المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الجهاد الحديث الأول عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله - خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة المؤلف:

- ‌كتاب الطهارة

- ‌باب دخول الخلاء والاستطابة

- ‌باب السواك

- ‌باب المسح على الخفين

- ‌باب في المذي وغيره

- ‌باب الغسل من الجنابة

- ‌باب التيمم

- ‌كتاب الصلاة

- ‌باب المواقيت

- ‌باب فضل الصلاة الجماعة ووجوبها

- ‌باب الأذان

- ‌باب استقبال القبلة

- ‌باب الصفوف

- ‌باب الإمامة

- ‌باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود

- ‌باب القراءة في الصلاة

- ‌باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم

- ‌باب سجود السهو

- ‌باب المرور بين يدي المصلي

- ‌باب جامع

- ‌باب التشهد

- ‌باب الوتر

- ‌باب الذكر عقب الصلاة

- ‌باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌باب قصر الصلاة في السفر

- ‌باب الجمعة

- ‌باب صلاة العيدين

- ‌باب صلاة الكسوف

- ‌باب الاستسقاء

- ‌باب صلاة الخوف

- ‌كتاب الجنائز

- ‌كتاب الزكاة

- ‌باب صدقة الفطر

- ‌كتاب الصيام

- ‌باب الصوم في السفر وغيره

- ‌باب أفضل الصيام وغيره

- ‌باب ليلة القدر

- ‌باب الاعتكاف

- ‌كتاب الحج

- ‌باب المواقيت

- ‌باب ما يلبس المحرم من ثياب

- ‌باب الفدية

- ‌باب حرمة مكة

- ‌باب ما يجوز قتله

- ‌باب دخول مكة وغيره

- ‌باب التمتع

- ‌باب الهدي

- ‌باب الغسل للمحرم

- ‌باب فسخ الحج إلى العمرة

- ‌باب الحرم يأكل من صيد الحلال

- ‌كتاب البيوع

- ‌باب ما نهى الله عنه من البيوع

- ‌باب العرايا وغير ذلك

- ‌باب السَّلَم

- ‌باب الشروط في البيع

- ‌باب الربا والصرف

- ‌باب الرهن وغيره

- ‌باب اللقطة

- ‌باب الوصايا وغير ذلك

- ‌باب الفرائض

- ‌كتاب النكاح

- ‌باب الصداق

- ‌كتاب الطلاق

- ‌باب العدة

- ‌باب اللعان

- ‌كتاب الرضاع

- ‌كتاب القصاص

- ‌كتاب الحدود

- ‌باب حد الخمر

- ‌كتاب الأيمان والنذور

- ‌باب النذر

- ‌باب القضاء

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌باب الصيد

- ‌باب الأضاحي

- ‌كتاب الأشربة

- ‌كتاب اللباس

- ‌كتاب الجهاد

- ‌كتاب العتق

- ‌باب بيع المُدَبَّر

الفصل: ‌ ‌كتاب الجهاد الحديث الأول عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله

‌كتاب الجهاد

الحديث الأول

عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس قام فيهم فقال: ((يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:((اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم)) .

الجهاد فرض كفاية، إذا قام به قوم سقط عن الباقين، وهو بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق على مجاهدة النفس والشيطان والفسَّاق، قال أحمد: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد.

وأصل الجهاد في اللغة: المشقَّة، وقد قال الله - تعالى -:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] .

قوله: "انتظر حتى مالت الشمس" في حديث النعمان بن مقرن عند البخاري: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أوَّل النهار انتظر حتى تهبّ الأرواح وتحضر الصلاة"، ولأبي داود:"وينزل النصر".

قوله: ((لا تتمنوا لقاء

ص: 392

العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا)) قال ابن بطال: حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصديق: لأن أُعافَى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن أُبتَلي فأصبر، اهـ.

وكان عليٌّ يقول: "لا تدع إلى المبارزة فإذا دعيت فأجب تنصر، لأن الداعي باغٍ".

قوله: ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) قال القرطبي: هو من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمِل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدوِّ واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المتقاتلين.

قوله: ((اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) قال الحافظ: فيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث؛ فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية وهي الإسلام، وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعم وكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما.

وفي الحديث استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار ووصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم، وتعليمهم بما يحتاجون إليه، وسؤال الله - تعالى - بصفاته الحسنى وبنعمه السالفة، ومراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة والحث على سلوك الأدب، وغير ذلك، اهـ، والله أعلم.

* * *

الحديث الثاني

عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها)) .

