الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خَاتمَة
طلب الخير والرغبة فيه هو المقصود بخلق المخلوقات، وإنما خلق الله الشر ليكمل لأهل الخير خيرهم باجتنابه، وليتمَّ لأهل الشر شرهم باستبقاء الشر أو اجتناب الخير.
وبالشر يكمل ظهور أسماء الله تعالى في مظاهرها؛ كالحليم، والصبور، والمنتقم، ألا ترى أنَّ في خلق الشيطان - وهو أبو الشر - إظهار حكم اسم الله التواب الرحيم في آدم عليه السلام، وإظهار لعنة الله تعالى في إبليس، وكل ملعون التي هي [ .... ](1) أسمائه الملك، والحكم، والعدل، والمقسط، والعزيز، وغيرها إلى غير ذلك.
ومما يُشير إلى هذه الحقيقة قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود: 118]؛ أي: على الحق، أو [إرادة] (2) الخير {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]؛ أي: فبعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، وبعضهم يُريد الخير ويفعله، وبعضهم يريد الشر ويفعله، {إِلَّا مَنْ
(1) غير واضح في "م" و"ت".
(2)
غير واضح في "م"، والمثبت من "ت".
رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]، ولولا اختلافهم لم تتم هذه الكلمة؛ إذ لو كانوا كلهم على الحق والخير لم يدخل جهنم أحد منهم فضلاً عن أن تمتلئ منهم.
وعليه: فقوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 119] إشارة للاختلاف.
قال الحسن: خلق هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، وهؤلاء لرحمته، وهؤلاء لعذابه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (1).
وقال آخرون: إشارة للرحمة؛ أي: ولرحمته خلقهم (2).
وعليه: فالضمير ضمير الجماعة عائدٌ إلى (من) كما يشير إليه ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال في قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118] قال: أهل الحق وأهل الباطل.
{إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 119] قال: أهل الحق.
قال: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 119]، قال: للرحمة (3).
(1) رواه الطبري في "تفسيره"(12/ 141) واللفظ له، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (6/ 2096). وكذا رواه أبو داود (4615) ولفظه:"خلق هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه".
(2)
هذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة. انظر: "تفسير الطبري"(12/ 144).
(3)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(6/ 2093 - 2095).
ولا شك أنَّ أهل الباطل الذين يموتون عليه مشركين لم يخلقوا للرحمة، إنما خُلقوا للعذاب إلا أن يراد رحمة الدنيا فإنها شاملة للرزق، والأجل المشترك فيه المؤمن والكافر.
فإذا علمت أنَّ طلب الخير لهذه المثابة فقد روى البيهقي في "الأسماء والصفات"، وغيره عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُم كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوْا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ للهَ عز وجل نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيْبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوْا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُم، وُيؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُم"(1).
وقد أخرجه في "الشعب" من حديثه، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهما.
وحديث أنس أخرجه - أيضاً - ابن أبي الدنيا في "الفرج"، والحكيم الترمذي في "نوادره" وأبو نعيم (2).
وقوله: "اطلبوا الخير"؛ أي: فتشوا عنه، فإن وجدتموه
(1) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات"(1/ 329)، وكذا الطبراني في "المعجم الكبير"(720).
(2)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(1121) عن أنس رضي الله عنه. و (1123) عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال: وهذا هو المحفوظ دون الأول.
ورواه كذلك ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة"(ص: 28) لكن عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ورواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(2/ 293)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(3/ 162) كلاهما عن أنس رضي الله عنه.
فاتبعوه واعملوا به.
أو المعنى: اطلبوا تيسيره من الله تعالى، وحصوله منه ودوامه.
وهذا الطلب إما أن يكون بالطاعة والشكر لقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54]؛ أي: لطرق الخير، وقوله:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]؛ أي: من الخير والنعمة.
وليس للخير تقييد أحسن من الطاعة والكف عن المعصية وهما حقيقة الشكر.
ومن ثم قال شعيب عليه السلام: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84].
وفي قوله: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} ؛ أي: سعة في الرزق، ورخص في السعر إشارة إلى أن من كان في خير لا يعرضه بالمعصية للزوال، بل يطلب بقاءه بالطاعة.
وإن كان في المعصية استزاده من جنس ذلك الخير كالتطفيف، واختلاس أموال الناس وغصبها، فإنه استزادة في الحس ونقصان في المعنى، أو استزادة في الحال ونقص في المال، ولذلك قال لهم:
{بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [هود: 86]؛ أي: ما يبقيه في أيديكم من ذلك على وجه الإباحة خير لكم مما تجمعونه أنتم.
وإما أن يكون بالدعاء والسؤال من الله تعالى، سواء في ذلك خير
الدنيا كما قال موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، وخير الآخرة.
بل قد أمرنا بالدعاء، والدعاء لا ينبغي أن يكون إلا بالخير بدليل قوله تعالى:{وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ} [الإسراء: 11]؛ عاب على من يطلب من الله الشر كما يطلب منه الخير.
ومن ثم قد يُستجاب لمن دعا على ولده أو ماله بالشر عقوبة لطيشه وعجلته، وليس ذلك من باب الإحسان والفضل.
ومن هنا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح المروي في "صحيح مسلم" وغيره: "وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالْشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ"(1)؛ أي: ليس ينبغي أن يكون متوجهاً طلبه إليك؛ أي: لا ينبغي أن يُطلب منك.
ويكون تقديره: ليس مطلوباً إليك؛ فإنهم يقولون: طلبت إليك؛ أي: رغبت.
ومنه قول أبي الأسود الدؤلي رحمه الله: [من الكامل]
وَإِذا طَلَبْتَ إِلَىْ لَئِيْمٍ (2) حاجَةً
…
فَلِقاؤُهُ يَكْفِيْكَ وَالتَّسْلِيْمُ
وعندي أنَّ هذا أحسن ما يؤول به الحديث.
(1) رواه مسلم (771) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(2)
كذا في "م" و "ت"، ولعله:"كريم".
وقد حكى النووي في "شرحي مسلم والمهذب" بعد أن قال: إنه مما يجب تأويله، خمسه أقوال ليس هذا منها.
أحدها: لا يتقرب به إليك.
والثاني: لا يضاف إليك على انفراده؛ لا يقال: خالق القردة، بل خالق كل شيء.
