المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(مسألة مطلق الأمر) بما بعض جزئياته مكروه كراهة تحريم أو تنزيه - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - جـ ١

[حسن العطار]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدَّمَة الْكِتَاب]

- ‌[الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[تَعْرِيفِ الْأُصُولِيّ]

- ‌ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ

- ‌[تَعْرِيف الْفَرْض وَالْوَاجِب]

- ‌[تَعْرِيفِ الْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ]

- ‌[تَعْرِيفِ السَّبَب]

- ‌[تَعْرِيفِ الْقَضَاء]

- ‌[تَعْرِيفِ الدَّلِيلُ]

- ‌[تَعْرِيف الْعِلْم]

- ‌[تَعْرِيف الْجَهْل]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَائِزُ التَّرْكِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ يُوجِبُ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ]

- ‌[فَرْضِ الْكِفَايَةِ مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ جَوَازًا وَقْتَ الْأَدَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الَّذِي لَا يُوجَدُ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ]

- ‌(مَسْأَلَةُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ) بِمَا بَعْضُ جُزْئِيَّاتِهِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ

- ‌(مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ مُطْلَقًا) :

- ‌[مَسْأَلَةُ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَشْرُوطِهِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ) :

- ‌(مَسْأَلَةٌ: يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وَيُوجَدُ مَعْلُومًا لِلْمَأْمُورِ آثَرَهُ) :

- ‌(خَاتِمَةٌ الْحُكْمُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرَيْنِ)

- ‌(الْكِتَابُ الْأَوَّلُ) :فِي الْكِتَابِ وَمَبَاحِثِ الْأَقْوَالِ

- ‌(الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ)

- ‌(مَسْأَلَةُ الْمَفَاهِيمِ) الْمُخَالَفَةُ (إلَّا اللَّقَبَ حُجَّةً لُغَةً)

- ‌(مَسْأَلَةُ الْغَايَةِ قِيلَ مَنْطُوقٌ) أَيْ بِالْإِشَارَةِ

- ‌[مَسْأَلَةُ إنَّمَا بِالْكَسْرِ قَالَ الْآمِدِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ لَا تُفِيدُ الْحَصْرَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَلْطَافِ حُدُوثُ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَالْجُمْهُورُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ) :

- ‌[مَسْأَلَةٌ ثْبُوت اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[وَمَسْأَلَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إنْ اتَّحِدَا]

- ‌(مَسْأَلَةٌ: الِاشْتِقَاقُ) مِنْ حَيْثُ قِيَامُهُ بِالْفِعْلِ:

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُتَرَادِفِ وَاقِعٌ خِلَافًا لِثَعْلَبَ وَابْنِ فَارِسٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الْمُتَعَدِّدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكِ يَصِحُّ لُغَةً إطْلَاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ]

- ‌(الْحَقِيقَةُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ) لَهُ ابْتِدَاءً

- ‌الْمَجَازُ)

- ‌(مَسْأَلَةُ الْمُعَرَّبُ

- ‌[مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى إمَّا حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْكِنَايَةُ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ مُرَادًا مِنْهُ لَازِمُ الْمَعْنَى]

- ‌(الْحُرُوفُ)

- ‌(الْأَمْرُ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ مِنْ الْكَلَامِ اخْتَلَفُوا هَلْ لِلْأَمْرِ النَّفْسِيِّ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ لِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ]

- ‌[الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مُؤَقَّتٍ يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ النَّفْسِيُّ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ إيجَابًا أَوْ نَدْبًا نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الْوُجُودِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَانِ غَيْرَ مُتَعَاقِبَيْنِ أَوْ بِغَيْرِ مُتَمَاثِلَيْنِ غَيْرَانِ]

- ‌(النَّهْيُ)

- ‌(الْعَامِّ)

الفصل: ‌(مسألة مطلق الأمر) بما بعض جزئياته مكروه كراهة تحريم أو تنزيه

مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ جَوَابِ مَا قَبْلَهَا وَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُمَا لَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِ مَا زِدْتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ مُعَيَّنَةً كَمَا لَا يَخْفَى فَيَفُوتُ الِاخْتِصَارُ الْمَقْصُودُ لَهُ

(مَسْأَلَةُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ) بِمَا بَعْضُ جُزْئِيَّاتِهِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ

ــ

[حاشية العطار]

الْحَالُ بِزَوَالِ الِاشْتِبَاهِ وَالنِّسْيَانِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ، فَلَوْ تَعَذَّرَ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ إذْ الْمُتَعَذِّرُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ أَصْلًا.

(قَوْلُهُ: وَتَرَكَ جَوَابَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الطَّلَاقِ مُصَدَّرَةٌ بِأَوْ وَهِيَ لَا جَوَابَ لَهَا وَالْجَوَابُ أَنَّ لَوْ مُقَدَّرَةٌ حُذِفَتْ لِلْعِلْمِ بِهَا مِنْ قَوْلِهِ، فَلَوْ تَعَذَّرَ إلَخْ وَالتَّقْدِيرُ أَوْ لَوْ طَلَّقَ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: لَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِ مَا زِدْته) يَعْنِي قَوْلَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ حُرِّمَتَا وَفِيهِ أَنَّهُ يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ.

[مَسْأَلَةُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ بِمَا بَعْضُ جُزْئِيَّاتِهِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ]

(قَوْلُهُ: بِمَا بَعْضُ) أَيْ بِكُلِّيٍّ، فَإِنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ الْمَاهِيَّةُ الصَّادِقَةُ بِأَيِّ فَرْدٍ لِمَا سَيَأْتِي فِي مَبْحَثِ الْأَمْرِ أَنَّهُ لِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ وَقَوْلُهُ: مِنْهَا أَيْ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ وَكُلٌّ مِنْهَا لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا بِالشَّخْصِ لِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ

ص: 256

بِأَنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ (لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ) مِنْهَا (خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ)

ــ

[حاشية العطار]

(قَوْلُهُ: لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ) أَيْ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهَا فِي الْمَكْرُوهِ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا لِمَا عَلِمْت أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ الْمَاهِيَّةُ لَا الْأَفْرَادِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ لِمَكَانِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَكْرُوهِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ صَحِيحٌ فَيَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ فَلَا يَصِحُّ الْعُمُومُ.

وَأَجَابَ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ لِلْفِعْلِ بَلْ لِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَالْمَكْرُوهُ ذَلِكَ الْكَوْنُ لَا الْفِعْلُ وَالْجُزْئِيُّ الْفِعْلُ لَا الْكَوْنُ، وَنَظَرَ فِيهِ سم بِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْأَفْعَالِ وَالْكَوْنِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ مِنْهَا فَالْوَجْهُ اسْتِثْنَاءُ مَا ذَكَرَ أَوْ تَقْيِيدُ الْقَاعِدَةِ اهـ.

وَفِيهِ أَنَّ مَعْنَى الْكَوْنِ الْإِيقَاعُ وَهُوَ فِعْلٌ فَصَحَّ جَوَابُ النَّاصِرِ نَعَمْ تَقْيِيدُ الْقَاعِدَةِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْمُقَابِلَةِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِهِ أَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَهُ جِهَتَانِ، وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ مِنْهَا إذَا كَانَ لَهُ جِهَةٌ أَوْ جِهَتَانِ بَيْنَهُمَا لُزُومٌ لِمَا كَانَتْ الْجِهَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا مِنْ ضَرُورَاتِ الْجِهَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا كَانَتْ هِيَ أَيْضًا مَأْمُورًا بِهَا إذْ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ وَالْمُرَادُ بِالْمَكْرُوهِ مَا يَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ تَحْرِيمًا أَوْ تَنْزِيهًا.

(قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَكْرُوهَ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مُطْلَقًا لَا يَخُصُّ الْمَكْرُوهَ فَفِيهِ إحْدَاثُ اصْطِلَاحٍ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ.

(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ) تَبِعَ فِيهِ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ وَإِمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرَهُمَا، وَكَذَلِكَ رَأَيْت فِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا لَهُمْ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَلَمْ يَحْكِهِ إلَّا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَنَاوَلُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ شَرْعًا مَعَ بَقَاءِ وَصْفِ الْكَرَاهَةِ وَاسْتَدَلَّ بِأَدَاءِ عَصْرِ يَوْمِهِ بَعْدَ تُغَيِّرْ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ طَوَافُ الْمُحْدِثِ يَتَنَاوَلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وَهُوَ مَكْرُوهٌ.

وَالثَّانِي: قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ تَنَاوُلَ مُطْلَقِ الْأَمْرِ لِلْمَكْرُوهِ بِمَعْنَى أَنَّ وُرُودَهُ يَرْفَعُ الْكَرَاهَةَ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ الْكَرَاهَةُ رَاجِعَةً لِمَعْنًى خَارِجٍ فَالْكَرَاهَةُ لَيْسَتْ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَلَكِنْ لِلتَّشْبِيهِ بِعُبَّادِ الشَّمْسِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الصَّلَاةُ وَلَيْسَتْ فِي الطَّوَافِ الَّذِي فِيهِ تَعْظِيمُ الْبَيْتِ بَلْ

ص: 257

لَنَا تَنَاوَلَهُ لَكَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَطْلُوبَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ (فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ) أَيْ الَّتِي كُرِهَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ مِنْ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ كَعِنْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ وَاسْتِوَائِهَا حَتَّى تَزُولَ وَاصْفِرَارِهَا حَتَّى تَغْرُبَ إنْ كَانَ كَرَاهَتُهَا فِيهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي النَّهْيِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ (وَإِنْ كَانَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ)

ــ

[حاشية العطار]

لِوَصْفٍ فِي الطَّائِفِ وَهُوَ الْحَدَثُ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الطَّوَافِ فِي شَيْءٍ، اهـ. مُلَخَّصًا.

قَالَ الْكَمَالُ: وَعَلَى هَذَا فَالصِّحَّةُ وَالْإِجْرَاءُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عِنْدَهُمْ لِرُجُوعِ النَّهْيِ فِيهِمَا إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالصِّحَّةُ فِي الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِتَأْخِيرِهَا إلَى الِاصْفِرَارِ لَا بِفِعْلِهَا وَالطَّوَافُ لَا يَصِحُّ مَعَ الْحَدَثِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ الطَّوَافُ مِثْلُ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَوْله تَعَالَى {وَلْيَطَّوَّفُوا} [الحج: 29] فَلَا يُجْزِئُ.

(قَوْلُهُ: لَنَا) أَيْ يَدُلُّ لَنَا وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ قِيَاسٌ اسْتِثْنَائِيٌّ حُذِفَتْ اسْتِثْنَائِيَّتُهُ وَذَكَرَ دَلِيلَهَا بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ، وَوَجْهُ التَّنَاقُضِ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَأْمُورًا بِهِ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ وَمِنْ حَيْثُ النَّهْيُ مَطْلُوبُ التَّرْكِ فَيَئُولُ إلَى أَنَّهُ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ وَلَيْسَ مَطْلُوبَهُ وَمَطْلُوبُ التَّرْكِ وَلَيْسَ مَطْلُوبَهُ.

(قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ) تَفْرِيعٌ عَلَى عَدَمِ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ لِلْمَكْرُوهِ، وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الصِّحَّةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَمْرِ مَعَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُوَافَقَةُ ذِي الْوَجْهَيْنِ الشَّرْعِ وَالْأَمْرِ قَدْرَ زَائِدٍ إذْ لَوْ تَوَقَّفَتْ الصِّحَّةُ عَلَى الْأَمْرِ لَمْ تُوصَفْ الْمُبَاحَاتُ بِالصِّحَّةِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ.

وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَهِيَ تَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهَا مَأْمُورًا بِهَا لَا فِي مُطْلَقِ الصِّحَّةِ، وَنَاقَشَهُ بَعْضُ الْحَوَاشِي بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ عَلَى الْأَمْرِ وَإِنَّمَا الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْعِبَادَةِ فَاشْتَبَهَ عَلَى سم الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَنَفْسُ الصِّحَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ سَلَّمَ وُجُودَ عِبَادَةٍ مُسْتَجْمِعَةٍ لِلشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرِ وَلَوْ الْعَامَّ كَمَا تَقَدَّمَ.

(قَوْلُهُ: أَيْ الَّتِي كُرِهَتْ) إشَارَة إلَى إسْنَادِ الْمَكْرُوهِيَّةِ إلَى الْأَوْقَاتِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلشَّيْءِ إلَى ظَرْفِهِ لِمُلَابَسَتِهِ لَهُ بِوُقُوعِهِ فِيهِ.

(قَوْلُهُ: الْمُطْلَقَةِ) أَيْ غَيْرِ الْمُقَيَّدَةِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ.

(قَوْلُهُ: كَعِنْدِ) أَيْ كَالصَّلَاةِ عِنْدَ، فَمَجْرُورُ الْكَافِ مَحْذُوفٌ فَلَا يُقَالُ: إنَّ عِنْدَ لَا تَخْرُجُ عَنْ الظَّرْفِيَّةِ إلَّا لِلْجَرِّ بِمِنْ.

(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ كَرَاهَتُهَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَلَا تَصِحُّ أَيْ لَا تَصِحُّ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْكَرَاهَةِ فِيهَا لِلتَّحْرِيمِ (قَوْلُهُ: عَمَلًا بِالْأَصْلِ) وَهُوَ الْحُرْمَةُ، وَهَذَا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ الْكَرَاهَةُ لِلتَّحْرِيمِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ) فِيهِ أَنَّ ضَمِيرَ الْمُؤَنَّثِ الْمَجَازِيِّ مُذَكَّرٌ وَهُوَ مَمْنُوعٌ إلَّا فِي ضَرُورَةٍ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ نَهْيٌ مَخْصُوصٌ أَوْ خِطَابٌ مَخْصُوصٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ:

ص: 258

وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ فَلَا تَصِحُّ أَيْضًا (عَلَى الصَّحِيحِ) إذْ لَوْ صَحَّتْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْكَرَاهَتَيْنِ أَيْ وَافَقَتْ الشَّرْعَ بِأَنْ تَنَاوَلَهَا الْأَمْرُ بِالنَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ فِيهَا لَزِمَ التَّنَاقُضُ فَتَكُونُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ مَعَ جَوَازِهَا فَاسِدَةً أَيْ غَيْرَ مُعْتَدٍ بِهَا لَا يَتَنَاوَلُهَا الْأَمْرُ فَلَا يُثَابُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: إنَّهَا عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيَةِ صَحِيحَةٌ يَتَنَاوَلَا الْأَمْرَ فَيُثَابُ عَلَيْهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا رَاجِعٌ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا كَمُوَافَقَةِ عُبَّادِ الشَّمْسِ فِي سُجُودِهِمْ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَسَيَأْتِي أَنَّ النَّهْيَ لِخَارِجٍ لَا يُفِيدُ الْفَسَادَ وَبِرُجُوعِ النَّهْيِ إلَى خَارِجٍ

ــ

[حاشية العطار]

وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ أَيْضًا) أَيْ كَمَا صَحَّحَ الْقَوْلَ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ فَقَدْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ وَفِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْهُ وَمِنْ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: بِأَنَّ تَنَاوُلَهَا الْأَمْرَ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الشَّرْعِ فِي الْعِبَادِ بِسَبَبِ الْأَمْرِ بِهَا فَيَرُدُّ حِينَئِذٍ أَنَّ تَنَاوُلَ الْأَمْرِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِلَّا لِمَا تَأْتِي الصِّحَّةُ فِي الْمُبَاحِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّحَّةِ الْمَخْصُوصَةِ أَيْ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَهِيَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ لَهَا.

(قَوْلُهُ: لَزِمَ التَّنَاقُضُ) وَهِيَ كَوْنُهَا مَطْلُوبَةَ الْفِعْلِ وَمَطْلُوبَةَ التَّرْكِ وَفِي قَوْلِهِ إذْ لَوْ صَحَّتْ إلَخْ دَلِيلٌ اسْتِثْنَائِيٌّ تَقْرِيرُهُ لَوْ صَحَّتْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْكَرَاهَتَيْنِ لَزِمَ التَّنَاقُضُ وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

(قَوْلُهُ: فَتَكُونُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا أَفَادَهُ السَّابِقُ مِنْ أَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ لَزِمَ التَّنَاقُضُ.

(قَوْلُهُ: مَعَ جَوَازِهَا فَاسِدَةً) إشَارَةً إلَى رَدِّ اسْتِشْكَالِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ لَا يَصِحُّ، وَوَجْهُ الرَّدِّ مَا قَرَّرَهُ لُزُومُ التَّنَاقُضِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ لِكَوْنِهِ تَلَاعُبًا جَوَابُهُ أَنَّ الْحُرْمَةَ لِمَعْنًى آخَرَ قَالَهُ زَكَرِيَّا، وَنَقَلَ سم عَنْ حَوَاشِيهِ لِشَرْحِ الْبَهْجَةِ لِلْعِرَاقِيِّ أَنَّ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا لَا تُنَافِي حُرْمَةَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ مَعَ أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي إبَاحَةِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا لَا يَنْعَقِدُ إذَا كَانَ الْكَرَاهَةُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ التَّلَاعُبَ اهـ.

وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَحْرُمْ الْإِقْدَامُ لَمْ يَحْرُمْ الِاسْتِمْرَارُ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ فَحَيْثُ جَازَ الِابْتِدَاءُ جَازَ الدَّوَامُ بِالْأَوْلَى هَذَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْحَقُّ عِنْدِي أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ جَزْمًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَقْلٍ لَا سَبَبَ لَهُ فَالْقَصْدُ بِهِ وَإِنَّمَا الْأَجْرُ وَتَحْرِيمُهَا أَوْ كَرَاهَتُهَا يَمْنَعُ حُصُولَهُ وَمَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ بَاطِلٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. اهـ.

(قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرَ مُعْتَدٍ بِهَا) أَيْ وَالْفَسَادُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِي الْجَوَازَ يَعْنِي عَدَمَ الْمَنْعِ شَرْعًا.

(قَوْلُهُ: فَلَا يُثَابُ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ مَانِعٌ مِنْ الثَّوَابِ.

(قَوْلُهُ: دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ) أَيْ حَيْثُ عَلَّلَ فِيهِ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ بِقَوْلِهِ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ.

(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي) أَيْ فِي مَبْحَثِ النَّهْيِ سَيَأْتِي تَمْثِيلُهُ بِالْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ لِإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ الْحَاصِلِ بِغَيْرِ الْوُضُوءِ أَيْضًا وَكَالْبَيْعِ فِي وَقْتِ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ لِتَفْوِيتِهَا الْحَاصِلِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ أَيْضًا وَكَالصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْمَغْصُوبِ، وَهَذَا تَتِمَّةٌ لِقَوْلِهِ وَالنَّهْيُ عَنْهَا إلَخْ.

(قَوْلُهُ: أَنَّ النَّهْيَ لِخَارِجٍ) أَيْ خَارِجٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَذَا قَيَّدَهُ الشَّارِحُ فِي مَبْحَثِ النَّهْيِ وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا لِخَارِجٍ غَيْرِ لَازِمِ النَّهْيُ لِتَمَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَالْمَنْهِيِّ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ أَوْ لِجُزْئِهِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ أَوْ لِخَارِجٍ غَيْرِ لَازِمٍ عَنْ الْبَيْعِ الرِّبَوِيِّ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ التَّفَاضُلُ وَمُرَادُهُمْ بِالْخَارِجِ اللَّازِمِ مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ الشَّيْءِ وَلَا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِهِ وَهُوَ اللَّازِمُ الْمُسَاوِي وَبِالْخَارِجِ غَيْرِ اللَّازِمِ مَا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ الشَّيْءِ وَهُوَ اللَّازِمُ الْأَعَمُّ فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ لَازِمَ الشَّيْءِ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّيْءِ وُجُودُهُ.

وَقَدْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ مَوْجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ أَعَمَّ مِنْ الْمَلْزُومِ، وَكُلٌّ مِنْ الْإِتْلَافِ وَالتَّفْوِيتِ وَالتَّعَرُّضِ بِالصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا لَازِمٌ لِلْوُضُوءِ وَالْبَيْعِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنْ تَحَقَّقَتْ بِغَيْرِهَا أَيْضًا وَالْحُكْمُ بِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ اشْتِبَاهِ اللَّازِمِ بِالْمَلْزُومِ. اهـ.

فَإِنَّهُ جَرَى عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ فِي تَقْسِيمِ اللَّازِمِ إلَى الْمُسَاوِي وَالْأَعَمِّ، وَأَمَّا الْأُصُولِيُّونَ فَيَخُصُّونَهُ بِالْمُسَاوِي وَيَجْعَلُونَ الْأَعَمَّ مِنْ قَبِيلِ

ص: 259

انْفَصَلَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِمْ فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ كَالصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ أَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْأَمْكِنَةِ الْمَكْرُوهَةِ فَصَحِيحَةٌ وَالنَّهْيُ عَنْهَا لِخَارِجٍ جَزْمًا كَالتَّعَرُّضِ بِهَا فِي الْحَمَّامِ لِوَسْوَسَةِ الشَّيَاطِينِ وَفِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ لِنِفَارِهَا وَفِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لِمُرُورِ النَّاسِ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يَشْغَلُ الْقَلْبَ عَنْ الصَّلَاةِ وَيُشَوِّشُ الْخُشُوعَ فَالنَّهْيُ فِي الْأَمْكِنَةِ لَيْسَ لِنَفْسِهَا بِخِلَافِ الْأَزْمِنَةِ

ــ

[حاشية العطار]

الْخَارِجِ هَذَا مَا حَرَّرَهُ سم وَنَقَلَ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ عِبَارَاتِ الْقَوْمِ (قَوْلُهُ: انْفَصَلَ الْحَنَفِيَّةُ) أَيْ تَخَلَّصُوا مِنْ اسْتِشْكَالِ كَوْنِهَا صَحِيحَةً مَعَ كَوْنِ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ وَمِثْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، فَإِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِالصِّحَّةِ مَعَ كَوْنِ الْكَرَاهَةِ تَحْرِيمِيَّةً وَوَجْهُ ذَلِكَ رُجُوعُ النَّهْيِ إلَى خَارِجٍ لَا إلَى ذَاتِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: أَيْضًا أَيْ كَمَا انْفَصَلَ الْقَائِلُ مِنَّا بِالصِّحَّةِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ.

(قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ) أَيْ فِي مَكَان أَوْ سُتْرَةٍ مَثَلًا، وَهَذَا تَنْظِيرٌ فِي كَوْنِهَا صَحِيحَةً اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ.

(قَوْلُهُ: أَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْأَمْكِنَةِ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ قَالَ زَكَرِيَّا، فَإِنْ قُلْت: لِمَ صَرَّحُوا بِالصِّحَّةِ هُنَا وَأَثْبَتُوا فِيهَا فِي الصَّلَاةِ فِي مَغْصُوبٍ خِلَافًا كَمَا سَيَأْتِي قُلْت: لِأَنَّ النَّهْيَ هُنَا لِلتَّنْزِيهِ وَثَمَّ لِلتَّحْرِيمِ.

وَقَدْ رَأَيْت فِي رِحْلَةِ الْفَخْرِ الرَّازِيّ إلَى بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مَا صُورَتُهُ قَالَ: اجْتَزْت طُوسَ فَأَنْزَلُونِي فِي صَوْمَعَةِ الْغَزَالِيِّ وَاجْتَمَعُوا عِنْدِي فَقُلْت لَهُمْ: إنَّكُمْ أَفْنَيْتُمْ أَعْمَارَكُمْ فِي قِرَاءَةِ كِتَابِ الْمُسْتَصْفَى وَكُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلًا مِنْ الدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ الْمُسْتَصْفَى إلَخْ وَيُقْرِرْهُ عِنْدِي بِعَيْنِ تَقْرِيرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ كَلَامًا آخَرَ أَجْنَبِيًّا عَنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ أَعْطَيْته مِائَةَ دِينَارٍ فَجَاءَ فِي الْغَدِ رَجُلٌ مِنْ أَذْكِيَائِهِمْ يُقَالُ لَهُ أَمِيرُ شَرَفِ شَاهْ، وَتَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لِظَنِّهِ أَنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِيهِ قَوِيٌّ.

فَقُلْت لَهُمْ: إنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ جِهَةُ كَوْنِهَا صَلَاةً مُغَايِرٌ لِجِهَةِ كَوْنِهَا غَصْبًا وَلَمَّا تَغَايَرَتْ الْجِهَتَانِ لَمْ يَبْعُدَانِ يَتَفَرَّعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَاهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ حَرَكَاتٌ وَسَكَنَاتٌ وَالْحَرَكَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحُصُولِ فِي الْحَيِّزِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي حَيِّزٍ آخَرَ، وَالسُّكُونُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحُصُولِ فِي الْحَيِّزِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَانٍ وَاحِدٍ فَالْحُصُولُ فِي الْحُصُولِ جُزْءُ مَاهِيَّةِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَهُمَا جُزْءَانِ مِنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، إذَا عُرِفَ هَذَا.

فَنَقُولُ: إنْ اعْتَبَرْنَا الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ كَانَ جُزْءُ مَاهِيَّتِهَا الْحُصُولَ فِي الْحَيِّزِ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَغْصُوبَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحُصُولَ مُحَرَّمٌ فَكَانَتْ أَجْزَاءُ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ مُحَرَّمَةً فَالْغَصْبُ وَالْمُحَرَّمُ هُنَا جُزْءٌ مِنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ فَيَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ يُوجِبُ الْأَمْرَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَشَغْلَ ذَلِكَ الْحَيِّزِ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنْهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَوَارُدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّ مَا تَخَيَّلَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ كَلَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَمَّا قَرَرْت هَذَا الْكَلَامَ انْقَطَعَ الْأَمِيرُ شَرَفُ شَاهْ اهـ.

(قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ عَنْهَا لِخَارِجٍ) أَيْ خَارِجٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ: كَالتَّعَرُّضِ إلَخْ تَمْثِيلٌ لِلْخَارِجِ الْغَيْرِ اللَّازِمِ، فَإِنَّ التَّعَرُّضَ لِلْوَسْوَسَةِ أَوْ نِفَارِ الْإِبِلِ أَوْ مُرُورِ النَّاسِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ فِي الْأَمْكِنَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا فَلَا يَكُونُ النَّهْيُ لِخَارِجٍ لَازِمٍ حَتَّى يَقْتَضِيَ الْفَسَادَ؛ لِأَنَّ بِاللَّازِمِ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

(قَوْلُهُ: لَيْسَ لِنَفْسِهَا) يَعْنِي لَيْسَ لِنَفْسِ الصَّلَاةِ وَلَا لِلَازِمِهَا بِخِلَافِهِ فِي الْأَزْمِنَةِ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَأَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي نَفْسِهَا لِلصَّلَاةِ وَهُوَ أَقْرَبُ مَعْنًى مِنْ جَعْلِهِ لِلْمَكَانِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْكَمَالِ وَصَرَّحَ بِهِ النَّاصِرُ.

(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَزْمِنَةِ) أَيْ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لِنَفْسِ الْأَزْمِنَةِ أَوْ الصَّلَاةِ وَأَوْرَدَ أَنَّ مُوَافَقَةَ عُبَّادِ الشَّمْسِ فِي الزَّمَانِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ كَمَا أَنَّ الْوَسْوَسَةَ وَالنَّفَاذَ فِي الْأَمْكِنَةِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَلَمْ يَتَّضِحْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا

ص: 260

عَلَى الْأَصَحِّ فَأَفْرَقَتَا وَاحْتَرَزَ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ عَنْ الْمُقَيَّدِ بِغَيْرِ الْمَكْرُوهِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ قَطْعًا.

(أَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَهُ جِهَتَانِ) لَا لُزُومَ بَيْنَهُمَا

ــ

[حاشية العطار]

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُلَازَمَةَ فِي الْمَكَانِ أَعَمُّ؛ لِأَنَّ الشُّغْلَ وَالْوَسْوَسَةَ وَنَحْوَهَا قَدْ تُوجَدُ بِدُونِ الصَّلَاةِ.

وَقَدْ تُوجَدُ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا بِخِلَافِ الْمُلَازَمَةِ فِي الْأَزْمِنَةِ، فَإِنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ لِعُبَّادِ الشَّمْسِ لَازِمَةٌ لِلصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، فَإِنْ قُلْت كَذَلِكَ إذَا الْتَفَتَ لِلصَّلَاةِ فِي الْأَمْكِنَةِ الْمَخْصُوصَةِ كَانَتْ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ لَازِمَةً لَهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.

وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُلَازَمَةَ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ زَوَالُ الْوَصْفِ عَنْهَا بِخِلَافِ الْأَمْكِنَةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَزُولَ عَنْهَا الْوَصْفُ فِي الْحَالِ بِأَنْ يَنْتَقِلَ الْكَلَامُ لِلسَّجْدِيَّةِ أَوْ الْمِلْكِيَّةِ وَبِأَنَّ الْفِعْلَ فِي حَالِ إيقَاعِهِ يُمْكِنُ نَقْلُهُ لِمَكَانٍ آخَرَ بِخِلَافِ الزَّمَانِ فَتَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ) مُقَابَلَةُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْأَزْمِنَةِ لِخَارِجٍ كَمُوَافَقَةِ عُبَّادِ الشَّمْسِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَأَيْضًا الْمُوَافَقَةُ الْمَذْكُورَةُ بَيَانٌ لِحِكْمَةِ النَّهْيِ وَلَيْسَتْ عِلَّةً لِعَدَمِ اطِّرَادِهَا وَإِلَّا لَحُرِّمَتْ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ وَمَعَ وُجُودِ السَّبَبِ، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ نَهَى عَنْ كَذَا لِنَفْسِهِ وَلَازِمُهُ إلَخْ نَهَى عَنْهُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ لَازِمِهِ.

(قَوْلُهُ: بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ) وَهُوَ مَا أَخَذَ لَا بِقَيْدٍ لَكِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ مَا اُعْتُبِرَ مَعَهُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ وَحِينَئِذٍ يُقَابِلُ الْمُقَيَّدُ فَصَحَّ الِاحْتِرَازُ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: أَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ) مُقَابِلٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ لَيْسَ لَهُ جِهَتَانِ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ جِهَتَانِ إلَخْ فَمَحَطُّ الْمُقَابِلَةَ قَوْلُهُ: لَا لُزُومَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ أَيْ الَّذِي لَهُ جِهَةٌ أَوْ لَهُ جِهَتَانِ بَيْنَهُمَا لُزُومٌ فِي الْأَوَّلِ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّ لَهَا جِهَةً وَاحِدَةً وَهِيَ كَوْنُهَا صَلَاةً وَالثَّانِي كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَالْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ هُوَ الْجُزْئِيُّ الْحَقِيقِيُّ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ التَّقْيِيدِ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُمْ قَابَلُوهُ بِالْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْعَضُدُ وَغَيْرُهُ وَمُقَابِلُ الْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ، بَلْ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ بِالنَّوْعِ يَدُلُّ لَهُ أَنَّ الْأَصْفَهَانِيَّ عَبَّرَ بَدَلَ الْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ بِالْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ تَمْثِيلِهِمْ الصَّلَاةَ فِي الْمَغْصُوبِ بِقُيُودٍ تُصَيِّرُهَا وَاحِدًا بِالشَّخْصِ كَصَلَاةِ زَيْدٍ الْفُلَانِيَّةِ فِي يَوْمِ كَذَا فِي سَاعَةِ كَذَا فِي دَارِ عَمْرٍو بِغَيْرِ رِضَاهُ أَوْ يُقَدَّرُ الْمُضَافُ أَيْ كَجُزْءِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَيْ الْجُزْءِ الْحَقِيقِيِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ تَرَكَ التَّقْيِيدَ لِظُهُورِ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْخَارِجِ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا بِالشَّخْصِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ سم أَيْ حَاجَةٌ إلَى فَرْضِ هَذَا الْكَلَامِ فِي الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ وَهَلَّا فَرْضٌ فِي الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ بِالنَّوْعِ كَمُطْلَقِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ مَثَلًا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى أَفْرَادِهِ الشَّخْصِيَّةِ لَا إلَى جِهَاتِهِ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ بِالنَّظَرِ لِفَرْدٍ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالنَّظَرِ لِآخَرَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.