ص: 393

(الرباط) : ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم؛ قال الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، قال قتادة:(اصبروا) على طاعة الله، (وصابروا) لانتظار الوعد، (ورابطوا) العدو (واتقوا الله) فيما بينكم.

قوله: ((وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها)) ((الغدوة)) : الخروج أول النهار، ((والروحة)) : الخروج آخره.

وروى ابن المبارك عن مرسل الحسن قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا فيهم عبد الله بن رواحة فتأخَّر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم)) ، قال الحافظ: والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد، وأن مَن حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر عظيم من جميع ما في الدنيا، فكيف بِمَن حصل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إل سبب من أسباب الدنيا فنبَّه هذا المتأخِّر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا، اهـ، والله أعلم.

* * *

الحديث الثالث

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((انتدب الله - ولمسلم: تضمَّن الله - لِمَن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة، ومثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بِمَن يجاهد

ص: 394

في سبيله - كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله إن توفَّاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا مع أجرٍ أو غنمةٍ)) .

قوله: ((انتدب الله)) ؛ أي: سارع بثوابه وحسن جزائه، قال في "الصحاح": ندبت فلانًا لكذا فانتدب؛ أي: أجاب.

قال الحافظ: قوله: ((تضمن الله)) ، و ((تكفل الله)) ، و ((انتدب الله)) ، بمعنى واحد، ومحصله تحقيق الوعد المذكور في قوله - تعالى -:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] ، وذلك التحقيق على

وجه الفضل منه سبحانه وتعالى وقد عبَّر صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى بتفضُّله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه ممَّا جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئنُّ به نفوسهم.

قوله: "لا يخرجه إلا الجهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي" هذا نصٌّ على اشتراط خلوص النية في الجهاد.

وقوله: "في سبيلي": فيه عدول من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم، فهو التفات.

قوله: "فهو عليَّ ضامن"؛ أي: مضمون.

قوله: "أن أدخله الجنة"؛ أي: ساعة موته كما ورد إن أرواح الشهداء تسرح في الجنة.

قوله: "أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة"؛ أي: أجر تام إن لم يغنم شيئًا، أو غنيمة معها أجر ناقص؛ لما روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا:((ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تمَّ لهم أجرهم)) .

قوله: ((ومثل المجاهد في سبيل الله، والله أعلم بِمَن يجاهد في سيله)) فيه إشارة إلى اعتبار الإخلاص.

قوله: ((كمثل الصائم القائم)) شبَّه حال المجاهد في سبيل الله بحال الصائم القائم في نيل الثواب في كلِّ حركة وسكون، فأجره مستمرٌّ كما قال - تعالى -:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 120- 121] .

قوله:

ص: 395

((وتوكَّل اللهُ)) في رواية: ((وتكفَّل الله)) والمعنى واحد وهو عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله سبحانه وتعالى.

وفي هذا الحديث استعمال التمثيل في الأحكام، وأن الأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لأعيانها وإنما يحصل بالنية الخالصة، وبالله التوفيق.

* * *

الحديث الرابع

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مكلوم يُكلَم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي، اللون لون الدم، والريح ريح المسك)) .

(المكلوم) : المجروح، و (الكلم) : الجرح.

قوله: ((إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي)) في رواية: ((تكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت تفجر دمًا)) .

قوله: ((اللون لون الدم والريح ريح المسك)) قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد بفضيلته ببذله نفسه في طاعة الله - تعالى - وقد قال صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: ((زمِّلوهم بدمائهم)) ، والله أعلم.

* * *

الحديث الخامس

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((غدوة في سبيل الله أو روحة خيرٌ ممَّا طلعت عليه الشمس وغربت)) .

* * *

ص: 396

الحديث السادس

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((غدوة في سبيل الله أو روحة خيرٌ من الدنيا وما فيها)) .

تقدَّم الكلام على هذين الحديثين في الحديث الثاني، والمراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد، وبالله التوفيق.

* * *

الحديث السابع

عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، وذكر قصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((مَن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سَلَبُه)) ، قالها ثلاثًا.

قوله: "وذكر قصة" هي ما روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل علي فضمَّني ضمَّة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا وجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال:((مَن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)) ، فقمت فقلت: مَن يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال:((مَن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)) ، فقمت فقلت: مَن يشهد لي؟ ثم جلس، ثم قال الثالثة فقمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ما لك يا أبا قتادة؟)) ، فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلبه

ص: 397

عندي فأرضه عنِّي، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لاها الله إذًا لا يعمد على أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يعطيك سَلَبَه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((صدق وأعطه إياه)) ، فأعطاني، فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأوَّل مال تأثلته في الإسلام.

