المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: عصر ملوك سبأ - دراسات في تاريخ العرب القديم

[محمد بيومى مهران]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: مصادر التاريخ العربي القديم

- ‌أولًا: المصادر الأثرية

- ‌ثانيًا: المصادر غير العربية

- ‌أولًا: الكتابات اليهودية

- ‌ التوراة:

- ‌ كتابات المؤرخ اليهودي يوسف بن متى:

- ‌ثانيًا: كتابات الرحالة اليونان والرومان

- ‌ثالثًا: الكتابات المسيحية

- ‌ثالثًا: المصادر العربية

- ‌ القرآن الكريم:

- ‌ الحديث:

- ‌ التفسير:

- ‌ كتب السير والمغازي:

- ‌ الأدب الجاهلي:

- ‌ كتب اللغة:

- ‌ كتب التاريخ والجغرافية:

- ‌الفصل الثاني: تاريخ البحث العلمى في العصر الحديث في تاريخ العرب القديم

- ‌مدخل

- ‌أولًا: في جنوب شبه الجزيرة العربية

- ‌ثانيًا: في شمال شبه الجزيرة العربية

- ‌ثالثا: في شرق شبه الجزيرة العربية

- ‌مدخل

- ‌ البحرين:

- ‌ قطر:

- ‌ دولة الإمارات العربية:

- ‌ دولة الكويت:

- ‌الفصل الثالث: جغرافية شبه الجزيرة العربية

- ‌ موقع بلاد العرب:

- ‌التقسيم اليوناني والروماني لبلاد العرب

- ‌العربية الصحراوية

- ‌ العربية الصخرية:

- ‌ العربية السعيدة:

- ‌التقسيم العربى

- ‌مدخل

- ‌ اليمن:

- ‌ تهامة:

- ‌ الحجاز:

- ‌ نجد:

- ‌ العروض:

- ‌مظاهر السطح

- ‌مدخل

- ‌ الحرار:

- ‌ الدهناء:

- ‌ النفوذ

- ‌التضاريس:

- ‌ الجبال:

- ‌ الأنهار والأودية:

- ‌المناخ:

- ‌الموارد الطبيعية:

- ‌ المعادن:

- ‌ النبات:

- ‌ الحيوان:

- ‌طرق القوافل:

- ‌الفصل الرابع: لفظة العرب مدلولها وتطورها التاريخي

- ‌الفصل الخامس: العرب البائدة

- ‌مدخل

- ‌طبقات العرب:

- ‌العرب البائدة

- ‌مدخل

- ‌ عاد:

- ‌ ثمود:

- ‌ طسم وجديس:

- ‌ أميم:

- ‌ عبيل:

- ‌ جرهم:

- ‌ العمالقة:

- ‌ حضوراء:

- ‌ المديانيون:

- ‌الفصل السادس: بلاد العرب فيما قبل العصر التاريخي

- ‌الفصل السابع: دولة معين

- ‌ معين والمعينيون:

- ‌ عصر دولة معين:

- ‌ ملوك معين:

- ‌ أهم المدن المعينية:

- ‌موقع حضر موت:

- ‌الفصل التاسع: دولة قتبان

- ‌الفصل العاشر: دولة‌‌ سبأ

- ‌ سبأ

- ‌السبئيون والآراء التي دارت حول موطنهم الأصلي:

- ‌أدوار التاريخ السبئي الأربعة الرئيسية

- ‌مدخل

- ‌أولًا: عصر المكاربة

- ‌ثانيًا: عصر ملوك سبأ

- ‌ثالثًا: ملوك سبأ وذو ريدان

- ‌دويلات أوسان وسمعاي وأربع وجبان ومهأمر:

- ‌الفصل الحادى عشر: عصر الدولة الحميرية

- ‌مدخل

- ‌الاحتلال الحبشي لليمن:

- ‌اليمن في العهد الحبشي:

- ‌حركة التحرير والسيطرة الفارسية:

- ‌الفصل الثاني عشر: مكة المكرمة

- ‌ مكة: نشأتها وتطورها

- ‌ مكة في عصر قصي:

- ‌ مكانة مكة:

- ‌الفصل الثالث عشر: المدينة المنورة

- ‌مدخل

- ‌سكان المدينة

- ‌مدخل

- ‌ اليهود:

- ‌ العرب:

- ‌ غلبة الأوس والخزرج على يهود يثرب

- ‌من مدن الحجاز

- ‌الطائف

- ‌ تيماء:

- ‌ دومة الجندل:

- ‌ الحجر "مدائن صالح

- ‌الفصل الرابع عشر: الأنباط

- ‌مدخل

- ‌ملوك الأنباط:

- ‌البتراء:

- ‌الفصل الخامس عشر: اللحيانيون

- ‌الفصل السادس عشر: التدمريون

- ‌ مدينة تدمر وتطورها التاريخي:

- ‌ أذينة:

- ‌ الزباء:

- ‌الفصل السابع عشر: الغساسنة

- ‌مدخل

- ‌ملوك الغساسنة:

