الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(6) باب التشبه بالنبيين صلوات الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين
(6)
باب التشبه بالنبيين صلوات الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين
اعلم أن الله تعالى ذكر في سورة الأنعام ثمانية عشر نبيًا، ثم قال:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]
وفي "صحيح البخاري" عن مجاهد قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أسجد في ص؟ فقرأ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنعام: 84] حتى أتى إلى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 84 - 90] فقال ابن عباس: نبيُّكم ممن أُمر أن يقتدى بهم (1)، وقال:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35].
وقد تقدم الكلام على ذلك.
ومن المعلوم أنَّ جميع ما ذكرناه من خصال الخير إنما هو مأخُوذٌ من الأنبياء عليهم السلام إما فِعْلاً، وإما قولًا، أمراً، أو إرشاداً، ولا خفاء أن جميع أخلاق الصالحين والشهداء والصديقين مندرجة
(1) رواه البخاري (3239).
تحت أخلاق الأنبياء عليهم السلام، وجميع أخلاق النبيين مندرجة في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم كما علمت ذلك مما تقدم.
وقد أثنى الله تعالى على خلقه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
وروى مسلم عن سعيد بن هشام، قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فسألتها عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقُه القرآن (1).
وقد ظهر بذلك أنَّ من عمل بالقرآن العظيم وتَخَلق بما فيه كان متشبهاً بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وقد روى وكيع في "تفسيره": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ فَقَد أُدْرِجَتِ النُبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرَ أَنه لا يُوْحَى إِلَيْهِ"(2).
ورواه الطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي من حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَقَدْ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يُوْحَى إِلَيْهِ، وَمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظمَ مَا صَغَرَ اللهُ وَصَغَرَ مَا عَظَّمَ اللهُ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ القُرْآنِ أَنْ يَجِدَّ مَعَ مَنْ جَدَّ، وَلا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ جَهِلَ وَفِي جَوْفِهِ كَلامُ اللهِ"(3).
(1) رواه مسلم (746).
(2)
ورواه موقوفًا ابن المبارك في "الزهد"(1/ 275)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(29953)، وأبو عبيد سلام في "فضائل القرآن"(1/ 108).
ولعل الصواب من رواه موقوفًا.
(3)
ورواه الحاكم في "المستدرك"(2028)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(2591).
وقوله: "من قرأ القرآن" أي: حقَّ قراءته كما قال تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة: 121] لا مجرد إدارته على اللسان مع العمل بخلافه؛ فإنَّ هذا يستوي فيه البر والفاجر.
روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وغيرهما عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يأخذون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل؛ قال: فتعلمنا العلم والعمل (1).
وبهذا فسرت الحكمة في قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269].
وقوله في رواية وكيع: "من حفظ القرآن" المراد ضبط حدوده، وحلاله وحرامه، والعمل بما فيه، وهذا حقيقة الحكمة.
وقال تعالى: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1 - 2] فسمَّى الله تعالى القرآن حكيما لاشتماله على الحكمة المشار إليها في قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحكمة علم القرآن، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثال ذلك.
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29929)، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 410).
أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (1).
وروى الثاني عن أبي الدرداء رضي الله عنه في الآية قال: قراءة القرآن والفكر فيه (2).
وروى ابن جرير عن أبي العالية، وعن إبراهيم قالا: الكتاب والفهم فيه.
وعن ابن عباس قال: الفقه في القرآن (3).
وروى عبد بن حميد عن مجاهد قال: الحكمة الإصابة في القول (4).
ومضمونه أن الإصابة لا تعدو أحكام القرآن.
وروى ابن أبي الدنيا عن الحسن في الآية قال: الحكمة الورع (5).
والورع مما جاء به القرآن العظيم.
(1) رواه الطبري في "التفسير"(3/ 89)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 531).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 533).
(3)
رواه الطبري في "التفسير"(3/ 90).
(4)
وكذا رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 532)، انظر:"الدر المنثور" للسيوطي (2/ 66).
(5)
رواه ابن أبي الدنيا في "الورع"(ص: 48).
وروى ابن أبي حاتم عن مالك رضي الله عنه قال: قال زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى: إنَّ الحكمة العقل.
قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أنَّ الحكمة الفقه في دين الله، وأمرٌ يُدخله الله القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك ترى الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيراً به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله (1).
وروى الشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حَسَدَ إِلا في اثْنتَينِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلَمُهَا"(2).
وفيه تلويحٌ أن الحكمة بمعنى الحكم بالحق، ولذلك فسَّرها في "القاموس" بالعدل (3).
وروى ابن أبي حاتم عن مطر الوراق رحمه الله قال: بلغنا أنَّ الحكمة خشية الله والعلم به (4)؛ أي: المعرفة.
