المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب ما نهى الله عنه من البيوع - خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة المؤلف:

- ‌كتاب الطهارة

- ‌باب دخول الخلاء والاستطابة

- ‌باب السواك

- ‌باب المسح على الخفين

- ‌باب في المذي وغيره

- ‌باب الغسل من الجنابة

- ‌باب التيمم

- ‌كتاب الصلاة

- ‌باب المواقيت

- ‌باب فضل الصلاة الجماعة ووجوبها

- ‌باب الأذان

- ‌باب استقبال القبلة

- ‌باب الصفوف

- ‌باب الإمامة

- ‌باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود

- ‌باب القراءة في الصلاة

- ‌باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم

- ‌باب سجود السهو

- ‌باب المرور بين يدي المصلي

- ‌باب جامع

- ‌باب التشهد

- ‌باب الوتر

- ‌باب الذكر عقب الصلاة

- ‌باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌باب قصر الصلاة في السفر

- ‌باب الجمعة

- ‌باب صلاة العيدين

- ‌باب صلاة الكسوف

- ‌باب الاستسقاء

- ‌باب صلاة الخوف

- ‌كتاب الجنائز

- ‌كتاب الزكاة

- ‌باب صدقة الفطر

- ‌كتاب الصيام

- ‌باب الصوم في السفر وغيره

- ‌باب أفضل الصيام وغيره

- ‌باب ليلة القدر

- ‌باب الاعتكاف

- ‌كتاب الحج

- ‌باب المواقيت

- ‌باب ما يلبس المحرم من ثياب

- ‌باب الفدية

- ‌باب حرمة مكة

- ‌باب ما يجوز قتله

- ‌باب دخول مكة وغيره

- ‌باب التمتع

- ‌باب الهدي

- ‌باب الغسل للمحرم

- ‌باب فسخ الحج إلى العمرة

- ‌باب الحرم يأكل من صيد الحلال

- ‌كتاب البيوع

- ‌باب ما نهى الله عنه من البيوع

- ‌باب العرايا وغير ذلك

- ‌باب السَّلَم

- ‌باب الشروط في البيع

- ‌باب الربا والصرف

- ‌باب الرهن وغيره

- ‌باب اللقطة

- ‌باب الوصايا وغير ذلك

- ‌باب الفرائض

- ‌كتاب النكاح

- ‌باب الصداق

- ‌كتاب الطلاق

- ‌باب العدة

- ‌باب اللعان

- ‌كتاب الرضاع

- ‌كتاب القصاص

- ‌كتاب الحدود

- ‌باب حد الخمر

- ‌كتاب الأيمان والنذور

- ‌باب النذر

- ‌باب القضاء

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌باب الصيد

- ‌باب الأضاحي

- ‌كتاب الأشربة

- ‌كتاب اللباس

- ‌كتاب الجهاد

- ‌كتاب العتق

- ‌باب بيع المُدَبَّر

الفصل: ‌باب ما نهى الله عنه من البيوع

‌باب ما نهى الله عنه من البيوع

الحديث الأول

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة؛ وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة؛ والملامسة لمس الرجل الثوب لا ينظر إليه.

قوله: "باب ما نهى الله عنه من البيوع"؛ أي: على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله - تعالى -: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، قال ابن رشد في "بداية المجتهد": وإذا اعتبرت الأسباب التي من قِبَلها ورد النهي الشرعي في البيوع، وهي أسباب الفساد العامة وجدت أربعة: أحدها تحريم عين المبيع، والثاني: الربا، والثالث: الغرر، والرابع: الشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو مجموعهما.

قوله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه

إلى آخره، (المنابذة) و (الملامسة) و (الحصاة) : بيوع كانوا يتبايعون بها في الجاهلية وهي من القمار ومن بيوع الغرر.

ولأحمد: والمنابذة أن يقول: إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع، والملامسة: أن يلمس بيده ولا يشره ولا يقلبه، إذا مسه وجب البيع.

تتمَّة:

قال في "الاختيارات": يصحُّ بيع الحيوان المذبوح مع جلده وهو قول جمهور العلماء، وكذا لو أفرد أحدهما بالبيع، ويصحُّ بيع المغروس في الأرض الذي يظهر ورقه: كالقت والجوز والقلقاس والفجل والبصل وشبه ذلك، وقاله

ص: 238

بعض أصحابنا، ويصحُّ البيع بالرقم، وبما ينقطع به السعر، وكما يبيع الناس، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ولو باع ولم يسمِّ الثمن صحَّ بثمن المثل كالنكاح، انتهى.