- ‌الفصل الثامن عشر: المناذرة

- ‌ مدينة الحيرة:

- ‌ ملوك الحيرة:

- ‌الفصل التاسع عشر: مملكة كندة

- ‌ كندة قبل عهد الملكية:

- ‌ ملوك كندة:

- ‌المراجع المختارة

- ‌المراجع العربية

- ‌ المراجع المترجمة إلى اللغة العربية

- ‌ المراجع الأجنبية

- ‌اختصارات

- ‌فهرس الموضوعات

- ‌للمؤلف

الفصل: ‌ثانيا: عصر ملوك سبأ

‌ثانيًا: عصر ملوك سبأ

لعل أهم ما يميز هذا العصر أمران: الأول: انتقال العاصمة من صرواح إلى مأرب، واتخاذ قصر "سلحين" الشهير قاعدة للعرش السبئي، والآخر: أن حكام سبأ بدءوا يتخلون عن لقب "مكرب"، ويتخذون بدلا عنه لقب "ملك"، وأما توقيت هذا العصر فموضع خلاف، فبينما يذهب "هومل" إلى أنه إنما كان في الفترة "650-115ق. م" -أو حتى عام 109ق. م، فيما يرى ريكمانز1- يذهب "فلبي" إلى أنه بدأ في عام 610ق. م، وأن "كرب إيل وتار" إنما كان في الفترة "620-610ق. م" مكربًا لسبأ، وليس ملكًا لها2، ويتجه "أولبرايت" إلى أن ذلك إنما كان بعد قرنين، وأن "كرب إيل وتار" قد حكم كملك في حوالي عام 450ق. م، وبالتالي فإن عهد ملوك سبأ إنما يبدأ في تلك السنة3.

وأيًّا ما كان الأمر، فالذي لا شك فيه أن "كرب إيل وتار" هو أول ملوك هذه الفترة، ومن الثابت تاريخيًّا أن هذا الأمير القوي الذي نستطيع أن نقول عنه إنه المؤسس الحقيقي للملكية السبئية كان يحتفظ كذلك بلقب "مكرب" المقدس، -كما احتفظ به الذين جاءوا من بعده- وربم كان لقب مكرب السبئي هذا أصلا لقب أمير قتبان4.

وكان "سمه علي ذريح" هو الملك الثاني5، وقد ذهب "فلبي" إلى أنه ربما كان ابنًا لسلفه، وأن حكمه قد بدأ حوالي عام 600ق. م6، ثم جاء من بعده ولده "الشرح"، ونقرأ في نص "Cih374" أنه أقام جدار معبد الإله الموقاة في محرم بلقيس في مأرب، ورمم أبراجه، وأدى ما كان قد نذره للموقاة ولعثتر وهوبس وذات حميم، وأنه أقام هذا النقش تخليدًا لذكرى والده "سمه علي ذريح"

1 فريتز هومل: المرجع السابق ص87، جواد علي 2/ 315.

2 J.B Philby، Op. Cit.، P.141

3 Jaos، 73، 1953، P.40. وكذا Basor، 137، 1955، P.38

4 فريتز هومل: المرجع السابق ص87-88.

5 Le Museon، Lxii، 1-4، 1949، P.249

6 J.P. Philby، Op. Cit.، P.142

ص: 254

هذا وقد سجل هذا الملك اسم شقيقه "كرب إيل"، الذي لا نعرف عنه شيئًا، وإن كان "هومل" -وفلبي من بعده- إنما جعلاه خليفة لوالده، بينما جعلا "الشرح" خليفة له، كما بدأ "فلبي" حكم "كرب إبل" هذا، بعام 580ق. م1.

وانتقل حكم سبأ بعد ذلك إلى "يدع إيل بين" الذي يرى بعض الباحثين أنه إنما حكم في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، معتمدين في ذلك على ذكر اسمه- وكذا حصن "إلو"- في نقش "جلازر 105" الذي يرون أنه يرجع إلى هذه الفترة2، وإن كان "فلبي" يرى أنه حكم في الفترة "560-540ق. م"3، فإذا كان ذلك كذلك، فإن سبأ لا بد وأن تكون قد فقدت نفوذها في شمال بلاد العرب في تلك الفترة من القرن السادس قبل الميلاد، لأننا نعرف أن "نبونيد""555-539ق. م"- ذلك الملك المثقف الذي اشتهر في التاريخ القديم بحبه للآثار وعنايته بها -قد قضى عشر سنوات في تيماء في شمال بلاد العرب4، بعد أن قام بحملته المشهورة التي أخضع فيها تيماء وديدان وخيبر وأتريبو "يثرب- المدينة المنورة" وكبد فيها العرب خسائر فادحة5، ثم أقام قصرًا في تيماء بقي فيه حينًا من الدهر، حتى أصبحت تيماء وكأنها قد غدت خليفة لبابل6، ولم يعد من تيماء إلا في عام 546ق. م، عندما دعاه رعاياه الذين كان على خلاف معهم طوال تلك الفترة التي قضاها في تيماء، وربما كانت عودته من هناك بسبب التهديدات الفارسية لبابل7.

