الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثًا: ملوك سبأ وذو ريدان
يتميز هذا العصر الثالث من تاريخ سبأ، والذي يطلق عليه أحيانًا "عصر الدولة الحميرية الأولى"، بأن الملوك قد حملوا فيه لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، ولعله يعني -كما أشرنا من قبل- إشارة إلى ضم ريدان إلى سبأ، وربما يشير إلى دولة قتبان أو حمير1، غير أن أستاذنا الدكتور سعد زغلول إنما يرى أن الريدانيين هم الذين حققوا الوحدة بعد انتصارهم على السبئيين، والقرينة على ذلك انتقال مركز الحكم إلى مدينتهم "ظفار" عاصمة الدولة المتحدة2.
وعلى أي حال، فإن المؤرخين مختلفون في بداية هذه الفترة، فهناك من يذهب إلى أن بدايتها إنما كانت في حوالي عام 118ق. م أو عام 115ق. م، وربما في عام 109ق. م3، بينما يرى آخرون أن "الشرح يحصب" أول من حمل هذا اللقب من السبئيين، إنما حكم في أخريات القرن الأول قبل الميلاد، إبان حملة "إليوس جالليوس" الروماني على اليمن في عام 24ق. م4، ومن ثم فإن لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، إنما كان في أخريات القرن الأول ق. م، وليس في أخريات القرن الثاني ق. م5، وبالتالي فإن عام 115ق. م أو عام 109ق. م الذي يرى البعض أن الحميريين قد اتخذوه تقويمًا ثابتًا يؤرخون به، لأنه العام الذي قامت فيه الدولة الحميرية6، أمر يحتاج إلى إعادة نظر، فقد يكون له صلة بحادث ما غير قيام الدولة، وأن هذا الحادث كان من الأهمية بحيث جعله القوم مبدأ تقويم يؤرخون
1 Irfan Shahid، Pre-Islamic Arabia، In Chi، I، P.9
2 سعد زغلول عبد الحميد: المرجع السابق ص193.
3 J.B. Philby، Op. Cit.، P.97
4 انظر عن هذه الحملة: فؤاد حسنين: المرجع السابق ص300-301، مقالنا:"العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة"، مجلة كلية اللغة العربية- العدد السادس ص287-437، الرياض 1976، وكذا A. Sprenger، The Campaign Of Aelius Gallus، Jras، 1873.
5 D. Nielsen، Op. Cit.، P.89
وكذا H. Von Wissmann And Hofner، Op. Cit.، P.142
6 عن مبدأ التقويم الحميري: انظر: E. Glaser، Op. Cit.، I، P.3
وكذا F. Hommel، Geschichte Sudarabiens، I، 1937، P.96
وكذا Le Museon، 1964، 3-4، P.407-427، 429-430
به، ولهذا رأينا بعض الآراء تذهب إلى أنه ربما كان تاريخ سقوط معين تحت سيادة سبأ بينما رأى آخرون أن هذا العام "عام115ق. م، أو 109ق. م" هو عام انتصار سبأ على قتبان، وضمها إلى حكومة سبأ، وأن "ريدان" هنا إنما هو قصر ملوك سبأ ومقر حكمهم، ونظرًا لأهمية هذا العام، فقد اتخذه القوم مبدأ تأريخ وبداية تقويم، على أننا لو أخذنا بهذا التفسير، لكان ظهور لقب ملوك سبأ وذي ريدان" في حوالي عام 30ق. م، ففي هذا العام -فيما يرى البعض- كان حكم "الشرح يحصب" و"شعر أوتار"1.
وهنا علينا أن نعود مرة أخرى إلى عهد "وهب إيل يحز" وولديه "أنماريهأمن" و"كرب إيل وتار يهنعم" حيث نجد أن الحكم إنما ينتقل إلى ملك آخر من همدان هو "يريم أمين، ونقرأ في نقشي "جلازر 1359، 1360" أن "يريم أيمن" إنما يقدم ولاءه للإله "تالب ريام"، على توفيقه في المهمة التي كلف بها من قبل "كرب إيل وتار يهنعم"، في التوفيق بين ملوك سبأ وذى ريان وحضرموت وقتبان، وذلك بعد الحروب التي استعر أوارها بينهم، مما يدل على أن حربًا ضروسًا قد قامت في العربية الجنوبية في هذه الفترة، وأن "يريم أيمن" قد كتب له نجحًا بعيد المدى في إطفاء نيران هذه الحرب، وهو لا يعدو أن يكون "قيلا" من الأقيال، ومن ثم فقد نال حظوة لدى العامة، وهيبة لدى الحكومات، مما مهد الطريق أمامه لينازع ملك سبأ عرشه، بعد حين من الدهر2. ونقرأ في نقش دونه أحد أقيال قبيلة "سمعي" عرف بـ "Wien 669" ويتصل بنذر للإله "تالب ريام" يطلب فيه- بجانب البركة لقومه وسلامة حصن ريمان- أن يبارك في "يرم أيمن" و"كرب إيل وتار" ملكي سبأ، وأن يهلك أعداءهما، وأن ينزل سخطه على من يريد بهما شرًّا3.
ويرى "فون فيسمان" أن "يرم أيمن" كان معاصرًا لـ "أنمار يهأمن" و"كرب إيل وتار يهنعم"، وأن الأخيرين كانا معاصرين لـ "شمر يهرعش" الأول من ملوك
1 جواد علي 2/ 416-417، وكذا D. Nielsen، Op. Cit.، P.89
2 جواد علي 2/ 358-359، وكذا J. Halevy، Revue Semitique، Iv، 1897، P.76
وكذا Chi، 315، Iv، I، P.346
3 جواد علي 2/ 360، وكذا Rep، Epig، 4190، Vii، I، P.131
وكذا LE MUSEON، 1967، 1-2، P.282
حمير أصحاب ظفار، كما يرى أن "كرب إيل وتار يهنعم" معاصرًا "لكرب إيل بين" ملك سبأ الشرعي في مأرب، وأن "يرم أيمن" كان معاصرًا لـ"مرثد يهقبض" من "جرت ومرثد" الذي ذكر بعد "نبط يهنعم" آخر ملوك قتبان، ولـ "يدع إيل بين" ملك حضرموت، وأخيرًا فإنه يرى أن حكم "يرم أمين" إنما كان في الفترة "130-140م"1.
وأيًّا ما كان الأمر فلسنا ندري على وجه التحقيق، متى أعلن يرم أيمن نفسه ملكًا على سبأ؟ وربما كان ذلك في عهد "كرب إيل وتار يهنعم" وأنه استمر يحمل اللقب حتى وفاته، فخلفه ولده "علهان نفهان" الذي عاصر، كرب إيل وتار يهنعم وابنه "فرعب ينهب2، هذا ويفرق "نشوان الحميري" بين "علهان" و"يهفان" ويرى أنهما أخوان ولدا "ذى بتع بن يحصب الصوار"3.
وعلى أي حال، فإن المؤرخين مختلفون في فترة حكم "علهان نهفان" هذا، فبينما ذهب "فلبي" إلى أنها كانت حوالي عام 135ق. م4، يذهب "ألبرت جام" إلى أنها كانت في الفترة "85-65ق. م"5، هذا إلى أن آخرين يرون أنها كانت في النصف الأول من القرن الأول ق. م6، بل إن "وليم أولبرايت" إنما يحددها بعام 60ق. م7، وأخيرًا فإن "فون فيسمان" يذهب بعيدًا عن الآخرين، فيرى أنها كانت في حوالي عام 160م8، والأمر كذلك إلى "أدولف جرومان" الذي جعل حكم ابنه "شعر أوتر" في حوالي عام 50 أو 60م، وهذا يعني أن "علهان" إنما كان يحكم في القرن الأول الميلادي9.