والثالث: لا يصعد إليك.
والرابع: والشر ليس شراً بالنسبة إليك.
والخامس: إنه كقولك: فلان إلى بني فلان؛ أي: عداده فيهم (1).
وأما قوله تعالى: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [ال عمران: 26]؛ أي: والشر، كما في قوله:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]؛ أي: والبرد، فحذف الشر للعلم إيثاراً للأدب، ولأن المحل محل رغبة وطلب؛ أي: بيدك الخير الذي نحن بصدد طلبه لا بيد غيرك، فلا يقدر عليه أحد غيرك، فلا يُطلب إلا منك (2).
وفي "معجم الطبراني الكبير": عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ حَيِيٌ كَرِيْمٌ يَسْتَحْيِي أَنْ يَرْفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا لا خَيْرَ فِيهِمَا، فَإِذَا رَفَعَ أَحَدُكُم يَدَيْهِ فَلْيَقُل: يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ -، ثُمَّ إِذَا رَدَّ يَدَيْهِ فَلْيُفْرِغْ [ذلك]
(1) انظر: "شرح مسلم"(6/ 59)، و "المجموع" للنووي (3/ 263).
(2)
انظر: "تفسير القرطبي"(4/ 55).
الْخَيْرَ عَلَى وَجْهِهِ" (1)؛ أي: الخير المتوقع حصوله من الله تعالى برفع يديه وطلبه من الله تعالى؛ إذ لا يطلب منه إلا الخير، ولا يتوقع منه إلا الخير.
ففي رد يديه إلى وجهه ومسحه بهما تفاؤل بأن الخير قد أفرغ على وجهه.
ويجوز أن يكون إفراغاً حقيقياً؛ فإن الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله تعالى يجعل الخير في يدي عبده إذا رفعهما إليه.
وقد وقع في حديث أنس رضي الله عنه: "إِنَّ ربَّكُم حَيِيٌّ كَرِيْمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَجْعَلَ فِيْهِمَا خَيْرًا". رواه عبد الرزاق، والحاكم وصححه (2).
وفي حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه: "إِنَّ اللهَ حَيِىٌّ كَرِيْمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِليْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا".
وفي لفظ: "يَسْتَحْيِي أَنْ يَبْسُطَ العَبْدُ إِليْهِ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا خَائِبَتَيْنِ".
رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه (3).
(1) رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(13557). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 169): فيه الجارود بن يزيد وهو متروك.
(2)
رواه عبد الرزاق في "المصنف"(3250)، والحاكم في "المستدرك"(1832).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 438)، وأبو داود (1488)، والترمذي (3556) وحسنه، وابن ماجه (3865)، والحاكم في "المستدرك"(1831).
ثم إن كل ما تسأل الله تعالى من نعمة في الدنيا والآخرة، أو دفع بلاء فإنه خير، إلا أنه قد جاءت أحاديث بالتنصيص على طلب الخير بلفظه حتى في كل صباح ومساء.
فروى أبو داود عن أبي مالك الأشجعي رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُل: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْن، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ خَيْرَ هَذَا اليَوْمِ؛ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ، وَنُوْرَهُ وَبَرَكتَهُ وَهُدَاهُ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيْهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيقُل مِثْلَ ذَلِكَ"(1).
وروى ابن السني في "عمل اليوم والليلة" عن أنس رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذه الدعوة إذا أصبح وإذا أمسى: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ مِنْ فُجَاءَةِ الْخَيْرِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ فُجاءَةِ الشَرِّ"(2).
وروى مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أَمْسَى قال: "أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لا إِلَهَ إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، له الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وهو على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْألكَ خَيْرَ ما في هذه اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ ما بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ من شَرِّ ما في هذه اللَّيْلَةِ وَشَرِّ ما بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ من الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ من عَذَابٍ
(1) رواه أبو داود (5084). قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء"(1/ 302): سنده جيد.
(2)
رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(ص: 40)، وكذا رواه أبو يعلى في "المسند" (3371). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 115): فيه يوسف بن عطية، وهو متروك.
في النَّارِ وَعَذَابٍ في الْقَبْرِ"، وإذا أَصْبَحَ قال ذلك أَيْضًا: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ" (1).
وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن كعب - وهو من رواية الصحابة عن التابعين - قال: أجد في التوراة من قال حين يصبحُ: اللهمَّ إني أعوذُ باسمِكَ وبكلمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنَ الشَيْطَانِ الرَّجِيْمِ (2)، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِاسْمِكَ وَبِكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ عَذَابِكَ وَشَرِّ عِبَادِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ بِاسْمِكَ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ خَيْرِ مَا تُسْأَل، وَمِنْ خَيْرِ مَا تُعْطِيْ، وَمِنْ خَيْرِ مَا تُبْدِيْ، وَمِنْ خَيْرِ مَا تُخْفِيْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِاسْمِكَ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا تُجَلِّي بِهِ النَّهَارَ، لَمْ تَطُفْ (3) بِهِ الشَّيَاطِيْنُ وَلا شَيْءٌ (4) يَكْرَهُهُ، وَإِذَا قَالَهُنَّ إِذَا أَمْسَى مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ يَقُوْلُ: مِنْ شَرِّ مَا دَجَى بِهِ اللَّيْلُ (5).
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ للهِ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ القَدَرِ، وَأَعُوْذُ
(1) رواه مسلم (2723).
(2)
في "المصنف": "من الشيطان وشره" بدل "من الشيطان الرجيم".
(3)
في "المصنف": "تطلق" بدل "تطف".
(4)
في "المصنف": "لشيء" بدل "شيء".
(5)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29293).
بِكَ مِنْ شَرِّ يَوْمِ الْحَشْرِ (1).
وروى هو وأبو داود عن قتادة رحمه الله مرسلاً: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: "هِلالُ خَيْر وَرُشْدٍ، هِلالُ رَشُدٍ وَخَيْرٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ - ثَلاثاً -، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ هلال كَذَا وَكَذَا، وَجَاءَ بِهِلالِ كَذَا وَكَذَا"(2).
ورواه ابن السني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (3).
