المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصَلٌ ويقال للصديق والسابق: مقرب. قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ - حسن التنبه لما ورد في التشبه - جـ ٤

[نجم الدين الغزي]

فهرس الكتاب

- ‌ تَنْبِيْهٌ:

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌ تَنْبِيْهٌ:

- ‌خاتمة

- ‌(5) بَابُ التَّشَبُّه بِالصِّدِّيْقِيْنَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُم

- ‌ فائِدَةٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:

- ‌وأمرُ بلعام يحتمل وجهين:

- ‌فَصْلُ

- ‌ تَنْبِيْهٌ:

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌خَاتِمَة

- ‌فَصَلٌ

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌ تتمة:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ فائِدةٌ:

- ‌ تَنْبِيْهٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌ تَذْنِيْبٌ:

- ‌ تَذْيِيْلٌ:

- ‌خَاتمَة

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌(6) باب التشبه بالنبيين صلوات الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين

- ‌1 - فمنها: العلم وطلبه، والرحلة في طلبه والاستزادة منه

- ‌2 - ومنها: تعليم العلم وإفادته، وإرشاد الناس إلى الخير

- ‌3 - ومنها: النطق بالحكمة

- ‌4 - ومنها: النصيحة

- ‌5 - ومنها -وهو من أخص أعمالهم وأغلب أحوالهم-: الدعاء إلى الله والإرشاد إليه

- ‌6 - ومنها: التوحيد، والإِسلام، والإيمان، والإحسان

- ‌7 - ومنها: شهود الأفعال من الله تعالى على وجه الحكمة

- ‌8 - ومنها: القيام بالحقوق وتأدية الأمانات

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌9 - ومنها: القضاء بالحق

- ‌10 - ومن أعمال الأنبياء عليهم السلام: مصابرة العبادة

- ‌11 - ومنها: إقامة الصلاة، والمحافظة عليها وعدم التهاون بها

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌ فائِدَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ أخرى:

- ‌12 - ومنها: الفزع عند الأمور المهمة إلى الصلاة، وطلب الرزق والحاجة بها

- ‌13 - ومنها: الطهارة للصلاة

- ‌14 - ومنها: وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة

- ‌15 - ومنها: صلاة الضحى

- ‌16 - ومنها: الصلاة عند زوال الشمس

- ‌17 - ومنها: تعظيم يوم الجمعة

- ‌18 - ومنها: قيام الليل

- ‌19 - ومنها: الصدقة، والخروج عما يشغل عن طاعة الله تعالى لوجه الله تعالى

- ‌20 - ومنها: تلاوة كتاب الله تعالى

- ‌21 - ومنها: الصيام

- ‌22 - ومنها: تعجيل الفطر وتأخير السحور

- ‌23 - ومنها: إيثار الجوع

- ‌24 - ومن أعمال الأنبياء عليهم السلام: فطر يوم الفطر ويوم الأضحى

- ‌25 - ومنها: التضحية وإهداء الهدي

- ‌26 - ومنها: الاعتكاف في البيت الحرام وغيره من المساجد

- ‌27 - ومنها: الحج إلى البيت الحرام، وتأدية مناسكه كما هو مقرر في الشريعة

- ‌ تَنْبِيْهٌ لَطِيْفٌ:

- ‌28 - ومن أخلاق الأنبياء عليهم السلام وأعمالهم: التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌29 - ومنها: بر الوالدين

- ‌30 - ومنها: العفو والاحتمال، ومقابلة السيئة بالحسنة

- ‌31 - ومنها: الحلم وحسن الخلق

- ‌32 - ومنها: العود على النفس باللائمة إذا جهل أحدٌ عليهم

- ‌33 - ومنها: السَّخاء

- ‌34 - ومنها: الضيافة وإكرام الضيف

- ‌ فائِدَةٌ:

- ‌ تَنْبِيْهٌ:

الفصل: ‌ ‌فَصَلٌ ويقال للصديق والسابق: مقرب. قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ

‌فَصَلٌ

ويقال للصديق والسابق: مقرب.

قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10 - 11].

قيل: السابقون الأول مبتدأٌ، والثاني توكيدٌ له، وأولئك هم المقربون خبرُه.

وقال الزَّجَّاج: السابقون رُفِعَ بالابتداء، والثاني خبره.