1 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.498
2 جواد علي 2/ 361-361، وكذا LE MUSEON، 1967، 1-2، P.281
3 نشوان بن سعيد الحميري: ملوك حمير وأقيال اليمن - القاهرة 1378هـ ص56-57 منتخبات ص75.
4 J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.142
5 A. JAMME، OP. CIT.، P.390
6 H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.113
7 BASOR، 119، 1950، P.9
8 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.498
9 A. GROHMANN، OP. CIT.، P.28
وأيًّا ما كان الأمر، فإن "علهان" قد نجح في أن ينتحل لقب "ملك سبأ"، وإن كانت النصوص التي تشير إلى ذلك لا ندري شيئًا عن تأريخها، كما أننا لا ندري متى أشرك "علهان" ولده "شعر أوتر" معه في الحكم، فهناك من النصوص ما يشير إلى أن الرجلين قد حملا لقب "ملك سبأ"، وربما كانت القلاقل التي كانت تمر بها البلاد، والخصومات التي كانت تسود العلاقات بين حكام سبأ وحضرموت وحمير والحبشة، هي السبب في ذلك1.
وعلى أي حال، فلقد نجح "علهان" في أن يضم إلى جانبه "يدع أب غيلان" ملك حضرموت، ومن ثم فقد وجه جهده ضد الحميريين حتى انتصر عليهم في "ذات العرم"2، ثم اتجه بعد وفاة "يدع أب غيلان" إلى عقد معاهدة مع "جدرة" ملك الحبشة، والذي كان فيما يرى فون فيسمان -يسيطر على ساحل البحر الأحمر الشرقي من ينبع حتى عسير، فضلا عن باب المندب3.
وانفرد "شعر أوتر" بالحكم، وهناك ما يشير إلى أنه حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، وإن كانت بعثة "وندل فيلبس" قد عثرت على كتابة ترجع إلى أوائل عهده، نشرها الدكتور خليل يحيى نامي، بدأت بجملة "شعر أوتر ملك سبأ بن علهان نهفان ملك سبأ"، وفيها إشارة إلى حرب ربما امتدت إلى أرض حمير، وقد انتصر فيها، ومع ذلك كله فإن نص "جلازر 1371" يشير إلى أن كلا من "علهان نهفان" وولده "شعر أوتر" قد حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، مما يدل على أن اللقب قد ظهر على أيام "علهان"، وليس على أيام ابنه "شعر أوتر"4.
ونقرأ في نص "Ch 334" إشارات عن حرب شنها "شعر أوتر" ضد ملك
1 جواد علي 2/ 365، وكذا انظر: REP، EPIG، 4216
وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.290
2 جواد علي 2/ 366-367
وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.113
وكذا LE MUSEON، 1964، 3-4، P.466-68
3 جواد علي 2/ 368، وكذا LE MUSEON، 1964، 3-4، P.470-71
4 جواد علي 2/ 370، وانظر: مجلة الآداب- جامعة القاهرة -المجلد 22، العدد الثاني- القاهرة 1965 ص53، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.295
وكذا LE MUSEON، 1967، 1-2، P.271
حضرموت وانتصر فيها1، ويرى الدكتور جواد علي أن "شعر أوتر" قد وجه جيشًا من السبئيين والحميريين، ومن قبائل أخرى إلى حضرموت للقضاء عليها، وقد نجح في أن ينزل خسائر فادحة بقوات "العز" ملك حضرموت بعد معركة مريرة دارت رحاها في "ذات غيل"، وحين أعاد الملك الحضرمي الكرة أصيب بهزيمة أخرى، وهنا قام الردمانيون بهجوء مفاجئ على قوات "شعر أوتر" ولكنهم لم يفلحوا في إيقاع الهزيمة بها2.
ونعرف من نصي "جام 636، 637" أن "شعر أوتر" قد انتصر على الحضارمة واستولى على عاصمتهم "شبوه"، ومن ثم فقد قدم لمعبد" أوام" تمثالا، تعبيرًا عن شكره له، واعترافًا بفضلهن هذا ونعرف كذلك من نص "جام 632" أن جيش "شعر أوتر" قد استولى على "شبوه"- وكذا على "قنا" ميناء حضرموت الرئيسي- بل إن هناك ما يشير إلى أن الهجوم على حضرموت قد تم عن طريق البر والبحر معًا، وأن مدينة "قنا" إنما هوجمت عن طريق البحر3.
ونقرأ في نص "Geukens" أن الردمانيين -كما أشرنا آنفًا- قد اهتبلوا فرصة انشغال "شعر أوتر" بمحاربة الحضارمة وانقضوا عليه من المؤخرة، وأنهم، وإن لم ينجحوا في إيقاع الهزيمة به، فقد كبدوه خسائر ليست بالقليلة، وفي نفس الوقت أغار الأحباش -وربما باتفاق مع بني ردمان- على جيش شعر أوتر كذلك، فضلا عن الإغارة على أرضين تابعة له، وألحقوا بهما أضرارًا بالغة4، وطبقًا لما جاء في نقش "جام 631" فإن "شعر أوتر" قد أوكل إلى قائده "قطبان أوكان" أمر الانتقام من الأحباش، ومن ثم فإن هذا القائد سرعان ما توجه إلى "بني ردمان" وأنزل بهم من العقاب ما يستحقون، جزاء وفاقًا لما ارتكبوه من خيانة للملك "شعر أوتر"، ثم اتجه بعد ذلك إلى الأحباش، وبمساعدة من قوات سبئية جاءت تعينه على مهمته هذه، نجح في حصارهم، ثم في مهاجمتهم على غرة، ثم أعمل السيف فيهم،
1 H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.113
2 جواد علي 2/ 373، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.300
3 A. JAMME، OP. CIT.، P.134، 139، 226
4 جواد علي 2/ 376، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.301
وكذا G. RYCKMANS، INSCRIPTIONS SUD-ARABES، IN LE MUSEON، XII، 1942، P.297-308
حتى اضطرهم آخر الأمر إلى أن يتركوا منطقة ظفار، وأن يتجهوا إلى المعاهر "معهرتن"، ثم سجل ذلك كله شكرًا للموقاة، داعيًا إياه أن يحفظ سيده "لحيعثت يرخم" ملك سبأ وذي ريدان وأن يمد في عمره، وأن يقهر أعداءه، وأن يبارك له ولأهله1.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أمور عدة في هذا النص، منها "أولًا" أن الملك إنما أمر قائده أن يسير على رأس قوة إلى أرض الحبشة هنا؟ يحارب فيها "جدرة" ملك الحبشة وأكسوم، فماذا يعني النص بأرض الحبشة هنا؟ أهي الأرض الإفريقية المعروفة؟ أم موضعًا في العربية الجنوبية؟ إن الدكتور جواد علي يرى أنها أرض الحبشة في إفريقيا، وذلك لأن "جدرة" لم يكن يقيم في بلاد العرب، وإنما في إفريقيا، هذا فضلا عن أن الأحباش الذين كانوا في بلاد العرب إنما كانوا تحت قيادة "بيجث" ولد النجاشي، وليس النجاشي نفسه، ثم يفترض بعد ذلك أن "قطبان أوكان"، ربما أبحر من "الحديدة" إلى السواحل الإفريقية، وباغت القوم هناك بغزو غير متوقع، ثم جمع ما استطاع الاستيلاء عليه، وعاد سريعا ليشترك في المعارك التي دارت رحاها ضد "بيجت" ومن معه من قوات2، وفي الواقع أن هذا الرأي قد يبدو مقبولا في ظاهره، إلا أن التكتيك العسكري قد يرفضه، ذلك لأنه من الخطورة بمكان أن يجازف جيش "شعر أوتر" بهذه المغامرة غير المأمونة العواقب، في وقت تدق الحرب طبولها في اليمن نفسها، ثم كيف أمكن تحديد الإبحار من "الحديدة" بالذات، وأخيرًا فإننا لا نملك دليلا تاريخيًّا يؤكد زعم الدكتور جواد علي هذا، بخاصة وأن هناك من يشك في أن "جدارة" كان ملكًا أفريقية، بل ربما كان زعيما لفرقة من الأحباش كانت تقيم في بلاد العرب نفسها3.