* * *

الحديث الثاني

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تلقوا الركبان، ولا يَبِع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبيع حاضر لبادٍ، ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، ومَن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمرٍ)) ، وفي لفظ:((وهو بالخيار)) ثلاثًا.

قوله: ((لا تلقوا الركبان)) ظاهرٌ في النهي عن ذلك؛ لما يحصل به من الغرر على الجالب والضرر على أهل السوق.

وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تلقوا الجلب، فمَن تلقى فاشترى، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار)) .

قوله: ((ولا يبع بعضكم على بيع بعض)) ، وللنسائي ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر)) .

ولمسلم: ((لا يسومن المسلم على سوم المسلم)) ، قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أن يقول لِمَن اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأَزْيَد، قال الحافظ: وهو مُجمَع عليه.

وأمَّا السوم فصورته: أن يأخذ شيئًا ليشتريه فيقول له: ردَّه لأبيعك خيرًا منه بثمنه أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر، ومحلُّه بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، اهـ.

وعن أنس رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم باع حلسًا وقدحًا وقال: ((مَن يشتري هذا الحلس والقدح؟)) ، فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال: ((مَن يزيد على

ص: 239

درهم؟)) ، فأعطاه الرجل درهمين فباعهما منه؛ رواه أحمد وأصحاب السنن.

قوله: ((ولا تناجشوا)) (النجش) : هو الزيادة في ثمن السلعة ممَّن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، فإن كان ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، وإلا

فيختصُّ بذلك الناجش، قال البخاري: وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكِل ربا خائن، وهو خداع باطل لا يحلُّ.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الخديعة في النار، ومَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)) ، اهـ.

قوله: ((ولا يبيع حاضر لبادٍ)) ، في رواية لمسلم:((لا يبيع حاضر لبادٍ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) .

وقال البخاري: باب هل يبيع حاضر لبادٍ بغير أجر؟ وهل يعينه أو ينصحه؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له)) ، اهـ.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تلقوا الركبان ولا يبيع حاضر لبادٍ)) ، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: ((لا يبيع حاضر لبادٍ)) ؟ قال: لا يكون له سمسارًا، وقوله:((ولا يبيع)) نفي بمعنى النهي.

وصورة بيع الحاضر للبادي أن يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعرِ يومِه ويرجع فيأتيه البلديُّ فيقول: ضعه عندي لأبيعه على التدريج بزيادة سعر وذلك إضرار بأهل البلد.

قوله: ((ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم)) بضم التاء من صرَّى يصرِّي تصرية، والمصراة هي التي صرى لبنها وجمع، فلم يُحلَب أيامًا، وهو حرام؛ لأنه غش وخديعة، وفي رواية:((مَن اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر)) .

قوله: ((فهو بخير النظرين)) ؛ أي: الرأيين.

قوله: ((إن رضيها أمسكها)) ؛ أي: أبقاها على ملكه، قال الحافظ: وهو يقتضي صحة بيع المصراة وإثبات الخيار للمشتري، وحكى البغوي أن لا خلاف في المذهب أنهما لو تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره كفى.

قال ابن عبد البر: هذا الحديث أصلٌ في النهي عن الغش، وأصلٌ في ثبوت الخيار لِمَن دلَّس عليه بعيب، وأصلٌ في أنه لا يفسد أصل البيع، وأصلٌ في أن مُدَّة الخيار ثلاثة أيام، وأصلٌ في تحريم التصرية وثبوت الخيار فيها.

* * *

ص: 240

الحديث الثالث

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها، قيل إنه كان يبيع الشارف وهي الكبيرة المسنة بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته.

قوله: "كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها"؛ أي: ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد، والمنع في ذلك للجهالة في الأجل، والمنع في التفسير الثاني من جهة أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه فيدخل في بيوع الغرر.

ولأحمد عن ابن عمر: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتبايعون ذلك البيع يبتاع الرجل بالشارف حبل الحبلة، فنهوا عن ذلك.

قال ابن التين: محصل الخلاف هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها، وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين، فصارت أربعة أقوال، اهـ، وكل هذه الصور داخلة في النهي، والله أعلم.

