الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الحدود
الحديث الأول
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "قدم ناس من عُكْلٍ أو عُرَينة فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاحٍ، وأمَرَهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلمَّا ضحُّوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أوَّل النهار، فبعث في آثارهم، فلمَّا ارتفع النهار جيء بهم فأمر بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم وتركوا في الحرَّة يستسقون فلا يسقون، قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله"؛ أخرجه الجماعة.
(احتويت) البلاد إذا كرهتها وكانت موافقة واستوبأتها إذا لم توافقك.
(الحدود) : جمع حد، وأصله ما يحجز بين شيئين، وسُمِّيت عقوبة الزاني ونحوه حدًّا لكونها تمنعه المعاودة، أو لكونها مقدَّرة من الشارع، قال الراغب: وتطلق الحدود ويُرَاد بها نفس المعاصي كقوله - تعالى -: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] ، وعلى فعلٍ فيه شيء مقدَّر، ومنه:{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] ، وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سُمِّيت حدودًا، فمنها ما زجر عن فعله، ومنها ما زجر
عن الزيادة عليه والنقصان منه.
قوله: "قدم ناس من عُكْلٍ أو عُرَينة"، في رواية:"من عُكْلٍ وعُرَينة"، ولأبي عوانة:"كانوا أربعة من عُرَينة وثلاثة من عُكْلٍ"، قال الحافظ: وهما قبيلتان متغايرتان عُكْل من عدنان، وعُرَينة من قحطان: حي من بجيلة، وقدومهم سنة ست.
قوله: "فاجتووا المدينة"؛ أي: استوخموها وعظمت بطونهم، وفي رواية:"فقالوا: يا رسول الله، إنَّا كنَّا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف".
قوله: "فبعث في آثارهم"؛ أي: الطلب، وفي رواية:"أنهم شباب من الأنصار قريبٌ من عشرين رجلاً، وبعث معهم قائفًا يقتص آثارهم".
قوله: "وسمرت أعينهم" وفي رواية: "ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها"، ولمسلم:"إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة"، قال قتادة: بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
…
} [المائدة: 33] الآية، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمَن خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد ويقطع الطريق، قال الحافظ: والمعتمد أن الآية نزلت أولاً فيهم، وهي تتناول بعمومها مَن حارب من المسلمين بقطع الطريق، لكن عقوبة الفريقين مختلفة؛ فإن كانوا كفارًا يخيَّر الإمام فيهم إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: أحدهما وهو قول الشافعي والكوفيين ينظر في الجناية فمَن قتَل قُتِل، ومَن أخذ المال قُطِع، ومَن لم يقتل ولم يأخذ مالاً نُفِي، وجعلوا (أو) للتنويع، وقال مالك: بل هي للتخيير، فيُخَيَّر الإمام في المحارِب المسلم بين الأمور الثلاثة، ورجَّح الطبري الأول، انتهى.
وفي الحديث المماثَلة في القصاص، وفيه دليلٌ على طهارة أبوال الإبل وأبعارها، ويُقاس عليه مأكول اللحم من غيرها، وفيه قدوم الوقود على الإمام ونظره في مصالحهم، وأن كلَّ جسد يطب بما اعتاده، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما أنهما قالا: "إن رجلاً من الأعراب أتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلَاّ قضيت بيننا بكتاب الله فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقضِ بيننا بكتاب الله وَأْذَن لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((قل)) ، فقال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة
هذا فإن اعترفت فارجمها)) ، فغدَا عليها فاعترفت، فأمَر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجِمت".
قوله: "أنشدك الله"؛ أي: أسألك بالله، وضمن (أنشدك) معنى (أذكرك) فحذف الباء.
قوله: "فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه"؛ أي: لحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته وتأكيده السؤال؛ لأن حسن السؤال نصف العلم.
قوله: "إن ابني كان عسيفًا على هذا"، وفي رواية:"إن ابني هذا كان عسيفًا على هذا"، (العسيف) : الأجير، وسُمِّي عسيفًا لأن المستأجِر يعسفه العمل.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد الرجوع إلى كتاب الله نصًّا أو استنباطًا، وجواز القسم على الأمر لتأكيده، والحلف بغير استحلاف، وحسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه على مَن يخاطبه بما الأولى خلافه، وأن مَن تأسَّى به في ذلك من الحكام يحمد كمَن لا ينزعج بقول الخصم مثلاً: احكم بيننا
بالحق، وقال البيضاوي: إنما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله مع أنهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله؛ ليحكم بينهما بالحق الصرف لا بالمصالحة ولا الأخذ بالأرفق؛ لأن للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصمين؛ يعني: إذا لم يخالف الشرع.