(قَوْلُهُ: لَا لُزُومَ بَيْنَهُمَا) وَإِلَّا كَانَا كَالْجِهَةِ الْوَاحِدَةِ وَذَلِكَ كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْهُ لِلْإِعْرَاضِ عَنْ صِيَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ لَازِمٌ لِلصَّوْمِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ يَسْتَلْزِمُ الْمُطْلَقَ فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَوْمٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُقَيَّدٌ بِيَوْمِ النَّحْرِ.

وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ فَالْجِهَتَانِ فِيهَا مُنْفَكَّتَانِ وَلَمَّا كَانَ الزَّمَنُ دَاخِلًا فِي مَاهِيَّةِ الصَّوْمِ دُونَ الْمَكَانِ فِي الصَّلَاةِ قِيلَ بِاسْتِلْزَامِ الْمُقَيَّدِ لِلْمُطْلَقِ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ دُونَ الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ الْمُقَيَّدَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُطْلَقِ فِيهَا أَيْضًا إذْ هِيَ صَلَاةٌ وَصَلَاةٌ فِي مَغْصُوبٍ لِانْفِكَاكِ الصَّلَاةِ فِي مِلْكِهِ مَثَلًا أَوْ الْمَسْجِدِ عَنْ الْغَصْبِ.

وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ الزَّمَانِ لِدُخُولِهِ فِي مَفْهُومِهِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ وَلَا يُشْكِلُ عَلَى مَا ذَكَرَ صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مَعَ تَحَقُّقِ النَّهْيِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لَيْسَ لِأَمْرٍ لَازِمٍ بَلْ لِخَارِجٍ كَالضَّعْفِ عَنْ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ إذَا كَانَ لِنَفْسِ الْعِبَادَةِ

ص: 261

(كَالصَّلَاةِ فِي) الْمَكَانِ (الْمَغْصُوبِ) فَإِنَّهَا صَلَاةٌ وَغَصْبٌ أَيْ شَغْلٌ أَيْ مِلْكُ الْغَيْرِ عُدْوَانًا وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُوجَدُ بِدُونِ الْآخَرِ (فَالْجُمْهُورُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا (تَصِحُّ) تِلْكَ الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ وَاحِدٌ بِالشَّخْصِ إلَخْ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا نَظَرًا لِجِهَةِ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا (وَلَا يُثَابُ) فَاعِلُهَا عُقُوبَةً لَهُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ (وَقِيلَ يُثَابُ) مِنْ جِهَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ عُوقِبَ مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ فَقَدْ يُعَاقَبُ بِغَيْرِ حِرْمَانِ الثَّوَابِ أَوْ بِحِرْمَانِ بَعْضِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَالْأَوَّلُ تَقْرِيبُ رَادِعٍ

ــ

[حاشية العطار]

أَوْ لَازِمَهَا.

(قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ زَيْدٍ هَذِهِ الْمُتَحَقِّقَةُ خَارِجًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ وَالصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَاحِدٌ بِالنَّوْعِ.

(قَوْلُهُ: فِي الْمَغْصُوبِ) أَيْ فِي ثَوْبٍ أَوْ مَكَان، وَقَدْ مَثَّلَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ بِالدَّارِ وَالثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ وَالْإِنَاءِ وَالْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ وَالرَّاحِلَةِ الْمَغْصُوبَةِ فِي الْحَجِّ فَلَا وَجْهَ لِمَا فِي الشَّرْحِ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْمَكَانِ، فَإِنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ الْعُمُومَ لِحَذْفِهِ الْمَوْصُوفَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُجَرَّدُ التَّمْثِيلِ فَيَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ أَوْ أَنَّ تَقْدِيرَ الْمَكَانِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِهِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ.

(قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا صَلَاةٌ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذَا جِهَتَيْنِ.

(قَوْلُهُ: أَيْ شَغَلَ مِلْكَ الْغَيْرِ إلَخْ) فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: الْغَصْبُ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ وَوَضْعُ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ مَكَانَهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ أَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى بِسَاطِ زَيْدٍ مَثَلًا يُعَدُّ غَصْبًا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ مِلْكَ الْغَيْرِ وَعِنْدَهُمْ لَا يُعَدُّ غَصْبًا إلَّا إذَا نَقَلَهُ وَمَا دَامَ جَالِسًا عَلَيْهِ لَا يُقَالُ لَهُ: غَاصِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْيَدَ الْمُحِقَّةَ، وَإِنْ كَانَ الْجُلُوسُ عِنْدَهُمْ حَرَامًا وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ ضَمِنَ عِنْدَنَا لَا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْغَصْبَ شَامِلٌ لِشَغْلِ اسْتِحْقَاقِ الْغَيْرِ عُدْوَانًا أَيْضًا كَمَا إذَا أَزْعَجَهُ مِنْ مَكَان يَسْتَحِقُّ الْجُلُوسَ فِيهِ وَصَلَّى مَكَانَهُ وَإِنَّمَا بِالشَّغْلِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي مَعْنَى الْغَصْبِ.

(قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنْهَا يُوجَدُ) أَيْ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ اللُّزُومِ.

(قَوْلُهُ: فَالْجُمْهُورُ إلَخْ) هَذَا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ وَفِيهِ خُلُوُّ الْجُمْلَةِ عَنْ رَابِطٍ، ثُمَّ الْمُنَاسِبُ لِلْمُقَابَلَةِ أَنْ يَقُولَ فَالْجُمْهُورُ قَالُوا: يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ فَتَصِحُّ تِلْكَ الصَّلَاةُ إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ فَرْعُ التَّنَاوُلِ.

(قَوْلُهُ: أَوْ نَفْلًا) نَبَّهَ بِهِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي مَطْلَبِهِ عِنْدِي أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَقْصُودَيْنِ: أَدَاءُ مَا وَجَبَ، وَحُصُولُ الثَّوَابِ فَيَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الثَّوَابِ كَالزَّكَاةِ إذَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَالِكِ قَهْرًا، فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْعِقَابُ أَمَّا النَّفَلُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الثَّوَابُ فَقَطْ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ فَكَيْفَ يَنْعَقِدُ أَيْ فَلَا يَصِحُّ وَجَوَابُهُ أَوَّلًا مَنْعُ كَوْنِ الْمَقْصُودِ فِي النَّفْلِ الثَّوَابَ فَقَطْ بَلْ فِيهِ أَدَاءُ مَا نُدِبَ أَيْضًا وَثَانِيًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا يُثَابُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْجُزْءَ بِنَفْيِ الثَّوَابِ بَلْ أَطْلَقَهُ تَقْرِيبًا لِلرَّدْعِ عَنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ فَلَا يُنَافِي حُصُولَ ثَوَابٍ اهـ. زَكَرِيَّا.

(قَوْلُهُ: عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ) كُلٌّ مِنْ الْمَجْرُورَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِعُقُوبَةٍ إذْ لَا مَعْنَى لِنَفْيِ الثَّوَابِ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ اهـ. نَاصِرٌ.

وَيُرْشِدُ إلَى مَا اخْتَارَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدُ، وَإِنْ عُوقِبَ مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ عُوقِبَ) يَحْتَمِلُ الْمُبَالَغَةَ وَقَوْلُهُ: فَقَدْ يُعَاقَبُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يُثَابُ مَعَ أَنَّهُ يُعَاقَبُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: فَقَدْ يُعَاقَبُ، جَوَابُهُ وَهُوَ أَظْهَرُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ بَعْدُ.

(قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ) قَدْ يُعَارِضُهُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْفُرُوعِ مِنْ سُقُوطِ الثَّوَابِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ كَالصَّلَاةِ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إلَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا أَسْقَطَتْ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ الثَّوَابَ فَكَيْفَ بِالتَّحْرِيمِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ السُّقُوطُ فِي هَذِهِ الْمَكْرُوهَاتِ عَلَى الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ وَيَلْتَزِمُ حُصُولُ الثَّوَابِ عَلَى مَا هُنَا أَوْرَدَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُنَا مِنْ التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ إذْ لَا مَعْنَى لِسُقُوطِ الثَّوَابِ مَعَ التَّنْزِيهِ وَثُبُوتِهِ مَعَ التَّحْرِيمِ مَعَ رُجُوعِ النَّهْيِ لِخَارِجٍ فِيهِمَا، اهـ مِنْ سم.

(قَوْلُهُ: تَقْرِيبُ) أَيْ لِلْفَهْمِ لِقِلَّةِ الِاحْتِمَالَاتِ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا فِيهِ إبْعَادٌ لِلْفَهْمِ.

(قَوْلُهُ: رَادِعٍ) أَيْ زَاجِرٍ حَيْثُ ذَكَرَ

ص: 262

عَنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى.

(وَ) قَالَ (الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ (لَا تَصِحُّ) لِلصَّلَاةِ مُطْلَقَةً نَظَرًا لِجِهَةِ الْغَصْبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ) لِلصَّلَاةِ (عِنْدَهَا) ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَأْمُرُوا بِقَضَائِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَا (وَ) قَالَ الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لَا صِحَّةَ) لَهَا (وَلَا سُقُوطَ) لِلطَّلَبِ عِنْدَهَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ.

وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ مُتَعَمِّقُونَ

ــ

[حاشية العطار]

الِاحْتِمَالَ الْمُخِيفَ وَهُوَ حِرْمَانُ كُلِّ الثَّوَابِ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ احْتِمَالُ أَنْ لَا يُعَاقَبَ أَصْلًا وَأَنْ يُعَاقَبَ بِغَيْرِ حِرْمَانِ الثَّوَابِ أَوْ بِحِرْمَانِ بَعْضِهِ فَقَطْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى جَرَيَانِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَالثَّانِي قَرَّرَ الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَالْأَوَّلُ اقْتَصَرَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَى بَعْضِهَا تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى) أَيْ لِأَنَّ نَفْيَ الثَّوَابِ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْصِيَةِ، وَإِثْبَاتَهُ عَلَى الثَّانِي مِنْ جِهَةِ الصَّلَاةِ.

(قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ) فِي الْبُرْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَا نَصُّهُ فَأَمَّا الْقَاضِي فَقَدْ سَلَكَ مَسْلَكًا آخَرَ فَسَلَّمَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ لَيْسَتْ تَقَعُ مَأْمُورًا بِهَا وَلَكِنْ يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهَا كَمَا يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِأَعْذَارٍ تَطْرَأُ كَالْجُنُونِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا عِنْدِي حَائِدٌ عَنْ التَّحْصِيلِ غَيْرَ لَائِقٍ بِمَنْصِبِ هَذَا الرَّجُلِ الْخَطِيرِ، فَإِنَّ الْأَعْذَارَ الَّتِي يَنْقَطِعُ الْخِطَابُ عِنْدَهَا مَحْصُورَةٌ وَالْمَصِيرُ إلَى سُقُوطِ الْأَمْرِ عَنْ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الِامْتِثَالِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا بِسَبَبِ مَعْصِيَةِ لَابِسِهَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ غَايَةُ الْقَاضِي فِي مَسْلَكِهِ هَذَا ادِّعَاءُ الْإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِ الْأَمْرِ عَمَّنْ يُقِيمُ الصَّلَاةَ فِي الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ، ثُمَّ أَخَذَ يُطَوِّلُ دَعْوَاهُ وَيَعْرِضُهَا قَائِلًا لَمْ يَأْمُرْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ الْغُصَّابَ بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي أَقَامُوهَا فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَاَلَّذِي ادَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ لَا يَسْلَمْ فَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ مُتَعَمِّقُونَ فِي التَّقْوَى يَأْمُرُونَ بِالْقَضَاءِ بِدُونِ مَا فَرَضَهُ الْقَاضِي وَتَقْدِيرُ الْإِجْمَاعِ مَعَ ظُهُورِ خِلَافِ السَّلَفِ عُسْرٌ، ثُمَّ إنْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ فَكَمَا نَقَلَ عَنْهُمْ سُقُوطَ الْأَمْرِ نَقَلَ عَنْهُمْ أَنَّ الْمَوْقِعَ صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، فَلَئِنْ كَانَ يَعْتَصِمُ عَلَى الْخَصْمِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ فِي غَيْرِ مَا يَنْقُلُهُ، وَلَعَلَّ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ الْمُجْزِئَةَ لَيْسَتْ مَعْصِيَةً أَسْعَدُ حَالًا فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مِمَّنْ يَدَّعِي وِفَاقَ الْمَاضِينَ عَلَى إسْقَاطِ الْأَمْرِ بِسَبَبِ مَعْصِيَتِهِ اهـ.

وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ، وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ. . . إلَخْ رَدٌّ لِدَلِيلِ الْقَاضِي حَسْبَمَا قَرَّرَهُ الْإِمَامُ فَذِكْرُهُ فِي خِلَالِ الْمَنْقُولِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ إخْلَالٌ.

(قَوْلُهُ: وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهَا) أَيْ لَا بِهَا كَمَا يَسْقُطُ غَسْلُ الْيَدِ عِنْدَ قَطْعِهَا كَذَا نَظَرَ الْحَوَاشِي وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي نَقْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي التَّنْظِيرَ بِالْعُذْرِ الطَّارِئِ.

(قَوْلُهُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ) فِي الْمَنْخُولِ لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ هَذَا الْقَوْلُ لِأَبِي هَاشِمٍ الْجُبَّائِيُّ أَيْضًا قَالَ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمُكْثَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالصَّلَاةُ مُكْثٌ فِي الدَّارِ بِحَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ وَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُ النَّهْيِ طَاعَةً إذْ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى وَصْفِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِالْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْبَيْعَ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ وَتَحْرِيمِ الْمُودِعِ بِصَلَاةٍ.

وَقَدْ طُولِبَ بِالرَّدِّ وَأَجْنَاسٍ لِهَذِهِ الْمَسَائِلِ فَارْتَبَكَ وَقَالَ: أَقْضِي بِفَسَادِ كُلِّ عَقْدٍ يُمْكِنُ التَّحْرِيمُ فِيهِ إنْ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ.

(قَوْلُهُ: مُتَعَمِّقُونَ) أَيْ مُحْتَاطُونَ وَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّعَمُّقَ الْمَذْمُومَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ لَائِقٍ بِمَقَامِهِمْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّ الْأَكْوَانَ الَّتِي بَنَى الْخَصْمُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا مَعْصِيَةٌ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهَا غَصْبًا وَنَدَّعِي وَرَاءَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ أَجْرَى الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِإِيضَاحِهَا، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَيْسَ تَحَيُّزُ مَكَان مَخْصُوصٍ مِنْ مَقْصُودِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ يُلَوِّحُ بِضَرْبِ مِثَالٍ، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ لَا تَقْعُدْ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَا تَدْخُلْ دَارِي هَذَا الْيَوْمَ، فَإِذَا عَصَاهُ وَجَاوَزَ حُكْمَ نَهْيِهِ وَتَعَدَّاهُ وَدَخَلَ دَارِهِ وَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا كَمَا أَمَرَهُ وَخَاطَ الثَّوْبَ الَّذِي رَسَمَ لَهُ خِيَاطَتَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُعَدُّ مُمْتَثِلًا فِي الْخِيَاطَةِ وَهُوَ وَإِنْ عَصَاهُ بِدُخُولِ الدَّارِ فَإِنَّهُ فِي أَمْرِهِ بِالْخِيَاطَةِ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ لُزُومَ بُقْعَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَلِذَلِكَ يَحْسُنُ مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: إنْ عَصَيْتُك بِدُخُولِ الدَّارِ لَمْ أَعْصِك فِيمَا أَمَرْتنِي بِهِ مِنْ إدَامَةِ الْقِيَامِ طُولَ النَّهَارِ اهـ.

1 -

(تَذْيِيلٌ) رَأَيْت فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ حَزْمٍ مَا نَصُّهُ

ص: 263

فِي التَّقْوَى يَأْمُرُونَ بِقَضَائِهَا (وَالْخَارِجُ مِنْ) الْمَكَانِ (الْمَغْصُوبِ تَائِبًا) أَيْ نَادِمًا عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ عَازِمًا عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ (آتٍ بِوَاجِبٍ) لِتَحَقُّقِ التَّوْبَةِ الْوَاجِبَةِ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ.

(وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ هُوَ آتٍ (بِحَرَامٍ) ؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْخُرُوجِ شُغْلٌ بِغَيْرِ إذْنٍ كَالْمُكْثِ وَالتَّوْبَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَ انْتِهَائِهِ إذْ لَا إقْلَاعَ إلَّا حِينَئِذٍ.

(وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ)

ــ

[حاشية العطار]

كُلُّ أَمْرٍ عُلِّقَ بِوَصْفِ مَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْعَمَلُ الْمَأْمُورُ بِهِ إلَّا بِمَا عُلِّقَ بِهِ، فَلَوْ لَمْ يَأْتِ الْمَأْمُورُ كَمَا أُمُرِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ وَهُوَ عَاصٍ بِمَا فَعَلَ وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَنُوبُ عَنْ الطَّاعَةِ وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ فِي عَقْلِ ذِي عَقْلٍ فَمِنْ ذَلِكَ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ مَغْصُوبٍ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ أَصَلَّى فِي مَكَان نُهِيَ عَنْ الْإِقَامَةِ فِيهِ، كَمَكَانٍ نَجِسٍ أَوْ مَغْصُوبٍ أَوْ فِي عَطَنِ إبِلٍ أَوْ إلَى قَبْرٍ أَوْ مَنْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ حَيَوَانَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ بِآنِيَةِ فِضَّةٍ أَوْ بِإِنَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ بِإِنَاءِ ذَهَبٍ، فَكُلُّ هَذَا لَا يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضٌ فَمَنْ صَلَّى كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يُصَلِّ وَمَنْ تَوَضَّأَ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَمَنْ ذَبَحَ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَذْبَحْ وَهِيَ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَكْلُهَا لَا لِرَبِّهَا وَلَا لِغَيْرِهِ وَعَلَى ذَابِحِهَا ضَمَانُ مِثْلِهَا حَيَّةً؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا أُمِرَ.

وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ اسْتِعْمَالِ تِلْكَ السِّكِّينِ وَعَنْ ذَبْحِ حَيَوَانِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ وَعَنْ إقَامَةٍ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ وَأَمَرَ بِالْإِقَامَةِ لِلصَّلَاةِ وَبِتَزْكِيَةِ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَبِضَرُورَةِ الْعَقْلِ عَلِمْنَا أَنَّ الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ غَيْرُ الْعَمَلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ إقَامَتَهُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ لَيْسَتْ الْإِقَامَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ اللَّهُ عز وجل آمِرًا بِهَا نَاهِيًا عَنْهَا إنْسَانًا وَاحِدًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا مِمَّا قَدْ تَنَزَّهَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ عَنْهُ فِي إخْبَارِهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَلَيْسَ اجْتِنَابُ الشَّيْءِ وَالْإِتْيَانُ بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي وُسْعِ أَحَدٍ فَصَحَّ مَا قُلْنَا. اهـ.

(قَوْلُهُ: نَائِبًا) أَيْ مَعَ السُّرْعَةِ وَسُلُوكِ أَقْرَبِ الطُّرُقِ وَأَقَلِّهَا ضَرَرًا فَإِذَا تَعَارَضَ طَرِيقٌ بَعِيدَةٌ أَقَلَّ ضَرَرًا وَطَرِيقٌ قَرِيبَةٌ أَكْثَرَ ضَرَرًا فَالظَّاهِرُ تَعْيِينُ سُلُوكِ الْأُولَى وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي تَفْسِيرِ التَّوْبَةِ عَلَى جُزْأَيْنِ مِنْ أَجْزَاءِ مَفْهُومِهَا؛ لِأَنَّ الْإِقْلَاعَ وَهُوَ ثَالِثُهَا قَدْ تَحَقَّقَ بِقَوْلِهِ الْخَارِجِ وَلَوْ أُرِيدَ بِالتَّوْبَةِ حَقِيقَتُهَا الْمُتَنَاوِلُ لِلْإِقْلَاعِ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ قَيْدًا فِي جُزْأَيْهِ لِأَنَّ تَائِبًا حَالٌ وَهُوَ مُتَضَمَّنٌ لِلْإِقْلَاعِ وَصَاحِبُ الْحَالِ ضَمِيرُ الْخَارِجِ وَعَامِلُهَا خَارِجٌ وَالْحَالُ قَيْدٌ لِلْعَامِلِ قَالَهُ النَّاصِرُ.

وَقَدْ يُقَالُ: الْإِقْلَاعُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ الْكَفُّ امْتِثَالًا وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ اعْتِبَارَ قَيْدِ الِامْتِثَالِ فِي الْإِقْلَاعِ مَمْنُوعٌ وَيَحْتَاجُ فِيهِ لِنَقْلٍ عَنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَلَوْ فَرَضَ اعْتِبَارَهُ فَتَحَقَّقَ النَّدَمُ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ لِإِفَادَتِهِ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ النَّدَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يَقْتَضِي مُصَاحَبَةَ الْإِقْلَاعِ لِلِامْتِثَالِ عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِقْلَاعِ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ حَالَ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ بِانْتِهَاءِ الْخُرُوجِ فَلِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ.

