الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دويلات أوسان وسمعاي وأربع وجبان ومهأمر:
لعل من الأفضل هنا أن نتوقف قليلا -قبل الحديث عن الدولة الحميرية- لنشير إلى بعض الدويلات التي كان لها دور في الأحداث التي جرت في تلك الفترة من تاريخ بلاد العرب الجنوبية.
1-
أوسان:
رغم أن أوسان دويلة صغيرة في جنوب قتبان، لم تبلغ في موازين القوى المعروفة وقت ذاك "معين وقتبان وحضرموت وسبأ" شيئًا يخشاه الآخرون، فإنها قد انتهزت فرصة الضعف التي ألمت بدولة سبأ، بسبب ظهور قبائل أخرى على المسرح السياسي، مثل همدان وخولان وريدان وغيرها، فوطدت أقدامها في جنوب غرب بلاد العرب، ثم أخذت تنافس سبأ من ناحية، وحضرموت من ناحية أخرى، وسرعان ما مدت نفوذها خارج حدودها، فحكمت "دهس وتبنو وكحد"، وبل إن هناك من يحاول أن يرى في إطلاق مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأرتيري" على المنطقة شمال "بمبا Pemba" و"زنجبار" من الساحل الإفريقي للبحر الأحمر اسم "الساحل الأوساني"، دليلا على أن الأوسانيين قد حكموا تلك المنطقة، في فترة ترجع إلى ما قبل عام 400ق. م، ومن ثم فقد ذهب البعض إلى أن "أوسان" لا بد وأن تكون قوية وذات أرضين واسعة في العربية الجنوبية، حتى يمكنها أن تستولي على هذه المنطقة من الساحل الإفريقي1، فضلا عن أن يكون لها نشاط واسع معها في الميدان التجاري، والذي ربما كان من ميناء "عدن" الذي كان يتبع أوسان في تلك الفترة2
1 A. Grohmann، Op. Cit.، P.25. وكذا W. Schoff، Op. Cit.، P.22
وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.74
وكذا فؤاد حسنين: المرجع السابق ص298.
2 جواد علي 2/ 502، وكذا
R.L. Bowen And F. Albright، Archaeological Discoveries In South Arabia، 1958، P.39
ولعل من أشهر ملوك أوسان الملك "يصدق إل فرعم شرح عت"1 بن ود "ودم"، وقد دعا هذا اللقب بعض العلماء إلى القول بوجود فكرة تأليه الملوك في أوسان، وأن الرجل إنما كان يعتقد أنه من نسل الإله "ود"2 ومن ثم فقد اعتمد مؤرخو الأيدان على هذه الحالة كدليل على قيام مملكة للإله في بلاد العرب الجنوبية، ونحن نعرف أن "ود" هو الإله القومي لأوسان ومعين، كما أن "عم" كان إله قتبان" و"سين" معبود حضرموت، وأما الموقاة "المقة" فهو إله سبأ3، هذا وقد خصص الأوسانيون معبدهم الرئيسي في "وادي نعمان" للإله "ود"4.
وعلى أي حال، فهناك من يذهب إلى أن الملك "يصدق إل فرعم شرح عت" إنما كان في النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد، وحتى حوالي عام 450ق. م معتمدين في ذلك على أن طرز اللباس التي تكسو تمثال الملك، إنما هي طرز يونانية ترجع إلى ما قبل منتصف القرن الخامس ق. م، وأنه وصل من اليونان إلى أوسان عن طريق غزة5، إلا أن "جاكلين بيرين" قد ذهبت إلى أن أوسان كانت مملكة في أخريات القرن الأول ق. م، أو بعد الميلاد بقليل، وأن حكم الملك "يصدق إل فرعم شرح عت" بن "ودم" إنما كان حوالي عام 24ق. م6.
وهناك بعض الملوك في أوسان نكاد لا نعرف عنهم غير أسمائهم، ومنهم "معد إيل سلحان بن ذي يدم" أو "زيدم" و"عم يثع غيلان لحي"، الذي وجد اسمه محفورًا على تمثال من المرمر7.
ونقرأ في نقش النصر في صرواح -كما رأينا من قبل- عن "مارتو" ملك أوسان الذي اجتاحت قوات سبأ في عهد "كرب إيل وتار" بلاده، وقتلت منهم
1 فؤاد حسنين: المرجع السابق ص298-299.