وفيه أن مَن اعترف بالحدِّ وجب على الإمام إقامته عليه ولو لم يعرف شارَكَه في ذلك ويُستَفاد منه الحثُّ على إبعاد الأجنبي من الأجنبية مهما أمكن، وفيه جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، وفيه أن الحدَّ لا يقبل الفداء وإنما يجري الفداء في البدن كالقصاص في النفس والأطراف، وفيه أن العقود المخالفة للشرع باطلة مردودة، وفيه جواز الاستنابة في إقامة الحد، وفيه الرجوع إلى العلماء عند اشتباه الأحكام والشك فيها.
قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على أن ما يستعمل من الألفاظ في محلِّ الاستفتاء يتسامح به في إقامة الحد أو التعزير، فإن هذا الرجل قذف المرأة بالزنا ولم يتعرَّض النبي صلى الله عليه وسلم لأمر حده بالقذف وأعرَض عن ذلك ابتداء، ولعله يُؤخَذ منه
أن الإقرار مرَّة واحدة يكفي في إقامة الحد؛ فإنه رتَّب رجمها على مجرَّد اعترافها ولم يقيده بعدد، وقد يستدلُّ به على عدم الجمع بين الجلد والرجم فإنه لم يعرفه أنيسًا ولا أمر به اهـ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما قالا: "سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمَّة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: ((إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير)) .
قال ابن شهاب: ولا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة، والضفير: الحبل.
قوله: ((ولم تحصن)) ؛ أي: بالتزويج؛ وأمَّا قوله - تعالى -: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] ، فيفيد أن الحكم في حقِّهن من الجلد لا الرجم، فحَكَم زناها قبل الإحصان مأخوذ من السنَّة، وبعد الإحصان مأخوذ من الكتاب لأن الرجم لا يتنصَّف فاستمرَّ حكم الجلد في حقِّها.
وعن علي رضي الله عنه قال: "أقيموا الحدود على أرقَّائكم مَن أحصن منهم ومَن لم يحصن"؛ رواه مسلم.
قوله: ((إن زنت فاجلدوها)) الخطاب لِمَن يملك الأمَة، ففيه دليلٌ على أن السيد يُقِيم الحدَّ على مَن يملكه ولو لم يأذن له الإمام، وهو قول الجمهور، واستثنى مالك القطع في السرقة.
قوله: ((ثم بيعوها ولو بضفير)) قال ابن بطال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحضِّ على مباعدة مَن تكرَّر منه الزنا لئلَاّ يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا، وقال ابن العربي: يُرجَى عند تبديل المحلِّ تبديل الحال؛ لأن للمجاورة تأثيرًا في الطاعة والمعصية، وفي الحديث: أن مَن زنى فأُقِيم
عليه الحدُّ ثم عاد أُعِيد عليه، وفيه الزجر عن مخالطة الفسَّاق ومعاشرتهم، وفيه أن الزنا عيبٌ تنقص به القيمة عند كلِّ أحد.
* * *
الحديث الرابع
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه فتنحَّى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى ثنَّى ذلك عليه أربع مرات، فلمَّا شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:((أبِكَ جنون؟)) ، قال: لا، قال:((فهل أحصنت؟)) ، قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((اذهبوا به فارجموه)) ، قال ابن شهاب: فأخبرني
أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: "كنت فيمَن رجمه، فرجمناه بالمصلى فلمَّا أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه"، الرجل هو ماعز بن مالك.
قوله: "حتى ثنى"؛ أي: ردَّد، وفي حديث بريدة عند مسلم قال:((ويحك، ارجع فاستغفِر الله وتُبْ إليه)) ، فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله، طهِّرني.
قوله: ((أبِكَ جنون)) ، قال: لا، وفي حديث بريدة:"فأرسل إلى قومه فقالوا: ما تعلمه إلا وفيَّ العَقْلِ من صالحينا، وفيه: ((أشربت خمرًا)) ، قال: لا، وفيه: "فقام رجلٌ فاستنكهه فلم يجد منه ريحًا".
قوله: ((فهل أحصنت)) ؛ أي: تزوجت، وفي حديث أبي هريرة المذكور:((أَنِكْتَها؟)) ، قال: نعم، قال:((تدري ما الزنا؟)) ، قال: نعم، قال:((دخل ذلك منك في ذلك منها؟)) ، قال: نعم، قال:((كما يغيب المِرْوَد في المُكْحُلة، أو الرشاء في البئر؟)) ، قال: نعم، قال:((تدري ما الزنا؟)) ، قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما
يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال:((فما تريد بهذا القول؟)) ، قال: تُطهِّرني، فأمر به فرُجِم.