(قَوْلُهُ: آتٍ بِوَاجِبٍ) فَتَكُونُ الْمَعْصِيَةُ قَدْ انْقَضَتْ عِنْدَ الْأَخْذِ فِي الْخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ حَرَامًا لِلْقُدُومِ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: لِتَحَقُّقِ التَّوْبَةِ الْوَاجِبَةِ) أَيْ ثُبُوتِهَا وَحُصُولِ حَقِيقَتِهَا بِمَا أَتَى بِهِ إذْ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَالْعِبَارَةُ الْمُفِيدَةُ لِذَلِكَ مَعَ الْوُضُوحِ أَنْ يُقَالَ: إذْ لَا تَتَحَقَّقُ التَّوْبَةُ الْوَاجِبَةُ إلَّا بِمَا أَتَى بِهِ اهـ. كَمَالٌ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ إجْمَاعًا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَطْلُوبًا بِفِعْلِهِ، فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَزِمَ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِتَرْكِهِ أَيْضًا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَهُوَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَالْمُعْتَزِلَةِ لَا يَقُولُونَ بِهِ فَلَزِمَ أَبَا هَاشِمٍ مُخَالَفَةُ أَصْلِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَإِنْ حَافَظَ هُنَا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ إلَخْ قَبِيحٌ كَالْمُكْثِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي الْبُرْهَانِ هَكَذَا الَّذِي هُوَ الْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَعْرُوضٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ الْمَظَالِمِ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ غَصَبَ مَالًا وَغَابَ عَنْهُ، ثُمَّ نَدِمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَتَابَ وَاسْتَرْجَعَ وَأَنَابَ وَأَتَى بِتَوْبَتِهِ عَلَى شُرُوطِهَا فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُحَصِّلُونَ أَنَّ سُقُوطَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يُتَنَجَّزُ إمَّا مَقْطُوعًا بِهِ عَلَى رَأْيٍ أَوْ مَظْنُونًا عَلَى رَأْيٍ.

وَأَمَّا

ص: 264

مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ (هُوَ مُرْتَبِكٌ) أَيْ مُشْتَبِكٌ (فِي الْمَعْصِيَةِ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ) عَنْهُ مِنْ طَلَبِ الْكَفِّ عَنْ الشُّغْلِ بِخُرُوجِهِ تَائِبًا الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يَخْلُصُ بِهِ مِنْهَا لِبَقَاءِ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ بِدُخُولِهِ مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي هُوَ حِكْمَةُ النَّهْيِ فَاعْتُبِرَ فِي الْخُرُوجِ جِهَةُ مَعْصِيَةٍ وَجِهَةُ طَاعَةٍ، وَإِنْ لَزِمَتْ الْأُولَى الثَّانِيَةَ

ــ

[حاشية العطار]

مَا يَتَعَلَّقُ بِمُطَالَبَةِ الْآدَمِيِّينَ فَالتَّوْبَةُ لَا تُبْرِؤُهُ مِنْهَا وَلَسْت أَعْنِي بِهِ الْغُرْمَ وَإِنَّمَا أَعْنِي بِهِ إلْحَاقَهُ الطَّلَبَةَ فِي الْقِيَامَةِ فَأَمَّا الْمَغَارِمُ فَقَدْ تَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ امْتِثَالٍ إلَى الْمَأْثَمِ كَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَى الطِّفْلِ بِسَبَبِ مَا جَنَى أَوْ أَتْلَفَ وَالسَّبَبُ فِي بَقَاءِ الْمَظْلَمَةِ مَعَ حَقِيقَةِ النَّدَمِ وَتَصْمِيمِ الْعَزْمِ عَلَى اسْتِفْرَاغِ كُنْهِ الْجَهْدِ فِي مُحَاوِلَةِ الْخُرُوجِ عَنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ أَنَّ الَّذِي تَوَرَّطَ فِيمَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ لَا يُنْجِيهِ النَّدَمُ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَمَّا خَاضَ فِيهِ فَإِذَا وَضَحَ ذَلِكَ انْعَطَفْنَا عَلَى غَرَضِ الْمَسْأَلَةِ قَائِلِينَ مَنْ تَخَطَّى أَرْضًا مَغْصُوبَةً نَظَرَ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ مُتَعَدِّيًا فَهُوَ مَأْمُورًا بِالْخُرُوجِ وَلَيْسَ خَارِجًا مِنْ الْعُدْوَانِ وَالْمَظْلَمَةِ؛ لِأَنَّهُ كَائِنٌ فِي الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمَعْصِيَةُ مُسْتَمِرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي حَرَكَاتِهِ فِي صَوْبِ الْخُرُوجِ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَهَذَا يَلْتَفِتُ عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّهَا تَقَعُ امْتِثَالًا مِنْ وَجْهٍ وَغَصْبًا وَاعْتِدَاءً مِنْ وَجْهٍ فَكَذَلِكَ الذَّاهِبُ إلَى صَوْبِ الْخُرُوجِ مُمْتَثِلٌ مِنْ وَجْهٍ عَاصٍ بِبَقَائِهِ مِنْ وَجْهٍ.

فَإِنْ قِيلَ: إدَامَةُ حُكْمِ الْعِصْيَانِ عَلَيْهِ تُتَلَقَّى مِنْ أَرْتِكَابه نَهْيًا وَالْإِمْكَانُ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَنْهِيَّاتِ اعْتِبَارُهُ فِي الْمَأْمُورَاتِ فَكَيْفَ الْوَجْهُ فِي إدَامِهِ مَعْصِيَتَهُ فِيمَا لَا يَدْخُلُ فِي وُسْعِهِ الْخَلَاصُ مِنْهُ

قُلْنَا: تُسَبِّبُهُ إلَى مَا تَوَرَّطَ فِيهِ آخِرًا سَبَبُ مَعْصِيَتِهِ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا مَنْهِيًّا عَنْ الْكَوْنِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ مَعَ بَذْلِهِ الْمَجْهُودَ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا وَلَكِنَّهُ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَهَذَا تَمَامُ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ) فَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامُ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ لَوْ تَعَلَّقَ عِنْدَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مَعًا بِالْخُرُوجِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَعَلُّقُ النَّهْيِ مُنْتَفٍ عِنْدَهُ لِانْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ.

(قَوْلُهُ: عَنْهُ) مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ وَالضَّمِيرُ لِلْخُرُوجِ وَيَصِحُّ تَعَلُّقُ الْجَارِّ بِانْقِطَاعِ وَرُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلشَّخْصِ.

(قَوْلُهُ: مِنْ طَلَبِ الْكَفِّ) بَيَانٌ لِتَكْلِيفِ النَّهْيِ وَالْأَوْلَى إبْدَالُ طَلَبٍ بِإِلْزَامٍ لِيُوَافِقَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ التَّكْلِيفَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ لَا طَلَبُهُ.

(قَوْلُهُ: بِخُرُوجِهِ) صِلَةُ انْقِطَاعٍ وَالْمُرَادُ بِخُرُوجِهِ أَخَذَهُ فِي السَّيْرِ لِلْخُرُوجِ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ إذْ حَقِيقَةُ الْخُرُوجِ الِانْفِصَالُ عَنْ الْمَكَانِ.

(قَوْلُهُ: الْمَأْمُورِ بِهِ) صِفَةٌ لِخُرُوجِهِ وَقَوْلُهُ: فَلَا يَخْلُصُ بِهِ أَيْ بِالْخُرُوجِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَقَوْلُهُ: مِنْهَا أَيْ الْمَعْصِيَةِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ مُشْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ وَتَفْرِيعُ عَدَمِ الْخُلُوصِ عَلَى الِاشْتِبَاكِ فِي الْمَعْصِيَةِ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ قَالَ سم وَكَأَنَّ النَّاصِرَ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ فَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلتَّفْرِيعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ هُوَ الْخُلُوصُ لَا عَدَمُهُ.

(قَوْلُهُ: لِبَقَاءِ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ)، فَإِنْ قِيلَ: لَا مَعْصِيَةَ إلَّا بِفِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ انْقِطَاعَ تَكْلِيفِ النَّهْيِ لَمْ يَبْقَ لِلْمَعْصِيَةِ جِهَةٌ قُلْنَا: إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يُسَلِّمُ أَنَّ دَوَامَ الْمَعْصِيَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ بَلْ يَخُصُّ ذَلِكَ بِابْتِدَاءِ الْمَعْصِيَةِ قَالَهُ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَجَوَابَهُ مَذْكُورٌ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَوْرَدَ النَّاصِرُ السُّؤَالَ بِعَيْنِهِ سَاكِتًا عَنْ جَوَابِهِ.

(قَوْلُهُ: مِنْ الضَّرَرِ) بَيَانٌ لِمَا أَيْ مِنْ ضَرَرٍ الْمَالِكِ يَشْغَلُهُ مِلْكُهُ عُدْوَانًا.

(قَوْلُهُ: فَاعْتَبَرَ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ وَهِيَ أَضْرَارُ الْغَيْرِ بِشَغْلِ مِلْكِهِ عُدْوَانًا وَجِهَةَ طَاعَةٍ بِأَخْذِهِ فِي الْخُرُوجِ تَائِبًا.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَزِمَتْ الْأُولَى الثَّانِيَةَ) جَعَلَ اللَّازِمَ هُوَ الْأُولَى إذْ الْخُرُوجُ تَائِبًا يَلْزَمُهُ شَغْلُ مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا الثَّانِيَةُ إذْ الشَّغْلُ الْمَذْكُورُ لَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ تَائِبًا، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ لَزِمَتْ الْأُولَى الثَّانِيَةَ تَنْبِيهٌ عَلَى فَسَادِ هَذَا الِاعْتِبَارِ بِأَنَّ لُزُومَ الْمَعْصِيَةِ لِلطَّاعَةِ يَصِيرُ الْفِعْلُ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى الِامْتِثَالِ بِهِ كَذَا فِي النَّاصِرِ، قَالَ سم وَالتَّنْبِيهُ الْمَذْكُورُ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ اللُّزُومَ لَا يُرَدُّ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا يُوجِبُ كَوْنَ ذَلِكَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ لَوْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ هُنَا مَعْصِيَةً حَقِيقَةً وَهِيَ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ قِيَامِ النَّهْيِ عَنْهُ وَعَدَمِ انْقِطَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ

ص: 265

وَالْجُمْهُورُ أَلْغَوْا جِهَةَ الْمَعْصِيَةِ مِنْ الضَّرَرِ لِدَفْعِهِ ضَرَرَ الْمُكْثِ الْأَشَدِّ، كَمَا أُلْغِيَ ضَرَرُ زَوَالِ الْعَقْلِ فِي إسَاغَةِ اللُّقْمَةِ الْمَغْصُوصِ بِهَا بِخَمْرٍ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا لِدَفْعِهِ ضَرَرَ تَلِفَ النَّفْسِ الْأَشَدِّ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ (دَقِيقٌ) كَمَا تَبَيَّنَ.

وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ بَعِيدٌ حَيْثُ اسْتَصْحَبَ الْمَعْصِيَةَ مَعَ انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ النَّهْيِ وَيَدْفَعُ اسْتِبْعَادُهُ

ــ

[حاشية العطار]

يَكُونُ مَأْمُورًا بِفِعْلِ مَا مُنِعَ مِنْهُ وَإِلْزَامِ تَرْكِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ مَعْصِيَةٌ حُكْمِيَّةٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ اسْتَصْحَبَ حُكْمَ السَّابِقَةِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ لِإِضْرَارِهِ الْآنَ بِالْمِلْكِ إضْرَارًا نَاشِئًا عَنْ تَعَدِّيهِ السَّابِقِ مَعَ انْقِطَاعِ النَّهْيِ الْآنَ عَنْهُ وَعَنْ عَدَمِ إلْزَامِهِ بِالتَّرْكِ فَالْفِعْلُ مَقْدُورٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ وَلَا مُخَاطَبٌ بِتَرْكِهِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ اسْتَصْحَبَهُ عِصْيَانُهُ السَّابِقُ تَغْلِيظًا وَمُجَرَّدُ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عَجْزَهُ عَنْ الْفِعْلِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، فَالشَّارِحُ إنَّمَا قَصَدَ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَكَمَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِدَفْعِهِ الِاسْتِبْعَادَ الْآتِي، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ لَيْسَ قَصْدَهُ إلَّا تَوْجِيهُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَإِزَالَةُ الشُّبْهَةِ عَنْهُ وَبِمَا ذَكَرَ يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا يُقَالُ لَا يَجُوزُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جِهَتَا طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ مُتَلَازِمَتَانِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْجِهَتَيْنِ إذَا انْفَكَّتْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَوَجَّهُ حَيْثُ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ حَقِيقِيَّةً وَهِيَ هُنَا اسْتِصْحَابِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ اهـ. مُلَخَّصًا.

وَأَقُولُ: هَذَا السُّؤَالُ وَجَوَابُهُ مِنْ نَاحِيَةِ مَا تَقَدَّمَ وَلِلشَّيْخِ الْكَمَالِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ فِي غُنْيَةً عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّهُ قَرَّرَ السُّؤَالَ وَجَوَابَهُ، فَلَوْ أَنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى تَمَامِ كَلَامِهِ مَا أَطَالُوا بِهَذَا كُلِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَكِنَّ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ الِاخْتِصَارُ، وَقَوْلُ سم إنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ إلَخْ ذُهُولٌ عَمَّا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ فَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ جِهَتَا طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ مُتَلَازِمَانِ وَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ لِلُزُومِ الْفَسَادِ بِالتَّنَاقُضِ وَمَا هُنَا مَأْمُورٌ بِهِ فَأَيْنَ الْفَارِقُ؟ فَيُجَابُ بِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا كَانَ النَّهْيُ تَحْقِيقًا وَمَا هُنَا النَّهْيُ فِيهِ اسْتِصْحَابِيٌّ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: وَالْجُمْهُورُ أَلْغَوْا إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ قَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ دَخَلَ أَرْضًا غَاصِبًا، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ بِخُرُوجِهِ لِلْغَصْبِ اهـ.

(قَوْلُهُ: دَقِيقٌ) حَيْثُ اعْتَبَرَ بَقَاءَ الْمَعْصِيَةِ لِبَقَاءِ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ وَالطَّاعَةُ لِلْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ.

(قَوْلُهُ: كَمَا تَبَيَّنَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ فَاعْتَبَرَ فِي الْخُرُوجِ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَخْ) هَذَا عَلَى أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ دِقَّةُ الِاسْتِحْسَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ دِقَّةَ الْخَفَاءِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُ.

(قَوْلُهُ: حَيْثُ اسْتَصْحَبَ الْمَعْصِيَةَ إلَخْ) أَيْ وَاسْتِصْحَابُ حُكْمِ النَّهْيِ مَعَ انْقِطَاعِ تَعَلُّقِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَقَدْ دَفَعَهُ الشَّارِحُ بِإِيرَادِ نَظِيرٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ مَعْصِيَةِ الرِّدَّةِ مِنْ التَّغْلِيظِ بِإِيجَابِ قَضَاءِ مَا فَاتَ الْمُرْتَدُّ زَمَنَ جُنُونِهِ مَعَ انْقِطَاعِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مِنْ النَّهْيِ وَغَيْرِهِ بِالْجُنُونِ قَالَهُ الْكَمَالُ وَالْحَيْثِيَّةُ لِلتَّعْلِيلِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ النَّاصِرُ بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْشَأَ الِاسْتِبْعَادِ عِنْدَ مُجَرَّدِ انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ النَّهْيِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ عِنْدَهُ انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ النَّهْيِ وَثُبُوتُ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ، وَنَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُرُوجُ لِلْأَمْرِ قَطَعَ بِنَفْيِ الْمَعْصِيَةِ بِشَرْطِهِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ بِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ وَلَا نَهْيَ بَعِيدٌ. اهـ.

قَالَ الْعَضُدُ فِي تَقْرِيرِهِ قَالَ الْإِمَامُ بِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ عَلَيْهِ مَعَ إيجَابِهِ الْخُرُوجَ وَهُوَ بَعِيدٌ اهـ.

وَإِذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ الْمُسْتَبْعَدُ إنَّمَا هُوَ اسْتِصْحَابُ الْمَعْصِيَةِ حَالَ عَدَمِ سَبَبِهَا وَوُجُودِ ضِدِّهَا ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ غَيْرُ دَافِعٍ لِذَلِكَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ ضِدُّهَا التَّوْبَةُ مِنْهَا لَا الْجُنُونُ الَّذِي شَأْنُهُ فِي الشَّرْعِ أَيْ: يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ مِنْ إسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ. وَالِاسْتِصْحَابُ عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّمَا هُوَ حَالُ الْجُنُونِ لَا التَّوْبَةِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَا يَصْلُحُ بِمُجَرَّدِهِ أَنْ يَكُونَ دَافِعًا لِقَوْلِ بَعْضٍ آخَرَ اهـ.

وَرَدَّهُ سم بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ كَذَلِكَ وَاحْتِجَاجُهُ بِعِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ احْتِجَاجٌ مَمْنُوعٌ بَلْ ظَاهِرُهَا مَعَ

ص: 266

قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ مَنْ جُنَّ بَعْدَ ارْتِدَادِهِ، ثُمَّ أَفَاقَ وَأَسْلَمَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَوَاتِ زَمَنِ الْجُنُونِ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ مَعْصِيَةِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الصَّلَاةِ عَنْ الْجُنُونِ رُخْصَةٌ وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الرُّخْصَةِ أَمَّا الْخَارِجُ غَيْرُ تَائِبٍ فَعَاصٍ قَطْعًا كَالْمَاكِثِ (وَالسَّاقِطُ) بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (عَلَى جَرِيحٍ) بَيْنَ جَرْحَى (يَقْتُلُهُ إنْ اسْتَمَرَّ) عَلَيْهِ (وَ) يُقْتَلُ (كُفْؤُهُ) فِي صِفَاتِ الْقِصَاصِ

ــ

[حاشية العطار]

الشَّارِحِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعَوِّلْ فِيهَا عَلَى ثُبُوتِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِوَجْهٍ بَلْ اقْتَصَرَ فِيهَا كَمَا تَرَى عَلَى انْتِفَاءِ النَّهْيِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِي بَيَانِ الِاسْتِبْعَادِ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا نَهْيَ فَأَيْنَ اعْتِبَارُهُ ثُبُوتَ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ، ثُمَّ سَرَدَ عِبَارَةَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ تَأْيِيدًا لِمَا قَالَهُ قَائِلًا: فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الصَّرَائِحِ ظُهُورًا أَلَا يَقْبَلُ الْمُدَافَعَةَ أَنَّ مَنْشَأَ الِاسْتِبْعَادِ لَيْسَ إلَّا مُجَرَّدُ انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ النَّهْيِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الشَّارِحِ وَأَنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ الَّذِي حَكَاهُ الشَّارِحُ دَافِعٌ لِلِاسْتِبْعَادِ بِلَا ارْتِيَابٍ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَا يَصْلُحُ بِمُجَرَّدِهِ أَنْ يَكُونَ دَافِعًا لِقَوْلِ بَعْضٍ آخَرَ فَهُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَمَّا أَوَّلًا فَلَيْسَ الْمُدَّعَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ دَافِعٌ قَوْلَ بَعْضٍ آخَرَ بَلْ دَفَعَ اسْتِبْعَادِ قَوْلٍ آخَرَ عَلَى وَفْقِهِ وَفَرْقٌ كَثِيرٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ.

وَأَمَّا ثَانِيًا فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاسْتِبْعَادِ شَيْءٍ عُهِدَ نَظِيرُهُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فَأَنَّهُمْ قَدْ يَدْفَعُونَ اسْتِبْعَادَ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ قِيلَ بِنَظِيرِهِ، وَأَمَّا ثَالِثًا، فَإِنَّ فُقَهَاءَ الشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ حُذَّاقُ الْإِسْلَامِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ دَافِعًا لِاسْتِبْعَادِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ.

وَالْإِنْصَافُ أَنَّ هَذَا تَحَمُّلٌ مِنْهُ، فَإِنَّ دَعْوَى أَنَّ عِبَارَةَ الْمُخْتَصَرِ لَمْ يُعَوَّلْ فِيهَا عَلَى ثُبُوتِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ مَمْنُوعٌ وَكَأَنَّهُ نَظَرَ لِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَلَا نَهْيَ قَاطِعًا النَّظَرَ عَمَّا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ:، وَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُرُوجُ لِلْأَمْرِ إلَخْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ مَا أَفْصَحَ بِهِ الْعَضُدُ بِقَوْلِهِ مَعَ إيجَابِهِ الْخُرُوجَ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَمْرِ وَالْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْخُرُوجِ حَاصِلٌ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ فِيمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ سَابِقًا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ وَلَيْسَ خَارِجًا عَنْ الْعُدْوَانِ إلَخْ وَمَا تَمَسَّكَ بِهِ عِبَارَاتُ الْجَمَاعَةِ لَا يَدُلُّ لِمُدَّعَاهُ، كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْمُتَأَمِّلِ فِي كَلَامِهِمْ فَتَشْنِيعُهُ عَلَى شَيْخِهِ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا نَعَمْ مَا تَكَلَّمَ بِهِ عَنْ الْعَلَاوَةِ مُسَلَّمٌ فَتَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ) بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِنَا مُعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فَلَعَلَّ اسْتِبْعَادَهُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ.

(قَوْلُهُ: أَنَّ مَنْ جُنَّ) التَّنْظِيرُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِصْحَابُ، وَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ لَا تَسَبُّبَ لَهُ بِخِلَافِ الدَّاخِلِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ.

(قَوْلُهُ: رُخْصَةٌ) أَيْ تَخْفِيفٌ فَهِيَ هُنَا بِمَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَلَيْسَتْ بِمَعْنَاهَا الِاصْطِلَاحِيِّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ كَمَا مَرَّ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَالْإِسْقَاطُ فِي الْمَجْنُونِ لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ.