[وروى أبو داود عن أبي مالك الأشعريِّ رضي الله تعالى عنه [قال]: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وَلَجَ الرجلُ بيتَه فليقُلْ: اللهمَّ إنِّي أسألكَ خيرَ المُوْلَجِ، وخيرَ المَخْرَجَ، بسم الله وَلَجْنَا، وبسمِ اللهِ خَرَجْنَا، وعلى اللهِ توكَّلْنا، ثمَّ يُسَلِّمُ على أهْلِ بيتِهِ"(4).
وروى أبو داود، والترمذيُّ وحسَّنه، والنسائيُّ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجدَّ ثوباً سمَّاه باسمه عمامةً أو قميصاً، أو رداء ثم يقول: "اللهمَّ لكَ الحمدُ أنتَ كَسَوتَنِيهِ، أسألكَ خيرَهُ وخَيرَ ما صُنِعَ له، وأعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وشَرِّ
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29744)، وكذا الإمام أحمد في "المسند"(5/ 329). وفيه راو لم يسمَّ.
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29749) واللفظ له، وأبو داود (5092) وقال: ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب حديث مسند صحيح.
(3)
رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(ص: 597).
(4)
رواه أبو داود (5096).
ما صُنِعَ له" (1).
قال النوويُّ في "الأذكار": صحيح (2).
وروى الحاكم عن بُريدةَ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل السوقَ قال: "بسمِ اللهِ، اللهمَّ إنِّي أسألك خيرَ هذه السوقِ وخيرَ ما فيها، وأعوذ بكَ مِنْ شَرِّها وشرِّ ما فيها، اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ أَنْ أُصيبَ فيها يميناً فَاجِرَةً، أو صَفقةً خاسِرَةً"(3)] (4).
وروى الترمذي وحسنه، عن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أريد سفرًا فزودني، فقال:"زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى"، قال: زودني، قال:"وَغَفَرَ ذَنْبَكَ"، قال: زودني، قال:"وَيسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ"(5).
وروى النسائي وأبو داود عن صهيب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَالأَرَضِيْنَ السَّبْع وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِيْنِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرينَ! أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ
(1) رواه أبو داود (4020)، والترمذي (1767).
(2)
انظر: "الأذكار" للنووي (ص: 18).
(3)
رواه الحاكم في "المستدرك"(1977).
(4)
ما بين معكوفتين جاء على هامش "م"، لكنه غير واضح في أكثره، وقد أثبت من "ت".
(5)
رواه الترمذي (3444) وحسنه.
أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيْهَا" (1).
وروى أبو داود، والترمذي وحسنه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعاماً - ورواه ابن السني ولفظه: مَنْ أَطْعَمَهُ اللهُ طَعاماً - فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيْهِ وَأَطْعِمْنا خَيْرًا منه، وإذا سُقِيَ لَبَنًا، فَلْيَقُلْ: اللهمَّ بَارِكْ لنا فيه، وَزِدْنَا منه؛ فإنه ليس شَيْءٌ يُجْزِئُ من الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلا اللَّبَنُ"(2).
وروى أبو داود والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم بأسانيد صحيحة (3)، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رَفَّأَ الإِنْسَانَ، إذا تَزَوَّجَ، قال:"بَارَكَ الله لكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا في خَيْرٍ"(4).
وقوله: "رَفَّأَ" أي هنأ إنساناً، وأصله الترفيه - بالفاء -؛ أن تقول للمتزوج: بالرفاء والبنين، ثم أطلق على التهنئة.
والرِفاء - بالكسر -: الالتحام والاتفاق.
وروى أبو داود، وابن ماجه وابن السني بأسانيد صحيحة (5)،
(1) رواه النسائي في "السنن الكبرى"(8826).
(2)
رواه أبو داود (3730) واللفظ له، والترمذي (3455) وحسنه، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص: 425).
(3)
كذا قال النووي في "الأذكار"(ص: 223).
(4)
رواه أبو داود (2130) واللفظ له، والترمذي (1091) وصححه، وابن ماجه (1905).
(5)
كذا قال النووي في "الأذكار"(ص: 223).
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُم امرَأة أَو اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَها وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيْرًا فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَقُل مِثْلَ ذَلِكَ"(1).
وينبغي أن يقول ذلك إذا ملك فرساً أو غيره من الدواب، وكذلك إذا ملك داراً، وإذا كان الخادم ذكراً ذكر الضمائر.
وروى الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، وابن السني، والدارقطني في "الأفراد"، والبيهقي في "الشعب" عن أسامة ابن زيد رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوْفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ"(2).
قلت: ووجه تضمن كلامه الثناء أنه حيث طلب له المجازاة بالخير فقد شهد له بالخير.
وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفَت الريح قال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيْهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ
(1) رواه أبو داود (2160)، وابن ماجه (2252)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص: 554).
(2)
رواه الترمذي (2035) وحسنه، والنسائي في "السنن الكبرى"(10008)، وابن حبان في "صحيحه"(3413)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص: 242)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(9137).
بِهِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيْهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ" (1).
وروى الترمذي وصححه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبُّوا الرِّيحَ؛ فَإِنْ رَأَيْتُم مَا تَكْرَهُوْنَ فَقُوْلُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيْحِ وَخَيْرِ مَا فِيْهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرّيْحِ وَشَرِّ مَا فِيْهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ"(2).
وروى أبو داود، وابن ماجه بإسناد حسن (3)، [عن أبي هريرة] قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الرِّيْحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالعَذَابِ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمُوْهَا فَلا تَسُبُّوْهَا".
وفي لفظ: "لا تَسُبُّوْا الرِّيْحَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ رَوْحِ اللهِ تَعَالَى تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوْهَا فَلا تَسُبُّوَها، وَاسْأَلُوْا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيْذُوْا بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا"(4).
وأخرجه النسائي، والحاكم وصححه، من حديث أُبيٍّ بنحوه (5).
(1) رواه مسلم (899).
(2)
رواه الترمذي (2252) وصححه.
(3)
كذا قال النووي في "الأذكار"(ص: 142).
(4)
رواه أبو داود (5097)، وابن ماجه (3727). واللفظ الثاني والأول لأبي داود.
(5)
رواه النسائي في "السنن الكبرى"(10769)، والحاكم في "المستدرك"(3075).
والروح - بفتح الراء - فسَّره النووي نقلاً عن العلماء برحمة الله بالعباد (1).