قوله: ((مَن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سَلَبُه)) (السلب) ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور فيستحقُّه القاتل سواء قال أمير الجيوش قبل ذلك: "مَن قتل قتيلاً فله سلبه"، أو لم يقل ذلك؛ لأنه فتوى من النبي صلى الله عليه وسلم وإخبار بالحكم

الشرعي، وشرطه أن يكون المقتول من المقاتلة، واتفقوا على أنه لا يقبل قول مَن ادَّعى السلب إلا ببيِّنة تشهد له أنه قتله، ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء: أن البينة هنا شاهد واحد يكتفي به والله أعلم.

وعن عوف بن مالك وخالد بن الوليد رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب"؛ رواه أحمد وأبو داود.

* * *

الحديث الثامن

عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفرٍ، فجلس عند أصحابه يتحد ثم انفتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((اطلبوه واقتلوه)) ، فقتله فنفلني سلبه".

وفي رواية: ((مَن قتل الرجل؟)) ، فقالوا: ابن الأكوع، فقال له:((سَلَبُه أجمع)) .

قوله: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين" سمى الجاسوس عينًا لأن جلَّ عمله بعينه، ولمسلم: أن ذلك في غزوة هوازن.

قوله: "فجلس عند

ص: 398

أصحابه يتحدث ثم انفتل"، وعند مسلم: "فقيد الجمل ثم تقدَّم يتغذى مع القوم، وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر إذ خرج يشتد".

قوله: ((اطلبوه واقتلوه)) ، ولمسلم: "فأتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء فخرجت أعدو حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلمَّا وضع ركبته بالأرض اخترطت سيفي فأضرب رأسه فنَدَر، فجئت براحلته وما عليها أقودها، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال:((مَن قتل الرجل؟)) ، قالوا: ابن الأكوع، قال:((له سَلَبُه أجمع)) ، قال النووي: فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر، وهو باتِّفاق، وأمَّا المعاهد فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف، أمَّا لو شرط ذلك عليه في عهده فينقض اتفاقًا، انتهى.

* * *

الحديث التاسع

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجدٍ فخرجت فيها فأصبنا إبلاً وغنمًا، فبلغت سُهمَاننا اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرًا بعيرًا".

قوله: "فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا"؛ أي: بلغ نصيب كلِّ واحد منهم هذا القدر.

قوله: "ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرًا بعيرًا" ولأبي داود: "فخرجت فيها فأصبنا نعمًا كثيرًا، وأعطانا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكلِّ إنسان، ثم قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرًا بعد الخمس"، قال النووي: معناه: أن أمير السرية نَفَّلهم فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجازت نسبته لكلٍّ منهما، قال ابن دقيق العيد: يستدل به على أن المنقطع من الجيش عن الجيش الذي فيه الإمام ينفرد بمَّا يغنمه،

ص: 399

قال: وإنما قالوا بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريبًا منهم يلحقهم عونه وغوثه لو احتاجوا، انتهى.

وفي الحديث مشروعية التنفيل؛ ومعناه: تخصيص مَن له أثر في الحرب بشيء من المال، قال ابن عبد البر: إن أراد الإمام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس، لا من رأس الغنيمة، وإن انفردت قطعة فأراد أن ينفلها ممَّا غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس، بشرط أن لا يزيد على الثلث اهـ، وفيه أن أمير الجيش إذا فعل مصلحة لم ينقضها الإمام، والله أعلم.

* * *

الحديث العاشر

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جمع الله الأوَّلين والآخِرين يرفع لكلِّ غادرٍ لواء، فيُقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) .

قوله: ((يرفع لكلِّ غادر لواء)) وفي رواية لمسلم من حديث أبي سعيد: ((يرفع له بقدر غدرته عند أسته)) قال ابن المنير: كأنه عُومِل بنقيض قصده؛ لأن عادة

اللواء يكون على الرأس فنصب عند السفل زيادة في فضيحته؛ لأن الأعين غالبًا تمتدُّ إلى الألوية فيكون ذلك سببًا لامتدادها إلى التي بدت له ذلك اليوم فيزداد بها فضيحة.

وقال القرطبي: هذا خطاب منه للعرب بنحو ما كانت تفعل؛ لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء ليلوموا الغادر ويذموه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته يوم القيامة فيذمه أهل الموقف، انتهى.