قال القرطبي: والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله (1). انتهى.

قال أبو محمد الجريري رحمه الله تعالى: إنما قربوا إلى ربهم لأنه لم يكن لهم هَمُّ (2) غيره (3).

وفي تسميتهم مقربين إشارة إلى أنَّ قربهم إنما كان بتقريب الله تعالى، إياهم من غير تعمل منهم، بل هو مجرد فضل من الله تعالى، كما

(1) انظر: "تفسير القرطبي"(17/ 200).

(2)

في "حقائق التفسير": "همة" بدل "هم".

(3)

انظر: "حقائق التفسير" للسلمي (2/ 300).

ص: 225

قال شيخ الإسلام الجد في "الدرر اللوامع": [من السريع]

عِنايَةُ اللهِ بِمَحْضِ الأفْضالْ

لَيْسَتْ بِأَقْوالِ وَلا بِأَفْعالْ

فشأن المقرب في طلب القرب الاستعانة بالله تعالى مع تسليم الأمر إليه سبحانه، كما قال الشيخ العارف بالله أرسلان الدمشقي رضي الله عنه في "رسالته": إن سَلَّمْت قَرَّبك، وإن نازعت أبعدك.

ثم قال: إن تقربت به قربك، وإن تقربت بك أبعدك.

وقلت في نظم "الرسالة": [من الرجز]

سَلِّمْ يُقَرِّبْكَ وَإِلَاّ عَنْهُ بِكْ

أَقْصاكَ هائِماً وَراءَ حُجُبِكْ

إِذا تَقَرَّبْتَ بِهِ يُقَرِّبُكْ

أَوْ بِكَ يُقْصِيْكَ إِذَنْ وَيُتْعِبُكْ

وقال السياري رحمه الله تعالى: أضاف الله تعالى الأفعال إلى عباده بقوله: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10]، ثم قال:{أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11]، ولو لم يكونوا مقربين لم يكونوا سابقين، ولو كانت الأفعال إليهم حقيقة لكانوا متقربين لا مقربين. انتهى.

ونشأ في الآية فهمان:

الأول: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10] إلى الخيرات والمبرات؛

ص: 226

{أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11]؛ أي: الذين سبق لهم القضاء بالتقريب، كما قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا} ؛ أي: عن جهنم {مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] فهم مقربون بمعنى أن الله تعالى قضى بقربهم في الأزل.

وعليه: فلولا سابقة الحسنى التي سبقت لهم بالتقريب، لم يكونوا سابقين إلى الطاعات مسارعين إلى الخيرات.

وهذا هو الذي فهمه السياري من الآية.

وهؤلاء كلما سابقوا إلى خير، وسارعوا إلى خير، كان ذلك علامة قربهم السابق لهم في الأزل.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله في حديث الصحيحين: "اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"(1).

ومن لطائف أخي العارف بالله العلامة شهاب الدين رحمه الله: [من الطويل]

إِذا ما أَرادَ اللهُ تَقْرِيْبَ مُبْعَدٍ

وَساعَدَهُ سَعْدٌ وَسابِقَةُ الْحُسْنَىْ

تَكَلَّمَ تَوْفِيْقاً بِخَيْرِ لِسانِهِ

يُصِيْبُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يُخْطِئُ فِيْ الْمَعْنَىْ

(1) رواه البخاري (4666)، ومسلم (2647) عن علي رضي الله عنه.

ص: 227

الفهم الثاني: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10]؛ أي: الذين تكرر منهم السبق إلى أعمال البر، وخصال الخير حتى صار ذلك لهم عادة وسنة؛ أولئك الذين يستحقون من فضل الله تعالى أن يقربهم من حظيرة قدسه، ويحادث أسرارهم بمناجاة أنسه.

وعلى هذا: فالسبق إلى الطاعة - ويعبر عنه بالتقرب - يكون سبباً للتقريب؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَي مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَإِنْ اسْتَعَاذَني لأُعِيْذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ"(1).

فتقرب العبد إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل هو السبب في تقريب الله تعالى للعبد، وإن كان تقربه إليه بسابقة الحسنى التي سبقت له منه، فإذا كان العبد مبرزاً في أفعال الخير، وتكررت منه أفعال القربة، واستقام على ذلك، صار حينئذ في مقام الأحباب المقربين، فقد كان متقرباً محباً، ثم صار مقرباً حِبًّا فالتقرب على ذلك مقام الأبرار، والتقريب تحفة المصطفين الأخيار.