ويظهر أنه أعم لقوله: "تَأْتِيْ بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِيْ بِالْعَذابِ".
وفسره في "القاموس" بالراحة والرحمة ونسيم الريح (2).
فلو حمل الحديث على المعنى الأخير، وقد فسَّر في "القاموس" النسيم بنَفَسِ الريح؛ أي تنفسها؛ أي الريح من النفس والنسيم الذي خلقه الله وخزنه عنده ليكون جنداً من جنوده يروحه حيث يشاء، فيكون على قوم رحمة ويكون على قوم عقاباً.
وروى ابن أبي شيبة عن زيد العَمِّي قال: لما رأى يوسف عليه السلام عزيز مصر قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بقوتك من شره (3).
وعن ثابت البُناني رحمه الله قال: كنَّا في مكان لا تنفذه الدواب، فقمت وأنا أقرأ هؤلاء الآيات:{غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: 3]، قال: فمرَّ بي شيخ على بغلة شهباء، قال: قل: يا غافر الذنب اغفر ذنبي، يا قابل التوب اقبل توبتي، يا شديد العقاب اعف عني عقابي، يا ذا الطَّوْل طُل علىَّ بخير، قال: فقلتها،
(1) انظر: "الأذكار" للنووي (ص: 143).
(2)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 282)(مادة: روح).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29885).
ثم نظرتُ فلم أره (1).
ورواه ابن أبي الدنيا في "الهواتف" بنحوه (2).
وروى فيه عن هُشيم رحمه الله تعالى قال: كنت يوماً في منزلي، فدخل عليَّ رجلٌ فقال: الحمد لله على كل نعمة، وأستغفر الله من كل ذنب، وأسأل الله من كل خير، وأعوذ بالله من كل شر، ثم خرج فطلب فلم يُوجد، فكنا نراه الخضر عليه السلام (3).
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان إذا نعق الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك (4).
وعن نافع بن جبير قال: قال كعب لعبد الله بن عمرو: هل تَطَيَّرُ؟ قال: نعم، قال: فما تقول؛ قال: أقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا رب [لنا] غيرك.
فقال: أنت أفقه العرب (5).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29887) لكن عن حماد بن سلمة.
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "الهواتف"(ص: 55).
(3)
رواه ابن أبي الدنيا في "الهواتف"(ص: 56).
(4)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29872).
(5)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(26411).
"مَا خَابَ مَن اسْتَخَارَ، وَلا نَدِمَ مَن اسْتَشَارَ، وَلا عَالَ مَن اقْتَصَدَ"(1).
وهو - وإن كان ضعيفاً - يُعمل به في فضائل الأعمال.
وروى ابن السُّنِّي - بسند ضعيف - عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا أَنسَ! إِذَا هَمَمْتَ بأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّكَ فِيْهِ سَبع مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْظُر إِلى الَّذِي سَبَقَ إِلَى قَلْبِكَ؛ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيْه"(2).
قوله: "فَاسْتَخِر رَبَّكَ"؛ أي: اطلب منه الخير فيه.
وروى الترمذي وضعفه، عن أبي بكر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الأمر قال: "اللَّهُمَّ خِرْهُ لِي وَاخْتَرْهُ لَهُ"(3)؛ أي: اجعله خيراً.
وفي لفظ: "خِرْ لي، وَاخْتَر لِي"(4).
قال في "القاموس": خار الله لك في الأمر: جعل لك فيه الخير (5).
وروى البخاري، والأربعة عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يُعلمنا السورة من القرآن، يقول:
(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(6627). من طريق عبد السلام ابن عبد القدوس عن أبيه. قال أبو حاتم: هو وأبوه ضعيفان. انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (6/ 48).
(2)
رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(ص: 551). قال ابن حجر في "الفتح"(11/ 187): وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واه جداً.
(3)
رواه الترمذي (3516) وضعفه.
(4)
هذا هو لفظ الترمذي، واللفظ الأول لم أقف عليه.
(5)
انظر: "القاموس المحيط"(ص: 497)(مادة: خير).
"إِذَا هَمَّ أَحَدُكُم بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَع رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيْضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيْرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْألكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيْمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَاّمُ الغُيُوْبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِيْنِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَاجِلِهِ - فَاقْدُرْه لِي وَيسِّرُه لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيْهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِيْنِي وَمَعَاشِي وعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَاجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُر لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، قَالَ: وُيسَمِّي حَاجَتَهُ"(1).
قال النووي: الاستخارة مستحبة في جميع الأمور كما صرَّح به نص هذا الحديث الصحيح.
قال: وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدرُه.
قال: ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1]، وفي الثانية:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1].
قال: ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء.
قال: ويستحب افتتاح الدعاء المذكور بالحمد لله والصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى (2).
(1) رواه البخاري (1109)، وأبو داود (1538)، والترمذي (480)، والنسائي (3253)، وابن ماجه (1383).
(2)
انظر: "الأذكار" للنووي (ص: 96).
قلت: وينبغي إذا استخار الله في أمر أن يرضى بما قدره له فيه، ويعتقد أنَّ الخير فيه.
قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68].
وروى الحاكم وصححه، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ إِلَى اللهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللهِ"(1).
وروي أن موسى عليه السلام قال: "يا رب! مَنْ أبغض خلقك إليك؟ " قال: "من يتهمني"، قال:"ومن يتهمك يا رب؟ " قال: "عبدٌ استخارني في أمر، فإذا أعطيته ما فيه خير دينه ودنياه اتهمني، فظن أني منعته ما سألني بخلاً"(2).
وأنشدوا: [من البسيط]
الْحَمْدُ لِلَّهِ نِعْمَ الْقادِرُ اللهُ
…
وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيْما يَحْكُمُ اللهُ
(1) رواه الحاكم في "المستدرك"(1903). ورواه الترمذي أيضاً (2151) ولفظه: "من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له".
(2)
ذكره ابن القيم في "مدارج السالكين"(2/ 222) ولم يعزه لأحد، وقد تقدم بمعناه عن النبي داود عليه السلام.