2 نفس المرجع السابق ص199، وكذا D.S. Margoliouth، Op. Cit.، P.9
وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.58
3 Ibid.، P.58. وكذا I. Shahid، Op. Cit.، P.9
4 H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.58
5 Ibid.، P.8، 58، 69، 70، 142. وكذا Le Museon، 1964، 3-4، P.442
6 J. Pirenne، Op. Cit.، P.138، 199. وكذا Le Museon، 1964، 3-4، P.442
7 جواد علي 2/ 501-502.
16 ألف رجل، وأسرت أربعين ألفًا، فضلا عن احتلالها لعدة مواضع في أوسان1 هذا ويذهب "فلبي" إلى أن حكم "مارتو" إنما كان في الفترة "620-600ق. م" ليكون معاصرًا لـ "كرب إيل وتار"2، وإن رأى البعض أن "مارتو" إنما حكم حوالي عام 450ق. م3، وربما كان بعد ذلك بقليل، وعلى أي حال فإن دولة أوسان قد انتهت على يد "الشرح يحصب" في حوالي عام 115ق. م، فيما يرى "فلبي"4.
2-
سمعاي:
وهي قبيلة همدانية سكنت المنطقة ما بين حاشد وحملان وفي الحجر5، وهي إمارة أو مشيخة قوية انتحل سادتها لقب "ملك" وتمتعوا بشيء من الاستقلال لا ندري مداه، ولا الفترة التي حدث فيها هذا الاستقلال، ولعل أهم أمرائها "يهعان ذبيان" و"سمه افق" اللذين جاء ذكرهما في نقش "جلازر 302"6.
3-
أربع:
وهي قبيلة كان يلقب شيوخها بلقب "ملك"، عرفنا منهم "نبط إيل" و"لحي عثت بن سلحان" و"عم أمن" والذي كان معاصرًا لملك سبأ "يثع أمر بين"، على أننا يجب ألا نفهم من لفظة ملك هنا، المعنى المعروف من الكلمة، ذلك لأن أربع لم تكن مملكة بالمعنى المفهوم، وإنما كانت قبيلة لها شيوخ يتمتعون بشيء قليل أو كثير من الاستقلال في حدود أرض قبيلتهم، وإن خلعوا على أنفسهم لقب "ملك"7.
1 انظر: أحمد فخري: المرجع السابق ص163-164، وكذا Ktb، I، P.283
وكذا J.B. Philby، Op. Cit.، P.144
2 J.B. Philby، Op. Cit.، P.144
3 H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.8
4 J.B. Philby، Op. Cit.، P.144
5 D. Nielsen، Op. Cit.، P.132
6 جواد علي 2/ 410-411.
7 جواد علي 2/ 406-407، وكذا Le Museon، 1949، Lxii، 3-4، P.249
وكذا Ktb، I، P.74
4-
جبان:
يحدثنا "بلينيط عن قوم دعاهم "الجبانيين Gebbanitae" يملكون عدة مدن، لعل أهمها "نجية Nagia" و"تمنة Thamna" وأن بالأخيرة خمسة وستين معبدًا1 وأن اللبان والكندر لم يكن يسمح بتصديره إلا بواسطة هذه المملكة، وإلا بعد دفع ضرائب يحددها، وأما المر فكان الملك يأخذ منه لنفسه ربع الغلة، كما كان يحتكر بيع القرفة2.
وربما كان الجبانيون هؤلاء من قتبان، وأنهم استقلوا في فترة لا تبعد كثيرًا عن أيام "بليني""32-79م"، وأن مواطنهم لا تبعد كثيرًا عن قتبان، فهي إلى الجنوب الشرقي منها على رأي، وإلى الغرب منها على رأي آخر، ويذهب بعض الباحثين إلى أنهم من "جبأ" التي وصفها الهمداني، بأنها مدينة المعافر، وأنها كورة المعافر، في فجوة بين جبل صبر وجبل ذخر في وادي الضباب3.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن أستاذنا الدكتور عبد العزيز صالح قد عقد مقارنة بين "الجنبتيو""Gnbtyw" الذين ورد ذكرهم في حوليات الإمبراطور المصري العظيم "تحوتمس الثالث""1490-1436ق. م"، على أنهم جاءوا يحملون هداياهم أو منتجاتهم من الكندر "البخور" وصمغ كاي "؟ "، وبين هؤلاء "الجبانيين""Gebbanitae" والذين كانوا ينتشرون في جنوب شبه الجزيرة العربية وحتى باب المندب، ويتاجرون في الكندر، كما أن ذكر بليني لهم ولدولتهم في وقت كانت فيه هذه الدولة قد أصبحت جزءًا من دولة سبأ وحمير "أي في القرن الأول الميلادي"، يدل على أن مصدر معلوماته إنما يرجع إلى مصدر مبكر.
