الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
ويقال للصديقين: أخيار، وخيار، وقد يقال ذلك لعامة الصالحين.
ويقال للصديقين: خيار الخيار، وأخيار الأخيار، وصفوة الصفوة، وخلاصة الخلاصة، وخاصة الخاصة.
ولا يختص ذلك بالأنبياء عليهم السلام لأنَّ ذا الكفل مختلف في نبوته، والأقوى أنه غير نبي إلا أنه صديق (1).
(1) رجح المصنف أن ذا الكفل ليس بنبي، مع أن القول الأكثر أنه نبي، كما قال الرازي في "مفاتح الغيب" (22/ 183): وقال الحسن والأكثرون: إنه من الأنبياء عليهم السلام، وهذا أولى لوجوه: أحدها: أن ذا الكفل يحتمل أن يكون لقباً، وأن يكون اسماً، والأقرب أن يكون مفيداً، لأن الاسم إذا أمكن حمله على ما يفيد فهو أولى من اللقب. إذا ثبت هذا فنقول الكفل هو النصيب، والظاهر أن الله تعالى إنما سماه بذلك على سبيل التعظيم، فوجب أن يكون ذلك الكفل هو كفل الثواب، فهو إنما سمي بذلك لأن عمله =
روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وآخرون من طريق سعيد مولى طلحة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كَانَ ذُوْ الكِفْلِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيْلَ"(1).
ورواه ابن مردويه عن نافع، عن ابن. عمر، ولفظه: "كَانَ ذُوْ الكِفْلِ مِن بَنِي إِسْرَائِيْلَ لا يَتَورَّعُ مِنْ ذَنْب عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأةٌ، فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِيْنَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ أَرْعَدَت، وَبَكَتْ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيْكِ؟ أَكْرَهْتُكِ؟ قَالَتْ: لا، وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلا الْحَاجَةُ، فَقَالَ: تَفْعَلِيْنَ أَنْتَ هَذَا وَمَا فَعَلْتِ؟ اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ، وَقَالَ: وَاللهِ لا أَعْصِي اللهَ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَمَاتَ مِن لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ مَكْتُوْباً عَلَى بَابِهِ: إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِلكِفْلِ، أَوْ قَالَ: لِذِي الكِفْلِ (2)(3).
= وثواب عمله كان ضعف عمل غيره، وضعف ثواب غيره، ولقد كان في زمنه أنبياء على ما روي ومن ليس بنبي لا يكون أفضل من الأنبياء.
وثانيها: أنه تعالى قرن ذكره بذكر إسماعيل وإدريس والغرض ذكر الفضلاء من عباده ليتأسى بهم، وذلك يدل على نبوته.
وثالثها: أن السورة ملقبة بسورة الأنبياء، فكل من ذكره الله تعالى فيها فهو نبي.
(1)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 23)، والترمذي (2496) وحسنه، وابن حبان في "صحيحه"(387)، والحاكم في "المستدرك"(7651)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(7109).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 665).
(3)
قال ابن الجوزي في "زاد المسير"(5/ 380): الحديث معروف، وقد=
وروى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ما كان ذو الكفل نبياً، ولكنه كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كل يوم مئة صلاة، فتوفي فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مئة صلاة، فسمي ذا الكفل (1).
روى ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله:{وَذَا الْكِفْلِ} [ص: 48]؛ قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه، ويقيمهم له، ويقضي بينهم بالعدل، فسمي ذا الكفل (2).
وقال بعض العلماء: سمي ذا الكفل لأنه تكفل بأن لا يغضب، فامتحنه الشيطان، فلم يغضب، ووفى بما كفل.
وروى المفسرون، وابن أبي الدنيا في ذلك آثاراً (3).