ومنها "ثانيًا" أن "فون فيسمان"4 قد استدل من عدم ذكر اسم الملك "شعر أوتر" في نهاية النص، فضلا عن وجود اسم لحيعثت يرخم "كملك لسبأ وذى
1 جواد علي 2/ 370-377، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.132
وكذا LE MUSEON، 1964، 3-4، P.475
2 جواد علي 2/ 378.
3 عبد المجيد عابدين: بين الحبشة والعرب ص24، "القاهرة 1947".
4 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.475
ريدان" على أن "شعر أوتر" قد مات في أثناء تدوين النص، وأن "لحيعثت يرخم" قد خلفه على العرش.
ومنها "ثالثًا" أن النص لم يقل لنا شيئًا عن مصير "بيجت" ابن ملك الحبشة وأكسوم، بعد هزيمته في ظفار وفي أرض معافر، فربما بقي في أرض المعاهر، وأن الجيش السبئي لم يكتب له نجحا في تطهير هذه الأرض من الأحباش، ومن ثم فقد بقوا فيها بعد انتهاء المعارك، بل إن نقش "جام635" ليحدثنا عن معارك دارت رحى الحرب فيها خلف "مدينة نجران" بين جيش "شعر أوتر" والأحباش، وربما كان في ذلك إشارة إلى أن "نجران" إنما كانت في أيدي الأحباش في تلك الأونة1.
هذا ويشير نفس النقش "جام635" إلى أن "شعر أوتر" قد كلف "أبا كرب أحرس" بقياة جيش من "خولان حضل" وبعض أهل نجران وبعض الأعراب، لمحاربة المنشقين من بني يونم "بني يوان" ومن أهل قريتم "قرية لبني كهل" وأن الرجل قد نجح في مهمته إلى حد كبير، ويرى بعض العلماء أن "بني يونم" إنما هم قوم من اليونان استوطنوا بلاد العرب، وقد جاء ذكرهم في نص "جلازر 967" وأنهم كانوا يحالفون "قرية" بني كهل هذه، ومن ثم فقد هبوا لمساعدتهم ضد "شعر أوتر"2.
وأيًّا ما كان الأمر، فليس من شك في أن "شعر أوتر" قد نجح في السيطرة على غالبية الحكومات والأقيال في العربية الجنوبية، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في العربية الغربية، والتي تطل على سواحل البحر الأحمر، حيث كان الأحباش أصحاب النفوذ فيها3، وأما فترة حكمه، فقد كانت- فيما يرى "ألبرت جام"- في الفترة "65-55ق. م"، كما كان شقيقه "حيوعثتر يضع" في الفترة "55-50ق. م" ثم يبدأ السلطان ينتقل من أسرة "يرم أيمن" إلى أسرة "فرعم ينهب"، والتي بدأت
1 جوادعلي 2/ 378-380، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.135-6، 303-304
وكذا A. SPRENGER. OP. CIT.، P.63
2 جواد علي 2/ 381، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.138
وكذا LE MUSEON، 1964، 3-4، P.374
وكذا A. JAMME، SOUTH ARABIAN INSCRIPTIONS، PRINCETON، 1955، P.503
LE MUSEON، 1964، 3-4، P.475
حكمها في مجاورات "صنعاء"، ثم سرعان ما أصبحت صاحبة سبأ وذي ريدان1.
وليس من شك في أن النص "Cih 398" من النصوص الهامة في تاريخ سبأ، ذلك لأنه يتحدث عن "شعر أوتر" كملك لسبأ وذي ريدان، وفي الوقت نفسه يتحدث عن "الشرح يحصب" وأخيه "يأزل بين"، بصفتهما ملكي سبأ وذي ريدان، وهذا يعني ببساطة أن الملوك الثلاثة، إنما كانوا يحملون في آن واحد لقب "ملك سبأ وذي ريدان"2.
وقد أثار هذا النص جدلا طويلا بين العلماء، فذهبت آراؤهم فيه مذاهب شتى، وكذا في معاصرة "علهان نهفان" لـ "فرعم ينهب"، فضلا عن حكم "شعر أوتر"و"لشرح يحصب" وشقيقه، وبدهي ألا يكون مقبولا أن تكون "مأرب" عاصمة لـ "شعر أوتر" و"الشرح يحصب" وشقيقه في نفس الوقت، وأن يكون الثلاثة قد حكموا حكمًا مشتركًا، رغم ما بين أسرتيهما من تنافس قديم، فضلا عن أن يحمل الجميع لقب "ملك سبأ وذي ريدان" برضى من الثلاثة.
وقد ذهب فريق من الباحثين إلى أن النص لا يشير إلى أن الثلاثة قد حكموا في آن واحد، إنما يشير إلى أن "الشرح يحصب" وأخاه، قد حكما بعد "شعر أوتر"، وهنا فالأمر لا غرابة فيه، وذهب فريق ثان إلى أن حكم الأخوين إنما كان مستقلا عن "شعر أوتر"، وأنهما كانا يعتبران نفسيهما خلفين شرعيين لأبيهما "فرعم ينهب"، وذهب فريق ثالث إلى أن "فرعم ينهب" قد اتخذ من منطقة تقع إلى الغرب من "مأرب" مركزًا لنفوذه، وأن ولديه قد خلفاه عليها، وحين سنحت الفرصة لهما اتخذا لقب، "ملك سبأ وذي ريدان" بعد اختفاء "شعر أوتر" وأخيه "حيو عثتر يضع" -الذي شاركه في حمل اللقب- من مسرح الأحداث، وإن كان ملكهما إنما كان مقصورًا على جزء من المملكة3.
1 A. JAMME، SABAEAN INSCRIPTIONS FROM MAHRAN BILQUIS، P.390
2 J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.95
3 جواد علي 2/ 383-384، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.305
وكذا J. RYCKMANS، OP. CIT.، P.297
وكذا A.F.L. BEESTON، PROBLEMS OF SABAEAN CHRONOLOGY، IN BASOR، 16، 1954، P.53
على أن هذه الألقاب الملكية التي كان يحملها "شعر أوتر" و"الشرح يحصب" وأخيه "يأزل بين"، فضلا عن "لعززم يهنف يصدق"، والذي رأى فيه بعض الباحثين ملك "ظفار" ومجاوراتها، هذا إلى جانب ملك خامس يدعى، "لحيعثت يرخم"، كل ذلك يدل على أن واحدًا لم يستطع أن يحمل اللقب بمفرده، وأن هناك آخرين ينازعونه سلطانه، وربما استطاعوا آخر الأمر انتزاع العرش نهائيًّا، كما فعل "الشرح يحصب" وأخوه1.