وعلى أي حال، فلقد جاء بعد "يدع إيل بين" ولده "يكرب ملك وتار"، ولدينا من عهده نقش "هاليفي51"، وهو عبارة عن وثيقة موافقته على قانون

1 فؤاد حسنين: المرجع السابق ص292، وكذا D. Nielsen، Op. Cit.، P.87

وكذا J.B. Philby، Op. Cit.، P.142

2 فؤاد حسنين: المرجع السابق ص293

وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.19

3 فؤاد حسنين: المرجع السابق ص293.

4 A. Gardiner، Op. Cit.، P.363

5 C.J. Gadd، The Harran Inscriptions Of Nabonidus، P.35، 79-80

وكذا A.R. Burn، Persia And The Greeks، P.38

6 A. Musil، Op. Cit.، P.225. وكذا S. Smith، Op. Cit.، P.53، 88

وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.39

وكذا R.P. Doughterty، Nabonidus And Belshazzar، P.106

7 R. P. Dougherty، Op. Cit.، P.107

وكذا Cah، 4، P.494. وكذا A. Gardiner، Egypt Of The Pharaohs، P.363،

ص: 255

صدر أيام أبيه يبيح لشعب سبأ -وكذا لقبيلة "يهبلح"- حق استغلال أرض زراعية في مقابل ضريبة معينة تدفع للدولة، فضلا عن واجباتهما تجاه الخدمة العسكرية، في أيام السلم والحرب سواء بسواء، كما أشار القانون إلى وضع قبيلة "أربعان" التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي، ولها رؤساء يحملون لقب "ملك"1.

وجاء بعد ذلك "يثع أمر بين"، وقد جاء اسمه في عدة كتابات تتصل بتقديم قرابين للإله "بعل أوام" والإله "عثتر"، وإن كانت الكتابة التي سجلها "تبع كرب" كاهن الإلهة "ذات غضرن" تتحدث عن ثلاثة ملوك "يدع إيل بين، يكرب ملك، يثع أمر بين"، وعلى أي حال، فإن الكتابة إنما تروي قصة الدور الذي قام به صاحبها "تبع كرب"، كقائد عسكري، في الحروب التي أشعلت نيرانها قتبان ضد سبأ، إلا أن هذا القائد الكاهن نجح في أن يصد هجوم القتبانيين، وأن يسترد الأرضين التي استولوا عليها، وأن يضع شروطًا للصلح بين سبأ وقتبان، ثم يرسلها إلى "يثع أمر بين" في مأرب، حيث تمت الموافقة عليها، وأخيرًا يسجل هذا النص، ثم يضعه في معبد الإله الموقاة، المعروف عند السبئيين "بمعبد أوام بيت الموقاة" تمجيدًا لإله سبأ الكبير، وتخليدًا لذكرى عمله الجليل هذا2.

ثم جاء "كرب إيل وتار" ولدينا من عهده عدة كتابات، منها ما يتصل بطريقة جمع الضرائب -وهو أمر قد أوكل القيام به إلى رؤساء القبائل- ومنها ما يتصل بالأعمال الزراعية من بناء للسدود وحفر للقنوات، كما ورد اسم الملك مع اسم "سمه علي" في النص المعروف بـ"3Rep Epig".

وهناك كتابة ترجع إلى أيام "ذمار علي" بن "يدع إيل وتار" -وكذا اسم ابنه الذي ضاعت حروفه- وفيها ذكر لآلهة سبأ ومعين في نفس الوقت، فإذا ما تذكرنا أن الرجل من "ريمان""وهي عشيرة من سبأ" له بيت في "نمران""بيت نمران الحالية"، ومن ثم اختلط هؤلاء بالمعينيين، مما كان سببًا في ذكر آلهة

1 جواد علي 2/ 318، وكذا J. Halevy، In Ja، 1872، P.137

2 J. Halevy، Ja، Ii، 1874، P.581، 584

جواد علي 2/ 320

وكذا R.L. Bowen And F. Albright، Archaeological Discoveries In South Arabia، P.222

3 جواد علي 2/ 322، وكذا Rep، Epig، Vii، I، P.75، Ii، P.151

ص: 256

معين مع آلهة سبأ، وربما كان ملك سبأ هو الذي أسكن هذه الجماعة من الريمانيين عند "نشق" لحماية معين، وللدفاع عنها بعد أن خضعت لسبأ1.

وجاء بعد ذلك عدة ملوك منهم "الكرب يهنعم" و"كرب إبل وتار" ثم "أنمار يهأمن"، "أنمار يهنعم"، والذي حدد له "فلبي" الفترة "290-270ق. م"2، وإن ذهب "فون فيسمان" إلى أنه حكم في القرن الأول قبل الميلاد "حوالي عام 60ق. م"3، ثم جاء من بعده ولده "ذمار علي ذريح".

