامَ الْمَخْصُوصَةَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْأُولَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمُفِيدُ لِلْأَحْكَامِ فَهَذَا الْقَدْرُ خَاصٌّ بِهَا لَا يَتَعَدَّاهَا إلَى الْكُلِّيِّ فَمَنَاطُ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا إنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ خَاصِّ مَادَّةِ {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] لَا مِنْ مَادَّةِ كَوْنِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ إذَا الْعَامُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْخَاصَّ.

(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ تَوَقُّفَهَا) أَيْ الْإِجْمَالِيَّةِ، وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ لَوْ تَنَزَّلْنَا وَقُلْنَا إنَّ تَوَقُّفَ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَتَتَوَقَّفُ الْإِجْمَالِيَّةُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ جَرَيْنَا فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى أَنَّ تَوَقُّفَهَا إلَخْ فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي مُسَمَّى الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهَا عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا لِلْمَرْءِ لَا مَعْرِفَتُهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمُسَمَّى الْأُصُولُ مَعْرِفَتُهَا لَا حُصُولُهَا وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مَفْهُومِ الْأُصُولِيِّ هُوَ مَعْرِفَةُ الْقَوَاعِدِ الْمُفِيدَةِ لِتِلْكَ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِمْ الْمُجْتَهِدُ هُوَ الْعَارِفُ بِكَذَا فَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ هِيَ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا الْأُصُولِيُّ وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ تَوَقُّفُ الْفِقْهِ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا

ص: 54

عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا لِلْمَرْءِ لَا مَعْرِفَتِهَا.

وَالْمُعْتَبَرُ فِي مُسَمَّى الْأُصُولِيِّ مَعْرِفَتُهَا لَا حُصُولُهَا كَمَا تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّ مَعْرِفَةَ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَعْقُودِ لَهَا الْكِتَابَانِ الْبَاقِيَانِ لِكَوْنِهَا مِنْ الْأُصُولِ فَالصَّوَابُ مَا صَنَعُوا مِنْ ذِكْرِهَا فِي تَعْرِيفَيْهِ كَأَنْ يُقَالَ أُصُولُ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَطُرُقُ اسْتِفَادَةِ وَمُسْتَفِيدِ جُزْئِيَّاتِهَا وَقِيلَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ ذَلِكَ

ــ

[حاشية العطار]

يَتَوَقَّفُ عَلَى الصِّفَاتِ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِالْمُجْتَهِدِ وَالصِّفَاتُ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِالْمُجْتَهِدِ لَيْسَتْ بِقَوَاعِدَ يَعْرِفُهَا الْأُصُولِيُّ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ أَيْضًا ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْأُصُولُ.

(قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ) أَيْ حَالَ كَوْنِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ وَهِيَ حَالٌ لَازِمَةٌ أَتَى بِهَا لِرَبْطِ الْكَلَامِ بِهَا لَا لِإِخْرَاجِ شَيْءٍ.

(قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا) أَيْ قِيَامُهَا بِالْمَرْءِ لَا مِنْ حَيْثُ مَعْرِفَتُهَا كَمَا زَعَمَ الْمُصَنِّفُ.

(قَوْلُهُ: وَبِالْجُمْلَةِ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ الْفَاءُ تَدُلُّ عَلَى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ إنْ أَرَدْت الْقَوْلَ بِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ إلَخْ قَالَ سم أَوْ التَّقْدِيرُ.

وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ إلَخْ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي نَحْوِ {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] إنَّ التَّقْدِيرَ وَأَمَّا رَبُّك فَكَبِّرْ (قَوْلُهُ: لِكَوْنِهَا مِنْ الْأُصُولِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ الْمَعْقُودِ لَهَا الْكِتَابَانِ الْبَاقِيَانِ.

(قَوْلُهُ: كَأَنْ يُقَالَ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَبَّرَ بِفِعْلِ الِاسْتِقْبَالِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِثَالٌ لِمَا صَنَعُوا وَهُوَ مَاضٍ لَا مُسْتَقْبَلٌ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ التَّقْدِيرَ فَالصَّوَابُ مِثْلُ مَا صَنَعُوا وَصَوَابِيَّةُ ذَلِكَ الْمَثَلِ لَيْسَ إلَّا بِصَوَابِيَّةِ مُمَاثِلِهِ اهـ.

أَقُولُ أَوْ التَّقْدِيرُ فَالصَّوَابُ نَوْعُ مَا صَنَعُوا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِمْ لَهُ وَصَوَابِيَّةُ إلَخْ اهـ. سم.