وفي الحديث غلظ تحريم الغدر سواء كان من برٍّ لفاجر أو من برٍّ لبرٍّ، أو كان من فاجر لبرٍّ أو فاجر ولا سيَّما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدَّى ضرره إلى خلق كثير، وفيه أن الناس يدعون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم.

* * *

ص: 400

الحديث الحادي عشر

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن امرأة وُجِدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان".

فيه تحريم قتل النساء والصبيان إلا لضرورة، وأخرج أبو داود والنسائي من حديث رباح بن الربيع قال: كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولة، فقال:((ما كانت هذه لتقاتل)) ، ومفهومه: أنها لو قاتلت لقتلت، وهو قول الجمهور.

وعن الصعب بن جثامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال:((هم منهم)) ؛ متفق عليه.

* * *

الحديث الثاني عشر

عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، شكيا القمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ لهما، فرخَّص لهما في قميص الحرير فرأيته عليهما".

قوله: "فرخَّص لهما في قميص الحرير"، وفي رواية:"في قميصٍ من حرير من حكَّة كانت بهما"، قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن الحكَّة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى سبب السبب، قال: والحكَّة نوع من الجرب، أعاذنا الله - تعالى - منه، اهـ.

قال الطبري: فيه دلالة على أن النهي عن لبس الحرير

ص: 401

لا يدخل فيه مَن كانت به علة يخففها لبس الحرير، والله أعلم.

قال المهلب: لباس الحرير في الحرب لإرهاب العدو هو مثل الرخصة في الاختيار في الحرب، اهـ.

وعن جابر بن عتيك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إن من الغيرة ما يحب الله، ومن الغيرة ما يبغض الله، وإن من الخُيَلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله؛ فأمَّا الغيرة التي يحبها الله: فالغيرة في الريبة، وأمَّا الغيرة التي يبغض الله: فالغيرة في غير الريبة، والخُيَلاء التي يحبُّ الله: فاختيال الرجل بنفسه عند القتال واختياله عند الصدقة، والخيلاء التي يبغض الله: فاختيال الرجل في الفخر والبغي)) ؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي، والله أعلم.

* * *

الحديث الثالث عشر

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "كان أموال بني النضير ممَّا أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ممَّا لم يوجف المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركاب، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصًا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدَّة في سبيل الله عز وجل".

بنو النضير قبيلة كبيرة من اليهود وادَعَهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه إلى المدينة على ألَاّ يحاربوه ولا يعينوا عليه عدوَّه، وكانت أموالهم ونخيلهم ومنازلهم بناحية المدينة، فنكثوا العهد، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وكان ذلك على رأس ستة أشهر من وقعة بدر فصُولِحوا على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، وهي السلاح، فخرجوا إلى الشام ونزلت فيهم سورة الحشر، وتسمى (سورة النضير) .

ص: 402

قوله: "كان أموال بني النضير ممَّا أفاء الله على رسوله" قال الشافعي وغيره من العلماء: الفيء كل ما حصل للمسلمين ممَّا لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، وقال أبو عبيد: حكم الفيء والخراج والجزية واحد، ويلتحق به ما يُؤخَذ من مال أهل الذمة من العشر إذا اتَّجروا في بلاد المسلمين، وهو حق المسلمين يعمُّ به الفقير والغني، وتصرف منه أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية، وما ينوب الإمام من جميع ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، واختار البخاري أن مصرف الفيء راجع إلى نظر الإمام بحسب المصلحة وهو قول الجمهور، وقد قال الله - تعالى -:{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7]، إلى قوله:{وَالَّذِينَ جَاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] .

وفي الحديث جواز الادِّخار، وأن ذلك لا ينافي التوكل، وفيه جواز اتخاذ العقار واستغلال منفعته، والله الموفق.

* * *

الحديث الرابع عشر

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "أجرى النبي صلى الله عليه وسلم ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم يضمر من الثنية على مسجد بني

زريق، قال ابن عمر: وكنت فيمَن أجرى، قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل".

التضمير معروف، ومنه أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى، ثم يقلل علفها بقدر القوت، وتدخل بيتًا وتغشى بالجلال حتى تحمي فتعرق، فإذا جفَّ عرقها خف لحمها وقويت على الجري.

ص: 403

وفي الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرةٌ بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك.

قال القرطبي: لا اختلاف في جواز السابقة على الخير وغيرها من الدواب، وعلى الإقدام، وكذا الترامي بالسهام، واستعمال الأسلحة؛ لما في ذلك من التدريب على الحرب، وفيه جواز إضمار الخيل ولا يخفي اختصاص استحباب بالخيل المعدَّة للغزو، وفيه مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة، وفيه تنزيل الخلق منازلهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم غاير بين منزلة المضمر وغير المضمر ولو خلطهما لأتعب غير المضمر، اهـ.