وانتقل العرش إلى "نشأ كرب يهأمن"، "نشأ كرب يهنعم"، وهناك ما يدل على أن تماثيل الإله "عثتر ذي ذب"، قد أصابها بعض التلف، وأنها قد رممت، وأن الرجل قد قدم إلى "تنف ربة غضران" أربعة وعشرين وثنًا، بغية أن تبعد الضرَّ عنه وعن أهل بيته، "بحق عثتر والموقاة، وبحق شمس تنف ربة ذي غضران"، وفي هذا دلالة على أن المعبد الذي قدمت فيه هذه الأصنام، إنما كان في "ذي غضران" وأنه قد خصص للإلهة "الشمس الفائقة" وأن كلمة "تنف" إنما هي صفة لها4.

وهناك نقش يشير إلى أن أعرابًا قد أغاروا على جماعة من السبئيين، وربما أرض سبأ نفسها، وأن الملك قد أرسل قوة من الجيش ومن الأهلين، إلى أرض هؤلاء الأعراب، نجحت في استرداد ما غنموه من أسلاب وأسرى، وأن صاحب النقش "أبو كرب بن أسلم" قد قدم تمثالين من البرونز للموقاة تخليدًا لذكرى هذا الحادث، وشكرًا للإله على نجاته، ويعد هذا النقش من أقدم نصوص المسند التي تشير إلى الأعراب وإلى غاراتهم على السبئيين وقوافلهم، وإن كنا لا ندري أين كانت مساكن هؤلاء الأعراب، ذلك لأن الأعراب موجودون في كل مكان في

1 Le Museon، 1964، 3-4، P.436

2 J.B. Philby، Op. Cit.، P.88 142f

3 H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.18

4 جواد علي 2/ 327: وكذا انظر: Handbuch، I، P.90

وكذا Osiander، In Zdmg، Xix، 1865، Ii، P.261

وكذا A. Jamme، Sabaen Inscriptions From Mahram Bilquis "Marib"، 1962، P.270

ص: 257

شبه الجزيرة العربية، ومنها اليمن1.

هذا ويتجه بعض الباحثين إلى اعتبار "نشأ كرب يهأمن" من قبيلة "همدان" معتمدين في ذلك على أن اسمه من الأسماء الهمدانية المعروفة، بينما يرى آخرون أنه من "بني جرت" من قبيلة "سمهر""سمهرام"، ويعارضون في أنه آخر الأسرة السبئية الحاكمة، بل ونراهم كذلك في ريب من أن أباه كان ملكًا فعليًّا في سبأ2.

هذا وتبين لنا النصوص أن الملك كان يقيم في "قصر سلحين" بمأرب، وأنه حكم في الفترة "175-160ق. م" -فيما يرى جام- وأنه كان يتقرب إلى "شمس تنف ربة غضران" حتى إبان إقامته في مأرب في قصر سلحين، مما يدل على أنه لم ينس آلهة قبيلته "بني جرت" وعلى رأسها الإلهة الشمس، ومن ثم فقد قدمها على الآلهة الأخرى بل وذكرها مع "الموقاة" إله سبأ الخاص3.

وجاءت بعد "نشأ كرب يهأمن" فترة ظلام، يرى "فلبي" أنها ثلاثون عامًا "230-200ق. م"4، جاء بعدها "نصرم يهنعم" على رأس طائفة جديدة من الملوك، وقد ذهب "فلبي" إلى أن "نصرم يهنعم" هذا، قد حكم حوالي عام 200ق. م5 وعلى أي حال، فهناك نصوص جاء فيها اسم الرجل بدون لقب "ملك"، كما أشار بعضها إلى "تالب ريام" رب معبد "حدثان" الذي ينتسب إليه الهمدانيون، وربما كان عدم وجود لقب ملك بعد اسم "نصرم يهنعم""ناصر يهأمن"، دلالة على أنه لم يكن ملكًا، وإنما كان أميرًا، ومن ثم فإن الدكتور جواد علي يرى أن الرجل -وكذا أخيه"صدقي يهب"- لم يكونا ملكين، وإنما كانا سيدين من سادات همدان، لهما سلطان واسع على قبيلتهما وفي سبأ، وربما كان "ناصر يهأمن" أميرًا على همدان، والأمر كذلك بالنسبة إلى أخيه، وأن السبب في تقديم "ناصر يهأمن" إنما كان لأنه

1 جواد علي 2/ 327-329

وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.31. وكذا Le Museon، 1967، 1-2، P.279

2 جواد علي 2/ 329-330، وكذا A.Jamme، Op. Cit.، P.272

3 جواد علي 2/ 330، وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.279، 290

4 J.B. Philby، Op. Cit.، P.142

5 J.B. Philby، Op. Cit.، P.142 وكذا J. Ryckmans، Op. Cit.، P.337

ص: 258

أكبر سنًا1، وأن الرجلين قد عاصرا "نشأ كرب يهأمن"، وبقيا حتى عصر "وهب إيل ويحز" ومن ثم فإن "نصر يهأمن" قد عاش فيما بين عامي 175، 150ق. م، على أساس أن "نشأ كرب يهأمن" قد عاش في الفترة "175-160ق. م" وأن حكم "وهب إيل يحز" كان فيما بين عامي 160، 145ق. م، فيما يرى "ألبرت جام"2.