لِلَّهِ فِيْ الْخَلْقِ ما اخْتارَتْ مَشِيْئَتُهُ
…
ما الْخَيْرُ إِلَاّ الَّذِيْ قَدْ خارَهُ اللهُ
وقال أبو العتاهية: [من الطويل]
تَوَكَّلْ عَلَىْ الرَّحْمَنِ فِيْ كُلِّ حاجةٍ
…
أَرَدْتَ فَإِنَّ اللهَ يَقْضِيْ وَيقْدُرُ
مَتَىْ ما يُرِدْ ذُوْ الْعَرْشِ أَمْراً بِعَبْدِهِ
…
يُصِبْهُ وَما لِلْعَبْدِ ما يَتَخَيَّرُ
وَقَدْ يَهْلِكُ الإِنْسانُ مِنْ وَجْهِ أَمْنِهِ
…
وَينْجُوْ لَعَمْرُ اللهِ مِنْ حَيْثُ يَحْذَرُ (1)
وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُم الْمَوْتَ لِضُرٍّ نزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لابُدَّ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي"(2).
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِيَ الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِح لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيْهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِح لِي آخِرَتِي الَّتِي فَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لي فِي
(1) روى هذه الأبيات: البيهقي في "شعب الإيمان"(252) لكن من قول محمود الوراق.
(2)
رواه البخاري (5990)، ومسلم (2680).
كُلِّ خَيْرٍ، واجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كْلِّ شَرٍّ" (1).
وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! قُلْ: اللَّهُمَّ اجْعَل سَرِيْرَتِي خَيْرًا مِنْ عَلانِيَتِي، وَاجْعَل عَلانِيَتِي صَالِحَةً"(2).
وروى الحاكم وصححه، والأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: "اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لِي فِيْهِ، وَاخْلُف عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ"(3).
وروى الحاكم وصححه، وغيره عن بُريدة الأسلمي رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "يَا بُرَيْدَةُ! أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ مَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا عَلَّمَهُ إِيَّاهُنَّ، ثُمَّ لَمْ يُنْسِهِ إيَّاهُنَّ أَبَدًا؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال:"قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ضَعِيْفٌ فَقَوِّ فِي رِضَاكَ ضَعْفِي، وَخُذْ إِلَى الْخَيْرِ بِنَاصِيَتِي، وَاجْعَلِ الإِسْلامَ مُنْتَهَى رِضَاي، اللَّهُمَّ إِنِّي ضَعِيْفٌ فَقَوِّنِي، وَإِنِّي ذَلِيْلٌ فَأَعِزَّنِي، وَإِنِّي فَقِيْرٌ فَأَغْنِنِي"(4).
(1) رواه مسلم (2720).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29824)، ورواه أيضاً الترمذي (3586) بلفظ قريب وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.
(3)
رواه الحاكم في "المستدرك"(1878)، وكذا رواه ابن خزيمة في "صحيحه"(2728).
(4)
رواه الحاكم في "المستدرك"(1931)، وكذا ابن أبي شيبة في "المصنف"(29353) واللفظ له، وعندهما:"فارزقني" بدل "فأغنني".
وروى ابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "الدعوات" عن هاشم بن عبد الله بن الزبير: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصابته مصيبة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكى إليه ذلك، وسأله أن يأمر له بوسْقٍ من تمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِنْ شِئْتَ أَمَرْتُ لَكَ بِوسْقٍ، وإنْ شِئْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَاتٍ هِيَ خَيْر لَكَ مِنْه"، قال: علمنيهن، ومُرْ لي بوسق [فإنيِّ ذو حاجة إليه]، قال:"أَفْعَلُ"، قال:"فَقُلْ: اللهُمَّ احْفَظْنِي بالإِسْلامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلامِ رَاقِدًا، وَلا تُطِعْ فِيَّ عَدُوًّا وَلا حَاسِدًا، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيتهِ، وَأَسْألكَ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي بِيَدِكَ كُلّهِ"(1).
وروى الحاكم وصححه على شرط مسلم، والبيهقي في "الدعوات" عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: "اللهُمَّ احْفَظْنِي بِالإِسْلامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلامِ رَاقِدًا، وَلا تُشَمِّتْ بِي عَدُوًّا وَلا حَاسِدًا، اللهُمَّ إِنِّي أَسْألكُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرِّ خَزَائِنُهُ بِيَدِك"(2).
وروى أبو داود الطيالسي، والطبراني في "الكبير" عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ
(1) رواه ابن حبان في "صحيحه"(934)، والبيهقي في "الدعوات الكبير" (1/ 165) واللفظ له. وعندهما:"فارزقني" بدل "فأغنني".
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك"(1924)، والبيهقي في "الدعوات الكبير"(1/ 165).
مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَم، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّر كُلهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَم" (1).
وروى الترمذي واللفظ له، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال: على شرط مسلم، عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نقول: "اللَّهُمَّ إِني أَسْألكَ الثبَاتَ في الأَمْر، وَأَسْألكَ عَزِيْمَةَ الرَّشَدِ، وَأَسْألكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْألكَ لِسَانًا صَادِقًا وَقَلْبًا سَليْمًا، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْألكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَا تَعْلَمُ، إِنكَ أَنْتَ عَلامُ الغُيُوْبِ".
زاد الحاكم فيه: "وَخُلُقًا مُسْتَقِيْمًا"(2).
وروى ابن ماجه واللفظ له، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّمها هذا الدعاء: "اللَّهُمَّ إِني أَسْألكَ مِن الْخَيْرِ كُلهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّر كُلهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَألكَ عَبْدُكَ وَنبِيكَ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَر مَا عَاذَ بِه عَبْدُكَ وَنبِيكَ، اللهُمَّ إِني أَسْألكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ
(1) روه الطيالسي في "المسند"(785)، والطبراني في "المعجم الكبير"(2058)، قال ابن طاهر المقدسي في "ذخيرة الحفاظ" (3/ 1783): فيه قيس بن الربيع، وهو ضعيف.
(2)
رواه الترمذي (3407)، والنسائي (1304)، وابن حبان في "صحيحه"(935)، والحاكم في "المستدرك"(1872).
النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْألكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا" (1).