= ذكرته في "الحدائق" فجعله الثعلبي أحد الوجوه في بيان ذي الكفل، وهذا غلط لأن ذلك اسمه الكفل، والمذكور في القرآن يقال له: ذو الكفل، ولأن الكفل مات في ليلته التي تاب فيها، فلم يمض عليه زمان طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا، وإذا قلنا: إنه نبي، فإن الأنبياء معصومون عن مثل هذا الحال. وذكرت هذا لشيخنا أبي الفضل ابن ناصر رحمه الله تعالى فوافقني وقال: ليس هذا بذاك.
(1)
رواه عبد الرزاق في "التفسير"(3/ 27)، والطبري في "التفسير"(17/ 75).
(2)
رواه الطبري في "التفسير"(17/ 74). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 661).
(3)
انظر: "مكائد الشيطان" لابن أبي الدنيا (51)، و "تفسير الطبري" =
وهذا الفصل يغني عن عقد باب، أو فصل مستقل في التشبه بذي الكفل لأنه في جملة الصديقين والأخيار.
وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)} [البينة: 7، 8].
قالت عائشة رضي الله عنها: قلت: يا رسول الله! من أكرم الخلق على الله؟ قال: "يا عائِشَةُ! ما تَقْرَئيْنَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7]؟ ". رواه ابن مردويه (1).
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: أتعجبون من منزلة الملائكة عند الله؟ والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك، واقرؤوا إن شئتم:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)} [البينة: 7]. رواه ابن أبي حاتم (2).
استنبط أبو هريرة رضي الله عنه من الآية تفضيل أخيار بني آدم على الملائكة، أو على بعضهم من هذه الآية؛ لأنها في سياق التقسيم بين المؤمنين وأنهم خير البرية، والمشركين وأنهم شرُّ البرية، ولا يكون القسمان موجودين إلا في الثقلين، فأمَّا الملائكة فتمحضوا للإيمان، وأما الشياطين
= (17/ 74)، و"تفسير الثعلبي"(6/ 300).
(1)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 589).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3454).
فتمحضوا للشرك.
وهذه الآية قاضية بأنَّ خيار الناس والخلق أهل الإيمان والعمل الصالح، إلا أنَّ ثمَّ أخباراً وآثاراً ناصَّةَ على أن خيار الناس ذوو أعمال خاصة، وقد أحببت أن أصرد منها هنا جملة صالحة لمناسبتها لهذا المقام.
فروى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَفْضَلُ العِبَادِ درَجَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الذَّاكِرُوْن اللهَ كَثِيْرًا"(1).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عباس رضي الله عنها قال: قال موسى عليه السلام: أي ربِّ! أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكراً، قال: أي ربِّ! أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الراضي بما أعطيته، قال: أي ربِّ! أيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم على نفسه ما يحكم على الناس (2).
وروى الإمام أحمد عن أبي عمرو الشيباني رحمه الله تعالى قال:
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 75)، والترمذي (3376)، ولفظهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيراً والذاكرات". قالوا: يا رسول الله! ومن الغازي في سبيل الله؟ فقال: "لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً في سبيل الله، لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة".
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34286)، والإمام أحمد في "الزهد" (ص: 87).
سأل موسى عليه السلام ربه عز وجل: أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكراً، قال: فأي عبادك أغنى؟ قال: أقنعهم بما أعطيته، قال: أي عبادك أعدل؟ قال: من دان نفسه (1).
وروى آدم بن [أبي] إياس عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنَّ موسى عليه السلام قال: أي ربِّ! أيُّ عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: ربِّ! أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يقنع بما يؤتى، قال: ربِّ! أي عبادك أفضل؟ قال: الذي يقضي بالحق، ولا يتبع الهوى، قال: ربِّ! أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلب علم الناس إلى علمه لعله يسمع كلمة تدله على هدى، أو ترده عن ردى، قال: ربِّ! أي عبادك أحب إليك عملاً؟ قال: الذي لا يكذب لسانه، ولا يزني فرجه، ولا يفجر قلبه، قال: ربِّ! ثم أي على أثر هذا؟ قال: قلب مؤمن في خلق حسن.