(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 532).
(2)
رواه البخاري (73)، ومسلم (816)، والنسائي في "السنن الكبرى"(5840)، وابن ماجه (4208).
(3)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 1415)(مادة: حكم).
(4)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 533).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن خالد بن ثابت الربعي قال: وجدت فاتحة زبور داود: أنَّ رأس الحكمة خشية الرب (1).
وروى ابن المنذر عن سعيد بن جبير رحمه الله قال: الخشية حكمة؛ من خشي الله فقد أصاب أفضل الحكمة (2).
وروى الحكيم الترمذي في "نوادره"، وابن لال في "مكارمه" عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الله"(3).
وروى القرطبي عن مالك: أن الحكمة السُّنَّة (4).
ولا شك أن السُّنة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله، والعمل بالسُّنة عين التشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه يندرج التشبه بالأنبياء عليهم السلام كما تقدم.
وروى ابن المنذر عن عروة بن الزبير قال: كان يُقال: الرفق رأس الحكمة (5).
وروى أبو نعيم عن يونس بن ميسرة رحمه الله قال: قالت
(1) رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 73).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (2/ 67).
(3)
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(3/ 84)، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(744) وضعفه.
(4)
انظر "تفسير القرطبي"(18/ 92). لكن ذكره عن الحسن، والسدي.
(5)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (2/ 67).
الحكمة: يا ابن آدم تلتمسني وأنت تجدني في حرفين؛ تعمل بخير ما تعلم، وتدع شر ما تعلم؟ (1)
وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} [لقمان: 12]؛ ففسر الحكمة بالشكر، والشكر هو الطاعة، والأنبياء عليهم السلام أطوع البشر لله تعالى، فالمطيع كلما ازداد طاعةً لله تعالى كلما كان متشبهًا بالنبيين عليهم السلام مقتديًا بهم.
وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: 12] قال: العقل والفهم، والإصابة في القول في غير نبوة (2).
وعليه: فقوله: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} على حذف حرف الجر؛ أي: بأن اشكر لله.
وروى ابن عدي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْحِكْمَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ؛ تِسْعَةٌ مِنْهَا في العُزْلَةِ، وَوَاحِدٌ في الصَّمْتِ"(3).
وروى الحاكم، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن أنس رضي الله عنه: أنَّ لقمان كان عند داود عليهما السلام وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان يتعجب ويريدُ أن يسأله وتمنعه حكمته أن
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 251).
(2)
رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 49)، والطبري في "التفسير"(21/ 67).
(3)
رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(6/ 442).
يسأله، فلما فرغ منها صبها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليلٌ فاعله، كنت أردت أن أسألك، فسكتُّ حتى لقيتني (1).
ولا شك أن الحكمة ممدوحة وهي علوم القرآن أو داخلة في علومه، ولا ينالها العبد إلا بالطاعة والإخلاص فيها، والزهد في الدنيا مع ملازمة الخوف، والعزلة عما لا ينبغي، والصمت عما لا يعني، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إِذَا رَأَيْتُم الرجلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا في الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوْا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ". رواه ابن ماجه عن أبي خلاد رضي الله عنه (2).
ورواه أبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" من حديثه، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه (3).
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَخْلَصَ للهِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحًا تَفْجرَت يَنَابِيع الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانه". رواه الإِمام أحمد في "الزهد" عن مكحول مرسلاً، ووصله في "الحلية" عنه، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه (4).
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه ابن ماجه (4101).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 405)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(10529) عن أبي خلاد رضي الله عنه.
ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 317)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(4985) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
ورواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 359) عن مكحول مرسلًا، ورواه أبو =
وما ذكرناه كله عين ما جاءت به الأنبياء عليهم السلام، فمن أولى الحكمة لم يفته من مقامات الأنبياء عليهم السلام إلا مفاجأة الملك بالوحي والتشريع والتحدي بالمعجزات، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق:"إِلا أَنَّهُ لا يُوْحَى إِلَيْهِ"، وهذا ممنوع منه العبد، فختم النبوة بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يبقَ له إلا الاقتداء بالأنبياء عليهم السلام، والتشبه بهم فيما عدا ذلك ما لم يكن منسوخًا من شرائع الأنبياء، فذلك هو الحكمة المحمودة التي من جاء بها كان متشبهاً بالأنبياء وبالحكماء أيضًا.
ومن خالف ما لم ينسخ من الشرائع فليس بحكيم، فإنما هو متفسق أو متزندق، أو شيطان رجيم، فإن اتفق أنَّه سمعتَ منه كلمة الحكمة الموافقة للكتاب والسنة كتبت عنه معِ التبري فيما عداها عنه لقوله صلى الله عليه وسلم:"الكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِن، فحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا". رواه ابن ماجه، والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وابن عساكر من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه (1).
= نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 189) عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(1/ 24): لم أقف له على إسناد صحيح ولا حسن، إنما ذكر في كتب الضعفاء.
(1)
رواه ابن ماجه (4169)، والترمذي (2687) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: حديث غريب، وإبراهيم بن الفضل. المدني المخزومي، يضعف في الحديث من قبل حفظه.
ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(55/ 192) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وروى العسكري في "أمثاله" عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: خذوا الحكمة ممن سمعتموها، فإنه قد يقول الحكمة غير الحكيم، وتكون الرمية من غير رامٍ (1).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن الصلاة حضرته وإلى جانبه امرأة ترعى غنمًا لها، فأخذ أبو الدرداء مكاناً يُصلي فيه، قالت له المرأة: يا عبد الله! أذهب بك شيء؟ قال: لا والله، قالت: أراك تلتمس، قال: ألتمس مكانًا نقيًا أُصلي فيه، قالت: يا عبد الله! والله إن كان قلبك نقياً لا تبالي حيثما صليت، قال أبو الدرداء: خذها أبا الدرداء من غير فقيه (2).
ولا يكون المتكلم بالكلمة الواحدة والكلمتين من الحكماء، ولا ينال الفاسق مقام الحكيم.
روى أبو نعيم عن وهب بن منبه قال: لا يكون البطال من الحكماء، ولا يرث الزناة من ملكوت السماء (3).
ثم إنَّه ليس كل حكيم يخرج من عهدة العمل بمقتضى الحكمة إلا أن حكمته تظهر وعليها النور بقدر عمله بها وإخلاصه فيها وفيه وصدقه فيهما.
(1) ورواه ابن ابن أبي شيبة في "المصنف"(25588)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" (ص: 419)، وعزاه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: 310) إلى العسكري.
(2)
ذكر قريبًا منها ابن القيم في "إغاثة اللهفان"(1/ 153).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 30).
وقد روى ابن جهضم عن حسين القزاز (1) قال: أربعة أشياء عزيزة في الخلق؛ عالم مستعمل لعلمه، وحكيم ينطق عن فعله (2)، وواعظ ليس له طمع، ومتعبد ليس له علاقة (3).
وروى ابن النجار في "تاريخه" عن المهاجر بن حبيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الله تَعَالَى يَقُوْلُ: إِنِّي لَسْتُ عَلَى كُلِّ كَلامِ الْحَكِيْمِ أُقْبِلُ، وَلَكِن أُقْبِلُ عَلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فيِ مَا يُحِبُّ اللهُ وَيرْضَى، جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا للهِ وَوَقَارًا وإنْ لَمْ يتكلَّمْ"(4).
وروى ابن جهضم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: إن الله يحب العالم المتواضع، ويبغض العالم الجبار، ومن تواضع لله أورثه الله الحكمة (5).
يُشير إلى أن التكبر حجاب لقلوب العلماء عن الحكمة والنطق بها.
ويدلُّ عليه قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146] الآية.
(1) في "شعب الإيمان": "يحيى بن الحسين القريشي" بدل "حسين القزاز".
(2)
في "شعب الإيمان": "قلبه" بدل "عمله".
(3)
ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(1816).
(4)
ورواه الدارمي في "السنن"(252).
(5)
ورواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه"(2/ 230)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(48/ 417).
وروى أبو الشيخ في "الثواب" عن أبي بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَوَاضَعُوْا لِمَنْ تَعَلَّمُوْنَ مِنْهُ، وَتَوَاضَعُوْا لِمَنْ تُعَلِّمُوْن، وَلا تَكُوْنُوْا مِنْ جَبَابِرَةِ العُلَمَاءِ يَغْلِبُ جَهْلُكُم عِلْمَكُم"(1).
وأين الحكمة مع غلبة الجهل، وإنما يغلب الجهل على العالم إذا تكبر أو تجبر، وكذلك إذا عاشر من لا تليق به عشرته من المبتدعة والفسقة.
كما السلمي في "طبقاته" عن فضيل بن عياض رحمه الله قال: من جلس مع صاحب بدعة لم يُؤتَ الحكمة (2).
ومن هنا كان أبعد الناس عن الحكمة والنطق بها الملوك لتجبرهم وكثرة مخالطتهم للفساق، فتجدهم بما هم عليه عن الحكمة معرضين، ولها غير متعرضين.
وقد روى الإمامان ابن المبارك وابن حنبل؛ كلاهما في "الزهد" عن خلف (3) بن حوشب رحمه الله قال: قال عيسى بن مريم عليهما السلام للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فلذلك دعوا لهم الدنيا (4).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أنه ذكر لقمان الحكيم
(1) ورواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(4/ 335)، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه"(2/ 229) كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 24).