وروى الحاكم وصححه، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: هذا ما سأل محمَّد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ خَيْرَ الْمَسْألةِ وَخَيْرَ الدُّعَاءِ، وَخَيْرَ النَّجَاحِ وَخَيْرَ العَمَلِ وَخَيْرَ الثَّوَابِ، وَخَيْرَ الْحَيَاةِ وَخَيْرَ الْمَمَاتِ، وَثَبتنِي وَثَقِّل مَوَازيني، وَحَقِّقْ إِيْمَانِي وَارْفَعْ درَجَتِي، وَتَقَبَّلْ صَلاتِيْ وَاغْفِرْ خَطِيْئَتِي، وَأَسْألكَ الدَّرَجَاتِ العُلَى مِنَ الْجَنَّةِ؟ آمِيْنَ.
اللهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَى مِنَ الْجَنَّةِ؛ آمِين.
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أَعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَى مِن الْجَنَّةِ؛ آمين"، الحديث (2).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك الخير في عافية، اللهم اجعل آخر ما تعطيني الخير ورضوانك، والدرجات العُلى من جنات النعيم (3).
(1) رواه ابن ماجه (3846)، وابن حبان في "صحيحه"(869)، والحاكم في "المستدرك"(1914).
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك"(1911).
(3)
كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(4/ 239) إلى الإِمام أحمد في "الزهد".
وروى ابن أبي شيبة عن المطلب بن عبد الله: أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان يقول: اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك.
قال: وكان عمر رضي الله عنه يقول: اللهم اعصمني بحبلك، وارزقني من فضلك، واجعلني أحفظ أمرك (1).
وروى الأصفهاني في "الترغيب" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قلَّ ما صلى أبو بكر رضي الله عنه إلا وأنا بين أذنيه، وكان إذا سلم قال: اللهم اجعل خير عمري آخره، اللهم اجعل خواتيم عملي رضوانك، اللهم اجعل خير أيامي يوم ألقاك (2).
وروى أبو نعيم عن وهب قال: لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض استوحش لفقد أصوات الملائكة عليهم السلام، فهبط عليه جبريل فقال:"يا آدم! هذا أُعلِّمك شيئًا تنتفع به في الدنيا والآخرة؟ " قال: "بلى، قال: "قل: اللهم أَدِمْ لي النعمة حتى تهنئني المعيشة، اللهم اختم لي بخير حتى لا يضرني هوى، اللهم اكفني مؤنة الدنيا وكل هول في
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29510).
(2)
ورواه أبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان"(4/ 220)، والجرجاني في "الأمالي"(1/ 335).
ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(9411) مرفوعًا. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 110): فيه أبو مالك النخعي، وهو ضعيف.
القيامة حتى تدخلني الجنة" (1).
وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهُمَّ عَافِنِي في قُدْرتكَ، وَأَدْخِلنِي في رَحْمَتِكَ، وَاقْضِ أَجَلِي في طَاعَتِكَ، وَاخْتِم لِي بِخَيْرِ عَمَلي، وَاجْعَل ثَوَابَهُ الْجَنَّةَ"(2).
أخبرنا أبي رحمه الله تعالى عن مشايخه شيوخ الإِسلام؛ زكريا، والقلقشندي، وابن أبي شريف، والقسطلاني، عن حافظ الإِسلام أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمهم الله تعالى أنه أنشدهم لنفسه:[من الطويل]
ثَلاثٌ مِنَ الدُّنْيا إِذا هِيَ حُصِّلَتْ
…
لِشَخْصٍ فَلا يَخْشَى مِنَ الضُّرِّ وَالضَّيْرِ
غِنًى عَنْ بَنِيْها وَالسَّلامَةُ مِنْهُمُ
…
وَصِحَّةُ جِسْمٍ ثُمَّ خاتِمَةُ الْخَيْرِ (3)
وأخبرنا والدي رحمه الله تعالى قال: أخبرني شيخنا شيخ الإِسلام تقي الدين الزرعي -يعني: ابن قاضي عجلون - أنا الشيخ المسند أبو الحسن علي بن إسماعيل بن بردس البعلي، أنا أبو حفص بن أميلة، أنا
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 28).
(2)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(27/ 64).
(3)
انظر: "نظم العقيان في أعيان الأعيان" للسيوطي (ص: 51).
الفخر بن البخاري، ثنا الموفق بن طبرزذ، أنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي، أنا المشايخ الثلاثة أبو عامر الأزدي، وأبو نصر الترياقي، وأبو بكر الغُورَجِي، قالوا: أنا أبو محمَّد عبد الجبار بن محمَّد الجرَّاحي، أنا أبو العباس محمَّد بن أحمد المحبوبي، أنا الإِمام أبو عيسى الترمذي، ثنا عمر بن حفص، أنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُوْنَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّةَ".
قال الترمذي: "حسنٌ غريب".
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"(1).
وقلت في معناه: [من السريع]
لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ
…
يَسْمَعُهُ ما دامَ فِيْ يسَيْرِ
حَتَّىْ إِلَى دارِ الرضَا يَنتهِيْ
…
مِنْ دُوْن ما بُؤْسٍ وَلا ضَيْرِ
مشاهدة للهِ سُبْحانهُ
…
لَيْسَ بِمُحْتاجٍ إِلَى غَيْرِ
ومن الفوائد المتممة لما سبق: ما رواه الإِمام أحمد في "الزهد" عن حوشب رحمه الله مرسلاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: "اللهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ دنيَا تَمْنَعُ خَيْرَ الآخِرَةِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ أَمَل يَمْنَعُ خَيْرَ العَمَلِ،
(1) رواه الترمذي (2686)، وابن حبان في "صحيحه"(903).
وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ حَيَاةٍ تَمْنعُ خَيْرَ الْمَمَاتِ" (1).
وروى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله -يعني: ابن مسعود -: {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87]؛ قال: إن الله يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد فلْيَقُم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا؛ قولوا - وفي رواية: قالوا: يا أبا عبد الرحمن علمنا قال: قولوا -: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة! إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنَّك إن تكِلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة؛ إنَّك لا تُخلف الميعاد (2).
وروى الحكيم الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ في دُبُرِ الصَّلاةِ بَعَدَ مَا سَلَّمَ هَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ كَتَبَهُ
(1) ورواه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل"(ص: 48). قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء"(2/ 1205): في إسناده ضعف وجهالة، ولا أدري من حوشب.
قال ابن حجر في "الإصابة"(2/ 218): حوشب تابعي، أرسل حديثًا، فذكره بعضهم في الصحابة.