(قَوْلُهُ: وَطُرُقُ اسْتِفَادَةِ وَمُسْتَفِيدِ جُزْئِيَّاتِهَا) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِهَا وَمُسْتَفِيدِهَا أَيْ الْإِجْمَالِيَّةِ مُنْتَقَدٌ بِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ طُرُقٌ لِاسْتِفَادَةِ الدَّلِيلِ الْجُزْئِيِّ وَأَنَّ الْفَقِيهَ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ بِهَا الدَّلِيلَ الْجُزْئِيَّ لَا الْكُلِّيَّ لَكِنَّ عِبَارَتَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ عِبَارَةَ الْمَتْنِ مِنْ تَسْمِيَةِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طُرُقًا وَالْأَوْضَحُ أَنْ يُقَالَ وَطُرُقُ اسْتِفَادَةِ جُزْئِيَّاتِهَا وَصِفَةُ مُسْتَفِيدِهَا أَوْ تُغَيَّرُ الصِّفَةِ بِالْحَالِ كَمَا فِي الْمَحْصُولِ فَيُقَالُ وَحَالُ مُسْتَفِيدِهَا، ثُمَّ إنَّ هَاهُنَا تَحْقِيقًا غَيْرَ مَا ارْتَضَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَهُوَ أَنَّ مَبَاحِثَ التَّرْجِيحِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْأُصُولِ دُونَ مَبَاحِثِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهَا مُتَمِّمَاتٌ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَيُعَرَّفُ أُصُولُ الْفِقْهِ بِأَنَّهُ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا وَقِيلَ الْعِلْمُ بِهِمَا لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ تَمَايُزَ الْعُلُومِ بِتَمَايُزِ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي يُبْحَثُ فِيهَا عَنْ أَحْوَالِهَا وَإِلَيْهَا تَرْجِعُ مَوْضُوعَاتُ الْمَسَائِلِ وَمَوْضُوعُ الْأُصُولِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَمَبَاحِثُ التَّرْجِيحِ الْبَحْثُ فِيهَا عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ بِاعْتِبَارِ تَعَارُضِهَا.

وَأَمَّا مَبَاحِثُ الِاجْتِهَادِ فَبَعْضُ مَسَائِلِهِ فِقْهِيَّةٌ مَوْضُوعُهَا فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَمَحْمُولُهَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ كَمَسْأَلَةِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لَهُ صلى الله عليه وسلم وَلِغَيْرِهِ فِي عَصْرِهِ، وَمَسْأَلَةِ لُزُومِ التَّقْلِيدِ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ وَبَعْضُهَا اعْتِقَادِيَّةٌ كَقَوْلِهِمْ

ص: 55

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُتَقَدِّمُ: الْفَقِيهُ: الْمُجْتَهِدُ، وَكَذَا عَكْسُهُ الْآتِي فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ فَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ أَيْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ هُوَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ وَالْعَكْسُ لَا بَيَانُ الْمَفْهُومِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا مُخْتَلِفٌ وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ تَعْرِيفَيْ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ مَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ أَيْ إلَخْ

ــ

[حاشية العطار]

الْمُجْتَهِدُ فِيمَا لَا قَاطِعَ فِيهِ مُصِيبٌ وَقَوْلِهِمْ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ غَيْرُ جَائِزٍ وَنَحْوِهِمَا وَلِهَذَا نَبَّهَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ مَبَاحِثَ الِاجْتِهَادِ كَالتَّابِعِ وَالتَّتِمَّةِ لِأُصُولِ الْفِقْهِ فَهِيَ مُتَمِّمَةٌ لِمَقَاصِدِهِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِدْخَالِهَا فِي الْأُصُولِ وَضْعًا فَأُدْخِلَتْ فِيهِ حَدًّا اهـ.

مُلَخَّصًا مِنْ الْكَمَالِ، ثُمَّ إنَّكَ قَدْ عَلِمْت مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَجْعُولَةِ مِنْ الْأُصُولِ هِيَ الْقَوَاعِدُ الْبَاحِثَةُ عَنْ أَحْوَالِهِمَا فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ الْقَوَاعِدُ وَمَعْرِفَتُهَا وَلَا شَيْءَ مِنْ هَاتَيْنِ بِقَوَاعِدَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا أَنْفُسُهُمَا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُتَقَدِّمُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ تَنْتَفِي الْحَاجَةُ إلَى تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ سَلَكَ فِي تَعْرِيفِهِ مَسْلَكَ الْقَوْمِ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ حَيْثُ أَخَذُوا فِي تَعْرِيفِهِ مَا يَتَوَقَّفُ الْفِقْهُ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: الْمَاصَدَقِ) اسْمٌ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا مِنْ مَا وَصَدَقَ فِعْلًا مَاضِيًا جُعِلَ اسْمًا لِأَفْرَادِ الْكُلِّيِّ كَمَاصَدَقَ الْإِنْسَانِ أَيْ أَفْرَادُهُ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا فَهُوَ اسْمٌ مُعْرَبٌ فَيَكُونُ هُنَا مَجْرُورًا.