وأيًّا ما كان الأمر، فإننا الآن أمام ظاهرة جديدة، تبدو واضحة من النصوص التي يتحدث فيها "ناصر يهأمن" وشقيقه "صدق يهب" بصراحة على أنهما من "همدان"، مما يشير إلى أن قبيلة همدان أصبح لها المكانة الأولى بين القبائل، حتى أن أمراءها أصبحوا يلقبون أنفسهم بلقب "ملك" متحدين بذلك سلطة ملوك سبأ الشرعيين3.

ويرجع الإخباريون نسب قبيلة همدان إلى "أوسلة بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة الخيار بن زيد بن كهلان" على رأي، وإلى همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان" على رأي آخر4، وترجع بطون همدان إلى حاشد وبكيل، فأما "حاشد" فتقع مواطنها في الأرض الغربية من همدان، وأما "بكيل" فإنما تسكن المنطقة الشرقية منها، وأن الاثنين "حاشد وبكيل" من نسل "جشم بن خيران بن نوف بن همدان"5، وقد اتخذت همدان من "تالب ريام" إلهًا لها، وسرعان ما ارتفع نجمه بارتفاع نجم همدان،

1 جواد علي 2/ 331-333، يحيى نامي: نشر نقوش سامية قديمة من جنوب بلاد العرب ص33-34، 52.

2 جواد علي 2/ 333، وكذا A.F.L. Beeston، Problems Of Sabaean Chronology، In Basor، 16، 1954، P.27-56

وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.277-78، 290.، وكذا D. Nielsen، Op. Cit.، P.88

3 جواد علي 2/ 334، وكذا Cih، 287. وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.278

4 ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ص392، تاريخ ابن خلدون 2/ 252، تاج العروس 2/ 547، ابن هشام 1/ 88 "طبعة مكتبة الجمهورية بمصر"، منتخبات ص110، الاشتقاق 2/ 250، نهاية الأرب للقلقشندي ص438، وكذا Ency. Of Islam، Ii، P.246

5 الإكليل 10/ 28، منتخبات ص27، 53، تاج العروس 2/ 232، 336، الاشتقاق 2/ 350، جمهرة أنساب العرب ص372،

وكذا D. Nielsen، Op. Cit.، P.113. وكذا Ency. Of Islam، Ii، P.246

ص: 259

واغتصابها لعرش سبأ، ومن ثم فقد أصبح الناس يتعبدون له، كما يتعبدون للموقاة إله سبأ، إلا أن الهمدانيين سرعان ما تنكروا لإلههم هذا، ومن ثم نراهم- كما يقول ابن الكلبي1- يتعبدون وقت ظهور الإسلام لصنم هو "يعوق" كان له بيت في "خيوان"، ويجعلون "تالب ريام" بشرًا زعموا أنه جد همدان، وأن أباه هو "شهران الملك"، ثم زوجوه من "ترعة بنت يازل بن شرحبيل بن سار بن أبي شرح يحصب بن الصوار"، وجعلوا له أولادًا منهم "يطاع" و"يارم"2، وهكذا لعب الخيال دورًا قد يرضي أهل الأخبار، ولكنه لا يتفق وحقائق التاريخ.

وعلى أي حال، وأيًّا ما كان نسب همدان، فإن "هومل" يقدم لنا "وهب إيل يحز" بعد "ناصر يهأمن"، وقد تابعه في ذلك "فلبي" الذي رأى أن حكمه كان حوالي عام 180ق. م، ونقرأ في نقش "جلازر 1228" إشارات عن حرب دارت رحاها بين "وهب إيل يحز"، وبين الريدانيين بقيادة "ذمار علي" بغية انتزاع عرش سبأ3، ولعل مما تجدر ملاحظته أن نص "جلازر 1228" هذا، إنما يشير، ولأول مرة، إلى مدينة "صنعاء""صنعو"، والتي سوف يرد اسمها بعد ذلك في نقشي "جام 629، 644"، ويبدو أنها كانت ضمن أراضي قبيلة "جرت" وعلى مسافة قريبة جدًّا من حدود أرض قبيلة "بتع"4.

ومن عجب، رغم أن هناك العديد من النصوص التي تشير إلى "وهب إيل يحز"، وإلى حروبه ضد الريدانيين، إلا أنه ليس هناك نص واحد يشير إلى أبيه، مما جعل البعض يذهب إلى أن أباه لم يكن ملكًا من الملوك -أو حتى قيلا من الأقيال البارزين- وإنما كان في غالب الظن واحدًا من عامة الناس، وأن ابنه "وهب إيل يحز" إنما نال ما ناله من قوة وسلطان عن طريق السيف، فربما كان واحدًا من

1 ابن الإكليل: كتاب الأصنام، القاهرة 1965 ص57.

