الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(5) بَابُ التَّشَبُّه بِالصِّدِّيْقِيْنَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُم
(5)
بَابُ التَّشَبُّه بِالصِّدِّيْقِيْنَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُم
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة: 119].
قال نافع: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. رواه ابن جرير (1).
ورواه ابن أبي حاتم عنه، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (2).
وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. رواه ابن جرير (3).
وقال الضحاك رحمه الله تعالى: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما رضي الله تعالى عنهم. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو
(1) رواه الطبري في "التفسير"(11/ 63).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(6/ 1906).
(3)
رواه الطبري في "التفسير"(11/ 63).
الشيخ، وابن عساكر (1).
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. رواه ابن مردويه (2).
وروي عنه أيضا أنه قال: مع الذين صدقت نياتهم، فاستقامت قلوبهم وأعمالهم، وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بإخلاص ونية (3).
وعليه: فالصادق ليس بمعنى اسم الفاعل، بل بمعنى [
…
] كما تقول العرب: تامرٌ ولابنٌ؛ أي: ذا تمر، وذا لبن؛ لمن صار يبيع التمر واللبن حرفته؛ أي: مع الذين صار الصدقُ حرفتَهم ودينهم.
إذ لو كان بمعنى اسم الفاعل لم يفهم منه الاستقامة على الصدق.
والأولى أن المراد مطلق الصادقين من المؤمنين، وإذا كانت متابعة الصادقين مطلوبة، فمتابعة الصديقين أولى.
وروى ابن الأنباري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقرأ: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ؛ وهو أبلغ (4).
وفي قوله تعالى: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} لطفٌ؛ إذ لو قال:
(1) رواه الطبري في "التفسير"(11/ 63)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(6/ 1906)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(35/ 337).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (4/ 316).
(3)
انظر: "تفسير الثعلبي"(5/ 109).
(4)
انظر: "تفسير ابن عطية"(3/ 95).
مع الصديقين لكان فيه تحرج على العبد أن يكتفي من نفسه دون بلوغ مرتبة الصديقية، ولا شكَّ أنَّ أكثر الناس عاجزون عن بلوغ الاستقامة على الصدق.
ولقد قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى:
قَدْ بَقِينا مُذَبْذَبِينَ حَيارى
…
نَطْلُبُ الصِّدْقَ ما إِلَيْهِ سَبِيلُ
فَدَعاوِيْ الهَوَى تَخِفُّ عَلَينا
…
وَخِلافُ الْهَوى عَلَينا ثَقِيلُ (1)(2)
وفي الآية على القراءة المتواترة: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] إشارة بديعة إلى أن التعلق بأذيال الصادقين ينفع لا محالة؛ فإن العبد إذا كان مع الصادقين ولم يكن منهم، فقد تجره رغبته في الكينونة معهم إلى أن يكون منهم.
وفي قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] إشارة إلى أنَّ التقوى أساس الصدق؛ فإنَّ حقيقة التقوى خشية الله تعالى، فيتقي عذابه وسخطه، فيصدق في طلبه، وحينئذ فقد ينفع قليل الصدق
(1) انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (19/ 15).
(2)
من قوله: "في "الترغيب" عن الربيع بن سليمان عنه
…
" (ص: 25) إلى هنا سقط من النسخة "م"، والاستدراك من النسخة "ت". وقد جاء فيها بعض الكلام غير واضح، أُشير إليه بين حاصرتين.
مع التقوى، فإذا تمرَّن العبد على الصدق مع التقوى فقد بلغ الغاية، وأركز على قطب الصديقية.
وفي قوله: {مَعَ الصَّادِقِينَ} تلطف بالعبد في إرشاده إلى الصديقية بلطف أمره بأن يكون مع مطلق الصادقين؛ فإنَّ قليل الصدق يدعو إلى كثيره، ولو أمروا بالصديقية أولاً لشق ذلك عليهم، وتوعَّر الطريق بين أيديهم، وربما وقفوا وجبنوا عن سلوكه، بل أمر الله تعالى بالقليل من ذلك، ووعد أن لا يضيع سعي ساع عنده ولو كان مثقال ذرة ليكون الطريق في وجوه السائرين إليه سهلاً واسعاً.
ولقد روى الطبراني في "الكبير"، والحاكم في "تاريخه" حديثاً حسناً عن أبي أمامة وإنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لامْرِئٍ مَا احْتَسَبَ، وَعَلَيْهِ مَا اكْتَسَبَ، وَالمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَمَنْ مَاتَ عَلى ذَنَابَيِ (1) الطَّرِيْقِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ"(2).
وقوله: على "ذنابي الطريق"، أو:"على طرفه" فيه إشارة إلى أنَّ من السعادة التي لا شبهة في نجاة صاحبها أن يموت على طريق الهدى ولو على طرف منه، فإذا كان ذلك الطرف المتعلق به هو الصدق في طلبه سبحانه وتعالى فقد تمت سعادته؛ فإنَّ من أحب لقاء الله تعالى أحبَّ الله تعالى لقاءه، وفي محبة لقاء الله تعالى ينطوي الصدق، فإذا مات
(1) يعني على قصد طريق. وأصل الذنابي: منبت ذنب الطائر. انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن أثير (2/ 170).
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(7650). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 281): فيه عمرو بن بكر السكسكي، وهو ضعيف.
العبد على استقامة من الصدق وطمأنينة في الحب وجبت له مساكن الصديقين ومنازل المقربين، وحقَّ له أن ينادى عند الموت بما نودي به أبو بكر الصديق وأقرانه رضي الله عنهم:{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 - 30].
ثم إنَّ نيل هذا المقام، بل الدخول في أول طريق الصدق لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى وهدايته، ومن ثمَّ يشرع لنا في كل صلاة أن نقول:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7].
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصدق" عن عمرو بن قيس: أن بعض التابعين وقعت عليه رقعة وهو قائم يصلي، فنظر فإذا فيها: اللهم إني أسألك يقين الصادقين، وصدق الموقنين، وعمل الطائعين، وخوف العاملين، وعبادة الخاشعين، وخشوع العابدين، وإنابة المخبتين، [وإخبات المنيبين](1)، وإلحاقاً برحمتك بالأحياء المرزوقين (2).
ثم الصديقون -كما تقدم- هم الذين صَعِدت نفوسهم إلى أَوج المعارف، وأفق الاطلاع على الحقائق؛ تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات، وتارة بمعارج التصفية والرياضات، لكن يشترط فيهم استصحاب الصدق مآلاً وحالاً في بداياتهم ونهاياتهم.
(1) زيادة من "اليقين".
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "اليقين"(ص: 35).
وبذلك يظهر الفرق بين الصديق والمُسْتَدْرَج؛ فإنَّ كثيراً من الناس ينطق بالحكمة، ويتكلم بلسان المعرفة، ويقتدر على الاحتجاج والاستظهار، وتكون أفعاله غير مرضية عند الله تعالى، فمعرفته على لسانه ليست على قلبه، فهو مستدرج بعمله، مملًى له في معرفته.