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29526)، والطبراني في "المعجم"(8918)، والحاكم في "المستدرك"(3426).
ورواه مرفوعًا الإِمام أحمد في "المسند"(3916).
لَهَا ملكٌ في رِقٍّ فَخَتَمَ بِخَاتَمٍ ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَإِذَا بَعَثَ اللهُ العَبْدَ مِنْ قَبْرِهِ جَاءَ الْمَلَكُ وَمَعَهُ الكِتَابُ يُنَادِي: أَيْنَ أَهْلُ العُهُوْدِ حَتَّى تُدْفَعَ إِلَيْهِم، وَالكَلِمَاتُ أَنْ تَقُوْلَ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادةِ الرَّحْمَنَ الرَّحِيْمَ، إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ في هَذه الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نفسِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وَتُبَاعِدْنِي مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لا أَثِقُ إِلا بِرَحْمَتِكَ، فَاجْعَل رَحْمَتَكَ لِي عَهْدًا عِنْدَكَ تُؤَدِّيْهِ إِلَيَّ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيْعَاد" (1).
وعن طاوس أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت في كفنه (2).
وروى الطبراني بسند صحيح، عن الأعمش، عن ابن مسعود رضي الله عنه -قيل: ولم يدركه - موقوفًا: والذي لا إله غيره، لا يُحسن عبدٌ بالله الظن إلا أعطاه الله ظنه، وذلك لأن الخير في يده (3).
قلت: [من الرمل]
إِنْ تُحَسِّنْ بِإِلَهِ الْعَرْشِ ظَنًّا
…
يُعْطِكَ الْمَظُنْونَ إِحْساناً وَمَنَّا
في يديه الخير يُعْطِيْ ما يَشاءُ
…
قَدْ رَويناهُ صَحِيْحاً فَارْوِ عَنَّا
(1) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(2/ 272).
(2)
انظر: "الدر المنثور"(5/ 543).
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(8772). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 148): رجاله رجال الصحيح إلا أن الأعمش لم يدرك ابن مسعود.
لا تُرَجِّي الْخَيْرَ إِلا مِنْ إِلَهٍ
…
يَقْبَلُ الأَعْمالَ بِالإِحْسانِ مِنَّا
بَدَأَ الْعَبْدَ بِإِنْعامٍ كَثِيْرٍ
…
قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ ثُمَّ ثنَّى
ثُمَّ قَدْ أَرْشَدَنا نَسْأَلُ مِنْهُ
…
فَنَنالُ بِالسُّؤلِ ما نتَمَنَّى (1)
وروى الطبراني في "الأوسط"، والخطيب في "الجامع" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا تَنَازَعْتُم إِلَى الْخَيْرِ فَامْشُوْا حُفَاةً؛ فَإِنَّ الله يُضَاعِفُ أَجْرَهُ عَلَى المُنْتَعِلِ"(2).
وهذا يحتمل أن يكون من باب الكرامة.
وفي كتاب الله تعالى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: 12].
قال عكرمة: كي تمس قدميك الأرض الطيبة.
وقال ابن أبي نجيح في قوله: {طُوًى} : طَأِ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافيًا؛ يقول: من بركة الوادي.
قال: وهذا قول سعيد بن جبير. رواهما عبد بن حميد، وابن أبي حاتم (3).
(1) كذا في "م" و "ت".
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(4183)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (11/ 378). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/ 133): فيه سليمان بن عيسى العطار كذاب.
(3)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 560).
وكأنه فسَّر طوى أنه اسم عبراني بمعنى: اطوِ الأرض، وطأها بقدميك حافيين.
وقيل: [من الطويل]
وَنَمْشِي حُفاةً في ثَراها تَأَدُّبًا
…
نرى أَنَّنَا نَمْشِي بِوادٍ مُقَدَّسِ
ويحتمل -وهو الأظهر- أن المعنى في الحديث: إن في نزع النعل والحفاء راحة للقدمين، فيكون أبلغ في التسارع؛ بمعنى: أنكم لا تمهلوا حتى تنتعلوا بل بادروا حفاةً.
والمراد به تمثيل المبالغة في الإسراع إلى الخير، وهو أولى من حمله على ظاهره؛ فإن الانتعال قد يكون أحفظ للقدمين فيكون أمتن في المشي.
وروى الإمامان ابن المبارك وأحمد؛ كلاهما في "الزهد" عن حكيم ابن عمير مرسلاً، قال رحمه الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فُتِحَ لَهُ بَاب مِنَ الْخَيْرِ فَلْيَنْتَهِزْهُ؛ فَإِنّهُ لا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَنْهُ"(1).
وروى ابن جرير في "تهذيبه" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فتحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ مَسْألةِ فتحَ اللهُ لَهُ بَابَ فَقْرٍ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ فتحَ بَابَ عَطِيَّةِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرَ
(1) رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 38)، والإمام أحمد في "المسند" (ص: 394).
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (1).
فأما الجملة الأولى فروى الإِمام أحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه عن أبي كبشة رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ثَلاثٌ أُقْسِمَ عَلَيْهِنَّ: ما نقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَة صَبَرَ عَلَيْهَا إِلا زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزًّا، وَلا فتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْألةٍ إِلا فتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ"(2).
وروى الإِمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثَلاثٌ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ إِنْ كُنْتُ لَحَالِفًا عَلَيْهِنَّ: لا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فتَصَدَّقُوْا، وَلا يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إِلا زَادهُ اللهُ بِهَا عِزًّا، وَلا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَة إِلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ"(3).
وإنما كانت المسألة عقوبتها الحرمان والفقر لأنَّه لا ينبغي أن نسأل الخير إلا لمَنْ بيده الخير ويملكه، ولا يملك الخير حقيقة إلا الله، فمسألة ثوابها حصول الخير المطلوب أو ما يقوم مقامه، ومسألة غيره عقابها عدم الحصول بالكلية أو حصول ما شاء الله أن يحصل منه إما منتقصاً بمَنٍّ، وإما مَشُوباً بشرٍّ، وإما غير مُبارك فيه.
(1) رواه الطبري في "تهذيب الآثار"(1/ 20).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 231)، والترمذي (2325) وصححه، وروى ابن ماجه (4228) أصل الحديث دون لفظ المؤلف.