(3)
في "الزهد" للإمام أحمد: "خالد" بدل "خلف".
(4)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 96)، والإمام أحمد في "الزهد" (ص: 92).
فقال: ما أوتي ما أوتي من أهل ومال، ولا حسب ولا جمال، ولكنه كان رجلاً صمصامة سكِّيتًا، طويل التفكر عميق النظر، لم ينم نهارًا قط، ولم يره أحد يبزق، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يُعيد منطقًا نطق به إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه، وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبكِ عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكماء لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أُوتي ما أوتي (1).
وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت"، وابن جرير عن عمرو بن قيس قال: مر رجلٌ بلقمان والناس عنده فقال: ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى، قال: ألست الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى، قال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السكوت عما لا يعنيني (2).
وروى ابن جهضم عن أبي بكر بن أبي داود قال: إذا جالست العلماء والجهال فأنصت لهم؛ فإنَّ في إنصاتك للعلماء زيادة في علمك، وفي إنصاتك للجّهال سلامة، والزم الصمت تعد حكيمًا، عالمًا كنت أو جاهلًا.
وروى أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن مِمْشاذُ الدينوري
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (6/ 512).
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان"(ص: 96)، والطبري في "التفسير"(21/ 68).
قال: الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت والتفكر (1).
وروى أبو نعيم عن الحسن قال: إنَّ أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استيقظت قلوبهم فنطقت بالحكمة (2).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، والبيهقي عن سيار أبي الحكم قال: قيل للقمان: ما حكمتك؟ قال: لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني (3).
وروى إسحاق الختلي في "الديباج" عن محمَّد بن جُحادة قال: أُتيَ لقمان في فائدة قالها، فقيل له: هل لك في أن تكون خليفة؟ قال: إن تُجبرني فسمعًا وطاعة، وإن تُخبرني أَخْتار العافية، فقيل له: وما عليك أن تكون خليفة فتعمل بالحق؟ قال: وإن أعمل بالحق فبالحري أن أنجو، وإن أخطئ الحق أُخطِئْ طريق الجنة، وإنّه من يبع الآخرة بالدنيا يخسرهما جميعًا، وأن أعيش ذليلاً حقيراً أحبَّ إليَّ من أن أعيش قوياً عزيزاً، فشكَرَ الله مقالتَه فغطَّه في الحكمة غطَّةً فأصبح وهو أحكم الناس، وكان يعتاده داود عليه السلام لحكمته، وكان يقول: انظروا إلى رجلٍ أوتي الحكمة ووقيَ الفتنة.
(1) رواه القشيري في "رسالته"(ص: 158).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 19).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34295)، والإمام أحمد في "الزهد" (ص: 106)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(10809).
وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول بها عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لُقْمَانَ كَانَ عَبْداً كَثِيْرَ التَّفَكُّرِ، حَسَنَ الظَّنِّ، كَثِيْرَ الصَّمْتِ، أَحَبَّ الله فَأَحَبَّهُ اللهُ فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ، نُوْديَ بِالْخِلافَةِ قَبْلَ داوُدَ عليه السلام فَقِيْلَ لَهُ: يَا لُقْمَانُ! هَلْ لَكَ أَنْ يَجْعَلَكَ اللهُ خَلِيفَةً في الأَرْضِ، تَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ؟ قَالَ لُقْمَانُ: إِن أَجْبَرَنِي رَبِّي قَبِلْتُ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِي أَعَاننِي وَعَلَّمَنِي وَعَصَمَنِي، وَإِنْ خَيَّرَنِي رَبِّي قَبِلْتُ العَافِيَةَ وَلَمْ أَسْأَلِ البَلاءَ فَقَالتِ الْمَلائِكَةُ [بصوتٍ لا يَراهم] (1): يَا لُقْمَانُ لِمَ؟ قَالَ: لأَنَّ الْحَاكِمَ بَأَشَدِّ الْمَنَازِلِ وَأكدَرِهَا يَغْشَاهُم الظّلْمُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُخْذَلُ أَوْ يُعَان، فَإِنْ أَصَابَ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْجُوَ، وَإِنْ أَخْطَأَ أَخْطَأَ طَرِيْقَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ يَكُوْنُ في الدُّنْيَا ذَلِيْلًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكْوْنَ شَرِيْفًا ضَائِعًا، وَمَن يَخْتَارُ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ فاتَتْهُ الدُّنْيَا وَلا يَصِيْرُ إِلَى مُلْكِ الآخِرَةِ، فَعَجِبَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ حُسْنِ مَنْطِقِهِ، فَنَامَ نَوْمَةً فَغطَّ بِالْحِكْمَةِ غَطًّا فَانتبهَ فتكَلَّمَ بِهَا، ثمَّ نُوْدِيَ داوُدُ عليه السلام بَعْدَهُ بِالْخِلافَةِ فَقَبِلَهَا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَرْطَ لُقْمَان، فَأَهْوَى في الْخَطِيْئَةِ فَصَفَحَ اللهُ عَنْهُ وَتَجَاوَزَ، وَكَانَ لُقْمَانُ يُؤَازِرُهُ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَقَالَ داودُ: طُوْبى لَكَ يَا لُقْمَانُ، أُوْتيْتَ الْحِكْمَةَ فَصُرِفَتْ عَنْكَ البَلِيّةُ، وَأُوْتي داودُ الْخِلافَةَ فَابْتُليَ بِالذَّنْبِ (2) وَالْفِتْنَةِ" (3).