ولذلك قال ذو النون رضي الله عنه: أريد عارفًا خائفاً، لا عارفاً واصفاً.
فالصديق من شأنه الخوف الدائم.
قال الله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)} [الرحمن: 46].
قال ابن شوذب (1): نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. رواه ابن أبي حاتم (2).
وقال عطاء رحمه الله تعالى: إنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه ذكر ذات يوم، وفكر في القيامة والموازين، والجنة والنار، وصفوف الملائكة، وطي السماوات، ونسف الجبال، وتكوير الشمس، وإنثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضراً من هذه الخضر تأتي علي بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)} [الرحمن: 46].
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين"، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في "العظمة"(3).
(1) في "م": "ابن شوذة".
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (7/ 706).
(3)
رواه ابن أبي الدنيا في "المتمنين"(ص: 59)، وأبو الشيخ في "العظمة"(1/ 308).
فلا اعتبار بطلاقة اللسان، وفصاحة الكلام، والتكلم على الأسرار والأحوال حتى يصحبه الخوف.
ومن هذا القبيل حكماء الفلاسفة، والبراهمة، والشعراء، وأمثالهم ممن تجد كلامه مشحوناً بالحكم، وهو منحلُّ الاعتقاد، آمن من المكر؛ فإنهم مستدرجون، وليسوا بعارفين ولا صديقين لأنهم لو كانوا عارفين صديقين لصدقوا الله ورسوله فيما أدى نظرهم القاصر إلى مخالفتهما فيه.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} [الحديد: 19]؛ أي: لا غيرهم؛ أي: لا يكون الصديقون إلا ممن آمن بالله ورسله؛ أي: صدق بهم وصدَّقهم فيما قالوا.
وأما من تكرر منه الصدق بحيث لم يحفظ عنه ولا كذبة، ثم لم يؤمن بالله ورسوله، فإنه لا يكون صديقاً لأنه كذب على الله تعالى في نفي وجوده، أو نفي وحدانيته، وعلى رسوله في نفي رسالته أو نبوته، أو في شيء مما جاء به، فكل صدق وقع منه في غير ذلك هباء.
بل من صدق في الإيمان بالله تعالى ورسله، ودام على ذلك، فقد يسمى صديقاً إما بمعنى صادق، وإما من حيث إنه تكرر منه هذا الصدق ودام عليه، ومن ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه: كلكم صديق وشهيد، ثم قرأ هذه الآية:{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الحديد: 19]. رواه ابن أبي حاتم (1).
(1) تقدم تخريجه.
وقال مجاهد رحمه الله: كل مؤمن صديق وشهيد، ثم تلا الآية. رواه عبد الرزاق، وغيره، وأخرجه ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه (1).
وروى ابن حبان عن عمرو بن ميمون الجهني وإنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان، فممن أنا؟ قال:"مِنَ الصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ"(2).
ويحتمل أن يقال: كل من شهد -أي: علم - مقاماً من مقامات الإيمان، وأيقن به، وصدق فيه، ودام على ذلك، فهو شهيد وصديق بالنسبة إلى ذلك المقام.
فإن شهد كذلك مقامين، فهو شهيد وصديق فيهما.
وإنما يكمل مقام الشهادة بالقتل في سبيل الله تعالى، أو بالاستقامة في علوم الشرع، ومقام الصديقية لمن بلغ الكمال في المعارف، ولم يصرفه عن الصدق صارف، فافهم!
ثم الفرق بين الشهداء الذين هم العلماء وبين الصديقين: أنَّ الشهداء واقفون في مقام الاستدلال في كل علومهم وأحوالهم، وأمَّا الصديقون فإنهم يستكشفون الحق تارة بالاستدلال، وتارة بالرياضة المؤديين إلى تنوير البصيرة، وتارة بمجرد التوفيق والإلهام من الله تعالى، فهم أخص
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 61).
(2)
رواه ابن حبان في "صحيحه"(3438).
من الشهداء، وأتم حالاً منهم.
على أن الشهيد يشترط فيه ما يشترط في الصديق من استصحاب الصدق، لكن في أغلب أحوالهم فلابد أن يكون مع الله تعالى صادقاً أبداً، ولذلك لم يكن للعبد في الجهاد ولا للموت على العلم فائدة مع الرياء لعدم الصدق، ففي "صحيح مسلم"، و"سنن النسائي" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَليِهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيْهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيْكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: هُوَ جَرِيْءٌ، فَقَدْ قِيْلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى ألقِيَ فِيْ النَّارِ.
وَرَجُل تَعَلَّمَ العِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَه، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيْهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ، وَعَلَّمتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيْكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ ليُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيْلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِيْ النَّارِ.
وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَّفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيْهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيْلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيْهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيْهَا لكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوُ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيْلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ" (1).
(1) رواه مسلم (1905)، والنسائي (3137).
وأخرجه الترمذي وحسنه، وابن حبان في "صحيحه"، ولفظهما: قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن اللهَ تبارك وتعالى إِذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ يَنْزِلُ إِلَىْ الْعِبادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، وَكُلُّ أُمَّةٍ جاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُوْنَهُ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَرَجُلٌ كَثِيْرُ الْمالِ، فَيَقُوْلُ اللهُ عز وجل لِلْقارِئِ: أَلمْ أُعَلِّمْكَ ما أَنزَلْتُ عَلَىْ رَسُوْليَ؟ فَيَقُوْلُ: بَلَىْ يا رَبِّ، قالَ: فَماذَا عَمِلْتَ فِيْما عَلِمْتَ؟ قالَ: كُنْتُ أقوْمُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وَآناءَ النَّهارِ، فَيَقُوْلُ اللهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُوْلُ لَهُ الْمَلائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيقُوْلُ اللهُ تَعالَىْ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، وَقَدْ قِيْلَ ذَلِكَ.
وُيؤْتَىْ بِصاحِبِ الْمالِ، فَيَقُوْلُ اللهُ: ألَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّىْ لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَىْ أَحَدٍ؟ قالَ: بَلَىْ يا رَبِّ، قالَ: فَماذا عَمِلْتَ فِيْما آتَيْتُكَ؟ قالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ، وَأتصَدَّقُ، فَيَقُوْلُ اللهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُوْلُ الْمَلائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُوْلُ اللهُ تَعالَىْ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقالَ: فُلانٌ جَوادٌ، وَقَدْ قِيْلَ ذَلِكَ.
وُيؤْتَىْ بِالَّذِيْ قُتِلَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَيَقُوْلُ اللهُ تَعالَىْ لَهُ: فِيماذا قُتِلْتَ؟ فَيقُوْلُ: أَيْ رَبِّ! أَمَرْتَ بِالْجِهادِ فِيْ سَبِيْلِكَ، وَقاتَلْتُ حَتَّىْ قُتِلْتُ، فَيَقُوْلُ اللهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُوْلُ الْمَلائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُوْلُ اللهُ تَعالَىْ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقالَ: فُلانٌ جَرِيْءٌ، وَقَدْ قِيْلَ ذَلِكَ.
ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي، فقال:"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ".
قال: فدخل على معاوية رجل فأخبرهَ بهذا عن أبي هريرة رضي الله عنه، فقال معاوية رضي الله عنه: قد فعل هؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدا ظننا أنه هالك، وقلنا قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16](1).
فالشهيد لابد أن يكون الصدق فيه دائماً، ومن ثم لا يصلح العالم المتزندق لأخذ العلم عنه، ولا يكون أهلاً للرواية؛ لقولهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِيْنٌ؛ فَانْظُرُوْا عَمَّنْ تَأْخُذُوْنَ دِيْنَكُمْ". رواه الحاكم في "المستدرك" عن أنس رضي الله عنه، والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه (2).
ولقد اشترط الله تعالى في الشهداء ما اشترطه في الصديقين، فقال:{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الحديد: 19].
إن قلنا: إن الشهداء معطوف على الصديقين -وهو أحد الوجهين في الآية -، ولا يصح الإيمان إلا بالصدق والإخلاص فيه، ولعله أراد سبحانه وتعالى بقوله:{وَالَّذِينَ آمَنُوا} [الحديد: 19]، كُمِّل أهل الإيمان؛
(1) رواه الترمذي (2382) وحسنه، وابن حبان في "صحيحه"(408).
(2)
ورواه مسلم في "مقدمة صحيحه"(1/ 14) موقوفاً من كلام محمد بن سيرين، وهو الصحيح.
أي: الذين داموا على الإيمان، واستقاموا عليه، فلا يكون كل مؤمن صديقا ولا شهيداً، خلافاً لمن أخذ بظاهر الآية إلا من حيث دوامه على الإيمان والصدق فيه، كما تقدم.
وكيف يصلح للشهادة لله تعالى من هو غير مصدق به، ولا مصدق له، ولا صادق في تصديقه.
وكذلك لا يصلح العالم المتفسق للأخذ عنه، والرواية، فلابد من عدالته؛ لأن الرواية شهادة فلا يتم التشبه بالعلماء إلا بالعدالة، وهي داخلة في العمل بالعلم، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وأما التشبه بالصديقين فلا يتحقق العبد به حتى يترقى في مقامات الدين، ويتصفى عن كدورات التلوين، ولا يتم ذلك إلا لمن قطع مقامات الأبرار، وعبر مقامات المصطفين الأخيار، فيكون مسلماً صادقاً في إسلامه، حنيفًا صادقاً في تحنفه، مؤمناً صادقاً في إيمانه، ثم باراً صادقاً في بره، ثم صديقا، ولا يكون باراً حتى يعبر أول مقامات الإحسان؛ لما قررته لك سابقا من أنَّ البر هو الإحسان، وأول مقامات الإحسان أن يلاحظ وجه الله تعالى في كل أعماله وأقواله، ويراقبه في لحظاته، وحركاته، وسكناته بأن يعلم أنَّ الله تعالى مطلع على سره وعلانيته، وعلى باطنه وظاهره.
وقد روى البيهقي في "الأسماء والصفات" عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ إِيْمَانِ المَرْءِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ
مَعَهُ حَيْثُ كَانَ" (1).
فإذا ترقى في إخلاصه ومراقبته لله تعالى حتى وصل إلى مقام العيان المعبر عنه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث "الصحيحين": "الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ"(2)، واستقام على ذلك كما قال تعالى:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} [هود: 112].
قال الحسن رحمه الله: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شَمِّرُوْا"، فما رؤي ضاحكاً. أخرجه ابن حاتم (3).
فقد تحقق حينئذ بمقام الصديقية، وبكمال الإحسان.
والبر -أيضا- اسمٌ من شرطه استصحاب الخوف والحياء، وملازمة الذكر، والعزوف عن الدنيا، والحذر منها، والاستغناء عن الناس، و [استكمال](4) المسلمين منهم، وطلب المعونة من الله تعالى، والبراءة من الحول والقوة، والاعتراف بالعجز والقصور، ودوام الافتقار إلى الله تعالى، وهذه كانت أحوال أبي بكر الصديق - رضى الله عنه -.
روى الحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" عن زيد بن أرقم رضي الله عنه: أنَّ أبا بكر الصديق استسقى، فأتي بإناء فيه عسل (5)، فلما
(1) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات"(2/ 445).
(2)
رواه البخاري (4499)، ومسلم (8).
(3)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (4/ 480).
(4)
كلمة غير واضحة في "م"، والمثبت من "ت".
(5)
في مصادر التخريج: "بماء وعسل" بدل "بإناء فيه عسل".
وضع على يده بكى [وردَّ الإناء](1)، وانتحب، فما زال يبكي حتَّى بكى من حوله، فسألوه: ما الذي هيجك على البكاء؟ فقال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يدفع عنه شيئاً:"إِلَيْكِ عَنِّيْ، إِلَيْكِ عَنِّيْ"، ولم أرَ معه أحداً، فقلت: يا رسول الله! أراك تدفع شيئاً ولا أرى معك أحداً؟ فقال: "هَذهِ الدُّنْيَا مُثِّلَتْ لي بِمَا فِيْهَا، فَقُلْتُ لَهَا: إِلَيْكِ عَنِّيْ، فتنَحَّتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَقَالَتْ: أَمَا وَاللهِ إِنْ أفلَتَّ مِنِّي فَلَنْ يَتَفَلَّتَ مِنِّي مَنْ بَعدَكَ" فَخَشِيْتُ أَنْ تَكُوْنَ لَحِقَتْنَا، فَذَاكَ أَبْكَانِيْ (2).
وروى الحاكم في "التاريخ"، والعسكري في "المواعظ" عن الأصمعي رحمه الله قال: كان أبو بكر رضي الله عنه إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم مني بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون (3).
وروى ابن حبان (4) في "روضة العقلاء" عن ابن شهاب رحمه الله تعالى: أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال يوماً وهو يخطب: استحيوا من الله حق الحياء؛ فوالله ما خرجت لحاجة منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم[أريد
(1) زيادة من "حلية الأولياء".
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك"(7856)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 164) واللفظ له، والبيهقي في "شعب الإيمان"(10518).
(3)
ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(30/ 332).
(4)
في "م": "جبهان" بدل "حبان".
الغائط] (1) إلا مقنعاً رأسي حياءً من ربي عز وجل (2).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن (3).
وعن الحسن رحمه الله قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتُعْضَد (4).
وعن قتادة رحمه الله قال: بلغني أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال: وددت أني خضرة تأكلني الدواب (5).
وعن قيس بن أبي حازم رحمه الله قال: رأيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه آخذاً بطرف لسانه وهو يقول: هذا هو الذي أوردني الموارد (6).