قال: ربِّ! أي عبادك أبغض إليك؟ قال: قلب كافر في خلق سيء، قال: ثم أي على أثر هذا؟ قال: جيفة بالليل، بطَّال بالنهار (2).
وفي كتاب الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما تعدون الكرم وقد بيَّن الله الكرم؟ فأكرمكم عند الله أتقاكم، وما تعدون
(1) ورواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق"(ص: 81)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(61/ 139).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (3/ 540).
الحسب؟ أفضلُكم حسباً أحسنُكم خلقاً (1).
وروى في "الصحيح" هو، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: "أكرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أتقَاهُمْ"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:"فَأكرَمُ النَّاسِ يُوْسُفُ نبَيُّ اللهِ بنُ يَعْقُوْبَ نبِيِّ اللهِ بْنِ إبْرَاهِيْمَ خَلِيْلِ اللهِ"، قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: "فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُوني؟ " قالوا: نعم، قال:"خِيَارُهُم فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوْا"(2).
وروى الحافظ عبد الغني عن زر بن حبيش رحمه الله: أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه قال يوماً لابن أخيه: يا ابن أخي! ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا تائب أو تقي.
ثم قال: يا ابن أخي! ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم (3).
وروى الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُكُمُ الَّذِيْنَ إِذَا رُؤُوْا ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى لِرُؤْيَتِهِم".
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه عن أسماء بنت يزيد رضي الله
(1) رواه البخاري في "الأدب المفرد"(899).
(2)
رواه البخاري (4412) واللفظ له، والنسائي في "والسنن الكبرى"(11249)، وكذا رواه مسلم (2378).
(3)
انظر: "تفسير القرطبي"(1/ 161).
عنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا أُخْبِرُكُم بِخِيْارِكُمْ؟ خِيَارُكُمُ الَّذِيْنَ إِذَا رُؤُوْا ذُكِرَ الله"(1).
وروى أبو نعيم، والخطيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خِيَارُ أُمَّتِي عُلَمَاؤُهَا، وخِيَارُ عُلَمَائِهَا فُقَهَاؤُهَا (2)، أَلا وإِنَّ اللهَ لَيَغْفِرُ لِلعَالِمِ أَرْبَعِيْنَ ذَنْبًا قَبْلَ أَنْ يَغْفِرَ لِلجَاهِلِ ذَنْبًا وَاحِدًا، أَلا وَإِنَّ العَالِمَ الرَّحِيْمَ يَجِيْءُ يَوْمَ القِيَامَةِ وإِنَّ نُوْرَهُ قَدْ أَضَاءَ يَمْشِي فِيْهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، كَمَا يُضِيءُ الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ"(3).
وروى ابن النجار عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خِيَارُ أُمَّتِي مِن دَعَا إِلَى اللهِ، وحَبَّبَ عِبَادَهُ إِلَيْهِ".
ورواه أبو نعيم، ولفظه:"إِنَّ أَخْيَارَ الصِّدِّيقِينَ مَنْ دَعَا إِلَى اللهِ، وَحَبَّبَ عَبَادَهُ إِلَيْهِ، وَمِنْ شَرِّ الفُجَّارِ مَنْ كَثُرَتْ أَيْمَانُهُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ"(4).
وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خِيَارُ أُمَّتِي
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 459)، وابن ماجه (4119).
(2)
في "تاريخ بغداد": "رحماؤها"، وفي "حلية الأولياء":"خيارها" بدل "فقهاؤها".
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 188)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (1/ 238) وقال: حديث منكر.
(4)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 143).
مَنْ دَعَا إِلَى اللهِ، وحَبَّبَ عِبَادَهُ إِلَيْهِ".
وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الأَجْوَدِ؟ اللهُ الأَجْوَدُ، وأَناَ أَجْوَدُ وَلَدِ آدَمَ، وأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِيْ رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَ عِلْمَهُ؛ يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى أُمَّةً وَحْدَهُ، وَرَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ فِي سَبِيْلِ اللهِ حَتَّى يُقْتَلَ"(1).
