الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِإِيهَامِهِ تَقْيِيدَ الْجَمْعِ بِالْإِطْلَاقِ وَالْغَرَضُ نَفْيُ التَّقْيِيدِ.
(الْأَمْرُ)
أَيْ هَذَا مَبْحَثُهُ وَهُوَ نَفْسِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَسَيَأْتِيَانِ (أم ر) أَيْ هَذَا اللَّفْظُ الْمُنْتَظِمُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُفِ
ــ
[حاشية العطار]
أَيْ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ.
(قَوْلُهُ: لِإِيهَامِهِ تَقْيِيدَ الْجَمْعِ بِالْإِطْلَاقِ إلَخْ) فَإِنَّ الْجَمْعَ الْمُقَيَّدَ بِالْإِطْلَاقِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْجَمْعِ وَقَدْ سَرَى لَهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْمَاءِ وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَهُمْ وَفِي اللُّغَةِ مُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ فَإِنَّ مُطْلَقَ الْمَاءِ وَمُطْلَقَ الْجَمْعِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الْقَيْدِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُطْلَقِ الْجَمْعِ وَالْجَمْعِ الْمُطْلَقِ سِوَى مَا تُفِيدُهُ الْإِضَافَةُ مِنْ نِسْبَةِ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي وَ.
التَّوْصِيفُ مِنْ نِسْبَةِ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ وَالْمَآلُ وَاحِدٌ وَهُوَ سَلْبُ الْقَيْدِ عَنْ الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْوَاوِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْإِطْلَاقِ أَمْرٌ سَلْبِيٌّ ضِمْنِيٌّ فَلَا يُفِيدُ إلَّا سَلْبَ الشَّيْءِ عَنْ الشَّيْءِ سَوَاءٌ كَانَ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا وَلِهَذَا اسْتَعْمَلُوهُ فِي مَقَامِ السَّلْبِ فَقَالُوا الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ وَالْمَفْعُولُ الْمُطْلَقُ وَالْمَاهِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ
[الْأَمْرُ]
(قَوْلُهُ: أَيْ هَذَا مَبْحَثُهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى أَصْلِ التَّرْكِيبِ وَأَنَّ الْأَصْلَ هَذَا مَبْحَثُ الْأَمْرِ فَأَوْرَدَ الْمُسْنَدَ إلَيْهِ إشَارَةً رَمْزًا لِكَمَالِ تَعَيُّنِهِ وَمَزِيدِ اتِّضَاحِهِ وَأَنَّهُ بَلَغَ مِنْ الظُّهُورِ بِحَيْثُ إنَّهُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِمَا هُوَ لِلْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرًا لِلْخَبَرِ وَأَنَّهُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَالرَّابِطُ اسْمُ الْإِشَارَةِ وَالْمُحَدَّثُ عَنْهُ الْأَمْرُ لِأَنَّهُ مَوْضُوعُ الْمَبَاحِثِ الْآتِيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعَ التَّرْجَمَةِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ وَالْمَبْحَثُ مَكَانُ الْبَحْثِ أَيْ إثْبَاتُ الْمَحْمُولَاتِ لِلْمَوْضُوعَاتِ وَمَكَانُهُ الْقَضِيَّةُ وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُفْرَدِ مَعَ أَنَّ مَا يَأْتِي مَبَاحِثُ مُتَعَدِّدَةٌ لِشِدَّةِ الِارْتِبَاطِ بِجِهَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا قَالُوا فِي الْمَنْطِقِ إنَّهُ آلَةٌ قَانُونِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ: أَيْ هَذَا اللَّفْظُ الْمُنْتَظِمُ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَفْسُ اللَّفْظِ لَا مُسَمَّاهُ وَبَيَّنَ ذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَيُقْرَأُ عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَيُقْرَأُ مَاضِيًا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَاضِيًا حَقِيقَةً لِانْعِدَامِ الْهَيْئَةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ جُزْأَيْ الْفِعْلِ إذْ الْمَقْصُودُ الْمَادَّةُ وَهِيَ حُرُوفُ أم ر ثُمَّ إنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي قِرَاءَتِهِ مَاضِيًا وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ وَلَا قَوْلُ الشَّارِحِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ افْعَلْ إذْ الْمَعْنَى الْمَصْدَرُ الْمُنْتَظِمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ أَيْ عَنْ ذَلِكَ الْمَصْدَرِ بِصِيغَةِ افْعَلْ أَيْ حَيْثُ يُقَالُ افْعَلْ لِلْآمِرِ خِلَافًا لِمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ سم مِنْ أَنَّ مَا ذُكِرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُقْرَأُ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ مُقَلِّدًا لَهُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ أم ر يُقْرَأُ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ حَقِيقَةً لِأَنَّ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ إنَّمَا هُوَ أَمْرُ الْمَصْدَرِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَيُقْرَأُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي احْتِمَالٌ آخَرُ مَقْطُوعُ النَّظَرِ فِيهِ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. اهـ.
وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُمَا كَيْفَ يَذْكُرُ الشَّارِحُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي لَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَلَا يُرِيدُهُ بِزَعْمِهِمَا وَيَتْرُكُ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ شَرْحِ كَلَامِهِ وَبَيَانِهِ إذْ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يَكُونُ الْمَعْنَى وَيُقْرَأُ لَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمَا أَرَادَهُ بِهِ وَأَيُّ دَلِيلٍ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَمَا هُوَ إلَّا صَرْفٌ لِلْكَلَامِ عَمَّا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ لِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا يَقْتَضِيهِ وَالسِّرُّ فِي تَفْكِيكِ حُرُوفِهِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ مَتَى تَحَقَّقَتْ فِي أَيِّ تَرْكِيبٍ مَحَلٌّ لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ الْآتِي بِاعْتِبَارِ الْمَصْدَرِ الَّذِي مِنْهُ اشْتِقَاقُهَا وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا الْمَصْدَرَ وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ فَظَهَرَ اتِّجَاهُ قَوْلِ الشِّهَابِ عَمِيرَةَ أَيْ اللَّفْظُ الْمُنْتَظِمُ سَوَاءٌ كَانَ مَاضِيًا أَوْ أَمْرًا أَوْ مَصْدَرًا، وَسُقُوطُ اسْتِظْهَارِ سم مَنْعَهُ، وَلِذَلِكَ أَخْلَاهُ عَنْ السَّنَدِ ثُمَّ إنَّ التَّفْكِيكَ فِي الْخَطِّ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا فِي اللَّفْظِ فَبِاعْتِبَارِ قَصْدِ كُلِّ حَرْفٍ بِانْفِرَادِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ ارْتِبَاطِ الْحُرُوفِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَيُقْرَأُ ضُبِطَ بِالْفَوْقِيَّةِ وَبِالتَّحْتِيَّةِ مُضَارِعًا مَجْهُولًا فَضَمِيرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ يَعُودُ لِحُرُوفِ أم ر وَعَلَى الثَّانِي لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ أم ر وَالْمَآلُ
الْمُسَمَّاةِ بِأَلْفٍ مِيمٍ رَاءٍ وَيُقْرَأُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي مُفَكَّكًا (حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ) أَيْ الدَّالِّ عَلَى اقْتِضَاءِ فِعْلٍ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ افْعَلْ نَحْوُ {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} [طه: 132] أَيْ قُلْ لَهُمْ صَلُّوا (مَجَازٌ فِي الْفِعْلِ) نَحْوُ {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] أَيْ الْفِعْلِ الَّذِي تَعْزِمُ عَلَيْهِ لِتَبَادُرِ الْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ إلَى الذِّهْنِ وَالتَّبَادُرُ عَلَامَةٌ لِلْحَقِيقَةِ (وَقِيلَ) هُوَ (لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ) بَيْنَهُمَا كَالشَّيْءِ حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ
ــ
[حاشية العطار]
وَاحِدٌ.
(قَوْلُهُ: الْمُسَمَّاةُ) فَمُسَمَّى أم ر لَفْظَةٌ وَمُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ أَلْفَاظٌ أَيْضًا هِيَ صَلِّ وَصُمْ وَنَحْوُهَا وَمُسَمَّى هَذِهِ الْأَفْعَالِ طَلَبُ إحْدَاثِهَا الْمَشَقَّةَ مِنْهَا لَا الْوُجُوبُ أَوْ النَّدْبُ كَمَا قَالَ سم لِأَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِهَا وَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي إفَادَتِهَا مَا ذُكِرَ حَتَّى تَوَقَّفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ مُسَمَّاهَا مَثَلًا لَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ) فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ لَفْظٌ كَمَا سَمِعْت.
(قَوْلُهُ: اقْتِضَاءُ فِعْلٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ يَشْمَلُ صِيغَةَ الِاسْتِفْهَامِ لِأَنَّهُ لِطَلَبِ الْفَهْمِ أَيْ الْعِلْمِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَاهُنَا قَيْدًا مُلَاحَظًا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ إلَخْ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ اقْتِضَاءَ فِعْلٍ مُعَبَّرٍ عَنْهُ بِلَفْظِ افْعَلْ.
(قَوْلُهُ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ وَإِنْ احْتَمَلَ رُجُوعُهُ لِلِاقْتِضَاءِ وَيَكُونُ الصِّيغَةُ مَدْلُولَ الْقَوْلِ لَكِنَّهُ خُرُوجٌ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْإِنْشَاءِ نَحْوُ أَوْجَبْت عَلَيْك كَذَا وَإِنْ تَرَكْته عَاقَبْتُك لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الطَّلَبِ غَيْرُ وَضْعِيَّةٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَجَازٌ فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ أَمْرًا (قَوْلُهُ: بِصِيغَةِ افْعَلْ) الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الطَّلَبِ فَيَدْخُلُ اسْمُ الْفِعْلِ كَصَهْ وَالْمُضَارِعُ الْمُقْتَرِنُ بِاللَّامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ} [الطلاق: 7] .
(قَوْلُهُ: أَيْ قُلْ لَهُمْ إلَخْ) فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ صِيغَتُهُ.