وعن أسلم رحمه الله قال: أخذ أبو بكر بلسانه في مرضه، فجعل يَلُوكُه ويقول: هذا أوردني الموارد (7).
(1) زيادة من "روضة العقلاء".
(2)
رواه ابن حبان في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء"(ص: 57).
(3)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 108).
(4)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 112).
(5)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 112).
(6)
رواه وابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان"(ص: 55).
(7)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 109).
وروى عبد الله ابنه عن أسلم: أن عمر رأى أبا بكر رضي الله عنه وهو مدل لسانه، آخذه بيده، فقال: ما تصنع يا خليفة رسول الله؟ فقال: وهل أوردني الموارد إلا هذا؟ (1)
وفي رواية: إنَّ عمر دخل على أبي بكر رضي الله عنه وهو يَجْبِذ لسانه، فقال له عمر: مه! غفر الله لك، فقال أبو بكر: إنَّ هذا أوردني الموارد (2).
قلت: حكي عن بعض الصالحين قال: رأيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه في المنام، فقلت له: يا خليفة رسول الله! رُويَ عنك أنَّك كنت تمسك لسانك، وتقول: هذا أوردني الموارد، فما أوردك؟ قال: قلت به: (لا إله إلا الله) فأوردني الجنة (3).
وروى الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخجندي في "أربعينه" عن جعفر الصادق رحمه الله قال: كان أكثر كلام أبي بكر رضي الله عنه: لا إله إلا الله (4).
وروى أبو عبد الرحمن السلمي، والديلمي عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه: "يَا أَبَا بَكْرٍ! إذَا رَأَيْتَ النَّاسَ يُسَارِعُوْنَ فِي الدُّنْيَا فَعَلَيْكَ بِالآخِرَةِ، وَاذْكُرِ اللهَ عِنْدَ كُل حَجَرٍ وَمَدَرٍ يَذْكُرْكَ إِذَا ذَكَرْتَهُ،
(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 112).
(2)
رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 988).
(3)
انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (4/ 507).
(4)
انظر: "الرياض النضرة في مناقب العشرة" للمحب الطبري (2/ 133).
وَلا تَحْقِرَنَّ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِيْنَ؛ فَإِنَّ صَغِيْرَ المُسْلِمِيْنَ عِنْدَ اللهِ كَبِيْر" (1).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: إن الدنيا لم تُرِد أبا بكر، ولم يُرِدْها، وأرادت ابن الخطاب ولم يردها (2).
وروى إسحاق بن راهويه، وأبو ذر الهروي في "الجامع" عن الحسن رحمه الله: أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه خطب، فقال: أما والله ما أنا بخيركم، ولقد كنت لمقامي هذا كارهاً، ولوددت أن فيكم من يكفيني، أفتظنون أني أعمل فيكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن لا أقوم لها؛ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُعصم بالوحي، وكان معه ملك، وإنَّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني أن لا أؤثر في أشعاركم، وأبشاركم، ألا فراعوني؛ فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني.
قال الحسن: خطبة -والله - ما خطب بها بعده (3).
ثم إن عماد الصديقية تصحيح اليقين كما يشير إليه حديث الإحسان.
وأركانها العبادة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ"(4).
(1) رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(8256).
(2)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 113).
(3)
ورواه عبد الرزاق في "المصنف"(20701).
(4)
تقدم تخريجه.
فحقيقة الصديقية استكمال الإحسان، وهذا مجموعه إلا أن عماده اليقين، فهو أول العبادة وآخرها، كما قال تعالى:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر: 99].
وبه كان فضل أبي بكر رضي الله عنه كما قال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله: ما فُضِّل أبو بكر الناس بكثرة صلاة، ولا بكثرة صيام، ولكن بسِرٍّ (1) وقر في صدره. رواه الحكيم الترمذي في "نوادره"(2).
وذلك السر هو اليقين، وما [يتشعَّب](3) منه من طاعات القلب، وهو شيء عزيز، وجوهر نفيس، وأَهْلُوه أفرادٌ في الناس.
روى ابن عبد البر عن معاذ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى شَيْئاً أقلَّ مِنَ اليَقِيْنِ، وَلا قَسَّمَ بَيْنَ النَّاسِ شَيْئاً أَقَلَّ مِنَ الحِلْمِ"(4).
وقد ختم الله تعالى به أوصاف المتقين بقوله: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4]، ثم قال:{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5]؛ أي: أولئك الذين أول أحوالهم التقوى، وآخر أمرهم اليقين، على هدى من ربهم، وبصيرة من ثوابه، وأولئك هم الباقون في الخير، الدائمون في السعادة.
(1) في "نوادر الأصول": "بشيء" بدل "بسر".
(2)
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(3/ 55).
(3)
غير واضح في "م"، والمثبت من "ت".
(4)
رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"(1/ 125).
روى ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نَجَا أَوَّلُ هَذه الأُمَّةِ بِاليقِيْنِ وَالزُّهْدِ، وَيهْلَكُ آخِرُهَا بِالبُخْلِ وَالأمَلِ"(1).
واعلم أنَّ أصحاب هذا المقام لا يتفاوتون في اليقين، ولذلك قال بعضهم: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً؛ ويروى عن علي رضي الله عنه (2).
نعم، تتفاوت مقاماتهم باعتبار تفاوتهم في الصدق، فيزدادون وضوحاً في يقينهم، كما قال إبراهيم عليه السلام:{رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]؛ أي: بزيادة الوضوح، وإلا فإنه عليه السلام كان كامل اليقين، خالصاً عن الشك، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فَنَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيْمَ"، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في "الصحيحين" (3)؛ [أي]: إِنَّهُ لَوْ فُرِضَ الشَّكُّ مِنْ إِبْراهِيْمَ لَكُنَّا أَحَقَّ بِهِ مِنْهُ.
وهذا من النبي صلى الله عليه وسلم تواضع، ومبالغة في تنزيه إبراهيم عليه السلام من الشك.
ونظير ذلك ما اتفق لأبي بكر رضي الله عنه حين قال له رجال من المشركين:
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل"(ص: 36).
(2)
هو من قول عامر بن عبد قيس، كما جزم بذلك ابن القيم في "مدارج السالكين" (2/ 400) وقال: وليس هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من قول علي رضي الله عنه، كما يظنه من لا علم له بالمنقولات.
(3)
رواه البخاري (3192)، ومسلم (151).
هل لك إلى صاحبك؛ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء في غدوة وروحة، ولذلك سمي الصديق (1).
وفي رواية: في خبر السماء، في ساعة من ليل أو نهار، فهذا أبعد مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا نبي الله! حدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: "نَعَمْ"، قال: يا نبي الله! فصفه لي؛ فإني قد جئته، قال الحسن: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَ لِي حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر رضي الله عنه، فيقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصدِّيْق"؛ فيومئذ سماه الصديق (2).