(1) رواه البخاري (6137).

ص: 228

فلذلك قال الله تعالى في السابقين الذين استقاموا على أعمال البر وأفعال الخير: {أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11]، ولم يقل:"المتقربون"؛ لأن المتقرب أعم من أن يكون سابقاً، أو غير سابق.

وروى أبو نعيم عن عبد (1) الله بن شميط بن عجلان قال: كان أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا مقرب.

ورجل ابتكر عمره بالذنوب، وطول الغفلة، ثم راجع بتوبته؛ فهذا صاحب يمين.

ورجل ابتكر الشر في حداثته، ثم لم يزل فيه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا صاحب شمال (2).

وفي قوله: "وطول الغفلة" إشارة إلى أنَّ من لم يطول الغفلة بأن ألَمَّ بالذنب، ثم تاب من قريب، لا يقصر عن درجة المقربين، وكذلك هو.

وقد علمت مما سبق من التشبه بالمقربين تحصل بالاستقامة على أفعال البر، والسبق إلى الخيرات، وأعمال المقربين هي أعمال الأبرار، لكن مع المداومة والتكرار والاستقامة عليها في السر والإجهار.

وأفضل أعمال المقربين تأدية الفرائض، وهي لازمة للبر، إلا أنها تكون من المقرب أتم وأكمل، ثم يترقون في القربة على مقدار الترقي

(1) في "حلية الأولياء": "عبيد" بدل "عبد".

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(3/ 131).

ص: 229

في التقرب بالنوافل للحديث؛ فإنَّما كانت من أنواع البر.

غير أنَّ من لطائف أعمال المقربين كثرة السجود مع الفَناء في مشاهدة المعبود لقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19].

والحكمة في ذلك أن الصلاة محل المناجاة، وإنما يكون قرب المناجي على قدر تقربه، ولا يتقرب العبد إلى الله تعالى بشيء أبلغ من معرفته، وكلما عرف نفسه بالذل والضعة والافتقار عرف ربه بالعز والرفعة والغنى، ولا شيء في ضعة العبد لنفسه أبلغ من وضع جبهته - وهي من أشرف أعضائه - على الأرض.

وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِد؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ"(1).

وروى ابن المبارك عن ضمرة بن حبيب رحمه الله تعالى مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِشَيْءٍ أَقْرَبَ مِن سُجُوْدٍ خَفِىٍّ"(2).

وفي "مسند الشهاب" للقضاعي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصَّلاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ"(3).

(1) رواه مسلم (482)، وأبو داود (875)، والنسائي (1137).

(2)

رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 50).

(3)

رواه القضاعي في "مسند الشهاب"(265).

ص: 230

ومحل القربة من الصلاة السجود لما سبق.

ومن ثم أمر فيه بالدعاء؛ لأن الطلب يكون على قدر القربة.

[وكذلك](1) قراءة القرآن؛ لأن القربة تابعة للمحبة، فالمقرب محبوب، والمحبوب محل المناجاة، ولا نجوى أحلى من كلام الحبيب.

روى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَذِنَ اللهُ تَعَالَى لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيْهِمَا، وَإِنَّ البِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ العَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ"(2)؛ يعني: القرآن.

وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في "فضائل القرآن" عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كان خَبَّاب بن الأَرَتِّ رضي الله عنه لي جاراً، فقال لي يوماً: يا هنتاه! تقرَّب إلى الله تعالى ما استطعت، واعلم أنَّك لست تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه (3).

وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ للهِ أَهْلِيْنَ مِنَ النَّاسِ"، قيل: من هم

(1) غير واضح في "م"، والمثبت من "ت".

(2)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 268)، والترمذي (2911) وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس، قد تكلم فيه ابن المبارك، وتركه في آخر أمره.

(3)

رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن"(1/ 43).

ص: 231

يا رسول الله؟ قال: "أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ"(1).

ولا شك أنَّ الأهل والخاصة هم محل القربة، وأولى من غيرهم بها.

وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب في كتاب "الاستغناء بالقرآن"، وغيره عن عبد الله ابن الإمام أحمد رضي الله عنهما قال: سمعت أبي يقول: رأيت رب العزة عز وجل في النوم؛ قلت: يا رب! ما أفضل ما تقرب المتقربون به إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد، فقلت: يا ربي! بفهم، وبغير فهم؟ قال: بفهم، وغير فهم (2).

ومن ألطف ما يتقرب به المتقرب إلى الله تعالى كثرة ذكره لأنَّه ناشئ عن المحبة؛ إذ من أحبَّ حبيباً أكثر من ذكره.

وإن كان القرآن أفضل أنواع الذكر، فإنَّ للذكر غير القرآن تأثيراً في التقريب.

وفي "مسند البزار" عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله عز وجل، قال:"أَنْ تَمُوْتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى"(3).

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 127)، والنسائي في "السنن الكبرى"(8031)، وابن ماجه (215).

(2)

انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (1/ 274).

(3)

ورواه ابن حبان في "صحيحه"(818)، والطبراني في "المعجم الكبير" (20/ 106). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 74): رواه الطبراني بأسانيد، ورواه البزار من غير طريقه، وإسناده حسن.

ص: 232

وروى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي"(1).

وفي رواية لمسلم: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِيْنَ يَذْكُرُنِي؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً".

وفي رواية لمسلم: "وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ هَرْوَلَةً"(2).

وفي هذا الحديث دليل أن حسن الظن بالله من أعظم أسباب القربة، ومن ألطف القربات عند الله تعالى التقرب إلى أوليائه لأن أصل الولاية القرب، ومن تقرَّب إلى القريب قُرِّبَ، كما أنَّ من تقرب من البعيد بعد.

وروى أبو حفص بن شاهين في "أفراده" عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ بِبُغْضِ أَهْلِ الْمَعَاصِي، وَالْقَوْهُمْ بِوُجُوْهٍ مُكْفَهِرَّةٍ، وَالتَمِسُوْا رِضَى اللهِ بِسَخَطِهِم، وَتَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ بِالتَّبَاعُدِ مِنْهُم"(3).

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 413)، والبخاري (6970)، ومسلم (2675)، والترمذي (3603)، وابن ماجه (3822).

(2)

رواه مسلم (2675).

(3)

ورواه الديلمي في "مسند الفردوس"(2320).

ص: 233

ومن أبلغ القرب إلى الله تعالى الإنفاق في سبيله عن طيب نفس من غير أن يعد النفقة غرامة؛ لأنَّ المحبة لا تتحقق إلا ببذل ما سوى المحبوب في رضاه، والقربة على قدر المحبة، ومن ثمَّ قال الله تعالى:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].

وقال الله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 99].

فشهد سبحانه وتعالى لمن كان الباعث له على الإنفاق الإيمان وقصد القربة بالتقرب، وأنَّهُ حصل على القربة الحقيقية الموجبة للرحمة، كما شهد على المنافقين الذين يتخذون ما ينفقون مغرماً بأنَّ عليهم دائرة السوء حيث قال تعالى:{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [التوبة: 98].

فالتقرب إلى الله تعالى بالصدقات والنفقات على حسب الإيمان وحسن النية، ومن ثمَّ ليس كل متقرب أو مقرب مقرباً، ألا تسمع قوله تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

ظهر شِرْكه في قوله: "لأقتلنَّك"؟ حَسِبَ أنَّ المانع من قبول قربانه وجود أخيه، فتوعده بالإعدام والقتل، فأثبت لنفسه - أيضاً - حولاً وقوةً، فنبهه أخوه على أن سبب قبول القربان ليس نفس تقديم القربان ولا غيره

ص: 234

إلا تقوى الله بقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

وروى ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إنَّ ابني آدم اللذين قربا قرباناً كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنَّما أُمِرَا أن يُقرِّبا قرباناً، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبةً بها نفسه، وإنَّ صاحب الحرث قرَّبَ شر حرثه الكردن والزوان غير طيبة بها نفسه، وإنَّ الله تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه.

وايم الله! إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه (1).