وروى الحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خِيَارُكُمْ مَن ذَكَّركُمْ بِاللهِ رُؤْيتُهُ، وَزادَ فِيْ عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، ورَغَّبَكُمْ فِي الآخِرَةِ عَمَلُهُ"(2).
ورواه هو وعبد بن حميد، والخرائطي عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ:"خَيْرُ جُلَسَائِكُم"(3).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان" عن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الأَصْحَابِ صَاحِبٌ إِذَا ذَكَرْتَ اللهَ أَعَانَكَ، وإِذَا
(1) رواه أبو يعلى في "المسند"(2790). وفيه محمد بن إبراهيم كان يضع الحديث، وأيوب بن ذكوان، وهو منكر الحديث، لا يتابع على روايته. انظر:"المجروحين" لابن حبان (1/ 168)، و (2/ 301).
(2)
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(2/ 39).
(3)
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(2/ 39)، وكذا ابن أبي الدنيا في "الأولياء" (ص: 17)، وأبو يعلى في "المسند" (2437). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 226): رواه أبو يعلى، وفيه مبارك بن حسان، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح.
نَسِيْتَ ذَكَّرَكَ؛ خِيَارُهُمُ الَّذِيْنَ إِذَا رُؤُوْا ذُكِرَ الله" (1).
وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسَّنه، وابن حبان، والحاكم
وصححاه، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُم لِصَاحِبِهِ، وخَيْرُ الْجِيْرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُم لِجَارهِ"(2).
وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن دُرَّة بنت أبي لهب رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُم، وأَفْقَهُهُم فِي دِيْنِ اللهِ، وأتْقَاهُم للهِ، وآمَرُهُم بِالْمَعْرُوْفِ، وأَنْهَاهُم عَنِ الْمُنْكَرِ، وأَوْصَلُهُم للرَّحِمِ"(3).
وروى البخاري، والترمذي عن علي رضي الله عنه، والإمام أحمد، وأبو
داود، والترمذي، والإمام مالك، وابن ماجه عن عثمان رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ"(4).
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "الإخوان"(ص: 94).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 167)، والترمذي (1944)، وابن حبان في "صحيحه"(518)، والحاكم في "المستدرك"(1620)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(9541).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 432)، والطبراني في "المعجم الكبير"(24/ 257)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(7950).
(4)
رواه الترمذي (2909) عن علي رضي الله عنه.
ورواه البخاري (4739)، والإمام أحمد في "المسند"(1/ 69)، وأبو داود =
قال أبو عبد الرحمن - يعني: السلمي الراوي عن عثمان -: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا؛ وعلم القرآن في زمان عثمان حتى بلغ الحجاج (1).
ورواه ابن ماجه عن سعد، ولفظه:"خِيارُكُمْ"(2).
وروى الطبراني في "الكبير"، وابن الضِّرِّيس، وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خَيْرُكُم - وفي رواية: خِيَارُكُم - مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وأَقْرَأَهُ"(3).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي أمامة رضي الله عنه زاد فيه: "إِنَّ لِحَامِلِ
= (1452)، والترمذي (2907)، وأبو داود الطيالسي في "المسند"(73)، وابن ماجه (211) عن عثمان رضي الله عنه.
قلت: تقدم مراراً عزو المصنف رحمه الله بعض الأحاديث إلى الإمام مالك
في "الموطأ"، وهو وهم؛ إذ هو ينقل عن السيوطي في "الجامع" وغيره، ومعلوم أن السيوطي يرمز لأصحاب التخريج، وعنده أن:"ط" للطيالسي، فوهل المصنف عن هذا وظنه الإمام مالك في "الموطأ"، فتكرر هذا مرات عدة، والله أعلم.