قال المحب الطبري رحمه الله تعالى في "الرياض النضرة": قول أبي بكر رضي الله عنه: "صفه لي" يحتمل معنيين:
أحدهما: إظهار صدقه صلى الله عليه وسلم لقومه؛ فإنهم كانوا يتقوون بقول أبي بكر رضي الله عنه، فإذا طابق خبره صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم أبو بكر، وصدقه به، كان حجة ظاهرة عليهم.
الثاني: طمأنينة قلبه رضي الله عنه، كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام:
(1) رواه الحاكم في "المستدرك"(4407) عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (2/ 245).
{وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]، لا أن أبا بكر رضي الله عنه كان عنده شك، كلا، بدليل تصديقه أول وهلة، والله أعلم. انتهى (1).
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الإحسان: "فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"(2) إشارة إلى أول مقام الإحسان وأدناه، وهو مقام الأبرار" أي: فإن لم تكن كمن يراه سبحانه فتكون صديقاً، فكن عالمًا بأنه يراك ويراقبك، فتكون باراً؛ {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: 265].
فإن قلت: فإذا تقرر أنَّ مقام الصديقية فوق مقام البر، فهل يكون هذا مخالفاً لما رواه الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب"، ومسلم في "الصحيح"، والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلى الجَنَّةِ، وَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا"(3)؟ !
قلت: لا مخالفة فيما ذكرناه للحديث أصلاً؛ فإنَّ البر لا يتم إلا بالصدق فيه -كما تقدمت الإشارة إليه في كلامنا آنفاً- بل الصدق طريق الهداية إلى البر -كما في الحديث- فالصدق بداية البر، والبر بداية الصديقية، وكأن البار بمعنى الصادق، والصديق أبلغ منه صدقاً وبراً.
(1) انظر: "الرياض النضرة في مناقب العشرة" للمحب الطبري (1/ 405).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 384)، والبخاري في "الأدب المفرد"(386)، ومسلم (2607)، والترمذي (1971).
وهذا الحديث على وزان قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177]، إلى قوله:{أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]؛ أي: أولئك الذين صدقوا فأدى بهم الصدق إلى هذا البر الموصوف.
فمن جاء بهذه الأوصاف المذكورة في هذه الآية فهو بار وصادق، ولا يكون صديقا حتى يستقيم عليها، وعلى الصدق فيها، وتكون تلك غاية مستمرة له.
كما قال صلى الله عليه وسلم: "وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَى يُكتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا".
وقلت في معنى الحديث بطرفيه:
ما يَزالُ الْعَبْدُ يَصْدُقُ فِيْ كُلِّ شَيْءٍ يَتَحَرَّاهُ
أَبَدَ الدَّهْرِ فَيَكْتُبَهُ اللهُ صِدِّيْقًا وَيرْضاهُ
وَيدُوْمُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ فِيْ كُلِّ أَمْرٍ يَتَوَخَّاهُ
هَكَذَا أَيْضا فَيَكْتُبَهُ اللهُ كَذَّابًا وَيقْلاهُ
وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، يؤخذ منه أن البار هو المتقي؛ فإن ترقى في التقوى إلى غاياتها بحيث استقام قلبه عليها حتى صار معدنا لها كان صديقاً.
وقد روى الطبراني عن عبد الله بن عمر (1) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِكُلِّ شَيْءٍ مَعْدِنٌ، وَمَعْدِنُ التَّقْوى قُلُوْبُ العَارِفِيْنَ"(2).
والعارفون بالله هم الصديقون؛ فإنهم خواص العلماء، استقاموا على الخشية، والتقوى، والصدق.
وقال الله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 23، 24]؛ أي: بقدر صدقهم، أو بسبب صدقهم.
{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 24]: نزلت هذه الآية في شهداء أحد، ومن بقي من أهل تلك الغزوة، وناهيك بهم صديقين!
وفي قوله تعالى: {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23]، إشارة إلى أنهم داموا على العهد، والصدق فيه حتى قتلوا، أو ماتوا.
وسئل أبو عبد الله القرشي رحمه الله تعالى عن الفرق بين الصادق والصِّدِّيق فقال: كل صادق بلسانه ولم تستقم أحواله لا يسمى صدِّيقاً حتى يستوي صدقه في أفعاله وأقواله وأحواله؛ إذ ذاك يستحق اسم الصديقية.
(1) في "م": "عبد الله بن عمرو".
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(13185). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 268): فيه محمد بن رجاء، وهو ضعيف. وحكم عليه ابن القيم بالوضع في "المنار المنيف" (ص: 66).
وقال حجة الإسلام: لفظ الصدق يستعمل في ستة معان:
- صدق في القول.
- وصدق في النية، والإرادة.
- وصدق في العزم.
- وصدق في الوفاء بالعزم.
- وصدق في الفعل.
- وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها.
فمن صدق في جميع ذلك فهو صدِّيق؛ لأنه مبالغة عن الصدق (1).
وفي "القاموس": الصديق -كسكيت- الكثير الصدق.
قلت: وقد تلخص لي أخذاً من سيرة أبي بكر الصديق - رضى الله عنه - وهو رأس الصدِّيقين بعد الأنبياء عليهم السلام كما أنَّ محمد صلى الله عليه وسلم رأس النبيين، ومن ثم اشتركا في هذه الخصوصية التي في حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ رَآنِيْ فِيْ المَنَامِ فَقَد رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي، وَمَنْ رَأَى أَبَا بَكْرٍ فِي المَنَامِ فَقَد رَآهُ لأَنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَلُ بِهِ". رواه الخطيب، والديلمي (2).
(1) انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (4/ 387).
(2)
رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(8/ 333)، والديلمي في "مسند الفردوس" (4990). قال ابن حجر في "لسان الميزان" (2/ 403): خلف ابن عامر البغدادي الضرير فيه جهالة، روى عن محمد بن إسحاق بن =
إنَّ أركان الصدِّيقية أربعة:
أولها: التبري عن الأكوان كلها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[لأبي بكر صلى الله عليه وسلم، لمَّا تصدق بكل ماله:"مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ " قال: "الله ورسوله"(1).
وُيعبر عن ذلك بالحرية، ولذلك قال جدي الشيخ رضي الدين رضي الله عنه في "ألفيته" في التصوف:[من الرجز]
وُيعْرَفُ الصِّدِّيْقُ بِالْحُرّيَّة
…
مِنْ رِقِّ كُلِّ صِفَةٍ نَفْسِيَّةْ
الثاني: التصديق بكل أمرٍ إلهي -وإن كان خارجاً عن العادات، والمألوفات- كما صدق أبو بكر رضي الله عنه بحديث الإسراء، وقد تزلزل فيه غيره لولا تصديقه رضي الله عنه، فهو أول المصدقين بذلك، وبكل أمر إلهي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
روى أبو عبد الله محمد بن منده في كتاب "فضائل أبي بكر"، والملاء في "سيرته"، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ قُلْتُ لِجِبْرِيْلَ عليه السلام: إِنَّ قَوْمِي لا يُصَدِّقُونِي، فَقَال لي جِبْرِيْل: يُصَدِّقُكَ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الصِّدِّيْقُ"(2).