2 الإكليل 8/ 66، ياقوت 3/ 1090110، 5/ 438، المحبر ص317، بلوغ الأرب 2/ 201 القاموس 3/ 270، تفسير ابن كثير 4/ 426، تفسير أبي السعود 5/ 198، تفسير الطبري 5/ 364، تفسير الخازن 4/ 314، البكري 2: 620، جواد علي 2/ 354-355.

3 Le Museon، 1967، 1-2، P.279

وكذا E. Glaser، Die Abessinier In Arabien Und Africa، P.67

4 Le Museon، 1964، 3-4، P.460

ص: 260

الثائرين على ملوك سبأ في زمن لا ندريه على وجه التحقيق، ثم كتب له نجح بعيد المدى في مسعاه، فانتزع العرش من أصحابه، ثم لقب نفسه بألقاب الملوك، بل وجعل والده واحدًا منهم، على أن الأمر لم يكن كذلك، إذ لو كان والده ملكًا لما غفلت النصوص عنه، إلا أن يكون ذلك ما يزال في باطن الأرض، ولعل الاكتشافات تأتي لنا بما يؤيد مزاعم "وهب إيل يحز"1.

وأيًّا ما كان الأمر، فلقد خلف "وهب إيل يحز" ولده "أنماريهأمن" الذي حدد له "جام" الفترة "145-130ق. م"، غير أن غالبية المؤرخين لم تشر إليهن ووضعت مكانة "كرب إيل وتار يهنعم"2، الذي ورد في النصوص اسم إله جديد من عهده لم يكن معروفًا من قبل، وهو الإله "ذو سماوي" أو "ذو سماي" أي صاحب السماء أو رب السماء3.

ونقرأ في نقش "جام 564" إشارات عن ثورة قامت في مأرب، ذلك لأن صاحب النص "أنمار""من غيمان" كان- وكذا "رثد""من مازن"- يحكمان من قصر سلحين في مأرب، بتفويض من الملك وبأمر منه، وأن هناك اضطرابًا وقع في المدينة ولمدة خمسة شهور، وأن الحاكمَين لم يستطيعا أن يعيدا الأمور إلى نصابها، إلا بعد الاستعانة بقوات من الجيش، هذا ورغم أن النص لم يشر إلى سبب هذه الاضطرابات التي ألحقت بالمدينة أكبر الأضرار، فربما كان السبب تعيين رجل من "غيمان" حاكمًا على العاصمة التي كان أهلها يكنون لهم أشد البغض، منذ وقعت الحروب بينهم وبين "غيمان" على أيام "أنمار يهأمن" شقيق "كرب إيل وتار يهنعم"، ومن ثم فربما ثارت العاصمة السبئية بسبب تعيين "أنمار" الغيماني، مطالبة بخلعه، وأن الملك قد رفض أن يجيب القوم إلى سؤلهم، ومن ثم فقد اشتدت نيران الثورة اشتعالا، ولم تستطع قوات الأمن القضاء عليها لمدة خمسة أشهر، مما اضطر الملك إلى أن يأمر بتدخل الجيش الذي أنهى الثورة4.

1 A. Jamme، Op. Cit.، P.280،

2 وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.281، 390

3 جواد علي 2/ 339، وكذا Zdmg، Xix، P.269

وكذا انظر: J. Halevy، Etudes Sabeennes، Ja، Ii، 1874، P.500

4 جواد علي 2/ 339-340، وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.44، 47، 280

وكذا Le Museon، 1967، 1-2، P.280

ص: 261

هذا، ويرى "ألبرت جام" أن حكم "كرب إيل وتار يهنعم" إنما كان في الفترة "130-115ق. م" أو في الفترة "115-100ق. م"، ومن ثم فإن حكم "وهب إيل يحز" وحكم ابنيه "أنمار يهأمن" و"كرب إيل وتار يهنعم" قد امتد فيما بين عامي 160، 115ق. م، أو "160-100ق. م"1.

بقيت كلمة أخيرة تتصل بمدينة "مأرب" عاصمة الدولة في هذه الفترة، وهي نفس المدينة التي جاءت في الآداب اليونانية والرومانية تحت اسم "ماريوبا" أو "مريابا2 "Mariaba"، ويرى البعض أن لفظة "مأرب" مأخوذة من "يارب" و"يرب" اللتين وردتا في التوراة، أو أنها آرامية الأصل مركبة من كلمتين "ماء"راب"، أي الماء الكثير أو السيل الكبير3، وقد توهم "ياقوت" -وتابعه كثيرون- أن سبأ هي مأرب، على أن الصحيح غير ذلك، فسبأ اسم البلاد والأمة، ولم تكن بلدًا أبدًا، كما توهموا أنها اسم لقصر كان للأزد باليمن، أو أنها اسم لكل ملك كان يلي سبأ، كما أن "تبعًا" اسم لكل من ولي اليمن والشحر وحضرموت4.