(قَوْلُهُ: مَجَازٌ فِي الْفِعْلِ) مِنْ اسْتِعْمَالِ اسْمِ الدَّالِّ فِي الْمَدْلُولِ بِعَلَاقَةِ التَّعَلُّقِ فَإِنْ قِيلَ هُوَ مَجَازٌ فِي غَيْرِ الْفِعْلِ كَالشَّأْنِ وَالصِّفَةِ وَالشَّيْءِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ فَالْجَوَابُ أَنَّ تَخَصُّصَ الْفِعْلِ بِالذِّكْرِ لِقُوَّةِ الْقَوْلِ بِالْمَجَازِ فِيهِ.
قَوْلُهُ {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] إلَخْ قَدْ اُسْتُدِلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50] وقَوْله تَعَالَى {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] إذْ الْقَوْلُ لَا يُوصَفُ بِالرُّشْدِ بَلْ بِالسَّدَادِ وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ فِي الْآيَتَيْنِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ مَجَازًا إذْ حَمْلُهُ عَلَى الشَّأْنِ فِي الثَّانِيَةِ أَشْمَلُ مِنْ الْفِعْلِ وَفِي الْأُولَى لَوْ أُرِيدَ الْفِعْلُ لَزِمَ اتِّحَادُ أَفْعَالِهِ تَعَالَى وَحُدُوثُ الْكُلِّ دُفْعَةً كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ) قَالَ الْكَمَالُ هَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ التَّصْرِيحُ بِنِسْبَتِهِ إلَى أَحَدٍ وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ الْآمِدِيُّ فِي مَعْرِضِ الْمَنْعِ. الدَّلِيلُ الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالْفِعْلِ قَالَ ثُمَّ أَوْرَدَ الْآمِدِيُّ عَلَى ذَلِكَ إيرَادَاتٍ وَأَجَابَ عَنْهَا فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَرْتَضِيهِ اهـ.
وَأَقُولُ الْإِشْعَارُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْمُنَاظِرَ لَا يَلْتَزِمُ طَرِيقَةً لِأَنَّ الْغَرَضَ إلْزَامُ الْخَصْمِ وَلَوْ بِمَا لَا يَقُولُ بِهِ الْمَلْزُومُ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى اعْتِرَافِ الْخَصْمِ بِالْمُقَدِّمَةِ وَقَوْلُ سم إنَّهُ يَكْفِي فِي حِكَايَةِ الْمُصَنِّفِ لَهُ ارْتِضَاءُ الْآمِدِيِّ ضَعِيفٌ جِدًّا وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُ هَذَا وَنَبَّهْنَا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَالشَّيْءِ) أَلْ عَهْدِيَّةٌ أَيْ الشَّيْءُ الْمَخْصُوصُ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ الْفِعْلُ لِسَانِيًّا أَوْ غَيْرَهُ فَلَا يَرِدُ مَا يُقَالُ إنَّ الشَّيْءَ عَامٌّ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ أَخَصُّ أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا كَالْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَهُوَ الْحَيَوَانُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ لَا مُطْلَقُ الْجِسْمِ لِشُمُولِهِ الْجَمَادَ أَيْضًا ثُمَّ إنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوَضْعِهِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ يَكُونُ مُتَوَاطِئًا وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الْأَمْرِ يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ وَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا مَعْنًى لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ وَلَا شَكَّ فِي دَلَالَةِ هَذَا عَلَى نَفْيِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَيْضًا وَإِلَّا لَتَبَادَرَ الْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ أَوْ لَمْ يَتَبَادَرْ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ بِخُصُوصِهِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَوْضُوعُ لَهُ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: حَذَرًا مِنْ الِاشْتِرَاكِ) أَيْ إنْ قِيلَ بِوَضْعِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ وَقَوْلُهُ
وَالْمَجَازِ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقِيٌّ. (وَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا قِيلَ وَبَيْنَ الشَّأْنِ وَالصِّفَةِ وَالشَّيْءِ) لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا أَيْضًا نَحْوُ {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ} [النحل: 40] أَيْ شَأْنُنَا لِأَمْرٍ مَا يَسُودُ مَنْ يَسُودُ أَيْ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ لِأَمْرٍ مَا جَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ أَيْ لِشَيْءٍ وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِيهَا مَجَازٌ إذْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَفْظَةُ قِيلَ بَعْدَ بَيْنَهُمَا ثَابِتَةٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَبِهَا يُسْتَفَادُ حِكَايَةُ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ الْأَشْهَرُ مِنْهُ بَيْنَ الْخَمْسَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ حَقِيقَةٌ فِي كَذَا حَدُّ اللَّفْظِيِّ بِهِ.
وَأَمَّا النَّفْسِيُّ وَهُوَ الْأَصْلُ أَيْ الْعُمْدَةُ فَقَالَ فِيهِ (وَحَدُّهُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْكَفِّ (بِغَيْرِ) لَفْظِ (كَفٍّ)
ــ
[حاشية العطار]
وَالْمَجَازِيُّ إنْ قِيلَ بِوَضْعِهِ لِأَحَدِهِمَا.