1 جواد علي 2/ 506-507
وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.50
وكذا Pliny، Vi، 154، Vol.، 2، P.453f
2 جواد علي 2/ 506، وكذا Pliny، Xii، 69، Vol. Iv، P.51
3 الهمداني: صفة جزيرة العرب ص54، 99، ياقوت 2/ 96-97
وكذا Encyclopaedia Of Islam، 2، P.810-812
وهنا ربما يعترض البعض على أن الجبانيين لا يرجعون إلى هذه الفترة المبكرة "عصر تحوتمس الثالث"، على أساس أن أقدم سجلات مكتوبة من بلاد العرب لا ترجع إلى ما قبل القرن العاشر ق. م، غير أن هذا لا ينفي وجود القوم كجماعة في وقت أقدم بكثير من كتاباتهم ومدنهم، وقد أثبت "وليم أولبرايت" أن هجرة القبائل المسماة بالقبائل السينية من شمال بلاد العرب إلى جنوبها، إنما حدث قبل عام 1500ق. م، أي قبل عصر تحوتمس الثالث.
أما الأسباب التي دفعتهم إلى تقديم هداياهم إلى العاهل المصري، فربما كانت ترجع في الدرجة الأولى إلى الرغبة في حماية تجارتهم عبر طرق تجارة البخور التي كانت تمر في أراضي إمبراطورية تحوتمس الثالث الآسيوية الإفريقية1.
5-
مهأمر:
وهي إمارة مقرها "رجمت""رجمة"، انتحل سادتها لقب ملك، وربما جاءت أهميتها في أنها تقع على طريق القوافل التي تصل "معين" والعربية الجنوبية من ناحية، ومصر من ناحية أخرى2، ويذهب بعض الباحثين إلى أن "رجمت" تقع الآن في أرض نجران، أو في مجاوراتها من ناحية الشمال، وربما كانت واحدة من مدن نجران، وأن نجران نفسها لم تكن في الأصل مدينة معينة، وإنما هي أرض تضم عدة مدن، ومنها "رجمت" التي تحول اسمها بمرور الزمن إلى نجران" وأن هناك الكثير من الأمثلة على ذلك في العربية الجنوبية3.
هذا ويذهب "موردتمان" إلى أن "رجمت" ربما كانت "رعمة" في التوراة، وهو الابن الرابع لكوش، يقول سفر التكوين:"وبنو كوش سبأ وحويلة وسبته ورعمة وسبتكا"، ثم يرى بعد ذلك أن المقصود "بكوش" هنا، العربية الجنوبية،
1 Abdel Aziz Saleh، The Gnbtyw Of Thutmosis Iii، Annales And The South
Arabian Gebbanitae Of The Classical Writers، Bifa O،Lxxii، 1972، P.246-262
2 H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.9-10
3 J.B. Philby، Arabian Highlands، 1952، P.257
وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.10
وأن من أولاد كوش، سبأ وديدان، وأن تجار "رعمة" قد ذكروا في سفر حزقيال مع تجار سبأ1، وبدهي أن "موردتمان" لم يفعل سوى أن ردد ما جاء في توراة اليهود2، من إدعاء كذوب، يسلب أغلب العرب ساميتهم، فالعربية الجنوبية وبابل وآشور وكنعان ويبوس ومصر وغيرها من الشعوب العربية، إنما هم جميعًا -في نظر توراة يهود- حاميون3.
1 جواد علي 2/ 507-509، تكوين 10: 7، أخبار أيام أول: 1: 9، حزقيال 27: 22
وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.11
2 تكوين 10: 6-20.
3 انظر مقالنا "الساميون والآراء التي دارت حول موطنهم الأصلي "مجلة كلية اللغة العربية -العدد الرابع، الرياض 1974، ص245-271.