وتقع مأرب على مبعدة مائة كيلو متر على الشرق من صنعاء الحالية، وعلى ارتفاع 3900 قدم فوق سطح البحر، وتقوم بلدة مأرب الحالية فوق جزء مرتفع من كوم أثري كبير هو خرائب المدينة ذات الشهرة الذائعة الصيت في التاريخ، وقد قدم لنا "جوزيف توما أرنو" رسمًا تخطيطيًّا للمدينة القديمة، وذكر أنها مستديرة وبها ثمانية أبواب، إلا أن وصف "أرنو" إنما يحتاج إلى تعديل، فالمدينة مستطيلة -وليست دائرية- وأركانها مستديرة، وربما لم يكن في أسوراها إلا أربعة أبواب فقط، بوابة في وسط كل سور5.

على أن هناك من يرى أن مأرب -شأنها في ذلك شأن صرواح- إنما كانت في الأصل مدينة ذات بابين فقط6، ويبدو أن هناك أماكن كثيرة مكسورة في

1 A. Jamme، Op. Cit.، P.390

2 Pliny، Ii، P.467

3 جرجي زيدان: المرجع السابق ص148.

4 انظر ياقوت 3/ 181، 5/ 34-38، وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.54

5 أحمد فخري: المرجع السابق ص165-166، وكذا Ja، Iii، 1874، P.11

6 H.Von Wissman And M. Hofner، Op. Cit.، P.27

ص: 262

الجدران، اعتبرها "أرنو" أبوابًا، وسماها بالأسماء التي كان يطلقها عليها الأهالي في أيامه، أما الباب الرئيسي في المدينة فقد كان في السور الغربي، وهو الذي يسمى الآن باب المدينة، وما زالت بقاياه موجودة، وعلى كل من جانبيه آثار برج من الحجر، وفي السور البحري باب آخر، وهو الذي يستخدمه أهالي مأرب عند الخروج لدفن موتاهم، في الجبانة الواقعة في الناحية البحرية من الخرائب، ولهذا سموه باسمها، أي باب المجبنة1.

ومدينة مأرب- شأنها في ذلك شأن أغلب المدن الكبيرة في اليمن القديم- مدينة مسورة بسور قوي حصين له أبراج، تمكن القوم من الدفاع عن مدينتهم، وأن السور -طبقًا لما جاء في النقوش- قد بني من حجر البلق، وهو حجر صلد قُدَّ من الصخر، فوقه صخور من جرانيت، ومن أسف أننا لا نعرف حتى الآن من النقوش التي تم الكشف عنها في مدينة مأرب اسم الملك الذي أسسها، وربما كانت بعض أجزاء السور الحالي من السور القديم الذي بناه مكربو سبأ القدامى، ونعرف من نقوش كثيرة أن واحدًا منهم "ابن سمه علي ينوف" قد بنى حائطًا حول مأرب، كما نعرف من نقشي "جلازر 418، 419" أن "كرب إيل وتار""من القرن السابع ق. م" قد أضاف بعض الأجزاء إلى سور مأرب، كما بنى بوابتين وبعض الأبراج2.

ويروي الأخباريون أن مؤسس مدينة مأرب إنما هو "سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"3، كما أشرنا من قبل، ويروي الهمداني في الإكليل أنه كان بمأرب ثلاثة قصور "سلحين والهجر والقشيب" وأهم تلك القصور وأشهرها هو قصر "سلحين"، الذي تردد ذكره كثيرًا في كتب الأدب العربي على أنه قصر الملكة بلقيس، وكثيرًا ما أشاروا إلى أعمدته القائمة وقالوا إنها تحمل العرش، وإن قواعدها تحت الأرض مثل ارتفاعها فوقها، وهي 29 ذراعًا4، وأما خارج بلاد

1 أحمد فخري: المرجع السابق ص166-167.

2 أحمد فخري: المرجع السابق ص167، وكذا A. Fakhry، Op. Cit.، Iii، Pl. Xliv، A

3 ياقوت 3/ 181، تاج العروس 10/ 169، منتخبات ص47، بلوغ الأرب 1/ 207، تفسير روح المعاني 22/ 124.

4 أحمد فخري: المرجع السابق ص168، جرجي زيدان: المرجع السابق ص148، الإكليل 8/ 45، سعد زغلول عبد الحميد: المرجع السابق ص382،

وكذا Ency. Of Islam، Iii، P.282

ص: 263

العرب فقد جاء اسم قصر سلحين في ألقاب ملوك السيادة التي اتخذها ملوك أكسوم في نقوشهم، ومنها لقب "عيزانا" الذي اعتلى العرش حوالي عام 325م1.