* * *

الحديث الرابع

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهي البائع والمشتري".

ومثل هذا حديث أنس، وهو الذي بعده:

* * *

ص: 241

الحديث الخامس

عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما تزهي؟ قال: حتى تحمرَّ أو تصفرَّ، قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة بِمَ يستحلُّ أحدكم مال أخيه؟

سبب هذا النهي ما قال البخاري: وقال الليث: عن أبي الزناد وكان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري قال: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار فإذا جاذَّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان أصابه مرض أصابه قشام عاهات يحتجُّون بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: فإمَّا لا فلا تتبايعوا كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم، وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبيَّن الأصفر من الأحمر.

قوله: "حتى يبدو صلاحها"؛ أي: يظهر، وفي حديث جابر نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تُباع الثمرة حتى تشقح، فقيل: ما تشقح؟ قال: تحمار وتصفار ويُؤكَل منها؛ متفق عليه.

قوله: "نهى البائع والمشتري" قال الحافظ: أمَّا البائع فلئلَاّ يأكل مال أخيه بالباطل، وأمَّا المشتري فلئلَاّ يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل، وفيه أيضًا قطع النزاع والتخاصم، ومقتضاه جواز بيعها بعد بُدُوِّ الصلاح مطلقًا، سواء اشترط الإبقاء أم لم يشترط؛ لأن ما بعد الغاية مُخالِف لما قبلها، وقد جعل النهي ممتدًّا إلى غاية بُدُوِّ الصلاح، والمعنى فيه أن تؤمن فيها العاهة، وتغلب السلامة، فيَثِق المشتري بحصولها بخلاف ما قبل بُدُوِّ الصلاح فإنه بصدد الغرر، وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر لكثرة الجوائح فيها.

وفي حديث أنس: ((فإذا احمرَّت وأُكِل منها أُمِنت العاهة عليها)) ؛ أي: غالب.

قوله: "نهى عن بيع الثمار حتى تزهى"، في رواية:

ص: 242

أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى يزهو.

قوله: "أرأيت إذا منع الله الثمرة بِمَ يستحلُّ أحدكم مال أخيه؟ وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة بِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) .

وعن ابن شهاب قال: لو أن رجلاً ابتاع ثمرًا قبل أن يبدو صلاحه ثم أصابته عاهة كان ما أصابه على ربه.

وروى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته عاهة فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) ، قال الحافظ: واستدلَّ بهذا على وضع الجوائح في الثمر يشترى بعد بُدُوِّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد وأبو عبيد: يضع الجميع، وقال الشافعي والليث والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء، وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها بغير شرط القطع، فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما قيد به في حديث أنس، والله أعلم.

واستدلَّ الطحاوي بحديث أبي سعيد: أصيب رجل في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تصدَّقوا عليه)) ، فتصدَّق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال:((خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)) ؛ أخرجه مسلم وأصحاب السنن، قال: فلمَّا لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار وفيهم باعتها ولم يُؤخَذ الثمن منهم دلَّ على أن الأمر بوضع الجوائح ليس على عمومه، والله أعلم.

قوله: ((بِمَ يستحلُّ أحدكم مال أخيه)) ؛ أي: لو تلف الثمر لانتفى في مقابلته العِوَض، فكيف يأكله بغير عوض؟ وفيه إجراء الحكم على الغالب؛ لأن تطرُّق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم التطرُّق إلى ما لم يبدُ صلاحه ممكن، فأُنِيط الحكم بالغالب في الحالتين، انتهى.

تتمَّة:

قال في "الاحتيارات": والصحيح أنه يجوز بيع المقاثي جمة بعروقها، سواء بدا صلاحها أو لا، وهذا القول له مأخذان: أحدهما: أن العروق كأصول الشجر، فبيع الخضروات قبل بُدُوِّ صلاحها كبيع الشجر بثمره قبل بُدُوِّ صلاحه يجوز تبعًا، والمأخذ الثاني وهو الصحيح أن هذه لم تدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم بل يصحُّ العقد على اللقطة الموجودة واللقطة المعدومة إلى أن يبس

ص: 243

المقثأة؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ويجوز بيع المقاثي دون أصولها، وقال بعض أصحابنا: وإذا بدا صلاح بعض الشجرة جاز بيعها وبيع ذلك الجنس، وهو رواية عن أحمد وقول الليث بن سعد، انتهى.