وَقَدْ نُوقِشَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْوَضْعِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ إنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَحَدِهِمَا وَقَدْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ مَجَازًا فِي الْفِعْلِ وَهُوَ تَبَادُرُ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ دُونَهُ وَلَوْ لَمْ يُقَيَّدْ بِذَلِكَ لَأَدَّى إلَى ارْتِفَاعِ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ كُلِّ لَفْظٍ يُطْلَقُ لِمَعْنَيَيْنِ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَهَذِهِ الْمُنَاقَشَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَضُدِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الشَّارِحُ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِسِيَاقِ هَذَا الْقَوْلِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَقِسْ عَلَى هَذَا مَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّارِحُ لِرَدِّهِ مِنْ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ إلَخْ) أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ وَإِلَّا كَانَ مَجَازًا.
(قَوْلُهُ: وَبَيْنَ الشَّأْنِ وَالصِّفَةِ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الشَّأْنَ أَخَصُّ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الصِّفَةِ الْعَظِيمَةِ وَالصِّفَةَ أَعَمُّ مِنْهُ وَالشَّيْءَ أَعَمُّ مِنْهُمَا لِشُمُولِهِ الذَّاتَ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا أَيْضًا) أَيْ كَمَا اُسْتُعْمِلَ فِي الِاثْنَيْنِ.
(قَوْلُهُ:
لِأَمْرٍ مَا يَسُودُ)
عَجُزُ بَيْتٍ، وَصَدْرُهُ
عَزَمْت عَلَى إقَامَةِ ذِي صَلَاحٍ
(قَوْلُهُ: أَيْ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّنْكِيرَ فِي أَمْرٍ لِلتَّعْظِيمِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهَا فَهُمَا مُقَدِّمَتَانِ مُنْتِجَتَانِ الْمَطْلُوبَ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ فِيهَا) أَيْ فِي الثَّلَاثَةِ مَجَازٌ لِمَا مَرَّ مِنْ تَبَادُرِ الذِّهْنِ إلَى الْقَوْلِ.
(قَوْلُهُ: خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَعَدُّدِ الْوَضْعِ فَمَحَلُّ كَوْنِ الْأَصْلِ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ كَلُزُومِ الِاشْتِرَاكِ وَقَدْ عَارَضَهُ أَيْضًا الْبَتَّارُ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي مَبْحَثِ الْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ الْخَمْسَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْهَاءِ مِنْهُ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الْفِعْلِ أَيْ الِاشْتِرَاكِ فَفِيهِ إعْمَالُ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ.
(قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ إلَخْ) تَمْهِيدٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحَدُّهُ اقْتِضَاءُ إلَخْ وَأَفَادَ بِهِ أَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ فِيمَا سَبَقَ هُوَ الْأَمْرُ اللَّفْظِيُّ لِأَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ مَجَازًا فِي الْفِعْلِ أَوْ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا إلَخْ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِيهِ وَأَصْرَحُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ إذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ وَالْمَوْضُوعُ هُوَ اللَّفْظُ فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعَرُّضٌ لِلْأَمْرِ النَّفْسِيِّ وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ نَفْسِيٌّ وَلَفْظِيٌّ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَهُ فِي الْأَمْرِ الْوَاقِعِ تَرْجَمَةً وَلَيْسَ هُوَ الْمُحَدَّثِ عَنْهُ إذْ التَّرَاجِمُ مُنْفَصِلَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا وَإِلَّا لَأَتَى بَدَلَ أم ر بِالضَّمِيرِ.