قوله: "فلمَّا أذلقته الحجارة"؛ أي: أقلقته هرب، وعند الترمذي: فلمَّا وجد مسَّ الحجارة فرَّ يشتد حتى مرَّ برجل معه لحى جمل فضربه وضربه الناس حتى مات.
وفي الحديث: أنه يستحبُّ لِمَن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها، ولا يُخبِر بها أحدًا، ويستتر بستر الله، واستدلَّ بقوله:"فلمَّا شهد على نفسه أربع شهادات" على اشتراط تكرير الإقرار بالزنا أربعًا، وتأوَّله الجمهور بأن ذلك وقع لزيادة الاستثبات، وفيه أن الإمام لا يشترط أن يرجم بنفسه ولا أن يبدأ بالرجم، وفيه أن الحدَّ لا يجب إلا بالإقرار الصريح، وفيه أن إقرار السكران لا أثر له.
قال الليث: يعمل بأفعاله ولا يعمل بأقواله؛ لأنه يلتذُّ بفعله ويشفى غيظه، ولا يفقه أكثر ما يقول؛ وقد قال - تعالى -:{لا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] .
وفيه التثبت في إزهاق النفس والتعريض للمُقِرِّ بأن يرجع، وفيه أن مَن اطَّلع على مثل ذلك يستر عليه، ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام.
وفي القصة أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال لهزال: ((لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك)) ؛ يعني: ممَّا أمرته به من إظهار أمره، قال ابن العربي: هذا محلُّه في غير المجاهر، فأمَّا إذا كان مُتظاهرًا بالفاحشة مُجاهِرًا فإني أحبُّ مكاشفته والتبريح به لينزجر هو وغيره، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنَيَا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟)) ، فقالوا:((نفضحهم ويُجلَدون)) ، قال
عبد الله بن سلام: كذبتم؛ إن فيها آية الرجم، فأتَوْا بالتوراة فنَشَروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يديه فإذا فيها آية الرجم، فقال: صدق يا محمد، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرُجِما، قال: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة".
قال رضي الله عنه: الذي وضع يده على آية الرجم عبد الله بن صوريا.
قوله: "فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنيَا" ولأبي داود عن أبي هريرة قال: "زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم: اذهبوا بنا إلى هذا النبي؛ فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد
في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة زنيا منهم".
قوله: "فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟)) ، فقالوا: نفضحهم ويجلدون"، وفي رواية:"نحمِّم وجوههم ونُخزِيهم"، وفي رواية:"ونخالف بين وجوههما ويُطَاف بهما".
قوله: "فإذا فيها آية الرجم" وقع بيان ذلك في حديث أبي هريرة: ((المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهما البيِّنة رُجِما، وإن كانت المرأة حُبلَى تربَّص بها حتى تضع ما في بطنها)) .
ولأبي داود عن جابر قالا: "نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها مثل الميل في المُكْحُلة رُجِما"، زاد البزار:"فإذا وجدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها وعلى بطنها فهي ريبة وفيها عقوبة"، قال: فما منعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل".
وفي حديث أبي هريرة: "فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ قال: زنى رجلٌ ذو قرابة من الملك فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل شريف فأرادوا رجمه فحال قومه دونه وقالوا: ابدأ بصاحبك، فاصطلحوا على هذه العقوبة".
قوله: "فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرُجِما" في حديث البراء: ((اللهم إني أوَّل من أحيَا أمرك إذ أماتوه)) .
وفي هذا الحديث من الفوائد: وجوب الحدِّ على الكافر الذي إذا زنى، وهو قول الجمهور، وفيه قبول شهادة أهل الذمَّة بعضهم على بعض، وفيه أن أنكحة الكفار صحيحة؛ لأن ثبوت الإحصان فرع ثبوت النكاح، وفيه أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها، وفيه اكتفاء الحاكم بترجمان واحد موثوق به، وفيه أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم ينسخ، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لو أن امرأً اطَّلع عليك بغير إذنٍ فحذفتَه بحصاةٍ ففقأتَ عينه ما كان عليك جناح)) .
قوله: ((فحذفته)) بالمهملة، وفي روايةٍ بالمعجمة.
قوله: ((ما كان عليك جناح)) ؛ أي: حرج، وفي روايةٍ لمسلم:((مَن اطَّلع في بيتِ قومٍ بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه)) ، وعند أحمد والنسائي:((ففقؤوا عينه فلا ديَة ولا قصاص)) ، وفي رواية:((فهو هَدَر)) .
