الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
9 - ومنها: القضاء بالحق
.
قال الله تعالى في داود عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20]؛ أي: علم القضاء؛ قاله السُّدِّي، وغيره.
وقال قتادة: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. رواهما ابن جرير (1).
وقال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].
وقال: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [الأنبياء: 78].
وإنما يحصل التشبه في ذلك بالأنبياء عليهم السلام بالعدل والحكم بالحق عن علم، والتجنب عن الجور والميل إلى أحد المتخاصمين مع كف النفس عن أموالهما، وما ينجر إليه من قبل أحد منهما من هدية أو مساعدة في أمر، أو إعارة جاء، أو مزيد إكرام، ومع عدم الخوف والخشية من أحدهما أو ممن يتجوه به أحدهما أو ينتسب إليه، ولا بد للقاضي من قطع طمعه عن الدنيا في قضائه بالكلية مع ملازمة الآداب
(1) رواهما الطبري في "التفسير"(23/ 139 - 140). ولفظ قتادة: وفصل الخطاب: البينة على الطالب واليمين على المطلوب.
والحذر مما يحذر.
وهذا في زماننا هذا ضالة لا توجد، ويكفيك أن ابن عمر رضي الله عنه قد امتنع عن تولية القضاء، والعازم عليه فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، والمقضي بينهم الصدر الأول والسلف الصالح لثقل أعباء القضاء كما سيأتي إن شاء الله تعالى في التشبه بأهل الكتاب.
وقد روى أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"مَنْ وُلِّيَ القَضَاءَ أَوْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ"(1).
قال المنذري: ومعنى قوله: "فقد ذبح بغير سكين": أن الذبح بالسكين يحصل به راحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها، فإذا ذُبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها.
وقيل: إن الذبح لما كان في ظاهر العُرف وغالب العادة بالسكين دلَّ عدول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ظاهر العُرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أنَّ مراده صلى الله عليه وسلم بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه؛ ذكره الخطابي (2).
وقلت: وظهر لي في قوله صلى الله عليه وسلم. "مَنْ وُلِّي القَضَاءَ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ" أنَّه مذبوح بالألسنة وإن عدل، وجرح اللسان كجرح اليد؛ فإنَّ
(1) رواه أبو داود (3571)، والترمذي (1325) وحسنه، وابن ماجه (2308)، والحاكم في "المستدرك"(7018).
(2)
انظر: "الترغيب والترهيب"(3/ 111).