(3)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(1/ 193).
فأمَّا ما يأتي العبد من أخيه بغير مسألة ولا شبهة فقد ترى النفوس القوية أنَّ فيه ذُلًا فتأنَفُ عن قبوله، وترى أن التنزه عنه خيرٌ من أخذه، وليس كذلك بل في قبوله تنفيذ لحصول غرض أخيه وإدخال للسرور على قلبه، ومعونة له على الطاعة، ثم إن شاء كافأه عليه.
فقد روى مالك رضي الله عنه، عن عطاء بن يسار رحمه الله: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعطاء فردَّه عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لِمَ رَدَدتَهُ؟ " فقال: يا رسول الله! أليس أخبرتنا أن خيراً لأحدنا أن لا يأخذ من أحدٍ شيئًا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنما ذَلِكَ عَلَى الْمَسْألةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ عنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ فَإنما هُوَ رِزْقٌ يَرْزُقُكَهُ الله"، فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل أحدًا شيئًا، ولا يأتيني شيء من عبد مسلم إلا أخذته (1).
وفي "الصحيحين" عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، قال: فقال: "خُذْهُ؛ إِذَا جَاءَكَ مِنَ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأنتَ غَيْرَ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإِنْ شِئْتَ كُلْهُ وَإِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْ بِهِ، وما لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ"(2).
قال سالم بن عبد الله: فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يردُّ شيئًا أعطيه (3).
(1) رواه الإِمام مالك في "الموطأ"(2/ 998).
(2)
رواه البخاري (6744)، ومسلم (1045).
(3)
رواه مسلم (1045).
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن خالد بن عدي الجهني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ بَلَغَهُ عَنْ أَخِيْهِ مَعْرُوْفٌ مِنْ غَيْرِ مَسْألةٍ وَلا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ وَلا يَرُدَّهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ"(1).
وأما الجملة الثانية فقد قال الله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272].
وقال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273].
قال قتادة في الآية: محفوظٌ ذلك عند الله عالمٌ به شاكرٌ له، وأنه لا شيء أشكر من الله، ولا أجزى لخير من الله. رواه ابن أبي حاتم (2).
قلت: في قوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة: 272] إشارة إلى أن النفقة لا تكون خيراً إلا إذا كانت لوجه الله تعالى، وما كان لوجه الباقي ينبغي أن يكون باقيًا، فلذلك كان ثواب من أعطى لوجه الله تعالى خير الدنيا والآخرة، وحقيقته مقابلته بالخير الدائم في مقابلة الإنفاق للوجه الدائم.
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(4/ 220)، وأبو يعلى في "المسند"(925)، والطبراني في "المعجم الكبير"(4124)، وابن حبان في "صحيحه"(5108)، والحاكم في "المستدرك"(2363).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 542).
وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110].
ومن تتمات ما تقدم -أيضًا- أن التقرب إلى الله تعالى بالخير لا ينبغي أن يكون على سبيل النذر والتحريج عن النفس؛ فإنه قد يفضي إلى الضيق وعدم الوفاء، وقد ذمَّ الله تعالى من ابتدع الرهبانية من أمة عيسى عليه السلام وما رعوها حق رعايتها.
ولذلك جزم النووي في "المجموع" بأن النذر مكروه (1)؛ أي: وإن كان يُصَيِّرُ التطوع فريضة فيعظم به الثواب، ونقله عن نص الشافعي في البويطي لصحة النهي عنه في "صحيح مسلم" وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن النذر، وقال:"إِنه لا يَأتِي بِخَيْر، وَإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن البَخِيْل"(2).
وقوله: "لا يأتي بخير" يحتمل وجهين:
الأول: أنَّ النذر لا يأتي بخير لم يقدره الله تعالى؛ إذ لا يأتي بالخير حقيقةً إلا الله كما تدل عليه الرواية الأخرى: "النَّذْرُ لا يُقَدمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيْلِ"، وهو في "البخاري" بنحو هذا اللفظ (3).
(1) انظر: "المجموع" للنووي (8/ 342).
(2)
رواه مسلم (1639)، وكذا رواه البخاري (6315).
(3)
رواه البخاري (6314).
والثاني: أن يكون معناه التنفير عن النذر، وأنه قد يكون سبباً لسوء العبد وشره من حيث إنه إذا التزم الطاعة التي لم تُفرض عليه بالنذر، فلم يأتِ بها عصى كما يعصي بترك الفريضة، وقد كان لو تركها قبل النذر لم يعص.
ويشبه أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم في النذر: "إِنَّهُ لا يَأتِي بَخَيْرٍ" على الضد من قوله صلى الله عليه وسلم. "الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ"، وهو في "الصحيحين" من حديث عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ رضي الله عنهما.
وفي رواية لمسلم: "الْحَيَاءُ خَيْر كُلُّهُ"(1).
وفي معناه قول الشاعر: [من الوافر]
فَلا وَاللهِ ما فِيْ الْعَيْشِ خَيرٌ
…
وَلا الدُّنْيا إِذا ذَهَبَ الْحَياءُ (2)
ولا يَرِدُ عليه أن الحياء قد يمنع من طلب العلم، ولذلك قيل: لا ينال العلم مُستحي (3).
وقد يمنع الحياء من طلب الخير الذي لا يأذن الشارع في تركه لأنا نقول: إنَّ هذا ليس من الحياء، بل هو من باب الجبن وإن سُمي حياءً
(1) رواه البخاري (5766)، ومسلم (37).
(2)
البيت لجميل بن المعلى الفزاري، كما في "الحماسة البصرية"(2/ 10).
(3)
تقدم تخريجه.
باعتبار أصل الإطلاق اللغوي، فإن حقيقة الحياء: الحِشْمة المتولدة من رؤية الآلاء ورؤية التقصير المانعة من اتباع الهوى فيما لا يُرضي، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُبُوَّةِ الأُوْلَى: إِذَا لَم تَستَحي فَاصْنع مَا شِئْتَ"(1).
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن اسْتَحْيَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَليَحْفَظِ البَطْنَ وَمَا حَوى، وَلَيْذْكُرِ الْمَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيىَ مِنَ الله حَقَّ الْحَيَاءِ"، كما رواه الإِمام أحمد، والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه (2).
***
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.