(قَوْلُهُ: وَالسَّاقِطُ إلَخْ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ أَبِي هَاشِمٍ: وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِمَا نَقَلْنَاهُ سَابِقًا، وَيَظْهَرُ الْغَرَضُ مِنْهُ بِمَسْأَلَةٍ أَلْقَاهَا أَبُو هَاشِمٍ حَارَتْ فِيهَا عُقُولُ الْفُقَهَاءِ وَأَنَا ذَاكِرُهَا وَمُوَضِّحٌ مَا فِيهَا، وَهُوَ أَنَّ مَنْ تَوَسَّطَ جَمْعًا مِنْ الْجَرْحَى وَجَثَمَ عَلَى صُدُورِ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَهَلَكَ مَنْ تَحْتَهُ وَلَوْ انْتَقَلَ عَنْهُ لَمْ يَجِدْ مَوْقِعَ قَدَمٍ إلَّا بَدَنٍ آخَرَ وَفِي انْتِقَالِهِ هَلَاكُ الْمُنْقَلِ إلَيْهِ فَكَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَا الْوَجْهُ فِيهِ؟ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَتَحَصَّلْ فِيهَا مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ عَلَى ثَبْتٍ وَالْوَجْهُ الْمَقْطُوعُ بِهِ سُقُوطُ التَّكْلِيفِ عَنْ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ حُكْمِ سَخَطِ اللَّهِ سبحانه وتعالى وَغَضَبِهِ عَلَيْهِ، أَمَّا وَجْهُ سُقُوطِ التَّكْلِيفِ فَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُهُ مَا لَا يُطِيقُهُ وَوَجْهُ اسْتِمْرَارِ حُكْمِ الْعِصْيَانِ عَلَيْهِ تَسَبُّبُهُ إلَى مَا لَا مُخَلِّصَ لَهُ مِنْهُ وَلَوْ فُرِضَ إلْقَاءُ رَجُلٍ رَجُلًا عَلَى صَدْرِ وَاحِدٍ كَمَا سَبَقَ الْفَرْضُ وَالتَّصْوِيرُ بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ الْوَاقِعُ إلَى اخْتِيَارٍ فَلَا تَكْلِيفَ وَلَا عِصْيَانَ اهـ.

(قَوْلُهُ: بِاخْتِيَارِهِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِيهِمَا وَهُوَ مَا فِي الْبُرْهَانِ وَيُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْمَنْخُولِ الْآتِي، فَمَا قَالَهُ الْكَمَالُ أَنَّ كَلَامَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِتَصْوِيرِهِ بِالسَّاقِطِ اخْتِيَارًا ذُهُولٌ عَنْ آخِرِ عِبَارَتِهِ.

(قَوْلُهُ: عَلَى جَرِيحٍ) مَحْضُ تَمْثِيلٍ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مِثْلُهُ.

(قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ كُفْؤُهُ) أَيْ كُفُؤُ الْجَرِيحِ لَا كُفُؤٌ لِوَاقِعِ إذْ لَا يَتَفَاوَتُ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: فِي صِفَاتِ الْقِصَاصِ) أَيْ لَا غَيْرِهَا فَلَا تُعْتَبَرُ وَمَا فَرَّعَهُ سم هُنَا مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ

ص: 267

(إنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ) عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَوْضِعٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ إلَّا بَدَنَ كُفْءٍ (قِيلَ: يَسْتَمِرُّ) عَلَيْهِ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى كُفْئِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ) بَيْنَ الِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ وَالِانْتِقَالِ إلَى كُفْئِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الضَّرَرِ.

(وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا حُكْمَ فِيهِ) مِنْ إذْنٍ أَوْ مَنْعٍ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُ فِي الِاسْتِمْرَارِ وَالِانْتِقَالِ، وَأَحَدُهُمَا يُؤَدِّي إلَى الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَنْعُ مِنْهُمَا لَا قُدْرَةَ عَلَى امْتِثَالِهِ قَالَ مَعَ اسْتِمْرَارِ عِصْيَانِهِ بِبَقَاءِ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِسُقُوطِهِ إنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ وَإِلَّا فَلَا عِصْيَانَ.

(وَتَوَقَّفَ الْغَزَالِيُّ) فَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى يُحْتَمَلُ كُلٌّ مِنْ الْمَقَالَاتِ الثَّلَاثِ وَاخْتَارَ الثَّالِثَةَ فِي الْمَنْخُولِ وَلَا يُنَافِي فِي قَوْلِهِ كَإِمَامِهِ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمَا بِالْحُكْمِ

ــ

[حاشية العطار]

وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ إذْ الْكَلَامُ مَفْرُوضٌ فِي الْمُكَافَآتِ فِي الْقِصَاصِ وَلَا تَفْتَرِقُ الْأَشْخَاصُ فِيهِ.

وَأَمَّا التَّرْدِيدُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ فَكَانَ الْأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ وَلَا يَقَعُ، فَإِنَّ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ خُتِمَتَا بِهِ صلى الله عليه وسلم وَهَذِهِ الصُّوَرُ ذِكْرُهَا فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ أَوْفَقُ مِنْهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ شَدَّدَ النَّكِيرَ عَلَى الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِغَالِهِمْ بِالْبَحْثِ عَنْ الْفُرُوعِ النَّادِرَةِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَقَعُ وَمَا هُنَا مِنْهَا.

(قَوْلُهُ: قِيلَ يَسْتَمِرُّ) أَيْ وُجُوبًا وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ سَوَاءٌ كَانَ السُّقُوطُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ اسْتِئْنَافُ فِعْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَكْمِيلُ الْفِعْلِ أَهْوَنُ مِنْ اسْتِئْنَافِهِ.

(قَوْلُهُ: وَالْمَنْعُ مِنْهُمَا لَا قُدْرَةَ عَلَى امْتِثَالِهِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ الْعَادِيِّ بِنَاءً عَلَى إمْكَانِ الِامْتِنَاعِ مِنْهُمَا عَقْلًا اهـ. سم.

(قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ) أَيْ يَجُوزُ وَلِذَلِكَ رَفَعَ " كُلَّ " عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ.

(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ الثَّالِثَةَ فِي الْمَنْخُولِ) كَانَتْ عِبَارَةُ الشَّارِحِ أَوَّلًا، ثُمَّ اخْتَارَ وَيَرُدُّ عَلَى التَّعْبِيرِ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ أَنَّ تَأْلِيفَ الْمَنْخُولِ قَبْلَ تَأْلِيفِ الْمُسْتَصْفَى لَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْمُسْتَصْفَى مِنْ آخَرِ مَا أَلَّفَهُ الْغَزَالِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِالْأَمْرَيْنِ فِي خُطْبَةِ الْمُسْتَصْفَى.

وَقَدْ كُنْت ذَكَرْت ذَلِكَ لِلْأَخِ الشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ حِينَ قِرَاءَتِهِ هَذَا الْمَوْضِعَ عَلَيَّ، فَلَمَّا بَحَثَ الشَّارِحُ عَلَى مُؤَلِّفِهِ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَزَالَ كَلِمَةَ " ثُمَّ " وَأَثْبَتَ الْوَاوَ بَدَلَهَا، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ دَعْوَاهُ اخْتِيَارَ الْغَزَالِيِّ الثَّالِثَةَ مَمْنُوعَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارِ أَنْ لَا حُكْمَ مَقُولٌ عَلَى لِسَانِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الْمَنْخُولَ فِي الْحَقِيقَةِ تَلْخِيصُ الْبُرْهَانِ لِلْإِمَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَسْمِيَةٌ بِالْمَنْخُولِ مِنْ تَعْلِيقِ الْأُصُولِ وَتَصْرِيحِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي آخِرِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ عَلَى مَا فِي تَعْلِيقِ الْإِمَامِ يَعْنِي الْبُرْهَانَ.

وَقَدْ أَعَادَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْمَقَالَةَ الثَّالِثَةَ آخِرَ كِتَابِ الْفَتْوَى فِي الْمَنْخُولِ وَنَسَبَهَا إلَى الْإِمَامِ، ثُمَّ اعْتَرَضَهَا فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ خُلُوُّ وَاقِعَةٍ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ مَا نَصَّهُ.

، فَإِنْ قِيلَ: مَا قَوْلُكُمْ فِي السَّاقِطِ مِنْ سَطْحٍ عَلَى مَصْرُوعٍ إنْ تَحَوَّلَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ قَتَلَهُ، وَإِنْ مَكَثَ عَلَيْهِ قَتَلَهُ، فَمَاذَا يَفْعَلُ، وَقَدْ قَضَيْتُمْ بِأَنْ لَا حُكْمَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ؟ قُلْنَا: حُكْمُ اللَّهِ عز وجل أَنْ لَا حُكْمَ فِيهِ فَهَذَا أَيْضًا حُكْمٌ وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ هَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِيهِ، وَقَدْ كَرَّرْته عَلَيْهِ مِرَارًا وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَفْيُ الْحُكْمِ حُكْمٌ لَجَازَ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَبَعْدَ وُرُودِهِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ جَعْلُ نَفْيِ الْحُكْمِ حُكْمًا تَنَاقُضٌ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إنْ كَانَ لَا يَعْنِي بِهِ تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ، وَإِنْ عَنَاهُ فَهُوَ إبَاحَةٌ مَحْضَةٌ لَا مُسْتَنَدَ لَهَا فِي الشَّرْعِ، هَذَا لَفْظُهُ فِي الْمَنْخُولِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ نِسْبَةَ اخْتِيَارِ الْمَقَالَةِ الثَّالِثَةِ إلَيْهِ مُنْتَقَدَةٌ وَإِنَّ التَّحْقِيقَ مَا فِي الْمَتْنِ مِنْ نَقْلِ التَّوَقُّفِ عَنْهُ وَنَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ إمَامِهِ اهـ. كَمَالٌ.

قَالَ سم قَوْلُهُ: لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَفْيُ الْحُكْمِ حُكْمٌ إلَخْ لَا مَانِعَ مِنْ الْتِزَامِ جَوَازِ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمَيْنِ الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ وَهُوَ الْأَمْرُ الثَّابِتُ بِالثَّانِي أَحَدُ فَرْدَيْهِ وَهُوَ إذْنُ الشَّارِعِ أَوْ مَنْعُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ هُوَ الثَّانِي فَقَطْ حَتَّى يَمْتَنِعَ قَوْلُهُ: قَبْلَ الْبَعْثَةِ لِمُنَافَاتِهِ قَوْلَهُمْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَبِاخْتِلَافِ الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ يَنْدَفِعُ التَّنَاقُضُ فِي قَوْلِهِ حُكْمُ اللَّهِ أَنْ لَا حُكْمَ إلَخْ إذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ إثْبَاتِ الْعَامِّ وَنَفْيِ الْخَاصِّ اهـ. مُلَخَّصًا.

وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ مَا دَفَعَ بِهِ الشَّارِحُ التَّنَافِي بَيْنَ (قَوْلِهِ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى) وَقَوْلُ الْإِمَامِ لَا حُكْمَ فِيهِ فَفِي دَفْعِ الشَّارِحِ بِهِ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ اعْتِرَاضِ الْغَزَالِيِّ بِهِ أَيْضًا.

وَأَمَّا قَوْلُ سم أَنَّ إصْرَارَهُ يَعْنِي الْغَزَالِيَّ هُنَا الْإِمَامَ عَلَيْهَا اخْتِيَارٌ لَهَا، وَإِنْ اعْتَرَضَهَا فِي مَحَلٍّ

ص: 268