(قَوْلُهُ: حَدُّ اللَّفْظِيِّ بِهِ) أَيْ فَيُؤْخَذُ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ النَّفْسِيِّ مِنْهُ ضِمْنًا بِأَنَّهُ قَوْلٌ دَالٌّ إلَخْ وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِذَلِكَ فِي حَدِّهِ دُونَ النَّفْسِيِّ فَصَرَّحَ بِتَعْرِيفِهِ اعْتِنَاءً بِشَأْنِهِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ إلَخْ فَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِتَعْرِيفِ اللَّفْظِيِّ دُونَ النَّفْسِيِّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْعُمْدَةُ) أَيْ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّ التَّكَالِيفَ بِالْأَمْرِ النَّفْسِيِّ وَاللَّفْظِيِّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَحْدَهُ إلَخْ) صَرِيحُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ حَدٌّ لِلْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ إذْ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ سَابِقًا هُوَ اللَّفْظِيُّ كَمَا عَلِمْت فَيُجَابُ بِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْدَامًا حَيْثُ ذَكَرَ الْأَمْرَ أَوَّلًا بِمَعْنَى اللَّفْظِيِّ وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِمَعْنَى النَّفْسِيِّ فَمَا وَقَعَ فِي سم وَتَابَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ اسْتِظْهَارُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيمَا سَبَقَ عَامٌّ لِلَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَهُوَ لَفْظِيٌّ وَنَفْسِيٌّ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا سَبَقَ وَاحْتِمَالُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْأَمْرِ السَّابِقِ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فِعْلِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْقَوْلِيَّ وَالْجَنَانِيَّ وَالْأَرْكَانِيَّ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا هُوَ مِنْ مَقُولَةِ
فَتَنَاوَلُ الِاقْتِضَاءِ أَيْ طَلَبُ الْجَازِمِ وَغَيْرِ الْجَازِمِ لِمَا لَيْسَ بِكَفٍّ وَلِمَا هُوَ كَفٌّ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِكُفَّ وَمِثْلُهُ مُرَادِفُهُ كَاتْرُكْ وَذَرْ بِخِلَافِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَيْ لَا تَفْعَلْ فَلَيْسَ بِأَمْرٍ وَسُمِّيَ مَدْلُولُ كَفٍّ أَمْرًا لَا نَهْيًا مُوَافَقَةً لِلدَّالِّ فِي اسْمِهِ وَيُحَدُّ النَّفْسِيُّ أَيْضًا بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِفِعْلِ إلَخْ وَكُلٌّ مِنْ الْقَوْلِ وَالْأَمْرِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ
ــ
[حاشية العطار]
الْفِعْلِ فَقَطْ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْأَمْرِ مَا يَكُونُ مَقْدُورًا تَحْصِيلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ أَوْ لَا كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ بَلْ مَا يَشْمَلُ الْمَوْجُودَ الذِّهْنِيَّ كَمَا فِي عَلِّمْنِي وَفَهِّمْنِي فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَحْصِيلُ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ لِلْآمِرِ أَيْ حُصُولُ صُورَةٍ فِي ذِهْنِهِ وَبِهَذَا يُشْكِلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ فِي نَحْوِ أَزَيْدٌ قَائِمٌ فَإِنَّهُ لِطَلَبِ الْفَهْمِ عَلَى النَّحْوِ الْمَذْكُورِ وَتَحْقِيقُ الْفَرْضِ أَنَّ الْغَرَضَ فِي الِاسْتِفْهَامِ وُجُودُ النِّسْبَةِ الْمُسْتَفْهَمَةِ بِوُجُودٍ ظِلِّيٍّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِلِاتِّصَافِ بِصُورَتِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَفْهِمَ لَيْسَ غَرَضُهُ مِنْ الْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّة إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْمُخَاطَبُ فِي ذِهْنِهِ تِلْكَ النِّسْبَةُ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا وَالْغَرَضُ مِنْ الْأَمْرِ اتِّصَافُ الْفَاعِلِ بِالْحَدَثِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ جَوْهَرِهِ وَوُقُوعُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ لَا حُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَلْزِمُهُ فِي بَعْضِ الْأَوَامِرِ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ أَثَرَ ذَلِكَ الْحَدَثِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ كَمَا فِي فَهِّمْنِي فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَطْلُبُ مِنْك تَفْهِيمًا وَاقِعًا كَمَا أَنَّ اضْرِبْنِي أَطْلُبُ مِنْك ضَرْبًا وَاقِعًا عَلَيَّ إلَّا أَنَّ التَّفْهِيمَ لَمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا بِحُصُولِ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ اقْتَضَاهُ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَثَرُ التَّفْهِيمِ كَمَا أَنَّ حُصُولَ الضَّرْبِ اقْتَضَى حُصُولَ أَثَرِهِ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ الْأَلَمُ فَحُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ وَغَرَضُهُ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَثَرُ التَّفْهِيمِ أَفَادَهُ السَّيَالَكُوتِيُّ فِي حَوَاشِي الرَّازِيّ عَلَى الشَّمْسِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَتَنَاوَلَ) أَيْ الْحَدُّ وَمَفْعُولُهُ الِاقْتِضَاءَ الْجَازِمَ وَغَيْرَ الْجَازِمِ نَعْتٌ وَضَبَطَ الِاقْتِضَاءَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ وَمَفْعُولُهُ الْجَازِمُ وَغَيْرُ الْجَازِمِ ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ ظَاهِرٌ فِي النَّفْسِيِّ وَأَمَّا اللَّفْظِيُّ فَتَنَاوُلُهُ لِغَيْرِ الْجَازِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ لَيْسَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: لِمَا لَيْسَ بِكَفٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِالطَّلَبِ فَفِيهِ إعْمَالُ الْمَصْدَرِ بَعْدَ وَصْفِهِ.
