الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
به أجاب. رواه ابن أبي حاتم (1).
قال الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} [الأعراف: 176]؛ يعني: بالآيات {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176]؛ أي: رَكَن إلى الدنيا ونزَع إليها {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف: 176].
قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما (2).
وأمرُ بلعام يحتمل وجهين:
- إما أن يكون قد أوتي العلم، ولم يؤت الدين في نفسه، وإنما كان بنو إسرائيل يعتقدونه لما يظهر لهم من علمه واجتهاده، وكانت استجابة دعوته فتنة له ولهم، وهذا حال من يتعلم علوم الأسماء والأوفاق، ويتقرب بها الآن إلى الأمراء، وذوي الأموال والولايات.
- وإما أن يكون قد وصل من العلم والاجتهاد إلى مرتبة الصديقية، لكنه لم يلزم مقام الخوف، فسقط من عين الله تعالى، فمحاه من ديوان الصدق، وأثبته في ديوان الفسق، ومن ثمَّ قلنا: إن من شرط الصديقين ملازمة الخوف لأن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت، وقد سلَّط الشيطان على الإنسان وجعله بالمقربين أولع منه ممن دونهم، وكلما كان العبد
(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(5/ 1618).
(2)
رواه الطبري في "التفسير"(9/ 128)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(5/ 1621).
إلى الله أقرب كان على إضلاله أحرص.
ومن هنا اتفق للإمام أحمد رضي الله عنه وهو صديق: ما رواه أبو الفرج في "صفة الصفوة"، وغيره عن ابنه عبد الله قال: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده وبيدي الخرقة لأشد بها لَحييه، فجعل يعرق ثم يفيق، ثم يفتح عينيه، ويقول بيده هكذا: لا بعد، لا بعد، يفعل هذا مرة، وثانية، فلما كانت الثالثة قلت له: يا أبه! أي شيء هذا قد لهجت به في هذا الوقت، تعرق حتى نقول: قد قضيت، ثم تعود فتقول: لا بعد، لا بعد؟ فقال لي: يا بني! ما تدري؟ قلت: لا، فقال: إبليس -لعنه الله- قائم حذائي، عاض على أنامله، يقول لي: يا أحمد! فُتَّنِيْ فأقول: لا بعد حتى أموت (1).
واعلم أنَّ خوف الصديقين من الشيطان ليس منه حقيقة، وإنما خوفهم من أن يسلطه الله عليهم، فالخوف إنما هو من الله عز وجل؛ فإنه يقلب القلوب كيف يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت، فالصديق -وإن كان واثقاً بالله، موقناً به- فإنه يخافه.
ولقد أحسن الإِمام عبد الله بن المبارك رضي الله عنه فيما رواه أبو نعيم عن أبي أمية الأسود قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الطالحين وأنا شر منهم.
ثم أنشأ عبد الله يقول: [من مجزوء الكامل المرفل]
(1) رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة"(2/ 357)، وكذا أبو نعيم في "حلية الأولياء"(9/ 183).
الصَّمتُ أَزْيَنُ بِالْفَتَىْ
…
مِنْ مَنْطِقٍ فِيْ غَيْرِ حِيْنهْ
فَمَنِ الذِيْ يَخْفَىْ عَلَيـ
…
ـك إِذا نَظَرْتَ إِلَىْ قَرِيْنهْ
رُبَّ امْرِئٍ مُتَيَقِّنٍ
…
غَلَبَ الشَّقاءُ عَلَىْ يَقِيْنهْ
فَأَزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ
…
فَابْتاعَ دنياهُ بِدِيْنهْ (1)
وهذا الذي أشار إليه عبد الله بن المبارك هو الذي أخاف الصديقين -وأبو بكر رضي الله عنه رأسهم- حتى تمنوا أن لو كانوا جمادًا، كما سبق.
وقال ابن شوذب رحمه الله في قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. رواه ابن أبي حاتم (2).
وروى هو، وابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين"، وأبو الشيخ في "العظمة" عن عطاء رحمه الله تعالى: أنَّ أبا بكر الصديق ذكر ذات يوم، وفكر في القيامة والموازين، والجنة والنار، وصفوف الملائكة، وطي السماوات، ونسف الجبال، وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضرًا من هذه الخضر تأتي علي بهيمة فتأكلني، وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46](3).
***
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 170).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (7/ 706).
(3)
رواه ابن أبي الدنيا في "المتمنين"(ص: 59)، وأبو الشيخ في "العظمة"(1/ 308).