واعلم أن المتقرب إليه عظيم لا يقبل إلا ما يليق أن يقابل به، وكل شيء يتقرب به إليه لا يليق للقربة إلا إذا قرَّبه إليه المتقرب به إليه وهو مستغفر لما قربه شاهد بعظمة من يتقرب به إليه، وباحتقار نفسه أن يكون أهلاً لهذه القربة، وحينئذٍ فقد أدى حق التقرب بإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقه؛ إذ حق الربِّ الاعتراف بربوبيته وعظمته، وحق العبد الاعتراف بعبوديته وضعته وحقارتِهِ، وحق ما من العبد إلى الله تعالى استصغاره واستحقاره؛ لأن الله تعالى غنيٌّ عن كل شيء، وحق ما من الله إلى العبد استعظامه واستكثاره؛ لأنَّ العبد فقير إلى الله أبداً محتاج إليه في كل حال، فمتى شهد العبد نفسه، أو شهدَ ما منه واستعظَمَهُ، فقد خرجَ بذلك عن التقريب

(1) رواه الطبري في "التفسير"(6/ 187).

ص: 235

لأنه لم يؤدِّ حقوق التقرب.

وروى الترمذي عن أبي هريرة، والبيهقي في "الشعب" عن جابر، والطبراني في "الأوسط" عن عائشة؛ قالوا رضي الله عنهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السَّخِيُّ قَرِيْبٌ مِنَ اللهِ، قَرِيْبٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيْبٌ مِن الْجَنَّةِ، بَعِيْدٌ مِن النَّارِ، وَالبَخِيْلُ بَعِيْدٌ مِن اللهِ، بَعِيْدٌ مِن النَّاس، بَعِيْدٌ عِن الْجَنَّةِ، قَرِيْبٌ مِن النَّارِ، وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيْلٍ"(1).

وروى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَدْناَهُم مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِل، وَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ، وَأَبْعَدُهُم مِنْهُ إِمَامٌ جَائِر"(2).

وقوله: "وَأَدْناَهُم منه"؛ أي: أقربهم من محلِّ كرامته.

وإنما كان الإمام العادل أقرب إلى الله تعالى لتخلقه بخلقه الكريم من العدل في رعيَّته وولايته.

وروى أبو داود عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ

(1) رواه الترمذي (1961) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: غريب، وإنما يروى عن عائشة رضي الله عنها مرسلاً.

ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(10848) عن جابر رضي الله عنه.

ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(2363) عن عائشة رضي الله عنها.

قال الدارقطني في "العلل"(14/ 369): لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شيء بوجه.

(2)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 22)، والترمذي (1329) وحسنه.

ص: 236

أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَن بَدَأَهُم بِالسَّلامِ" (1).

ورواه الترمذي وحسنه، ولَفظهُ: قيل: يا رسول الله! الرجلان يلتقيان، أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال:"أَوْلاهُمَا بِاللهِ"(2)؛ أي: أقربهما إليه لأنه مِنْ وَلِيَ: إذا قَرُبَ.

وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ قسوةُ القَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِن اللهِ القَلْبُ القَاسِي"(3)؛ أي. ذو القلب القاسي.

ومفهومه أن القلب الرحيم اللين قريب من الله تعالى.

وكلما كان أرحم وأعطف كان أقرب، وفي كتاب الله تعالى:{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56].

فإذا كان المحسن قريباً من رحمة الله تعالى لإحسانه، فقربه من رحمته عين قربه منه.

وروى هنَّاد بن السَّري في "الزهد" عن عبيد بن عمير رحمه الله مرسلاً - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا ازْدَادَ رَجُلٌ مِن السُّلْطَانِ قُرْبًا إِلا ازْدَادَ عَن اللهِ بُعْدًا، وَلا كَثُرَتْ أتبَاعُهُ إِلا كَثُرَتْ شَيَاطِيْنُهُ، وَلا كَثُرَ مَالُهُ

(1) رواه أبو داود (5197).

(2)

رواه الترمذي (2694).

(3)

تقدم تخريجه.

ص: 237

إِلا كَثُرَ حِسَابُهُ" (1).

وروى أبو داود، والبيهقي بسند صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَدَا فَقَدْ جَفَا، وَمَن اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفِلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابِ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِن السُّلْطَانِ دُنُواً إِلا ازْدَادَ مِن اللهِ بُعْدًا"(2).