(قَوْلُهُ: مُوَافَقَةً لِلدَّالِّ) لَمَّا كَانَ مَدْلُولُ كُفَّ وَلَا تَفْعَلْ وَاحِدًا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَارَةً بِلَفْظٍ كُفَّ وَيُسَمَّى أَمْرًا وَتَارَةً بِلَفْظِ لَا تَفْعَلْ وَيُسَمَّى نَهْيًا نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَى مُنَاسَبَةِ التَّسْمِيَةِ وَهِيَ تُوَافِقُ الدَّالَّ وَالْمَدْلُولَ فَقَوْلُهُ مُوَافَقَةً لِلدَّالِّ وَهُوَ لَفْظُ كُفَّ وَاسْمُهُ هُوَ الْأَمْرُ (قَوْلُهُ: وَيُحَدُّ النَّفْسِيُّ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُحَدُّ بِالِاقْتِضَاءِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ بِمَعْنَى حَدَّ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الْقَوْلُ النَّفْسِيُّ وَاقْتِضَاؤُهُ تَعَلُّقُهُ وَالِاقْتِضَاءُ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنْ الْقَوْلِ وَالْأَمْرِ إلَخْ) نَبَّهَ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا مِنْ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِيِّ
عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ فِي الْكَلَامِ الْآتِي فِي مَبْحَثِ الْإِخْبَارِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ فِي مُسَمَّى الْأَمْرِ نَفْسِيًّا أَوْ لَفْظِيًّا حَتَّى يُعْتَبَرَ فِي حَدِّهِ أَيْضًا (عُلُوٌّ) بِأَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ عَالِيَ الرُّتْبَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ (وَلَا اسْتِعْلَاءٌ) بِأَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ بِعَظَمَةٍ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ دُونَهُمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ
أَمَرْتُكَ أَمْرًا جَازِمًا فَعَصَيْتَنِي
…
وَكَانَ مِنْ التَّوْفِيقِ قَتْلُ ابْنِ هَاشِمٍ
هُوَ رَجُلُ بَنِي هَاشِمٍ خَرَجَ مِنْ الْعِرَاقِ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَمْسَكَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَمْرٌو بِقَتْلِهِ فَخَالَفَهُ وَأَطْلَقَهُ لِحِلْمِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى فَأَنْشَدَهُ عَمْرٌو الْبَيْتَ فَلَمْ يُرِدْ بِابْنِ هَاشِمٍ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَيُقَالُ أَمَرَ فُلَانٌ فُلَانًا بِرِفْقٍ وَلِينٍ (وَقِيلَ يُعْتَبَرَانِ) وَإِطْلَاقُ الْأَمْرِ دُونَهُمَا مَجَازِيٌّ (وَاعْتَبَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ) غَيْرُ أَبِي الْحُسَيْنِ (وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالسَّمْعَانِيُّ الْعُلُوَّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ (وَالْإِمَامُ) الرَّازِيّ (وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ الِاسْتِعْلَاءَ) وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ حَدَّ اللَّفْظِيَّ كَالْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ النَّفْسِيَّ كَالْآمِدِيِّ.
(وَاعْتَبَرَ أَبُو عَلِيٍّ وَابْنُهُ) أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ زِيَادَةً عَلَى الْعُلُوِّ (إرَادَةَ الدَّلَالَةِ
ــ
[حاشية العطار]
وَالنَّفْسِيُّ مُخَالِفٌ لِمَا اخْتَارَهُ فِي مَبْحَثِ الْإِخْبَارِ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُنَوَّعَ إلَى الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ حَقِيقَةٌ فِي النَّفْسِيِّ مَجَازٌ فِي اللَّفْظِيِّ قَالَهُ زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: عَلَى قِيَاسِ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اشْتِرَاكَ الْأَمْرِ بَيْنَ النَّفْسِيِّ وَاللَّفْظِيِّ لَيْسَ مَنْقُولًا مُصَرَّحًا بِهِ وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ بِنَقْلِهِ وَتَضَمَّنَهُ كَلَامُ الْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: فِي الْكَلَامِ) أَيْ الَّذِي الْأَمْرُ أَحَدُ أَقْسَامِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ) مِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ الْجَوَابُ عَمَّا عَسَاهُ يُورَدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ تَعْرِيفَهُ غَيْرُ مَانِعٍ إذْ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ وَهُوَ مَا انْتَفَى فِيهِ الْعُلُوُّ وَالِاسْتِعْلَاءُ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ لِاعْتِبَارِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فِيهِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ اعْتِبَارِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فِيهِ فَدُخُولُ مَا انْتَفَيَا أَوْ أَحَدِهِمَا فِيهِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مَرَّ إفْرَادُهُ وَلِهَذَا أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ حَتَّى يُعْتَبَرَ فِي حَدِّهِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: نَفْسِيًّا أَوْ لَفْظِيًّا) لَا يَخْفَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُخَالِفِينَ الْمُعْتَزِلَةَ وَهُمْ يُنْكِرُونَ الْأَمْرَ النَّفْسِيَّ لِإِنْكَارِهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَإِنَّمَا كَلَامُهُمْ فِي الْأَمْرِ اللَّفْظِيِّ وَاَلَّذِي أَحْوَجَهُ إلَى التَّعْمِيمِ ذَكَرَ الْمُعْتَزِلَةَ مَعَ الْمُخَالِفِينَ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى تَخْصِيصِ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْأَمْرِ اللَّفْظِيِّ لِشُيُوعِ إنْكَارِهِمْ النَّفْسِيَّ قَالَ فِي فُصُولُ الْبَدَائِعِ وَمَنْ أَنْكَرَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ كَالْمُعْتَزِلَةِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ تَعْرِيفُهُ بِالطَّلَبِ اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْعُلُوِّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَمْرًا مِنْ أَتْبَاعِ مُعَاوِيَةَ فَلَيْسَ عِنْدَهُ عُلُوٌّ وَلَا اسْتِعْلَاءٌ وَقِيلَ فِيهِ اسْتِعْلَاءٌ مَجَازًا لِقَوْلِهِ فَعَصَيْتنِي وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا مَا حَكَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء: 35] مُخَاطِبًا قَوْمَهُ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْأَمْرَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ بِلَا عُلُوٍّ مِنْ الْقَائِلِينَ وَلَا اسْتِعْلَاءٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الطَّلَبَ عَلَى سَبِيلِ التَّضَرُّعِ أَوْ التَّسَاوِي لَا يُسَمَّى أَمْرًا وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
(قَوْلُهُ: وَيُقَالُ) أَيْ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الِاسْتِعْلَاءِ.