* * *

الحديث السادس

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُتَلقَّى الركبان، وأن يبيع حاضر لبادٍ، قال: فقلت لابن عباس ما قوله حاضر لبادٍ، قال: لا يكون له سمسارًا".

(السمسار) : متولِّي البيع والشراء لغيره وهو الدلَاّل، قال البخاري: باب هل يبيع حاضر لبادٍ بغير أجر، وهل يعينه أو ينصحه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له)) .

قال الحافظ: قال ابن المنير وغيره: حمل البخاري النهي عن بيع الحاضر للبادي على معنى خاص وهو البيع بالأجر أخذًا من تفسير ابن عباس، وقوي ذلك بعموم أحاديث ((الدين النصيحة)) ؛ لأن الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالبًا، وإنما غرضه تحصيل الأجرة، فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أجرة من باب النصيحة، انتهى.

وعن جابر مرفوعًا: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل فلينصح له)) ؛ رواه البيهقي.

* * *

الحديث السابع

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة؛ وهي أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً

ص: 244

بتمرٍ كيلاً، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كلِّه".

قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة"، وفي رواية: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبيعوا الثمر بالتمر)) .

قال سالم: وأخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص بعد ذلك في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره)) ، وحقيقة المزابنة بيع مجهول بمعلوم من جنسه، ومن صورها أيضًا ما روى البخاري عن ابن عمر، والمزابنة أن يبيع الثمر بكيل إن زاد لي وإن نقص فعليَّ.

قال الحافظ: ولا يلزم من كونها ثمارًا ألَاّ تسمى مزابنة؛ واستدلَّ بأحاديث الباب على تحريم بيع الرطب باليابس ولو تساويا في الكيل والوزن؛ لأن الاعتبار بالتساوي إنما يصحُّ حالة الكمال، والرطب قد ينقص إذا جفَّ عن اليابس نقصًا لا يتقدَّر وهو قول الجمهور، وأصرح من ذلك حديث سعد بن أبي وقاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل عن بيع الرطب بالتمر فقال: ((أينقص الرطب إذا جفَّ؟)) ، قالوا: نعم، قال:((فلا إذًا)) ؛ أخرجه مالك وأصحاب السنن وصحَّحه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، انتهى.

قوله: ((كيلاً)) ذكر الكيل ليس بقيد هنا؛ لأن المسكوت عنه أَوْلَى بالمنع من المنطوق، والله اعلم.

* * *

الحديث الثامن

عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن".

* * *

ص: 245

الحديث التاسع

عن رافع بن خديج رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث)) .

قوله: "نهى عن ثمن الكلب" قال الحافظ: ظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عام في كل كلب معلَّمًا كان أو غيره ممَّا يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه وبذلك قال الجمهور، انتهى.

وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره؛ لما روى النسائي عن جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد"، قال الحافظ: أخرجه النسائي بإسناد رجال ثقات إلا أنه طُعِن في صحته.

قوله: "ومهر البغي" هو ما تُعطَاه على الزنا، وسُمِّي مهرًا على سبيل المجاز، وهو حرام لأنه في مقابلة حرام.

قوله: "وحلوان الكاهن" هو ما يُعطَاه على كهانته، قال الحافظ: وهو حرام بالإجماع؛ لما فيه من أخذ العِوَض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم والضرب بالحصا وغير ذلك مما يتعاطاه العرَّافون من استطلاع الغيب، والكهانة ادِّعاء علم الغيب؛ كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجني السمعَ من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن.

والكاهن لفظٌ يُطلَق على العراف، والذي يضرب بالحصا، والمنجم؛ ويطلق على مَن يقوم بأمرٍ آخر ويسعى في قضاء حوائجه، وقال الخطابي: الكهَنَة قومٌ لهم أذهان حادَّة، ونفوس شرِّيرة، وطباع ناريَّة، فألِفَتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور وساعدتهم بكلِّ ما تصل قدرتهم إليه.

قوله: ((وكسب الحجام خبيث)) وفي حديث ابن عباس: "احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه"، قال الحافظ: واختلف العلماء في كسب الحجام؛ فذهب الجمهور إلى أنه حلال، واحتجُّوا بحديث ابن عباس قالوا:

ص: 246