(1) زيادة من "نوادر الأصول".
(2)
في "نوادر الأصول": "الرزية" بدل "الذنب".
(3)
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(1/ 373).
وروى الختلي عن الفضيل قال: من عامل الله بالصدق ورثه الله الحكمة (1).
وقال الختلي: ثنا أبو عبد الله مردويه الصائغ قال: قال لي عبد الله ابن المبارك رحمه الله: إنَّ الفضيل بن عياض صدق الله، فأجرى الحكمة على لسانه، والفضيل ممن نفعه علمه (2).
وروى ابن جهضم عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله قال: مثل الحكيم بمنزلة الصياد يصيد العباد من أفواه الشياطين، فالدنيا بحره، والحكمة شبكته، والناس صيده، فلو لم يصِدْ في عمره إلا واحدًا لكان قد أتى خيراً كثيرًا (3).
وفي حديث "الصحيح": "لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ"(4).
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"، وأبو نعيم عن شُمَيْطِ بن عَجْلَانَ قال: إنَّ الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: إنك إن استنقذت هالكاً من هَلَكَتِه سميتُكَ جِهْبِذاً (5).
(1) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(48/ 417).
(2)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(48/ 389).
(3)
انظر: "الطبقات الكبرى" للشعراني (ص: 118).
(4)
رواه البخاري (2783)، ومسلم (2406) عن سهل بن سعد رضي الله عنه.
(5)
رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"(ص: 175)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(3/ 130).
قال في "القاموس": الجهبذ -بالكسر-: النقَّاد الخبير (1).
وروى ابن جهضم عن أبي حمزة البغدادي أنه قال: [من المتقارب]
كَلامُ الْحَكِيْمِ شِفاءُ الْقُلُوْبِ
…
طَوِيْلُ السَّخاءِ غِياثُ الأُمَم
بِنُطْقِ الْحَكِيْمِ يُداوَى السَّقِيْمُ
…
وَصَمْتُ الْحَكِيْمِ وِعاءُ الْحِكَم
حَياةُ الْحَكِيْمِ كَضَوْءِ الشُّمُوْسِ
…
وَمَوْتُ الْحَكِيْمِ بَعِيْدُ الظُّلَم
وروى الأستاذ أبو القاسم في "الرسالة" عن رويم رحمه الله قال: من حكم الحكيم أن يوسع على إخوانه في الأحكام ويضيق على نفسه؛ فإن التوسعة عليهم اتباع للعلم، والتضييق على نفسه من حكم الورع (2).
وعن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله قال: لما خلق الله الدنيا جعل في الشبع المعصية والجهل، وجعل في الجوع العلم والحكمة (3).
وروى أبو نعيم عن منصور بن عمار رحمه الله قال: إنَّ الحكمة تنطق في قلوب العارفين بلسان التصديق، وفي قلوب الزاهدين بلسان
(1) انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 424)(مادة: جبذ).
(2)
رواه القشيري في "رسالته"(ص: 55).
(3)
رواه القشيري في "رسالته"(ص: 178).
التفضل (1)، وفي قلوب العباد بلسان التوفيق، وفي قلوب المريدين بلسان التفكر (2)، وفي قلوب العلماء بلسان التذكير.
قال: ومن جَزِعَ من مصائب الدنيا تحولت مصيبته في دينه (3).
وروى ابن جهضم عن إبراهيم الخواص رحمه الله قال: إنَّ الحكمة تنزل من السماء فلا تسكن قلبا فيه أربعة أشياء؛ الرُّكون إلى الدنيا، وهمُّ غدٍ، وحب فضول الدنيا، وحسد أخ (4).
وعن أبي عبد الله بن الجلاء رحمه الله قال: إنَّ الله ينطق بالحكمة في كل زمان بما شاكل أعمال ذلك الزمان.
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن محمَّد بن جحادة رحمه الله قال: قال لقمان: يأتي على الناس زمان لا تقرُّ فيه عين حكيم (5).
وروى أبو نعيم عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عُلَمَاؤُهَا فِتْنه (6) وَحُكَمَاؤُهَا فِتْنةٌ (7)،
(1) في "حلية الأولياء": "التفضيل" بدل "التفضل".