أضف إلى ذلك أن النصوص من تلك الفترة، إنما تدل على أن البلاد كانت تمر بفترة اضطراب وقلق، وأن الحرب ما تكاد تضعب أوزراها في مكان، حتى تدق طبولها في مكان آخر، ثم تشتعل نيرانها في مكان ثالث، وفي أغلب الأحايين كانت سجالا بين المتحاربين، وأن المغلوب منهم، سرعان ما يعود بعد حين، فيقف على قدميه ويحمل سيفه من جديد، على أن الخاسر الوحيد فيها دائمًا، إنما كان هو الشعب، يدفع ثمنها من دمه وماله، حيث تساق العامة منه إلى ميدان القتال فتسمع وتطيع، وإلا صب عليها من العذاب ألوانًا، أشد قسوة من أهوال الحروب، وفي كل ذلك لا هدف يرجي إلا إشباع شهوات الحكام، وإرضاء رغباتهم في تحقيق أمجاد شخصية، سرعان ما تزول بعد رحيلهم عن هذه الدنيا، وربما في أحايين كثيرة قبل أن يرحلوا إلى عالم الآخرة.
وإلى هذه الفترة العصيبة من تاريخ اليمن، ترجع -فيما يرى كثير من الباحثين- حملة الرومان على العربية الجنوبية، فإذا كان ذلك كذلك، فإن ملوك سبأ وذي ريدان ما كانوا بقادرين على صدها، فالفرقة من ناحية، وضعف الإمكانيات من ناحية أخرى إنما يقفان حجر عثرة في سبيل ذلك.
ويحدثنا التاريخ أن الرومان بعد أن استولوا على أرض الكنانة، بعون من الأنباط، استطاع به "يوليوس قيصر" أن يقبض على ناصية الأمور في الإسكندرية عام 47ق. م2، بدأ الرومان في نفس الشيء بالنسبة إلى بلاد العرب، وهكذا كان مشروع حملة "إليوس جالليوس" عام 24ق. م، للاستيلاء على اليمن، لكثرة
1 جواد علي 2/ 387-388. وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.134، 306
2 جواد علي 2/ 40، وكذا DIE ARABER، I، P.360
وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.541
وكذا MURRY، THE ROCK CITY PETRA P.101
خيراتها، ولاحتكارها طرق النقل التجاري بين العالم، ولجعل البحر الأحمر، بحرًا رومانيًّا، وللقضاء على المنافسة العربية الخطيرة، والتي كان الملاحون الروم يعملون لها ألف حساب عند اجتيازهم باب المندب، أو عندما ترسو سفنهم على بعض المواني في تلك المناطق1. ولو تم المشروع على نحو ما حلم به "أغسطس" "31ق. م-14م" لكان حكم روما قد بلغ العربية الجنوبية، وربما سواحل أفريقية كذلك، إلا أن سوء تقدير الرومان له، واستهانتهم بطبيعة بلاد العرب وعدم إدخالهم في حسابهم قساوة الطبيعة هناك، وعدم تمكن الجيوش الرومانية النظامية من المجابهة فيها، وتحمل العطش والحرارة الشديدة، كل هذه الأمور أدت إلى خيبة المشروع منذ اللحظة الأولى، فكانت انتكاسة شديدة في هيبة روما، وفي مشاريعها التي أرادت تنفيذها في شبه الجزيرة العربية2.
على أن "سترابو" مؤرخ الحملة، إنما يرجع فشلها إلى خيانة "صالح" -الوزير النبطي الذي صاحب الحملة كدليل لها-، بأن أقنع قائدها بتعذر الوصول إلى اليمن برًّا، لعدم وجود عدد كاف من الجمال، مما عرض الحملة لمخاطر جسيمة عند عبورها البحر الأحمر، فضلا عن عدم طرق برية لمرور الجيش الروماني، وكان صالح -فيما يرى سترابو- يهدف من ذلك إلى إضعاف الروم وإذلالهم، فضلا عن إضعاف القبائل العربية نفسها، ليكون سيد الموقف يتصرف فيه كيف يشاء ومتى شاء3، وهكذا عمل صالح "سيلئيوس" إلى السير بالحملة في طريق مقفر، وفي أرضين لا زرع فيها ولا ماء، مما أدى في نهاية الأمر إلى فشل الحملة، وإلى أن يحكم الروم على صالح بالإعدام4.
وأيًّا ما كانت الأسباب في فشل الحملة، التي تعد أول -بل وآخر- غارة ذات بالٍ، قصدت بها دولة أوربية اكتساح داخل الجزيرة العربية، فإن
1 جواد علي 2/ 43، وكذا O'LEARY، OP. CIT.، P.74-5
وكذا PLINY، II، P.415، 6، 101
2 أحمد فخري: المرجع السابق ص141، جواد علي 2/ 43-44.
3 جواد علي 2/ 45، وكذا J. PIRENNE، OP. CIT.، P.93F
وكذا STRABO، XVI، IV، 23-24
4 ERE، 9 P.121. وكذا EI، 3، P.801 وكذا O'LEARY، OP. CIT.، P.75
الحملة استطاعت أن تحدث بعض الخراب والدمار في نجران ونشق وكمناء ومأرب ولوق، وربما حريب، وهي أبعد مدينة وصلتها الحملة1.
ومن الغريب أن المصادر العربية الجنوبية، قد التزمت الصمت التام إزاء هذه الحملة، وقد تساءل "إدوارد جلازر" عن سبب سكوت هذه المصادر عن حملة لا بد وأنها قد تركت أثرًا بعيد المدى في نفوس السبئيين -بل وفي غيرهم من قبائل اليمن والحجاز -ثم رأى بعد ذلك أن نص "هاليفي 535" إنما يتحدث عن حرب دارت رحاها بين "ذ شمت" و"ديمنت"، وربما كان المراد بالأولين الرومان، وبالآخرين السبئيين، ومن ثم فإن النص إنما يتحدث عن حملت "إليوس جالليوس" هذه، على أن الدكتور جواد علي إنما يستبعد هذا الرأي، ويرى أن سر الحملة ربما كان لا يزال تحت التراب، وإن كانت الحفريات قد فشلت حتى الآن في العصور على شيء يتصل بها، كما فشل هاليفي وفلبي في العصور على شيء يميط اللثام عنها2.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن الروم بعد أن فشلت حملتهم هذه، بدءوا يغيرون سياستهم نحو العربية الجنوبية، فتخلوا نهائيًّا عن السيطرة العسكرية، وإن اتجهوا في الوقت نفسه نحو تقوية أسطولهم في البحر الأحمر، ويقول سترابو أنهم كانوا يرسلون سنويًّا ما لا يقل عن 120 سفينة إلى الهند، وهو عدد لم يتعودوا إرساله فيما مضى، كما عثر في الهند على نقود رومانية، أضف على ذلك أن وجود معبد لأغسطس في "موزيريس" بساحل "مالابار" يدل على أن عددًا غير قليل من التجار اليونان والرومان كان يقيم هناك3.