(قَوْلُهُ: إرَادَةَ الدَّلَالَةِ بِاللَّفْظِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ ثُمَّ إنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي ذَكَرُوهُ وَيَنْهَوْا بِهِ عَلَى أَمْثَالِهِ إنَّمَا يَكُونُ أَمْرًا بِثَلَاثٍ: إرَادَةُ اللَّافِظِ وُجُودَ اللَّفْظِ وَالْإِرَادَةُ الثَّانِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِجَعْلِ اللَّفْظِ أَمْرًا وَالثَّالِثَةُ تَتَعَلَّقُ بِامْتِثَالِ الْمَأْمُورِ الْمُخَاطَبِ بِالْأَمْرِ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ يَعْنِي بِهِمَا أَبَا عَلِيٍّ وَابْنَهُ، قَالَ الرَّضِيُّ وَيُحْتَرَزُ بِالْأُولَى عَنْ النَّائِمِ وَالثَّانِيَةِ عَنْ نَحْوِ التَّهْدِيدِ وَالثَّالِثَةِ عَنْ الصِّيغَةِ تَصْدُرُ عَنْ الْمُبَلِّغِ وَالْحَاكِي اهـ.
، وَفِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ اشْتِرَاطُ مَجْمُوعِ الْإِرَادَاتِ الثَّلَاثِ لِتَحْقِيقِ مَاهِيَّةِ الْأَمْرِ اهـ. فَلَعَلَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا ذَكَرَ لِمَا قَالَهُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ إنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِي إرَادَةِ الِامْتِثَالِ.
وَأَمَّا إرَادَةُ الدَّلَالَةِ بِالصِّيغَةِ فَالنِّزَاعُ فِيهَا لَيْسَ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ بَلْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَمَّا إرَادَةُ إحْدَاثِ الصِّيغَةِ فَهِيَ شَرْطٌ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَقَدْ حَكَى قَوْمٌ فِيهَا الِاتِّفَاقَ اهـ.
وَبِمُقْتَضَى مَا قَرَّرَهُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ يَكُونُ كَلَامُهُ هُنَا غَيْرَ مُوَافِقٍ لَهُ وَلِمَا نُقِلَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَوْ أَبْدَلَ قَوْلَهُ: إرَادَةَ
بِاللَّفْظِ عَلَى الطَّلَبِ) فَإِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ أَمْرًا لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الطَّلَبِ كَالتَّهْدِيدِ وَلَا مُمَيِّزَ سِوَى الْإِرَادَةِ قُلْنَا اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الطَّلَبِ مَجَازِيٌّ بِخِلَافِ الطَّلَبِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ إرَادَتِهِ (وَالطَّلَبُ بَدِيهِيٌّ) أَيْ مُتَصَوَّرٌ بِمُجَرَّدِ الْتِفَاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يُفَرِّقُ بِالْبَدِيهَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَالْإِخْبَارِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِبَدَاهَتِهِ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ تَعْرِيفَ الْأَمْرِ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ تَعْرِيفٌ بِالْأَخْفَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِطْرِيٌّ (وَالْأَمْرُ) الْمَحْدُودُ بِاقْتِضَاءِ فِعْلٍ إلَخْ (غَيْرُ الْإِرَادَةِ) لِذَلِكَ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِالْإِيمَانِ وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ لِامْتِنَاعِهِ (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِيمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ إنْكَارُ الِاقْتِضَاءِ الْمَحْدُودِ بِهِ الْأَمْرُ قَالُوا إنَّهُ الْإِرَادَةُ
(مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ)
ــ
[حاشية العطار]
الدَّلَالَةِ بِإِرَادَةِ الِامْتِثَالِ لَتَطَابَقَ الْكَلَامَانِ وَتَمَّ الِاعْتِذَارُ تَأَمَّلْ.
وَفِي الْبُرْهَانِ فَإِنْ قِيلَ مَا أَنْكَرْتُمُوهُ مِنْهُمْ يَلْزَمُكُمْ مِثْلُهُ فِي الْعِبَارَةِ عَنْ الْأَمْرِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ فَقَدْ يَلْفِظُ اللَّافِظُ بِقَوْلِهِ افْعَلْ وَهُوَ يَبْقَى حِكَايَةً.