= مهران، بسند صحيح مرفوعاً، وذكر الحديث.
(1)
رواه أبو داود (1678)، والترمذي (3675) وصححه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(2)
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "فضائل الصحابة"(1/ 140)، =
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال: أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه.
ثم تمثل بأبيات حسان رضي الله عنه: [من البسيط]
إِذا تَذَكَّرْتَ شَجْواً مِنْ أَخِيْ ثِقَةٍ
…
فَاذْكُرْ أَخاكَ أَبا بَكْر بِما فَعَلا
خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أتقاها وَأَعْدَلَها
…
إِلَاّ النَّبِيَّ وَأَوْفاها بِما حَمَلا
الثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُوْدَ مَشْهَدُهُ
…
وَأَوَّلَ النَّاسِ حَقًّا صَدَّقَ الرُّسُلا (1)
ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا صَحِبَ النَّبِيّينَ وَالمُرْسَلِيْنَ أَجْمَعِيْنَ، وَلا صَاحَبَ يس أَفْضَلُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه. رواه الحاكم في "تاريخه" عن أنس رضي الله عنه (2).
وإنما كان التصديق مما تتحقق به الصديقية لأن الصدق يدعو إليه؛ لأن الصادق يُصدق الصادق.
ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ تَصْدِيْقًا للنَّاسِ أَصْدَقُهُمْ
= والطبراني في "المعجم الأوسط"(7173).
(1)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 112).
(2)
ورواه الديلمي في "مسند الفردوس"(6216).
حَدِيْثًا، وإِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ تَكْذِيْبًا كذَبُهُمْ حَدِيْثًا". رواه ابن الحسين القزويني في "أماليه".
وقد شارك أبا بكر رضي الله عنه في السبق إلى التصديق آخرون؛ منهم:
علي بن أبي طالب، وصاحب آل يس، ومؤمن آل فرعون، رضي الله عنهم.
روى أبو نعيم، وابن عساكر، والديلمي عن أبي ليلى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصِّدِّيقُوْنَ ثَلاثة: حَبِيْبٌ النَّجَّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس الَّذِي قَالَ: {يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20].
وَحِزْقِيْل مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28].
وَعَليُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ" (1)؛ أي: أفضل هؤلاء الثلاثة. وأبو بكر رضي الله عنه أفضل من سائر الصديقين، فهو أفضل من علي رضي الله عنه باتفاق أهل السنة، وبإقرار علي رضي الله عنه.
روى البخاري عن محمَّد بن الحنفية رحمه الله قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين (2).
(1) رواه أبو نعيم في "معرفة "الصحابة" (87)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (42/ 43)، والديلمي في "مسند الفردوس" (3866).
(2)
رواه البخاري (3468).
وروى الإِمام أحمد، وغيره عن علي رضي الله عنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر (1).
قال الحافظ الذهبي: هذا متواتر عن علي رضي الله عنه؛ فلعن الله الرافضة ما أَجْهَلَهُم (2).
وأما تفضيل أبي بكر رضي الله عنه على صاحب آل يس ومؤمن آل فرعون؛ فإذا ثبت تفضيله على علي فقد ثبت تفضيله عليهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في علي: "وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ".
وسبق في حديث أنس تفضيل أبي بكر رضي الله عنه على سائر أصحاب الأنبياء، وعلى آل يس.
وروى البزار، وأبو نعيم في "فضائل "الصحابة" رضي الله عنهم عن علي رضي الله عنه: أنه قال: يا أيها الناس! أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس، قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر رضي الله عنه؛ [إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا، فقلنا: من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهرًا السيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس،
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(1/ 110).
(2)
انظر: "تاريخ الإِسلام" للذهبي (3/ 115).
قال علي] (1): لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش؛ فهذا يجؤه، وهذا يتلتله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهًا واحداً؟ قال: والله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر رضي الله عنه يضرب هذا، وَيجَأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثم رفع علي رضي الله عنه ببردة كانت عليه، فبكى حتى اختضلت لحيته، ثم قال: أُنشدكم، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبوني؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون؛ ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه (2).
وفي "صحيح البخاري"، وغيره عن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفِناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي مُعيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديدًا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال:{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: 28](3).
الثالث من أركان الصديقية: قول الصدق في كل موطن - خصوصاً
(1) ما بين معكوفتين زيادة من "فضائل الخلفاء الراشدين".
(2)
رواه أبو نعيم في "فضائل الخلفاء الراشدين"(ص: 365). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(9/ 47): رواه البزار وفيه من لم أعرفه.
(3)
رواه البخاري (4537).
في المواطن التي يخاف فيها الضرر -كما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حدث بحديث الإسراء سعى ناس من قريش إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أُسريَ به الليلة إلى بيت المقدس؟ فقال: أَوَقَدْ قال؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق
…
الحديث.
وكما في حديث ابن عمرو من قول أبي بكر رضي الله عنه: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات.
وروى ابن أبي الدنيا، وغيره: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تَحَرَّوُا الصِّدْقَ وإنْ كَانَ (1) فِيْهِ الهَلَكَةُ؛ فَإنَّ فِيْهِ النَجَاةَ"(2).
ولذلك قال الجنيد رحمه الله: حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا يُنجيك فيه إلا الكذب (3).
وقال النهرجوري رحمه الله تعالى: حقيقة الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة (4).
الرابع: الاستقامة على هذه الأخلاق الثلاثة.
وقد استقام عليها أبو بكر رضي الله عنه حتى لقي الله تعالى.
(1) في "الصمت وآداب اللسان": "رأيتم" بدل "كان".
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان"(ص: 227). قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(3/ 365): معضل، ورواته ثقات.
(3)
رواه القشيري في "رسالته"(ص: 247).
(4)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 286).
وهذا لا يشك فيه مؤمن له إلمام بسيرة أبي بكر رضي الله عنه، وأخباره.
وروى أبو الحسن بن جهضم عن يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى قال: من ظنَّ أنَّه ينال ما نال القوم بغير مقاساة الجهد، والصدق، والإيثار، واستقامة الصدق من القلوب، فقد ادَّعى على الله ما ليس من صفته، ومن أراد الوصول إلى الله من غير أبواب النبيين، والأولياء، والصالحين فهذا معدوم.
***
¶
ثم قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [غافر: 38 - 45].
هذا ما قصَّهُ الله تعالى في كتابه العزيز عن مؤمن آل فرعون، وسبق أنَّ اسمه حزقيل، وقيل: حبيب.
وقال قتادة في قوله: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} : كان قبطيًا من قوم فرعون، فنجي مع موسى عليه السلام، وبني إسرائيل حين نجوا. رواه عبد الرزاق، وغيره (1).
ومن حاله أنه نهى قومه عن قتل موسى عليه السلام، وكذلك نهى أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قتل محمَّد صلى الله عليه وسلم، كما سبق.