* * *

الحديث الخامس عشر

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "عُرِضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ، وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في المقاتلة، وعُرِضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني".

اتفقوا على أن أحدًا كانت في شوال سنة ثلاث، وفي الحديث دليلٌ على أن مَن استكمل خمس عشرة سنة أُجرِيت عليه أحكام البالغين وإن لم يحتلم، وفيه أن الإمام يستعرض مَن يخرج معه للقتال قبل أن تقع الحرب، فمَن وجده أهلاً استصحبه وإلا ردَّه، والله أعلم.

* * *

الحديث السادس عشر

عنه - يعني: ابن عمر، رضي الله عنه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهمًا".

ص: 404

النفل يطلق ويراد به ما ينفله الإمام، ويطلق ويراد به الغنيمة، وهو المراد هنا.

قوله: "للفرس سهمين وللرجل سهمًا" وفي رواية: "جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا" وقال البخاري: وقال مالك: يسهم للخيل والبراذين منها؛ لقوله - تعالى -: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8] ، ولا يُسهِم لأكثر من فرس، اهـ، وهذا قول الجمهور، وقال أحمد:"يسهم لفرسين لا لأكثر"؛ لما روى الأوزاعي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يسهم للرجل أكثر من فرسين وإن كان معه عشرة أفراس"، قال ابن بطال: واسم الخيل يقع على البرذون والهجين، وعن أحمد: إن بلغت البراذين مبلغ العربية سوى بينهما، وإلا فُضِّلت العربية.

وفي الحديث حضٌّ على اكتساب الخيل واتخاذها للغزو؛ لما فيه من البركة وإعلاء الكلمة وإعظام الشوكة؛ كما قال - تعالى -: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ

} [الأنفال: 60] الآية، وبالله التوفيق.

* * *

الحديث السابع عشر

عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش".

فيه مشروعية تنفيل السرايا، وزاد مسلم:"والخمس واجب في ذلك كله"، وعن حبيب بن مسلمة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع بعد الخمس في بداءته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته"؛ رواه أحمد وأبو داود.

وقال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دلالة على أن لنظر الإمام مدخلاً في المصالح المتعلقة بالمال أصلاً وتقديرًا على حسب المصلحة على ما اقتضاه حديث حبيب بن مسلمة في الربع والثلث، فإن الرجعة لما كانت أشقَّ على الراجعين وأشد لخوفهم؛ لأن العدو قد كان نذر بهم لقربهم وهو على يقظة من أمرهم اقتضى زيادة التنفيل، والبداءة لما لم يكن فيها هذا المعنى اقتضى تنقيصه ونظر الإمام متقيد بالمصلحة

ص: 405

لا على أن يكون بحسب التشهِّي، وحيث يُقال: إن النظر للإمام، إنما يعني هذا؛ أعني: أن يفعل ما تقتضيه المصلحة لا أن يفعل على حسب التشهِّي، والله اعلم، انتهى.

* * *

الحديث الثامن عشر

عن أبي موسى عبد الله بن قيس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((مَن حمل علينا السلاح فليس منَّا)) .

قال الحافظ: معنى الحديث: حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق؛ لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم، وقال ابن دقيق العيد: فيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه.

قوله: ((مَن حمل علينا السلاح فليس منَّا)) قال بعض العلماء: معناه: ليس على طريقتنا، قال الحافظ: والأَوْلَى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرُّض لتأويله؛ ليكون أبلغ في الزجر، قال: والوعيد المذكور لا يتناول مَن قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة، وعلى مَن بدأ بالقتال ظالمًا، اهـ، والله أعلم.

* * *

الحديث التاسع عشر

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: "سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل) .

ص: 406

قوله: "يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء"، وفي رواية:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمَن في سبيل الله؟ "، قال الحافظ: فالحاصل أن القاتل يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب، وكلٌّ منها يتناوله المدح والذم؛ فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي.

قوله: ((مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) قال ابن عباس: كلمة الله: قول: لا إله إلا الله، قال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه، اهـ.

وفي الحديث أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، وفيه ذم الحرص على الدنيا وعلى القتال لحظ النفس في غير الطاعة، وفيه أن الفضل الذي ورد في المجاهدين مختصٌّ بِمَن قاتل لإعلاء دين الله، والله أعلم.

* * *

ص: 407