وأخرجه الإمام أحمد، ولفظه:"وَمَن أَتَى أَبْوَابَ السَّلاطِيْنِ افْتُتِن، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِن السُّلْطَانِ قُرْبًا إِلا ازْدَادَ مِنْ اللهِ بُعْدًا" وسنده صحيح (3).

ويؤخذ منه أنه كلما أبعد عن السلطان قربه الله تعالى.

وروى أبو نعيم عن أبي حمزة البغدادي قال: قلت لعبد الله بن دينار الجعفي رحمه الله: أوصني، قال: اتق الله في خلواتك، وحافظ على أوقات صلواتك، وغض طرفك عن لحظاتك؛ تكن عند الله مقرباً (4).

ولا شك أن التقوى محل القربة لقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54 - 55].

والقربة في دار الدنيا إنما تراد للقربة في دار الآخرة.

و(عند): اسم لمكان القرب.

(1) رواه هناد بن السري في "الزهد"(1/ 327).

(2)

رواه أبو داود (2860)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 101).

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 371).

(4)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 359).

ص: 238

ثمَّ إنَّ الصلاة من أفراد التقوى، إلا أنه عطفها محطف الخاص على العام اعتناءً بالصلاة التي هي قربان كل تقي، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم:"مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَن الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِن اللهِ إِلا بُعْدًا". أخرجه الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله عنهما (1).

فالصلاة إنما تكون قرباناً إلى الله تعالى إذا نهت صاحبها عن الفحشاء والمنكر، وذلك عين التقوى.

ثم عطف على المحافظة على الصلاة غض البصر؛ لأن إطلاق البصر يغرق القلب في مطالعة الأغيار، ثم يوقع العبد في مهاوي الأوزار، وبذلك يصد العبد عن مقام القرب.

واعلم أنَّ كل عمل صالح فهو قربة من الله تعالى إذا صحت فيه النية وخلا عن العجب والمن ورؤية العمل، وذلك حقيقة التقوى، وذلك لا يَعْدُو الفرائض والنوافل المشار إليها في حديث البخاري المتقدم.

ولمن أهم الفرائض الإخلاص في كل عمل، فأما إذا كان العمل مشوباً بإرادة غير الله تعالى فلا يكون صاحبه براً، فضلاً عن أن يكون

(1) رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(11025). قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى"(22/ 5): هذا الحديث ليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعداً، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي وأقرب إلى الله منه، وإن كان فاسقاً.

ص: 239

صدِّيقاً مقرَّباً لأنه لم يتقرب في ذلك العمل إلى ذلك الغير؛ قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]؛ إذ ضمن السؤال الإرادة والطلب، فمن عمل لغير الله تعالى فإنما سأل وطلب شيئاً من ذلك الغير، فلا يكون الله منه قريباً.

ومعنى الإخلاص والصدق فيه لم يتم التقرب لمقرب حتى لا يرى نفسه أهلاً للقرب.

روى الإمام أحمد في "الزهد" عن مسروق قال: قال رجل عند عبد الله - يعني: ابن مسعود رضي الله عنه: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أكون من المقربين أحب إلي، قال: فقال عبد الله: لكن هاهنا رجل ود أنه إذا مات لم يبعث؛ يعني: نفسه (1).

ثم إنَّ التقرب إلى الله لا يكون إلا من حيث أمرك، لا من حيث تريد أنت وتستحسن، ومن ثم كان تقرب المشركين بأوثانهم بعداً أوجب لهم لعناً وطرداً كما حكى الله عنهم مشيراً إلى ذم ما هم عليه، فقال:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الزمر: 3]، أي: قالوا: ما نعبدهم، وهكذا كان يقرأها ابن عباس كما رواه سعيد بن منصور، وسعيد بن جبير

(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 159).

ص: 240

كما رواه عبد بن حميد (1).

ومن حكمته سبحانه وتعالى في هؤلاء إذا ماتوا على ما زعموه قربةً من عبادة الأوثان أنه يحلهم دار الهوان، فإذا قالوا:{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا} [المؤمنون: 107] أجابهم بقوله: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108].