هذا وقد عمل الروم في نفس الوقت على تقوية علاقاتهم بالعربية الجنوبية، فاحتلوا ميناء عدن إبان حكم "كلاوديوس""41-54م"، أو قبله، وهكذا كان
1 فؤاد حسنين: المرجع السابق ص300-301
وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.31-4
وكذا O'LEARY، OP. CIT.، P.78. وكذا J. PIRENNE، OP. CIT.، P.112
2 جواد علي 2/ 58، وكذا J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.32
وكذا E. GLASER، OP. CIT.، P.65
3 فضلو حوراني: المرجع السابق ص75.
التحالف مع أمير ظفار، مقرونًا بوجود حامية رومانية في "عدن"، أمرًا لا شك في أنه كان ضمانًا كافيًا لسلوك العرب الجنوبيين مسلكًا طيبًا، يضمن للروم نفوذًا تجاريًّا في عدن1. وإن كان الرومان -دون شك- لم يحتلوا جنوب شبه الجزيرة العربية في يوم من الأيام2.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن عهد ملوك سبأ وذي ريدان، إنما يبدأ حقيقة إبان النزاع بين "الشرح يحصب" وأخيه "يازل بين" من ناحية، وبين "شعر أوتر" من ناحية أخرى، وليس من شك في أن المصادر الإسلامية إنما تحدثت عن "الشرح يحصب" أكثر من غيره من ملوك تلك الفترة، أو التي سبقتها، فصاحب الإكليل يسميه "إلى شرح يحصب" وينسب إليه بناء قصر غمدان، وأن "بقليس" ابنته، فضلا عما ينسبه إليه من شعر مزعوم كالعادة3، وأما "ياقوت الحموي"، فيدعوه "ليشرح بن يحصب"، كما ينسب إليه كذلك -نقلا عن ابن الكلبي- بناء قصر غمدان4، ولم يفت "ابن جرير" أن ينسب إليه بلقيس، وإن كان "حمزة الأصفهاني" قد جعلها حفيدته؛ لأنها فيما يزعم- "بنت هداد بن شراحيل"5، والذي يعني به "الشرح يحصب".
ولا ريب في أن القول بأن "الشرح يحصب"، كان أبًا لبلقيس التي عاصرت سليمان، أمر غير مقبول، فالأخير قد عاش في القرن العاشر ق. م، وأن الشرح يحصب -طبقًا لأعلى التقديرات- إنما كان في القرن الثاني ق. م، وإن تأخر البعض به إلى القرن الرابع الميلادي، هذا فضلا عن أن القرن العاشر قبل الميلاد، إنما هو تاريخ متقدم جدًّا -في نظر بعض الباحثين- لقيام دولة سبأ نفسها، حتى على أيام المكاربة، وليس الملوك، فضلا عن أن يكون ذلك على عهد "ملوك سبأ وذي ريدان" الذي ينتمي إليهم "الشرح يحصب".
1 نفس المرجع السابق ص79-80.
2 أحمد فخري: المرجع السابق ص142، وكذا
JACQUELINE PIRENNE، LA GRECE، ET SABA، PARIS، 1955
وانظر: مقالنا "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة" ص416-420.
3 الإكليل 2/ 86، 8/ 19، 24.
4 ياقوت 4/ 210، وانظر: ملوك حمير وأقيال اليمن ص168.
5 حمزة الأصفهاني: تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء ص83، ملوك حمير وأقيال اليمن ص74، تاريخ الطبري 1/ 489، قارن: ياقوت 4/ 210.
ويبدو أن الشرح كان محاربًا، اشترك في كثير من المعارك، ونقرأ في نقش "جلازر 119" أنه غزا حمير وحضرموت وعاد بالكثير من الغنائم والأسرى، وهو ما يزال في درجة "كبير"،1 ويبدو أن الحميريين كانوا في تلك الفترة قوة فعالة في السياسة العربية الجنوبية، وأنهم كانوا لا يهتمون كثيرًا في أن يحاربوا في جانب هذا الفريق أو ذاك، وأما حضرموت فكانت تقف في جانب "شعر أوتر" ضد "الشرح يحصب"، ونقرأ في نقوش "جام 574، 575، 590، 595" عن حرب نشبت في النصف الأخير من القرن الأول قبل الميلاد، بين "الشرح يحصب" وأخيه "يازل بين" من ناحية، وبين الأحباش من ناحية أخرى، وأن الشرح يحصب وأخاه، قد انتصرا على الأحباش في "وادي سهام" و"وادي سردد" -على مبعدة 40 كيلو مترًا إلى الشمال من الحديدة -وفي غير ذلك من المناطق التي كان يوجد فيها أحباش2.
وتشير نقوش "جام 578، 580، 581، 589" إلى حرب دارت رحاها بين "الشرح يحصب" وأخيه، وبين "كرب إيل ذي ريدان" وحلفائه في أرض "حرمة" وفي "عروش" أو بلاد العروش -وتقع على مبعدة 95 كيلوا مترًا إلى الجنوب الغربي من مأرب -وكذا في موقع يحمل نفس الاسم في منتصف المسافة بين صرواح وذمار، وغير ذلك من الأماكن، ونقرأ في نقش "جام 586" أن الشرح يحصب قد سحق عصيانًا قامت به حمير، وأنزل بها خسائر فادحة، والأمر كذلك بالنسبة إلى قوات "كرب إيل"، ويسجل نقش "جام 576" انتصار الشرح يحصب على ملك كندة وحلفائه من إمارة "خصصتن"، وكذا على قوات حبشية، وعلى عشائر
1 جواد علي 2/ 423، وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.310
وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT. P.18
وكذا LE MUSEON، 1964، 3-4، P.459
2 جواد علي 2/ 424-427، وكذا HANDBUCH، I، P.92
وكذا D.S. MARGOLIOUTH، TWO SOUTH ARABIAN INSCRIPTIONS، P.1
وكذا J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.94
وكذا A. JAMME، OP. CIT.، P.60، 64، 310-311، 316
وكذا H. VON WISSMANN AND M. HOFNER، OP. CIT.، P.38
وكذا عبد المجيد عابدين: المرجع السابق ص24-26.
حمير بقيادة "شمر ذي ريدان"1.
ويفهم من نص "Cih 314" أن "شمر ذي ريدان" من حمير -وكانت عاصمته ظفار -قد نازع الشرح يحصب عرشه، وأنه استعان في ذلك بالأحباش، إلا أنه لم يحقق نجاحًا فيما أراده2، هذا ويشير الدكتور جواد علي إلى أن في النص إشارات إلى تدخل الحبشة في شئون العربية الجنوبية وقت ذاك، وإلى وجودهم في مواضع من الساحل، وإلى تكوينهم مستعمرات فيها، تتمون من الساحل الإفريقي المقابل، وربما كان الروم على اتفاق مع الأحباش، يوم أرسلوا حملة "إليوس جالليوس" على اليمن عام 24ق. م، وربما اشترطوا أن يسهل الأحباش مهمة الحملة في العربية الجنوبية، وأن يقدموا لها المساعدات اللازمة، وأن يتعاونوا جميعًا في الأمور السياسية والاقتصادية، وفي مقابل ذلك على الروم أن يضمنوا مصالح الحبشة في العربية الجنوبية3.