وهوَّن عليهم ترك قتله كما عظَّم عليهم قتله بقوله: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر: 28] بأنَّ أمره لا يخلو من كذب فلا ضرر فيه عليكم، أو "صدق وقد وعدكم بأمور
(1) ورواه الطبري في "التفسير"(24/ 70)، وانظر:"الدر المنثور" للسيوطي (7/ 290).
لو لم يصبكم إلا بعضها يضركم تكذيبه وهو صادق.
ويروى لعلي رضي الله عنه نظير هذا كما ذكره حجة الإِسلام في "الإحياء" من قوله رضي الله عنه: [من الكامل]
زَعَمَ الْمُنَجِّمُ وَالطَّبِيْبُ كِلاهُما
…
لا تُحْشَرُ الأَجْسادُ قُلْتُ إِلَيْكُما
إِنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ
…
أَوْ صَحَّ قَوْليْ فَالْخَسارُ عَلَيْكُما (1)
وقد توافق أبو بكر رضي الله عنه وحزقيل في هذا الأسلوب، فروى ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي، والبيهقي في "الدلائل" عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ما تنول من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء كان أشد من أن طاف بالبيت ضحى، فلقوه حين فرغ، فأخذوا بمجامع ردائه، وقالوا: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ فقال: أَنا ذاكَ، فقام أبو بكر رضي الله عنه فالتزمه من ورائه، وقال:{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] رافعاً صوته بذلك، وعيناه
(1) انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (4/ 59). لكن من قول أبي العلاء المعري، ثم قال: لذلك قال علي رضي الله عنه لبعض من قصر عقله عن فهم تحقيق الأمور وكان شاكا: إن صح ما قلتَ فقد تخلصنا جميعًا، وإلا فقد تخلصتُ وهلكتَ.
تسيحان حتى أرسلوه (1).
وفي ذلك أنَّ من شأن الصديقين النصيحة، والنصرة للدين والحق، ولأولياء الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ بيد المظلوم، والتلطف في الإنكار على الظالم إذا كان ذا شوكة وغلبة، والتأنق في الاحتيال للتخليص منه، ومناظرته في أثناء ذلك على ألطف الوجوه وأوضحها في بيان الحق والإلزام، وفي ذلك اتصاف الصديق بأبلغ وجوه المعرفة، فافهم!
وفي قوله: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} [غافر: 29] إشارة إلى أنَّ من شأن الصديقين التذكرة بالنعم، وأنها ينبغي أن تعرف وتشكر، ولا تكفر لتدوم، أو لتحمد عواقبها، والتحذير من الاغترار بالملك، والحول والقوة، والظهور والغلبة حذراً من غب ذلك.
ومن مواعظ أبي بكر رضي الله عنه المُلائمةِ لذلك: ما رواه الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي الدنيا، وأبو نعيم عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في خطبته: أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحسنوها؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع أركانهم
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(36561)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(3/ 9)، والبيهقي في "دلائل النبوة"(2/ 277) واللفظ له. وأصل الحديث عند البخاري (3475) لكن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
حين اختانهم الدهر، وأصبحوا في ظلمات القبور، الوَحَاءَ الوَحَاءَ، ثم النَّجاءَ النَّجاءَ (1).
وهذا -أيضًا- يلائم قول مؤمن آل فرعون: {يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ} [غافر: 30، 31]-أي: حال - {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31].
وفيه تحذير من مثل ما كان عليه الأمم الماضون من الظلم، وتخويف من مثل غبه.
وفي قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28]، وقوله:{كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} [غافر: 34] إشارة إلى أنَّ الإصرار على المعاصي، والكذب، والارتياب في الدين قد يكون سببًا لسد أبواب الهداية عن العبد، بخلاف الطاعة فإنها تفتح باب الهدى لأنها شكر.
وقد قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، والنعمة قيدها شكرها، وفي كفرانها تعريض لها للزوال، وذلك إنما أورده مؤمن آل فرعون على سبيل النصيحة لهم والتحذير، وهو من الحكم البالغة، وفيه أنَّ من أحوال الصديقين النطق بالحكمة.
وفي قوله: {يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 38]
(1) رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 53)، وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" (ص: 101)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 34).
إيماء إلى أنَّهُ من العلماء العارفين بالله، وبالطريق الموصل إليه، وأنَّه من الهداة المهديين تحديثاً منه بنعمة العلم والهداية ليتبعوه.
وفي ذلك أن الصديقين لا يضرهم دعوى العلم ليعرفوا فيسألوا، وقد سبق قول علي رضي الله عنه لكُميل بن زياد: هاه! هاه! إن ها هنا علوماً لو وجدت لها حملة -وأشار إلى صدره - (1).
وفي قوله: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} [غافر: 44] إشار؛ إلى أدوم أحوال الصديقين وأغلبها، وهو التفويض والتسليم، وهما حال أبي بكر وعلي رضي الله عنه حين خرج الأول مع النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرين حتى نزلا الغار، ونام الثاني في فراش النبي صلى الله عليه وسلم وقد أحاط به قريش يَأْتَمِرُون به ليقتلوه، وهذا غاية ما يطيقه العبد من التفويض.
وإذا وصل العبد إلى هذه الرتبة فقد وُقِيَ، كما قال الله تعالى في مؤمن آل فرعون:{فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} [غافر: 45].
وكذلك لما سَلَّم أبو بكر وعلي رضي الله عنهما سَلِما، ووقاهما الله شر قريش، وحينئذ حصلت الراحة، وذهبت المشقة عن كل واحد منهما.
ومن ثم قال أبو عثمان الحيري رحمه الله تعالى: أنت في سجن ما تبعت مرادك، فإذا فوَّضت وسلمت استرحت (2).
وقال أبو علي الروذاباري رحمه الله تعالى: سلامة النفس في
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 143)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 245).
التسليم، وبلاؤها في التدبير (1).
والتفويض والتسليم من فوائدها الراحة من تعب التدبير، والأمن من التدمير، والظفر بالفرج أقرب متى يكون.
كما قيل: [من البسيط]
دعَ الْمَقادِيْرَ تَجْرِيْ فِيْ أَعِنَّتِها
…
وَلا تَبِيْتَنَّ إِلَاّ خالِيَ الْبالِ
مَا بَيْنَ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَانْتِباهَتِها
…
يُغَيِّرُ الدَّهرُ مِنْ حالِ إِلَىْ حالِ
وفي "الصحيحين" عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أتيْتَ مَضْجَعَكَ فتوَضَّأْ وَضُوْءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجعْ عَلَى شِقكَ الأَيْمَنِ، وَقُلْ: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ نفسِيَ إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَألجَأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةَ وَرَهْبَةَ إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بَكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ".
قَالَ: "فَإِنْ مِتَّ مِتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُول"(2).
واعلم أن الصديقين -وإن بلغوا أعلى رتب التسليم، والتفويض- فإن الخوف [لا فارق](3) قلوبهم؛ لما علمت أن ملازمته من شرط الصديقية.