ومن هذا القبيل: من تقرَّب إلى الله تعالى بمعصية كالغناء، وضرب الآلة، أو بما لم يكن مشروعًا كمن يتقرب إلى الله تعالى بالسكوت الدائم أو بترك أكل اللحم تحرجاً، أو بسجود غير مشروع، أو بربط نفسه بحبل لئلا ينام؛ فإنَّ ذلك يوجب لمن عمله البعد من حيث يظن بالقرب؛ فإنَّ العبد لا يتم تقربه لسيده إلا بتنفيذ ما يأمره به سيده، سواء وافق مراد العبد، أو خالف مراده.

ولو تقرب إليه العبد بما يريده العبد، ولم يوافق رضى مولاه، لم يكن ذلك تقرباً، بل هو بالتبعد أشبه.

وإذا كان العبد لا تتم له العبودية إلا بالرضى بقضاء المعبود فيما يخص العبد، فكيف تتم له عبوديته بغير الرضا بقضاء المعبود فيما يختص بالمعبود؟

ولا يتحقق قرب العبد من الرب إلا بالتحقق بالعبودية، ولا تتحقق العبودية إلا بالرضا بقضاء المعبود في كل قضية.

وقد روى ابن جهضم عن سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى قال:

(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (7/ 211).

ص: 241

إنَّ الله اصطنع إلى أوليائه ثلاث خصال؛ لا يطمعهم من حيث يطمعون، ويشوش عليهم تدبيرهم لأنفسهم، ولا يظفر بهم عدوهم (1).

يريد عز وجل أن لا يرجو غيره، ولا يخافوا سواه؛ لأنه البار بهم، اللطيف الكريم.

والأولياء هم المقربون؛ لأنَّ أصل الولاية القرب، فإذا كان هذا عادة الله في المقربين، فعليهم أن يقطعوا الأطماع في سوى ما يرزقهم، ويدَعوا التدبير لأنفسهم، ويكلوا أمرهم إلى تدبيره لهم، وبذلك يتم قربهم، وتكمل ولايتهم، ولا يحققهم بذلك مثل علمهم بأنَّه أقرب إليهم من حبل الوريد، وأَعْلَم منهم بما يصلحهم؛ كما روى أبو نعيم عن وهب: أنه قرأ في بعض كتب الله: يا ابن آدم! ما أنصفتني؛ تذكر بي وتنساني، وتدعوا إلي (2) وتفر مني، خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم قد نزل إليك من أجلك، ولا يزال ملك لهم (3) قد صعد إلي منك بعمل قبيح.

يا ابن آدم! إن أحب ما تكون إلي، وأقرب ما تكون مني إذا كنت راضياً بما قسمت لك، وأبغض ما تكون إلي، وأبعد [ما تكون مني إذا

(1) ورواه الرافعي في "التدوين في أخبار قزوين"(1/ 396) لكن عن أبي علي الدقاق.

(2)

في "حلية الأولياء": "وتدعوني" بدل "وتدعو إلي".

(3)

في "حلية الأولياء": "كريم" بدل "لهم".

ص: 242

كنت] (1) ساخطاً لاهياً عما قسمت لك.

يا ابن آدم! أطعني فيما أمرتك، ولا تعلمني بما يصلحك؛ إني عالم بخلقي، أنا أُكرم من أكرمني، وأهين من كان عليه أمري، لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر العبد في حقي (2).

وقد روى ابن جهضم عن سهل قال: من نظر إلى الله قريباً منه بعد عن قلبه كل شيء سوى الله، ومن طلب مرضاته أرضاه الله، ومن أسلم قلبه تولى الله جوارحه (3).

وعن حال الرضا والتحقق فيه [عبّر ذو النون المصري رحمه الله تعالى بقوله: من تقرب إلى الله بتلف نفسه، حفظ الله عليه عليه نفسه، كما رواه ابن جهضم، فعبر بتلف النفس عن محوها في مرضاة الله تعالى، وعدم الاعتداد](4) بها، والالتفات إلى ما تريد وتهوى، ومن ثمَّ كان الشهيد حياً عند الله تعالى مرزوقاً؛ لأنه أتلف نفسه في طلب رضى الله تعالى، وإنما يكون تلف النفس سبباً لحفظها إذا أتلفها صاحبها من حيث أُمر لا من حيث نهي، ألا ترى أنَّ الله تعالى يقول:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، ويقول تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]؟

(1) طمس في "م".

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 27).

(3)

ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 202).

(4)

ما بين معكوفتين لم يظهر في "م"، والمثبت من "ت".

ص: 243