(قَوْلُهُ: وَالْعَكْسُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ ثَابِتٌ وَالْمُرَادُ بِهِ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ قَوْلُنَا مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّعْرِيفِ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ أَنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ تَعْرِيفًا وَهَذَا وَإِنْ وَافَقَ الِاصْطِلَاحَ فِي بَابِ التَّعْرِيفِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُهُ فَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ رَافِعًا لِدَعْوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ تَعْرِيفٌ لِلْفَقِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ تَعْرِيفًا وَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ وَيُجَابُ بِحَمْلِ التَّعْرِيفِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ عَلَى التَّعْرِيفِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ التَّبْيِينُ الْأَعَمُّ مِنْ تَبْيِينِ الْحَقِيقَةِ وَتَبْيِينِ الْمَاصَدَقَ فَلَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةُ كَوْنَ تَبْيِينِ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفًا اصْطِلَاحًا اللَّازِمُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ بَيَانَ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفٌ اصْطِلَاحِيٌّ اللَّازِمُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ نَمْنَعُ دَعْوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ بِالْمُجْتَهِدِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا بِتَعْرِيفِ الْفَقِيهِ بِالْمُجْتَهِدِ بَيَانَ الْمَاصَدَقِ لَمْ تَكُنْ الشُّرُوطُ مَقْصُودَةً لَهُمْ فِي بَيَانِ الْفِقْهِ أَصْلًا حَتَّى يُقَالَ إنَّهُمْ ذَكَرُوهَا وَإِنْ فُهِمَ لُزُومًا مِنْ قَوْلِهِمْ الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاعْتِرَاضُ بَاقٍ عَلَى دَعْوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ إمَّا يَمْنَعُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ تَعْرِيفٌ كَمَا دَرَجَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَإِمَّا يَمْنَعُ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ الشُّرُوطَ بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ بَيَانَ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفٌ اصْطِلَاحِيٌّ كَذَا قِيلَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ بَيَانَ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفٌ اصْطِلَاحِيٌّ مُخَالِفٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمَنَاطِقَةُ مِنْ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّعْرِيفِ شَرْحُ الْمَاهِيَّةِ نَعَمْ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ يَلْزَمُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالتَّعْرِيفِ فَتَدَبَّرْ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا مُخْتَلِفٌ) أَيْ بِغَيْرِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ وَإِلَّا فَكُلُّ تَعْرِيفٍ وَمُعَرَّفٍ مُخْتَلِفَا الْمَفْهُومِ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ مَفْهُومِهِمَا أَنَّ مَفْهُومَ الْفَقِيهِ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ إلَخْ وَمَفْهُومَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَفْرِغُ وُسْعَهُ فِي تَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَاعْتَرَضَ الشِّهَابُ وَالنَّاصِرُ تَعْلِيلَهُ عَدَمَ إرَادَةِ بَيَانِ الْمَفْهُومِ بِالِاخْتِلَافِ الْمَفْهُومِ بِأَنْ يُرَادَ تَعْرِيفَ كُلٍّ مِنْ الْفَقِيهِ وَالْمُجْتَهِدِ بِالْآخَرِ تَعْرِيفًا رَسْمِيًّا لِتَلَازُمِ مَفْهُومِهِمَا وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِلَازِمِ مَفْهُومِهِ مِنْ طُرُقِ بَيَانِ الْمَفْهُومِ غَايَتُهُ أَنَّهُ رَسْمِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ.

وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الشَّارِحَ بَنَى التَّعْلِيلَ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ فِي بَيَانِ مَقَامِ الِاصْطِلَاحِيَّاتِ بِتَعْرِيفَاتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ لَا الرَّسْمِيَّةِ إذْ لَا فَائِدَةَ يُعْتَدُّ بِهَا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا فَإِذَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ لَمْ يَكُنْ الْمُنَاسِبُ إلَّا بَيَانَ حَقِيقَتِهِ الذَّاتِيَّةِ إذْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِبَيَانِهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ لَكِنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَفْهُومِهِمَا أَيْ بِغَيْرِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ وَإِنَّمَا تَرَكَ هَذَا الْقَيْدَ لِظُهُورِهِ وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ وَحِينَئِذٍ فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ لَا الْمَفْهُومِ فَقَوْلُهُ

ص: 56