وَقَدْ يَلْفِظُ وَهُوَ يَنْتَحِي تَعْبِيرًا عَنْ الْأَمْرِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ فَكَيْفَ يَقَعُ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَنْ الْأَمْرِ وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ جَائِزَيْنِ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا إلَّا بِإِرَادَةٍ فَبِمَ يَصِيرُ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَنْ الْأَمْرِ قُلْنَا الْمَسْلَكُ الْحَقُّ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَصْدٍ إلَى إيقَاعِ اللَّفْظِ مُشْعِرًا بِالْأَمْرِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ وَلَكِنْ لَيْسَ لِلَّفْظِ فِيهِ صِيغَةٌ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْإِشْعَارُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَلَوْ هُدِيَ الْمُعْتَزِلَةُ لِذَلِكَ لَمَا ارْتَبَكُوا فِي مَذَاهِبِهِمْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الطَّلَبِ) أَيْ الْإِرَادَةِ وَإِلَّا فَهُمْ يُنْكِرُونَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَكْفِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِرَادَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ إلَخْ) أَيْ يَكْفِي أَنَّ الصِّيغَةَ إذَا أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إلَيْهِ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الصِّيغَةِ فِي التَّهْدِيدِ مَجَازٌ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ بَدَاهَةَ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ إنَّمَا تُفِيدُ بَدَاهَةَ التَّصَوُّرِ وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ بَدَاهَةَ الْحَقِيقَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعْلُومًا بِكُنْهِ الْحَقِيقَةِ.
(قَوْلُهُ: بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الطَّلَبِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِلَفْظِهِ كَمَا فِي تَعْرِيفِ أَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ أَوْ بِالِاقْتِضَاءِ كَمَا فِي تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ مَنْعُ كَوْنِ الطَّلَبِ أَخْفَى بَلْ مَنْعُ كَوْنِهِ نَظَرِيًّا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنَّهُ بَدِيهِيٌّ.
(قَوْلُهُ: تَعْرِيفُ بِالْأَخْفَى) فِيهِ أَنَّ النَّظَرِيَّةَ لَا تُفِيدُ كَوْنَهُ أَخْفَى مِنْ الْأَمْرِ إذْ غَايَةُ مَا تُفِيدُ خَفَاءَهُ فِي نَفْسِهِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِالْخَفِيِّ أَوْ الْمَجْهُولِ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الطَّلَبَ نَظَرِيٌّ (قَوْلُهُ: أَمْرُ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ) وَفَائِدَةُ الْأَمْرِ حِينَئِذٍ لِإِظْهَارِ الشَّقَاوَةِ السَّابِقَةِ لَهُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ.
(قَوْلُهُ: لِامْتِنَاعِهِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِامْتِنَاعِ الْعَدَمُ أَيْ وَلَوْ أَرَادَهُ لَوُجِدَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَعْنَى لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعَ الْحُصُولِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِرَادَةُ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِعَدَمِهِ وَأَيْضًا قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ عَدَمِ إيمَانِ أَبِي لَهَبٍ فَيَكُونُ مَعْلُومَ اللَّا وُقُوعِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مَعَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يَكُونُ الطَّلَبُ عَيْنَ الْإِرَادَةِ لَكِنْ قَالَ الْفَنَارِيُّ فِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ وَإِبْطَالُ مَذْهَبِهِمْ بِلُزُومِ وُقُوعِ الْمَأْمُورَاتِ لَا يَلْزَمُهُمْ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ عِنْدَهُمْ مَيْلٌ يَتْبَعُ اعْتِقَادَ النَّفْعِ أَوْ دَفْعَ الضَّرَرِ فَيَجُوزُ تَخَلُّفُ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى لِسُوءِ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ لَا الصِّفَةِ الْمُخَصَّصَةِ بِالْوُقُوعِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ فَسَادُ الِاسْتِدْلَالِ بِنَحْوِ إيمَانِ أَبِي لَهَبٍ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ مُرَادُ اللَّهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُؤْمِنُونَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ بِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ فَكَيْفَ يُرِيدُهُ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ عَلَى مَا فَسَّرُوهُ لَا تُنَافِي الْعِلْمَ بِاللَّاوُقُوعِ.
(قَوْلُهُ: قَالُوا إنَّهُ الْإِرَادَةُ) رُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ قَوْلَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ افْعَلْ كَذَا بِحَضْرَةِ سُلْطَانٍ تَوَعَّدَهُ بِالْإِهْلَاكِ عَلَى ضَرْبِهِ لِيَعْصِيَهُ فَيَخْلُصُ أَمْرٌ وَإِلَّا لَمْ يَظْهَرْ عُذْرُهُ وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وَلَا يُرِيدُ مَا يُفْضِي إلَى هَلَاكِهِ لَكِنْ قَدْ يَطْلُبُ إذَا عَلِمَ أَنَّ طَلَبَهُ لَا يُفْضِي