(1) رواه السلمي في "حقائق التفسير"(1/ 66).
(2)
رواه البخاري (5952)، ومسلم (2710).
(3)
طمس في "م"، والمثبت من في "ت".
ولقد [قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى](1): ما فارق الخوف قلباً إلا خَرِب (2).
فالخوف حالهم إلى الممات، ومن ثم [يقع لهم أنهم يتمنَّون](3) أن لو كانوا عدمًا.
وروى أبو نعيم عن يحيى بن معاذ رضي الله عنه قال: البارُّ يبكيه دينه (4)، والزاهد تبكيه عزته (5)، والصديق يبكيه خوف زوال الإيمان (6).
ومن تمني الصديقين للموت تخوفًا من الفتنة في الدين: قول مريم عليها السلام: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: 23]، وقد شهد الله تعالى لها بالصديقية في قوله:{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75].
وقال أبو بكر رضي الله عنه: لوددت أني تمرة (7) ينقرها الطير (8).
وأخذ عمر رضي الله عنه تبنة من الأرض، فقال: يا ليتني هذه التبنة، ليتني
(1) طمس في "م"، والمثبت من "ت".
(2)
رواه القشيري في "رسالته"(ص: 163).
(3)
طمس في "م"، والمثبت من "ت".
(4)
في "حلية الأولياء": "التائب يبكيه ذنبه" بدل "البار يبكيه دينه".
(5)
في "حلية الأولياء": "غربته" بدل "عزته".
(6)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 54).
(7)
في مصادر التخريج: "ثمرة" بدل "تمرة".
(8)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 81)، وابن أبي الدنيا في "المتمنين" (ص: 59).
لم أك شيئًا، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت نسَياً مَنسيًّا (1).
ومرت عائشة رضي الله عنها بشجرة، فقالت: يا ليتني ورقة من هذه الشجرة (2).
وقال عمران بن حصين رضي الله عنهما: لوددت أني كنت رمادًا (3).
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لوددت أني كبش أهلي، فمر بي ضيف فأَمَرُّوا على أوداجي فأكلوا، وأطعموا (4).
وقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: لوددت أني كبش فذبحني أهلي، فيأكلون لحمي، ويحتسون مرقي (5).
روى هذه الآثار ابن المبارك، وابن أبي الدنيا، وغيرهما.
قال ابن المبارك رحمه الله: بلغنا عن الحسن رحمه الله أنه قال:
(1) رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 79)، وابن أبي الدنيا في "المتمنين" (ص: 26).
(2)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 81)، وابن أبي الدنيا في "المتمنين" (ص: 32) إلا أنه قال: "يا ليتني كنت شجرة".
(3)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 81)، وابن أبي الدنيا في "المتمنين" (ص: 30).
(4)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 80)، وكذا ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(47/ 193).
(5)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 81)، وابن أبي الدنيا في "المتمنين" (ص: 30).
تمنَّوا وتمنَّوا، فلما فاتهم ذلك جَدُّوا (1)؛ أي: فلما علموا أن ذلك الذي تمنوه فاتهم وأن التمني لم ينفعهم، بل لا ينفعهم بعد؛ إذ ما خلقوا إلا للاجتهاد في الطاعة، اجتهدوا فيها.
كما روى الإِمام أحمد في "الزهد"، وغيره أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان يصوم الصيف، ويفطر الشتاء (2).
وروى عبد الله ابنه في "زوائده" عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كان أبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت في صلاته (3).
وعن أنس رضي الله عنه أنه سمع عمر رضي الله عنه وهو في حائط وبينه وبينه جدار، وهو يقول: عمر أمير المؤمنين! بخٍ بخٍ! والله بني الخطاب لتتقين الله، أو ليعذبنك (4).
وعن يحيى بن جعدة رحمه الله قال: قال عمر رضي الله عنه: لولا ثلاث لأحببت أن كون قد لقيت الله عز وجل: لولا أني أضع جبهتي لله عز وجل، أو أجلس في مجالس ينتقى فيها طيب الكلام كما ينتقى فيها طيب الثمر، أو أن أسير
(1) رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 82)، وابن أبي الدنيا في "المتمنين" (ص: 60).
(2)
رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 112).
(3)
رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد في "فضائل الصحابة"(1/ 207)، وكذا رواه البخاري (652).
(4)
رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 115).
في سبيل الله عز وجل (1).
وأخرجه والده، وغيره بنحوه.
وروى أبوه -أيضًا- عن الحسن رحمه الله تعالى قال: تزوج عثمان ابن أبي العاص امرأة من نساء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: والله ما نكحتها رغبة في مال ولا ولد، ولكن أحببت أن تخبرني عن ليل عمر، فسألها قال: كيف كان صلاة عمر بالليل؟ قالت: كان يصلي صلاة العشاء، ثم يأمرنا أن نضع عند رأسه تَورًا من ماء، فيتعارّ من الليل، فيضع يده في الماء، فيمسح يده ووجهه، ثم يذكر الله عز وجل حتى يغفي، ثم يتعارُّ حتى يأتيَ الساعةَ التي يقوم فيها (2).
وروى ابن أبي شيبة عن الحسن: أنه كان ربما ذكر عمر رضي الله عنه فيقول: والله ما كان بأولهم إسلاما، ولا بأفضلهم نفقة في سبيل الله، ولكنه غلب الناس بالزهد في الدنيا، والصرامة في أمر الله، ولا يخاف في الله لومة لائم (3).
وروى الإِمام أحمد عن زهيمة رحمها [الله]؛ قالت: كان عثمان رضي الله عنه يصوم الدهر، ويقوم الليل إلا هَجْعة من أوله (4).
(1) رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 117). وكذا ابن المبارك في "الجهاد"(ص: 167).
(2)
رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 118).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(32010).
(4)
رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 129).
وعن أبي عثمان النَّهدي: أنَّ غلام المغيرة بن شعبة تزوج، فأرسل إلى عثمان -وهو أمير المؤمنين رضي الله عنه، فلما جاء قال: أما إني صائم، غير أني أحببت أن أجيب الدعوة، وأدعو بالبركة (1).
وأحوال الخلفاء الراشدين وأهل طبقتهم من الصديقين، وسيرهم إنما هي مشتملة على الجد، والتشمير في طاعة الله تعالى.
ولقد قال الله تعالى في وصفهم: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 15 - 19].
ثم إنهم على ما هم عليه من السبق والتبريز في كل مقام من العبادة، وحال من التقوى متهمون لأنفسهم، غير مستكملين لها، بل ماقتون لها في ذات الله تعالى، غير راضين منها، مستمدون في ذلك من قول يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام:{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53].
وروى ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" عن مولى لأبي بكر رضي الله عنه قال: قال أبو بكر الصديق صلى الله عليه وسلم: من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته (2).
(1) رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 129).
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس"(ص: 24).