وقد تبع المصنفُ السيوطي في عزوه هذا الحديث إلى البخاري عن علي، وإنما هو عن عثمان رضي الله عنهما.
(1)
رواه الترمذي (2907).
(2)
رواه ابن ماجه (213).
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(10/ 161).
القُرْآنِ دَعْوَةَ مُسَتَجَابَةَ يَدْعُوْ بِهَا فَيُسْتَجَابُ لَه" (1).
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ؛ خَيَارُهُمْ فِي الْجَاهِليَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوْا"(2).
وفي هذا الحديث اعتبار التفضيل بالنسب والعلم، فإذا انفردا فالتقديم بالعلم.
وروى الدارمي عن الأحوص بن حكيم، عن أبيه رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر؟ فقال: "ألا تَسْألوْني عَن الشَّرِّ، وسَلَونِي عَن الْخَيْرِ" - يقولها ثلاثا - ثم قال: "أَلا إِنَّ شِرَارَ الشَّرِّ شِرَارُ العُلَمَاءِ، وإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ العُلَمَاء"(3).
وروى سيدي الشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة" عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث: "وخَيْرُ أُمَّتِي العُلَمَاءُ، ثُمَّ الْمُتَعَلِّمُوْنَ، وطُوْبَى لِمَنْ حَدَّثَ حَدِيْثًا حَتَّى يَبْلُغَ فِيَّ، وإنَّهَا حُجَّةٌ لَكُم عِنْدَ رَبِّكُم يَوْمَ القِيَامَةِ".
والمراد بالعلماء هنا خيارهم، كما في حديث حكيم، وإلا فإنَّ علماء السوء شر من الجهلاء.
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(2212).
(2)
رواه مسلم (2638)، والبخاري (3304).
(3)
رواه الدرامي في "السنن"(370) مرسلاً.
وذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" عن محمد بن عيسى الزجاج قال: سمعت أبا عاصم - يعني: النبيل - يقول: من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى الأمور؛ فيجب أن يكون خير الناس (1).
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الْمُسْلِمِيْنَ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيدهِ"(2).
وكان الشيخ العارف بالله سيدي علي بن ميمون المغربي رحمه الله تعالى يفهم أن (من) في الحديث المذكور للسببية؛ أي: من سلم المسلمون بلسانه بالتعليم، والتأديب، والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وييده بالتأديب، والذب عن المسلمين في الجهاد، ودفع الصائل، وإزالة المنكر، وقيادة الأعمى، وتنحية الأذى عن الطريق، وغير ذلك.
وهذا الفهم في غاية اللطف، وإن كان خلف المتبادر من الحديث.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي قلابة رحمه الله: أنه قيل للقمان عليه السلام: أي الناس أعلم؟ قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه، قال: فأي الناس أغنى؟ قال: الذي يرضى بما يؤتى، قيل: فأي الناس خير؟ قال: المؤمن الغني، قال القوم: من المال؟ قال: لا، بل من العلم؛ فإن احتاجوا إليه وجدوا عنده علماً، وإن لم يحتج
(1) انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (13/ 288). ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(24/ 365).
(2)
رواه مسلم (40)، وكذا البخاري (10).
الناس إليه أغنى نفسه (1).
وروى هو في "المسند"، والأئمة الستة غير أبي داود عن أبي سعيد رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِن الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ، ويَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّه"(2).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أم مبشر رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خَيْرُ النَّاسِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ عَلَى مَتْنِ فَرَسٍ يُخِيْفُ العَدُوَّ وَيُخِيْفُوْنهُ"(3)، أَي: في سبيل الله.
وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن أم مالك البَهَزِيَّة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ النَّاسِ فِي الفِتْنَةِ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي مَالِهِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وُيؤَدِّي حَقَّهُ، ورُجلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيْلِ اللهِ يُخِيْفُ العَدُوَّ، ويُخِيْفُوْنهُ"(4).
وروى الحاكم في "المستدرك" نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما (5).