(2)
في "حلية الأولياء": "التفكير" بدل "التفكر".
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(9/ 327).
(4)
ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 326).
(5)
رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 104).
(6)
في "مسند الفردوس": "ميتة" بدل "فتنة".
(7)
في "مسند الفردوس": "ميتة" بدل "فتنة".
تَكْثُرُ الْمَسَاجِدُ وَتَقِلُّ (1) القُرَّاءُ حَتَّى لا يَجِدُوْنَ عَالِمَا إِلا الرَّجُلَ بَعْدَ الرَّجُلِ" (2).
ولعل المراد بالحكماء في هذا الحديث من يتظاهرون بالنطق بالحكمة، أو الحكماء حقيقة، إلا أنهم قد تقتضي الحكمة أن يظهر منهم ما يُوجب الافتتان بهم لفساد الزمان كأن يروا منكرًا فيسكتون عنه لعذر، فيحسبهم بعض من يراهم أنهم أقروه أو يدخلوا في شيء من الرُّخص لحكمة، فيغترَّ بهم من يراهم فيقتدي بهم ولم يعرف طريق القدوة، أو يُعاشر أحدهم بالمعروف من لا بد له من معاشرته، فيظن بعض من يراهم أنَّ ذلك تساهل في الدين أو تهاون في الأمر.
وقد روى الحاكم في "تاريخه"، وأبو الشيخ عن ابن المبارك معضلاً، [عن أبي فَاطِمَةَ الإِياديِّ] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ بِحَكِيْمٍ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ بِالْمَعْرُوْفِ مَنْ لا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتهِ بُدًّا حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجًا"(3).
(1) كلمة "وتقل" ليست في "مسند الفردوس"، ولا في "كنز العمال".
(2)
ورواه الديلمي في "مسند الفردوس"(8683).
(3)
ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(8104)، والديلمي في "مسند الفردوس"(5243).
قال البيهقي في "الأربعون الصغرى"(ص: 168): هذا هو المحفوظ عن محمَّد بن الحنفية من قوله، وقد روي بإسناد ضعيف عن أبي فاطمة الأنماري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه أبو نعيم، والديلمي من قول محمَّد بن الحنفية رحمه الله تعالى (1).
وقال الشيخ عبد القادر بن حبيب الصفدي رحمه الله في "تائيته": [من البسيط]
إِنَّ الْحَكِيْمَ الَّذِيْ يُعْطِيْ لِكُل مَقا
…
مِ ما يَلِيْقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ خَلْطاتِ
وروى الحاكم في "المستدرك" وصححه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حَكِيْمَ إِلا ذُو تَجْرِبَةٍ، وَلا حَلِيْمَ إِلا ذُو عَثْرَةٍ"(2).
وهذا من حيث الغالب، وقد يكون الله تعالى على عبدٍ بالنطق بالحكمة والعمل بها من غير تجربة، ألا ترى أن الله تعالى قال:{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]، والمراد بالحُكم الحكمة؟
وروى أبو نعيم، وابن مردويه، والديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] قال: "أُعْطِيَ الفَهْمَ وَالعِبَادَةَ وَهُوَ ابنُ سَبع سِنِيْنَ"(3).
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 162)، وكذا رواه البخاري في "الأدب المفرد"(889).
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك"(7799). وكذا رواه الترمذي (2033) وحسنه.
(3)
ورواه الديلمي في "مسند الفردوس"(7168). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 484).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" وغيره عن معمر بن راشد رحمه الله قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى بن زكريا عليهما السلام: اذهب بنا نلعب، قال: ما للعب خُلقت (1)، فهو قوله:{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12](2).
وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة (3) قال: جاء الغلمان ليحيى ابن زكريا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للعب خُلِقْت، قال: فأنزل الله: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12](4).
ورواه ابن عساكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعًا (5). وروى الحاكم في "تاريخه" عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَالَ الغِلْمَانُ لِيَحْيى بنِ زَكَرِيَّا: اذهب بِنَا نَلعَبْ، فَقَالَ يَحْيىَ: أَلِلَّعِبِ خُلقْنَا؟ اذهبُوْا نُصَلِّي؛ فَهُوَ قَوْلُه تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] "(6).
وروى ابن أبي حاتم عنه موقوفًا، والبيهقي في "شعبه" مرفوعًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ فَهُوَ مِمَنْ أُوتيَ
(1) في "الزهد": "خلقنا" بدل "خلقت".
(2)
رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 90).
(3)
في "تفسير عبد الرزاق" لا يوجد: "عن قتادة"، إنما أوقفه على معمر.
(4)
رواه عبد الرزاق في "التفسير"(1/ 120).
(5)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(64/ 183).