ويبدو من النصوص أن الأحباش إنما كانوا يغيرون سياستهم نحو العربية الجنوبية طبقًا للظروف، فهم مرة مع الحميريين، وتارة عليهم، وهم مرة ثالثة في حلف مع "شعر أوتر"، ومرة رابعة ضده، وهم في مرة خامسة على علاقة طيبة مع "الشرح يحصب"، ثم مرة سادسة من ألد أعدائه، وهكذا كانت سياستهم قلقة غير مستقرة، بسبب الاضطرابات التي كانت تسود العربية الجنوبية، ولكنها في كل الأحوال، إنما كانت تخضع لمصالح الأحباش أولًا وأخيرًا، وتهدف إلى بسط سلطانهم على العربية الجنوبية، وتوطيد هذا السلطان4.
هذا، وهناك من يذهب إلى أن "شمر ذي ريدان"، الذي طالما خاض غمار الحرب ضد الشرح يحصب وأخيه، إنما هو الملك "شمر يهرعش"، وهذا يعني
1 A. JAMME، OP. CIT.، P.83، 93، 96، 317-319
وكذا W. CASKEL، ENTDECKUNGEN IN ARABIEN، KOLN، 1954، P.9
2 جواد علي 2/ 429-433
وكذا H. VON WISSMANN AND M. Hofner، Op. Cit.، P.38
وكذا Basor، 145، 1957، P.28-29. وكذا Le Museon، 1948، 3-4، P.232
وكذا E. Glaser، Op. Cit. P.117
3 جواد علي 2/ 439-441.
4 جواد علي 2/ 441.
أنه عاش في القرن الرابع الميلادي، ومن ثم فإنهم يتأخرون بتاريخه حوالي 250 عامًا1، بينما يذهب فريق آخر إلى أنه إنما كان معاصرًا لامرئ القيس، صاحب نقش النمارة، وأن "مراقس" المذكور في نقش "ريكمانز 535" هو "امرؤ القيس"2، إلا أن غالبية الباحثين تعارض هذا الاتجاه.
وعلى أي حال، فإن "ألبرت جام" يرى أن "الشرح يحصب" وأخاه "يأزل بين" قد حكما حكمًا مشتركا في الفترة "50-30ق. م"، ثم حكم "الشرح يحصب" بمفرده حتى حوالي عام 20ق. م3، أو بعد ذلك بقليل، إلا أن غالبية الباحثين تذهب إلى أنه كان قبل ذلك، حتى أن "جون فلبي" يذهب إلى أن حكمه إنما كان في الفترة "125-105ق. م"4.
وقد اختلف العلماء في خليفة "الشرح يحصب"، فذهب فريق إلى أنه شقيقه "يأزل بين"، ثم ولده "نشأ كرب يهأمن يهرجب"، وذهب فريق آخر إلى أنه "وتريهأمن" ولد "الشرح يحصب" وأنه كان في الفترة "5ق. م-10م"، بل إن هناك من يقدم "وتريهأمن" على أخيه "نشأكرب يهأمن يهرجب"5، وأخيرًا فهناك من يرى أن الشرح يحصب قد تبنى القيلين الجريئين "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد"، وقد أصبح هذان القيلان من ملوك سبأ وذي ريدان، نتيجة لهذا التبني السياسي الذي جعلهما ينسبان نفسيهما بعبارة "سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد ملكا ذي ريدان، ابنا الشرح يحصب سبأ وذي ريدان"، وأن الرجلين قد آزرا "وتريهأمن" أخاهما بالتبني، إلا أن الأمور رغم ذلك كانت في أيدي الحميريين من بني "ذي ريدان"6.
وعلى أي حال، فرغم ما تنسبه النقوش من انتصارات إلى "الشرح يحصب" ثم
1 Basor، 145، 1957، P.75
2 جواد على 2/ 441-442، وكذا Le Museon، 1956، 69، P.139
وكذا Basor، 145، 1957، P.25
3 A. Jamme، Op. Cit.، P.390
4 J.B. Philby، Op. Cit.، P.142
5 A. Jamme، Op. Cit.، P.390 وكذا J.B. Philby، Op. Cit.، P.142
وكذا J. Ryckmans، Op. Cit.، P.337
6 مظهر علي الإرياني: في تاريخ اليمن ص18-19، وانظر كذلك نفس المرجع: ص21034.
ابنه "نشأكرب" الذي نجح السبئيون على أيامه في الاستيلاء على ما كان عند الحضارمة من خيل وجمال وحمير، ومن كل حيوان جارح، فإن الدولة السبئية انتهت فعلا على أيام "نشأكرب" هذا، بأيدي الحميريين1.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه في عهد "الشرح يحصب" لمع اسم "صنعاء""صنعو"، فقد تردد اسمها في النصوص التي ترجع إلى ذلك العهد مثل نص "جام 575"، وفي أيام الحروب التي دارت رحاها بين "الشرح يحصب" و"شمر ذي ريدان"، كما يشير إلى ذلك نقش "جام 577" و"ريكمانز 535"، هذا وتشير الكتابة "Cih 429" إلى قصر غمدان "غندان" -بجانب قصر سلحين- كمقر للملوك، ولعل في هذا إشارة إلى أن الشرح يحصب إنما كان يقيم في كلا القصرين "أي في مأرب وصنعاء"، كما يشير كذلك إلى الهمداني وابن الكلبي، ربما كانا على صواب فيما ذهبا إليه من أن الشرح يحصب هو الذي بنى قصر غمدان، وأن "شعر أوتر" هو الذي بنى سور صنعاء، وإن كانت هناك رواية تذهب إلى أنه من أبناء سليمان، وعلى أي حال، فكل هذا يدل على أن قصر غمدان من القصور الملكية السبئية القديمة، وأن صنعاء بدأت تظهر بين مدن اليمن من تلك الفترة، وأن مكانتها قد زادت على مر الأيام، حتى صارت عاصمة اليمن ومقر الحكام حتى الآن2.
وبدهي أن ذلك لا يتفق وروايات الإخباريين من أنها كانت تدعى "أزال"، وأن "وهرز" القائد الفارسي هو الذي أطلق عليها اسم "صنعاء"، حين قال إبان دخوله إياها "صنعة صنعة"، يريد أن الحبشة قد أحكمت صنعها، أو أن التسمية إنما كانت نسبة إلى بانيها "صنعاء بن أزال بن عبير بني عابر بن شالخ" على رواية، و"غُمدان بن سام بن نوح" على رواية أخرى، فكانت تعرف تارة بأزال، وتارة بصنعاء، بل إن بعض الإخباريين لم يقف عند هذا الحد، فزعم أنها واحدة من مدن النار الأربع "أنطاكية والطوانة وقسطنطينية وصنعاء" في مقابل مدن الجنة الأربع
1 سعد زغلول عبد الحميد: المرجع السابق ص194.
2 جواد علي 2/ 442، اللسان 3/ 327، ياقوت 4/ 210، وكذا P.K. Hitti، Op. Cit.، P.57
وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.19
وكذا E. Glaser، Die Abessienier In Arabien Und Africa، 1895، P.121f
"مكة والمدينة وإيلياء ودمشق"1.
وعلى أية حال، فلقد جاء بعد فترة لا ندري مداها على وجه التحقيق "ذمار علي بين"، ورغم أنه لم يحمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، فإن ابنه قد حمل اللقب العظيم، ومن ثم فهناك من يرى التريث في الحكم على أنه كان ملكًا، ويضعه ألبرت جام" في الفترة "30-45م"2، ثم خلفه ولده "كرب إيل وتار يهنعم" الذي أشرك معه ابنه "هلك أمر" في الفترة الأولى من حكمه -والتي كانت في منتصف القرن الأول الميلادي3- ثم ابنه الثاني "ذمار علي ذريح" الذي جاء اسمه في عدد من النصوص في الفترة الثانية، وقد حدد له "فلبي" الفترة "75-95م"4.