(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 105).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 16)، والبخاري (2634)، ومسلم (1888)، والترمذي (1660)، والنسائي (3105)، وابن ماجه (3978).
(3)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(4291).
(4)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 419)، والطبراني في "المعجم الكبير"(25/ 150). وكذا رواه الترمذي (2177) وحسنه.
(5)
رواه الحاكم في "المستدرك"(8380).
وروى أبو نعيم عن معاذ رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أَحَبُّ العِبَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأتقِيَاءُ الأَخْفِيَاءُ؛ الَّذِيْنَ إِذَا غَابُوْا لَمْ يُفْتَقَدْوا، وإِذَا شَهِدُوْا لَمْ يُعْرَفُوْا، وأُوَلئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى، ومَصَابِيْحُ العِلْم"(1).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الْمُسْلِمِيْنَ إِسْلامًا مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُوْنَ مِن لِسَانِهِ ويَدهِ، وأَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ إِيْمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وأَفْضَلُ الْمُهَاجِرِيْنَ مَنْ هَجَرَ مَا نهى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وأَفْضَلُ الْمُجَاهِدِيْنَ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللهِ".
وروى البخاري في "أدبه"، والترمذي، وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، ويَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُم، خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ، ولا يَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم"(2).
وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا، وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ"(3).
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 15)، وكذا ابن ماجه (3989).
(2)
رواه البخاري في "الأدب المفرد"(388)، والترمذي (2507)، وابن ماجه (4032).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 416)، والبخاري (5883)، ومسلم (2560)، وأبو داود (4911)، والترمذي (1932).
وسبق حديث أبي أمامة: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالله مَن بَدَأَهُم بِالسَّلامِ"(1).
وروى الطبراني عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ عِبَادِ اللهِ إِلَى اللهِ أَحْسَنُهُم خُلُقًا"(2).
وروى ابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ أَحْسَنُهُم خُلُقًا"(3).
وروى البخاري في "الأدب" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُكُم إِسْلامًا أَحَاسِنُكُم أَخْلاقًا إِذَا فَقُهُوْا"(4).
وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خَيْرُ النَّاسِ أَحْسَنُهُم خُلُقاً"(5).
وروى أبو نعيم عن يزيد بن ميسرة رحمه الله قال: كان المسيح عليه السلام يقول: إن أحببتم أن تكونوا أصفياء الله، ونور بني آدم فاعفوا عن من ظلمكم، وعودوا من لا يعودكم، وأقرضوا من لا يقرضكم،
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(471).
(3)
رواه ابن ماجه (4259)، والحاكم في "المستدرك"(8623).
(4)
رواه البخاري في "الأدب المفرد"(285)، وكذا الإمام أحمد في "المسند"(2/ 469).
(5)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(13326)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/ 25): فيه من لم يوثق من رجال الكتب.
وأحسنوا إلى من لا يحسن إليكم (1).
وروى الإمام أحمد، والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خِيَارُكُم أَطْوَلُكُم أَعْمَارًا، وأَحْسَنُكُم أَخْلاقًا"(2).
وروى الحاكم في "المستدرك" عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خِيَارُكُم أَطْوَلُكُم أَعْمَارًا، وأَحْسَنُكُم أَعْمَالاً"(3).
وفي كتاب الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 1 - 2].
قال السدي في الآية: أيكم أكثر للموت ذكراً، وله أحسن استعدادا، ومنه أشد خوفاً وحذراً. رواه أبن أبي الدنيا في " الموت"، والبيهقي في "شعب الإيمان"(4).
وقال الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7].
قال قتادة في الآية: لنختبرهم أيهم أتم عملاً.
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 238).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 403)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/ 22): رواه البزار، وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس.
(3)
رواه الحاكم في "المستدرك"(1255).
(4)
رواه ابن ابي الدنيا في "الموت"(ص: 100)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(10788).
وقال الحسن: أشدهم للدنيا تركاً.