(6)
كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(5/ 485) إلى الحاكم في "تاريخه".
الْحُكْمَ صَبِيًّا" (1).
وروى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ضمَّني النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: "اللهُمَّ عَلمْهُ الْحِكْمَةَ"(2).
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد الوهاب ابن غيث (3) المكي قال: قال لقمان لابنه: يا بُنَي! جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله ليحيي [القلوب](4) بنور الحكمة كما يحيى الأرض الميتة بوابل السماء (5).
وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لابْنِهِ: يَا بُنَي! عَلَيْكَ بِمُجَالَسَةِ العُلَمَاءِ وَاسْتَمعْ كَلامَ الْحُكَمَاءِ؛ فَإِنَّ الله يُحْيِي القَلْبَ الْمَيِّتَ بِنُوْرِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيي الأَرْضَ الْمَيِّتةَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ (6).
وروى أبو نعيم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْحِكْمَةُ
(1) ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(1949) مرفوعًا.
(2)
رواه البخاري (3546).
(3)
في "الزهد": "عبيد الله بن عمر بن عبد الوهاب بن محمَّد المكي" بدل "عبد الوهاب بن غيث المكي".
(4)
زيادة من "الزهد".
(5)
رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"(ص: 107).
(6)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(7810). وضعف السيوطي إسناده في "الدر المنثور"(6/ 512).
تَزِيْدُ الشَّرِيْفَ شَرَفًا، وَتَرْفَعُ العَبْدَ الْمَمْلُوْكَ حَتَّى تُجْلِسَهُ مَجَالِسَ الْمُلُوْكِ" (1).
ورواه آخرون من كلام لقمان.
وقال الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].
فكما أنَّ العبد ينبغي له أن يتلبس بالحكمة ينبغي له أن يدعو بها لأنها أحكم في اجتلاب النفوس إلى طاعة القدوس، وأبلغ في جذب الأرواح إلى جناب الفتاح، والدعاء إلى الله تعالى بالحكمة خلق من أخلاق الله تعالى.
وقد قالت الملائكة عليهم السلام: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32].
وقال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8].
وقال تعالى حكايةً عن عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118].
وفي قرنه -سبحانه - بين العزيز والحكيم إشارة إلى أن الحكمة يعزُّ ذووها، أو من شأن الحكمة أن يكون صاحبها عزيزاً كما يُشير إليه -أيضا - حديث أنس المذكور آنفًا.
وكما أنَّ إلقاء الحكمة خلق رباني فتلقيها وقبولها والاستماع إليها
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 173). وضعف العراقي إسناده في "تخريج أحاديث الإحياء"(1/ 11).
خلق نبوي، ألا ترى إلى قوله تعالى:{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37] وليس من كلام الله تعالى إلا حكيم، وسبق في الحديث "الكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالةُ الْمُؤْمِنِ".
وكلما كان قلب المؤمن قابلاً لتلقي الحكمة كان أقرب لوراثة الحكمة النبوية، وكلما كانت القلوب أصفى كانت للحكم أصغى كما قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: إنَّ الطبيعة الطيبة التقية هي التي تكفيها من العظة رائحتها، ومن الحكمة إشارتها، فأما القلوب القاسية فإنَّهَا عن قبول الحكمة قاصية، كما أنَّ الأرض السبخة لا تحفظ الماء، ولا تنبت الكلأ.
كما قيل: [من البسيط]
إِذا قَسا الْقَلْبُ لَمْ تَنْفَعْهُ مَوْعِظَةٌ
…
كَالأَرْضِ إِنْ سَبِخَتْ لَمْ يَنْفَعِ الْمَطَرُ (1)
وأقبح ممن يسمع الحكمة ولا يقبلها من يسمع كلام الحكيم فلا يحفظ عنه إلا شر ما يسمع منه، وقد مثله صلى الله عليه وسلم بمثالٍ عجيب، فقال:"مَثَلُ الَّذِي يَجْلِسُ يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ وَلا يحدث عَنْ صِاحِبِهِ إِلا شَرَّ مَا يَسْمَعُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى رَاعِيَا فَقَالَ: يَا رَاعِي اجْزُرْ لِي بشَاةٍ مِنْ غَنَمِكَ، قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ بِأُذُنِ خَيْرِهَا شَاةً، فَذهبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الغَنَمِ". رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (2).
(1) البيت لابن عائشة كما في "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (2/ 8).
(2)
تقدم تخريجه.
وعلى من يعلِّم الحكمة أن لا يلقنها إلى غير أهلها كما روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن عكرمة قال: قال عيسى بن مريم للحواريين: يا معشر الحواريين! لا تُلْقُوا اللؤلؤ للخنزير فإنه لا يصنع به شيئًا، ولا تعطوا الحكمة من لا يُريدها فإنَّ الحكمة أحسن من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير (1).