ورغم أن هناك من يذهب إلى أن قصر سلحين إنما كان في الخرائب الواسعة في غربي المدينة، فمن الصعب علينا- اعتمادًا على أقوال الشعراء ومبالغات الكتاب العرب -تحديد هذا القصر الذي يسميه الكتاب العرب "قصر بلقيس"؛ ذلك لأن اليمنيين إنما اعتادوا أن يطلقوا اسم بلقيس على كثير من المعابد في "صرواح"، كما اعتادوا أن يطلقوا كذلك اسم "بلقيس" على معبد يبعد عن خرائب مدينة مأرب، بل إن اسم بلقيس كان يطلق أيضًا على آثار أخرى بعيدة عن منطقة أرض سبأ، مثل ما جاء في "معجم ياقوت" من أن عرش بلقيس اسم لمكان على مسيرة يوم من "ذمار"، حيث تقوم فيه ستة أعمدة من الرخام، ومن المرجح أنه يشير هنا إلى أحد المعابد التي كانت في مدينة "ظفار" عاصمة الحميريين2.

وهناك، وعلى مبعدة أربعة كيلو مترات إلى الجنوب الشرقي من مأرب الحالية، تقع خرائب معبد الإله الموقاة رب أوام، والمعروف "بحرم أو محرم بلقيس"، وقد زار هذا المعبد "أرنو وجلازر ونزيه العظم وأحمد فخري"، كما قامت بعثة المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان بالحفر في هذه المنطقة بالذات، ومن ثم فقد تم نقل كثير من النقوش، فضلا عما اكتشفته البعثة الأمريكية من بقايا معمارية هامة، هذا ويرى بعض الباحثين أن هذا المعبد -مثله في ذلك مثل معبد الموقاة في صرواح، ومعبد المساجد ببلاد مراد، والذي يقع على مبعدة 17 كيلو مترًا من مأرب- إنما تم بناؤه في القرن الثامن ق. م3.

وعلى أي حال، فطبقًا لأقدم نقوش الجدار الخارجي للمعبد4، فإن "يدع

1 موسكاتي: المرجع السابق ص225.

وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.27

2 أحمد فخري: المرجع السابق ص168، ياقوت 4/ 100-101.

3 أحمد فخري: المرجع السابق ص174، سعد زغلول عبد الحميد: المرجع السابق ص383، جواد علي 8/ 43-44، وانظر كذلك:

W. Phillips، Qataban And Sheba، 1955، P.256f

4 انظر عن ترجمة النقوش: N. Rhodokanakis، Studien، Ii، P.7ff

ص: 264

إيل ذريح" بن "سمه علي" ثاني مكاربة سبأ، هو الذي بنى سور هذا المعبد المسمى "معبد أوام"، وأنه قد كرسه لإله القمر الموقاة، كما يسجل نقش آخر في الناحية الغربية من السور أن "إيل شريح" بن "سمه علي ذريح" ملك سبأ، الذي حكم في القرن السادس ق. م""حوالي عام 570ق. م"، و"يثع أمر بين" بن "يكرب ملك وتار" الذي حكم حوالي عام 520ق. م، قد أتما بناء المعبد، هذا وهناك نقوش أخرى من عصور أحدث لملوك قاموا بأعمال خاصة في ذلك المعبد1.

على أن النقوش التي كشفت عنها البعثة الأمريكية في عام 1952م، على مقربة من باب المعبد، إنما ترجع إلى عصور متأخرة، وبعضها يرجع إلى القرنين الثالث والرابع بعد الميلاد، أي أن هذا المعبد ظل يؤدي وظيفته في عبادة الإله الموقاة في مأرب قرابة ألف من الأعوام2.

ولعل مما تجدر الإشارة إليه، أن هناك من يرى أن بقايا المعابد التي عثر عليها في روديسيا وفي أوغندة، إنما هي من المعابد المتأثرة بطراز معبد أوام "محرم بلقيس"، فإن بين هذه المعابد جميعًا شبهًا كبيرًا في طراز البناء وفي المساحة وفي الأبعاد كذلك3.

وهناك على مبعدة 1400م إلى الشمال الغربي من "محرم بلقيس"، وفي المنطقة المعروفة باسم "العمايد" نرى خمسة أعمدة قائمة، ارتفاع الواحد منها خمسة أمتار عن سطح الأرض، ومقاييس كل منها 82 × 63 سم، وقد أحاطت بها الخرائب من كل جانب، وطبقًا لما جاء في حجر مكتوب رآه "أرنو" عام 1843م، نعرف أن اسم معبد العمايد هو "باران"، وأنه -طبقًا لما جاء في نقش "جلازر 479"- قد شيد للإله الموقاة، وإن كانت الأعمدة الباقية- وكذا ما حولها من نقوش- لا تساعدنا على معرفة الملك الذي قام ببناء المعبد، أو حنى تحديد عصره بوجه عام، وليس أمامنا إلا الانتظار حتى تجري حفائر جديدة، قد نعرف منها ما هو في ضمير الغيب الآن4.

1 أحمد فخري: المرجع السابق ص174-175، وانظر:

R.L، Bowen And F. Albright، Archaeological Discoveries In South Arabia، 1958، P.215f

2 أحمد فخري: المرجع السابق ص175.

3 H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.28

4 أحمد فخري: المرجع السابق ص172، وكذا

H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.28

ص: 265