وفي أيام "يهقم" بن "ذمار علي ذريح" كثرت الفتن والاضطرابات في البلاد، ونقرأ في نقش "جام 644" أن الثوار من قبيلة شداد "شددم" قد هاجموا قصر سلحين نفسه واستولوا عليه، إلا أن الملك سرعان ما استعان بأمير قبيلة غيمان الذي كتب له النجح في القضاء على الثوار، وطردهم من قصر سلحين، بل ومطاردتهم حتى مأرب، إلا أنهم سرعان ما نظموا صفوفهم مرة أخرى، وتحصنوا في مواضع جديدة، مما اضطر الملك إلى أن يلجأ مرة ثانية إلى عشائر "غيمان" وأن يطلب منهم مهاجمة أرض شداد، وقد نجح أبناء "غيمان" في هزيمة الثوار عند "كومنان" واستولوا منهم على غنائم كثيرة من إبل وخيل ودواب5.
وجاء بعد ذلك "كرب إيل بين" وتدل النصوص من عهده على أن العلاقة بينه وبين حضرموت لم تكن طيبة، وأن هناك حربًا دارت رحاها بين الفريقين انتهت بعقد صلح تعهد فيه ملك حضرموت بالمحافظة على حسن الجوار، وأن يكون إلى جانب ملك سبأ إذا ما حدث ما يستدعي ذلك، وأن يضع قوة من حراس "يعكران""وهو ملك صغير من ملوك حضرموت" تحت تصرف ملك سبأ، إلا أن ملك حضرموت سرعان ما نكث بالعهد، بحجة أن ملك مأرب قد عمل ضد مصالحه، حين
1 ياقوت 3/ 426-427، البكري 3/ 843.
2 A. Jamme، Op. Cit.، P.390
3 R.L. Bowen And F. Albright، Archaeological Discoveries In South Arabia، P.22
4 فؤاد حسنين: المرجع السابق ص294.
5 جواد علي 2/ 477، وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.145
أرسل بعض قواته إلى منطقة "هينان الحالية"، التي كان ملك حضرموت يريدها خالية من الجند -رغم أنها منطقة سبئية، وليست حضرمية- وربما كان يهدف من ذلك أن يجعلها غير قادرة على الدفاع، حتى يستطيع التدخل في شئونها، وتنفيذ مشروعاته التي كان يرمي من ورائها إلى الاستيلاء على القسم الجنوبي الشرقي من سبأ، مستغلا ضعف ملوك سبأ وقت ذاك لمصلحته1.
وهكذا منع ملك حضرموت قوات ملك مأرب من أن تعسكر في المدينة السبئية "حنان" بل واتجه إلى أرض "معين" ليهدد سبأ، وسرعان ما هاجم "يثل""المدينة المعينية القديمة" واستولى عليها، ثم ضرب الحصار على مدينتي "نشق" و"نشان"، ولم يفك الحصار عنهما إلا بعد وصول القوات السبئية، وهنا رأى ملك سبأ وذي ريدان "كرب إيل بين" أن يهاجم خصمه بنفسه، ومن ثم فقد اتجه إلى "يثل"، كما أمر قواته المعسكرة عند نشق ونشان بالهجوم عليهما، وهكذا وجد ملك حضرموت "يدع إيل" نفسه، محاصرًا من ناحيتين بقوات سبأ، مما اضطره إلى الانسحاب من "يثل"، والاتجاه إلى "حنان"، ولكنه حاول نهب مقتنيات المعبد "محرم بلقيس فيما يرى "ألبرت جام" إلا أن القوات السبئية الزاحفة من نسق تمكنت من إنقاذ المعبد من النهب2.
وفي تلك الأثناء وصلت قوات إضافية من مأرب، فواصل الملك السبئي زحفه إلى "حنان"، حيث دارت هناك معارك رهيبة بين الفريقين، كتب النصر فيها للسبئيين، ودفع ملك حضرموت ثمن هزيمته ألفين من جنوده لقوا مصرعهم في ميدان القتال، فضلا عما استولى عليه السبئيون من خيل وجمال وحمير، وكل حيوان جارح عند الحضارمة3 -كما أشرنا آنفًا.
وتمر فترة لا يستطيع المؤرخون فيها ترتيب الملوك أو معرفة فترات حكمهم، فإذا ما رجعنا إلى "ريكمانز" على سبيل المثال، لوجدنا أنه قد ترك فراغًا بعد "هلك أمر" و"ذمار علي ذريح"، إشارة إلى فترة لا يدري من حكم فيها على وجه اليقين، ثم يذكر بعد ذلك "وتريهأمن"، ثم فراغًا، دون بعده اسم "شمدر يهنعم"،
1 جواد علي 2/ 479-480.
2 جواد علي 2/ 481، وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.348
3 A. Jamme، Op. Cit.، P.144
ثم فراغًا ثالثًا بعد اسم "الشر يحمل"، ثم فراغًا رابعًا، ثم اسم "عمدان بن يهقبض"، ثم فراغًا خامسًا يأتي بعده اسم "لعزنوفان يهصدق" ثم فراغًا سادسًا دون بعده "ياسر يهصدق"1، وإن كان "فلبي" يرى أن هذا الأخير جاء بعد "وتريهأمن" وربما كان والده، وأنه بدأ حكمه حوالي عام 60ق. م2.
وأيًّا ما كان الأمر، فلدينا من عهد "ياسر يهصدق" هذا، نص "Cih 41" وقد دونته جماعة من قبيلة، "مهانف""مهانفم" من "ضافط" بقاع جهران، شمال ذمار، ويذهب "فون فيسمان" إلى أنه أول نص يصل إلينا لقب فيه واحد من ملوك "حمير" بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، وهذا يعني أن ملوك حمير قد نافسوا ملوك سبأ، ثم نازعوهم عرشهم، بل وحملوا ألقابهم كذلك3. ثم يذهب "فون فيسمان" بعد ذلك إلى أن الرجل قد حكم في الفترة "75-80م"، وأنه اتخذ من "ظفار" مقرًّا له، وأن خليفته إنما كان "الشرح"، وأنه حكم حوالي عام 90،، وأن نص "Cih 140" إنما يرجع إلى أيامه4، غير أن "جام" إنما يضع حكم "ياسر يهصدق" في الفترة "200-205م"5.
ونقرأ في نص "Cih 365" أن "ذمار علي يهبر" بن "ياسر يهصدق"6 -والذي ربما كان هو صاحب الاسم الذي جاء على بعض النقود7- قد شن حربا ضد الأسرة السبئية المالكة، استولى فيها على حصن "ذات المخاطر"، ولعل هذا هو الذي اعتمد عليه "فون فيسمان" في أن الحميريين قد استولوا على مأرب، ولمدة عشر سنين8.