وقال سفيان: أزهدهم في الدنيا. رواها ابن أبي حاتم (1).
فسر قتادة العمل بالباعث عليه وهو تمام العقل، وفسره الحسن وسفيان بما يعين على العمل وهو الزهد، وترك الدنيا كأنهم يشيرون إلى أن العمل المعتد بحسنه ما كان ناشئًا عن العقل التام غير مشوب بمطلوب دنيوي، وكلما كان عقل العامل أتم، وإخلاصه أبلغ كان أحسن.
وحسن العمل هو ما يحبه الله من العباد، وإنما خلق زينة الدنيا وامتحن الخلق بها، وخلق الموت منغصًا والحياة جميلة؛ ليظهر تفاوت العباد في العبادة والعمل الصالح، فاستظهار الأخيار، وتمييز الخيار هو مقصود الله تعالى من الخلق.
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في "تاريخه" عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7]، فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: "لِنَبْلُوَهُمْ أيَّهُمْ أَحْسَنُ عَقْلًا، وأَوْرَعُ عَن مَحَارِمِ اللهِ، وأَسْرعُ فِي طَاعَةِ اللهِ عز وجل "(2).
وأقول ملمحاً بما سبق: [من السريع]
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 361).
(2)
رواه الطبري في "التفسير"(12/ 5)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(6/ 2006).
أَحْسِنْ فَإِنَّ اللهَ مَطْلُوْبُهُ
…
مِنْ خَلْقِ هَذا الْخَلْقِ أَنْ يُحْسِنُوْا
وَكلَّما أَحْسَنْتَ فِيْ طاعَةٍ
…
ممَّا يُجازِيْكَ بِهِ أَحْسَنُ
وَالْعُمْرُ إِنْ طالَ عَلَىْ مُحْسِنٍ
…
فَالْفَضْلُ فِيْهِ ظاهِرٌ بَيِّنُ
وإنْ يَطُلْ عُمْرُ مُسِيْءِ فَلا
…
تَعْبَأ بِهِ إِذْ حالُهُ تُحْزِنُ
لَوْ يَمْلِكُ الدُّنْيا بِأَطْرافِها
…
مِنْ كُل شَيْء حَسَنٍ يُمْكِنُ
فَإِنَّما عُقْباهُ سُوْءٌ بِما
…
دانَ يُدانُ الْعَبْدُ لا يُغْبَنُ
يَحْصُدُ ما يَزْرَعُ، يَكْتالُ ما
…
كالَ وَيسْتَوْفيْ كَما يَخْزِنُ
وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن بُسْر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ"(1).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 190)، والترمذي (2329) وحسنه، =
و [رووه](1) والحاكم، وصححه هو، والترمذي، عن أبي بكرة رضي الله عنه بزيادة:"وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَساءَ عَمَلُهُ"(2).
وروى الديلمي عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "أَفْضَلُ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الْمُؤْمِنُ الْمُعَمَّرُ".
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن طلحة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْسَ أَحَدٌ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ مِن مُعَمَّرٍ (3) يُعَمَّرُ فِي الإِسْلامِ لِتَهْلِيْلِهِ، وتَكْبِيْرِه، وَتَسْبِيْحِهِ، وتَحْمِيْدهِ"(4).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه رحمه الله قال: قال: داود عليه السلام: رب! أي عبادك أحب إليك؟ فقال: مؤمن حسن الصورة (5)، قال: فأي عبادك أبغض إليك؟ قال: كافر حسن الصورة؛
= والطبراني في "المعجم الأوسط"(2268)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(515).
(1)
غير واضح في "م"، والمثبت من "ت".
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 40)، والترمذي (2330) وصححه، والحاكم (1256).
(3)
عند الإمام أحمد: "مؤمن" بدل "معمر".
(4)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34423)، والإمام أحمد في "المسند"(1/ 163).
(5)
في "حلية الأولياء": "الصلاة" بدل "الصورة".