وعلى من يعلِّمها ويمليها ومن يسمعها ويستمليها أن لا يقصدا غير وجه الله تعالى، ولا يتطلعا لغرض نفساني ولا غرض دنياوي.
وروى أبو نعيم عن أبي العالية في قوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41] قال: لا تأخذ على ما علمت أجرًا؛ فإنَّما أجر العلماء والحكماء على الله.
قال: وهم يجدونه مكتوبًا عندهم: يا ابن آدم علم مجانًا كما عُلمت مجاناً (2).
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عمران الكوفي قال: قال عيسى بن مريم عليهما السلام للحواريين: لا تأخذوا من الناس على ما تعلمون إلا مثل ما أعطيتموني (3).
وروى الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 93).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 220).
(3)
ورواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 96).
"الْهَدِيَّةُ تُعْوِرُ عَيْنَ الْحَكِيْمِ"(1).
والمعنى أنها تعور عين بصيرته، فتبرز حكمته كاسفة.
وقد انتهى الكلام على الحكمة والتشبه بالحكماء، وقد علمت أنه داخل في التشبه بالأنبياء عليهم السلام.
وقد استغنينا بذلك عن عقد باب أو فصل للتشبه بالحكماء.
واعلم أن التشبه بالأنبياء والحكماء والصديقين والشهداء في هذا الزمان في غاية العزة والقلة لا يكاد يتفق أصلًا، وإن اتفق وقوعه في كل قرن أو قريب منه من أحد فإنه يكون غريبا.
وعلى كل حال فالخير في هذه الأمة لا ينقطع ببركة نبيها صلى الله عليه وسلم وإن أكثر الخبث، ولكن يتضاعف أجر التمسك بالدين في هذه الأحايين أضعافًا كثيرة.
وقد روى الترمذي، وابن ماجه، وغيرهما عن أبي أمية الشَّعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105]؟ " قال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ائتمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَر حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مَطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدنْيَا مُؤْثَرَةً، وإِعْجَابَ كُلِّ في رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدع عَنْكَ العَوَامَّ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَبْر، الصَّبْرُ فِيْهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلعَامِلِ فِيْهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ
(1) رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(6969).
خَمْسِيْنَ رَجُلاً يَعْمَلُوْنَ مِثْلَ عَمَلِهِ" (1).
وزاد أبو داود في روايته: قيل: يا رسول الله! أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: "بَلْ أَجْرُ خَمْسِيْنَ مِنْكُم"(2).
وروى الخطيب من حديث سعيد بن زيد -وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل على أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
ورواه الحارث بن أبي أسامة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأسامة بن زيد رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَقْرَبُ النَّاسِ مِنَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ طَالَ جُوْعُهُ وَعَطَشُهُ وَحُزْنُهُ في الدُّنْيَا، الأَخْفِيَاءُ الأتقِيَاءُ الَّذِيْنَ إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوْا، وإنْ غَابُوْا لَمْ يُفْتَقَدُوا، تَعْرِفُهُم بِقَاعُ الأَرْضِ، وَتَحُفُّ بِهِم مَلائِكَةُ السَّمَاءِ، نَعِمَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَنَعِمُوا بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، افْتَرَشَ النَّاسُ الفُرُشَ وافْتَرَشُوْا الْجِباهَ وَالرُّكَبَ، ضَيَّعَ النَّاسُ صُنع النَبِيِّيْنَ وَأَخْلاقَهُم وَحَفِظُوْا هم، تَبْكِي الأَرْضُ إِذَا فَقَدَتْهُم، وَيسْخَطُ اللهُ عَلَى كُلِّ بَلْدةٍ لَيْسَ فِيْهَا مِنْهُم أَحَدٌ، لَمْ يتكَالَبُوْا عَلَى الدُّنْيَا تَكَالُبَ الكِلابِ عَلَى الْجِيَفِ، أكَلُوْا الفِلَقَ وَلَبِسُوْا الْخِرَقَ، شُعْثا غُبْرًا، يَرَاهُمُ النَّاسُ يَظُنُّوْنَ بِهِم دَاءً وَمَا بِهِم دَاء، يُقَالُ: قَدْ خُوْلطُوْا وَذَهَبَتْ عُقُوْلُهُم، وَلَكِنْ نَظَرَ القَوْمُ بِقُلُوْبِهِم إِلَى أَمْرٍ أَذْهَب عَنْهُمُ الدُّنيا، فَهُم عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا يَمْشُوْن بِلا عُقُوْلٍ، عَقَلَوْا حَيْثُ ذهبَتْ عُقُوْلُ
(1) رواه الترمذي (3558)، وابن ماجه (4014).
(2)
رواه أبو داود (4341).