قال يحيى بن يعمر من المالكية: لعل مالكًا لم يبلغه الخبر، وفي البخاري عن أنس:"أن رجلاً اطَّلع في بعض حُجَر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمِشْقَص أو بمشاقص وجعل يختله ليطعنه"، (المِشْقَص) : النصل العريض، وفي الحديث مشروعية الاستئذان على مَن يكون في بيت ومنع التطلُّع عليه.
قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث إشعارٌ أنه إنما يقصد العين بشيء خفيف كمدرى وحصاة؛ لقوله: فحذفته، قال الفقهاء: أمَّا إذا زرقه بالنشاب، أو رماه بحجر يقتله فقَتَله، فهذا قتل يتعلَّق به القصاص أو الديَة، والله أعلم.
* * *
باب حد السرقة
الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم"، وفي لفظ:"ثمنه".
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة رضي الله عنها: "أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تُقطَع اليد في ربع دينارٍ فصاعدًا)) .
الأصل في القطع بالسرقة الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ؛ أي: أيمانهما {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]، والسرقة: أخذ المال من حرز مثله على وجه الخفية والاستتار، قال ابن بطال: الحرز مُستَفاد من معنى السرقة، وقال الجمهور فيمَن سرق فقطع، ثم سرق ثانيًا تقطع رجله اليسرى، ثم إن سرق فاليد اليسرى، ثم إن سرق فالرجل اليمنى، ثم إن سرق عُزِّر وسُجِن، قال ابن عبد البر: ثبَت عن الصحابة قطع الرجل بعد اليد وهم يقرؤون: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، كما اتفقوا على الجزاء في الصيد في قتله خطأ وهم يقرؤون:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] ، ويمسحون على الخفَّين وهم يقرؤون غسل الرجلين، وإنما قالوا جميع ذلك بالسنَّة.
قوله: "قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم" وفي حديث عائشة أن يد السارق لم تقطع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن مجنٍّ: حجفة أو ترس، والمِجَنُّ: بكسر الميم ما يستتر به، والحجفة: الدرقة، قال ابن دقيق العيد: القيمة والثمن قد يختلفان، والمعتبر إنما هو القيمة، انتهى.
والحديث دليلٌ على أنه إذا سرق ثلاثة دراهم أو قيمتها من العروض وجب القطع، ولا يقطع فيما دون ذلك، وإن كان المسروق ذهبًا فلا قطع فيه حتى يبلغ ربع دينار، وفيه دليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن آية السرقة نزلت في سارق رداء صفوان بن أمية أو سارق المجنِّ، وعمل بها الصحابة في غيرهما من السارقين.
* * *
الحديث الثالث
عن عائشة رضي الله عنها: "أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: مَن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومَن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيدٍ حِبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلَّمه أسامة فقال: ((أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟)) ، ثم قام فاختطب فقال: ((إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف
تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) .
وفي لفظ: "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها".
هذه القصة وقعت في غزوة الفتح.
قوله: ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) أراد المبالغة في إثبات إقامة الحدِّ على كل مكلَّف وترك المحاباة في ذلك، قال الشافعي: ذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة.
وللنسائي في حديث ابن عمر: ((قُمْ يا بلال فخذ بيدها فاقطعها)) .
قوله: "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده"، وللنسائي:"كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده"، قال بعض العلماء: إن القصة لامرأة واحدة استعارت وجحدت، فقطعت للسرقة لا للعارية، قال القرطبي: يترجَّح أن يدها قُطِعت على السرقة لا لأجل جحد العارية، انتهى.
واستدلَّ بهذا اللفظ مَن قال من العلماء يقطع جاحد العارية، وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع في جحد العارية، ويؤيِّده حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم:((ليس على خائن ولا منتهِب ولا مختلس قطعٌ)) ؛ رواه الخمسة.
وفي هذا الحديث من الفوائد: منع الشفاعة في الحدود، وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله في أمره)) ؛ رواه أحمد وأبو داود.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه رفعه: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ وجب)) ؛ رواه أبو داود، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان أن يقيمها إذا بلغته، وفيه ترك المحاباة في إقامة الحد على مَن وجب عليه، ولو كان ولدًا أو قريبًا أو كبير القدر والتشديد في ذلك، وفيه جواز ضرب المثل بالكبير القدر للمبالغة في الزجر عن الفعل، وفيه الاعتبار بأحوال مَن مضى