1 جواد علي 2/ 482، وكذا J. Ryckmans، Op. Cit.، P.338
2 J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.142
3 جواد علي 2/ 283، وكذا KTB، II، P.64
وكذا LE MUSEON، 1964، 3-4، P.448
4 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.495، 498
5 A. JAMME، OP. CIT.، P.392
6 LE MUSEON، 1948، LXI، 3-4، P.232. وكذا O. WEBER، OP. CIT.، P.36
7 جواد علي 2/ 448، وكذا D. NIELSEON، OP. CIT.، P.94
8 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.459، 498
وهناك عدد من النصوص جاء فيها اسم "ذمار علي يهبر" بجانب اسم أبيه، وأخرى جاء اسمه بجانب اسم ولده "ثاران يعب يهنعم"، ويفهم منها أنه أشركه معه في الحكم، كما يفهم منها كذلك أنه أعاد بناء سد ذمار1، وأما الكتابة المعروفة بـ "Rep Epig 4909"، فتتحدث عن وفد أرسله هذا الملك ليهنئ "العزيلط" ملك حضرموت باعتلائه العرش2، وأن ذلك كان في حوالي عام 20ق. م، على رأي3، و200م، على رأي آخر4، بل إن "جام" إنما يحدد لحكم "ثاران يعب يهنعم" الفترة "265-275م"5، بينما يرى "فون فيسمان" أنها في الفترة "230-240م"6.
وجاء "ذمار علي يهبر" الثاني، بعد أبيه "ثاران يعب يهنعم"7، ثم جاء "شمر يهرعش"، والذي لقبه "فون فيسمان" بالأول، تمييزًا له عن "شمر يهرعش" المشهور" والذي جاء بعده بفترة طويلة8.
ويذهب "جون فلبي" إلى أن عرش سبأ وذي ريدان، إنما جلس عليه في الفترة "115-245م" ملوك من أسرة "بني بتع" من حاشد -وحاشد كما هو معروف من الهمدانيين- وأن عددهم كان اثني عشر ملكًا9، ثم جاءت من بعدهم أسرة من "بكيل"، كان أول رجالها "العز نوفان يهصدق" الذي حكم في الفترة "245-265م"10، ثم جاء من بعده "ياسر يهنعم" والد "شمر يهرعش" الملك المشهور بين الإخباريين، وبذلك ينتقل العرش إلى أسرة جديدة، بل إلى عهد جديد،
1 جواد علي 2/ 484-485، وكذا Le Museon، 1964، 3-4، P.459
وكذا Rep، Epig، Iv، P.355، Vii، Iii، P.360
2 J.B. Philby، Sheba's Daughters، P.449
3 J.B. Philby، The Background Of Islam، P.142
4 H، Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.133، 144
5 A. Jamme، Op. Cit.، P.392
6 Le Museon، 1964، 3-4، P.3498. وكذا A. Jamme، Op. Cit.، P.392
7 جواد علي 2/ 486-487.
8 Le Museon، 1964، 3-4، P.398
9 J.B. Philby، Op. Cit.، P.142
10 Handbuch، P.95. وكذا J.B. Philby، Op. Cit.، P.143
عهد تسود فيه سيطرة الحميريين على بلاد العرب الجنوبية، دون غيرهم من حكام اليمن؛ ذلك لأن هذا العصر الثالث "115ق. م-300م" إنما كان النفوذ فيه لسبأ ولحمير معًا، بعكس العصر الرابع "300-525م" الذي تسود فيه السيادة الحميرية.
ويعرف "ياسر يهنعم" في المصادر العربية باسم "ناشر النعم" أو "ياشر ينعم" أو "ياسر ينعم" أو "ياسر أنعم"1 لإنعامه عليهم "أي الحميريين" بما قوى من ملكهم وجمع من أمرهم2، أو لإنعامه على الناس بالقيام بأمر الملك ورده بعد زواله3، أو لأنه رد ملك حمير بعد أن انتقل إلى سليمان بن داود عليه السلام4، وهو "عمرو بن يعفر بن حمير بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"5 أو" يعفر بن عمرو بن حمير بن السباب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ"6، أو "عمر ذو الأدغار" أو "عمرو بن يعفر بن شرحبيل بن عمرو ذى الأدغار" أو "مالك بن عمرو بن يعفر بن عمرو بن حمير بن السباب بن عمرو بن زيد بن يعفر بن سكسكة المقعقع بن وائل بن حمير7، إلى غير ذلك من أنساب، الخطأ فيها أكثر من الصواب.
وقد ذهبت بعض المصادر العربية إلى أنه قد حكم بعد ابنة أخيه أو ابنة عمه، "بلقيس بنت الهدهاد" صاحبة سليمان8، لأن الهدهاد قد أوصى له بالملك في عهد بلقيس وبعدها، فأجابته حمير وقدموه9، أو أنه قد حكم بعد فترة تتراوح ما بين الثلاثين والأربعين عامًا من حكم سليمان لحمير، حيث أخذه منه وأعاده إلى حمير،
1 حمزة الأصفهاني: المرجع السابق ص83، وهب بن منبه: المرجع السابق ص219، تاريخ ابن خلدون 2/ 52، الأخبار الطوال ص20، نشوان بن سعيد الحميري: المرجع السابق ص89، تاريخ اليعقوبي 2/ 50.
2 تاريخ الطبري 1/ 566، وهب بن منبه: المرجع السابق ص426.
3 حمزة الأصفهاني: تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء ص83.
4 نشوان بن سعيد الحميري: المرجع السابق ص89.
5 تاريخ الطبري 1/ 566، 2/ 11، الإكليل 2/ 207، مروج الذهب 2/ 5.
6 وهب بن منبه: المرجع السابق ص219.
7 أبو الفداء 1/ 67، وانظر: أخبار عبيد بن شريه ص4256، كتاب التيجان ص170، ملوك حمير وأقيال اليمن ص89.
8 تاريخ الطبري 1/ 566، أبو الفداء 1/ 67، الأخبار الطوال ص20، كتاب التيجان ص219، مروج الذهب 2/ 50، حمزة الأصفهاني: المرجع السابق ص83.
9 نشوان بن سعيد الحميري: المرجع السابق ص89.
وبقي صاحبنا هذا على عرشه قرابة خمس وثلاثين سنة1، وهذا يعني -في نظرهم- أن "ياسر يهنعم"، والذي عاش في القرن الثالث بعد الميلاد، إنما كان معاصرًا لسليمان ملك إسرائيل في القرن العاشر قبل الميلاد2، والفرق بينهما، كما نرى، جد شاسع، إذ أن سليمان عليه السلام، إنما سبق "ياسر يهنعم" بزمن قد يزيد في مداه عن اثني عشر قرنًا.
وأما الرواية التي ذهبت إلى أن سليمان قد حكم حمير، فلست أدري- علم الله- من أين جاء بها أصحابها، وليس هناك نص واحد- سواء أكان هذا النص من النصوص الحميرية، أو حتى من توراة اليهود، أو غيرها من المصادر اليهودية- يمكن الاعتماد عليه لتدعيم زعم الإخباريين هذا.
هذا وقد روى القرآن الكريم -وكذا التوراة3 والإنجيل4، قصة ملكة سبأ مع سليمان عليه السلام في سورة النمل5، ومنها نعرف أن الملكة العربية حين تأكدت أنها أمام واحد من المصطفين الأخيار، يريد لها ولقومها الهداية إلى سواء السبيل، وليس رجلا غرته قوته، فأراد أن يجعل من بلادها جزءًا من ممتلكاته، فتقرر الذهاب بنفسها إلى النبي الكريم، ويستعد سليمان لاستقبال الملكة العظيمة، فيعد لها
1 مروج الذهب 2/ وهب بن منبه: المرجع السابق ص219.
2 يختلف المؤرخون: في الفترة التي حكم فيها سليمان من القرن العاشر قبل الميلاد، فهناك من يرى أنها في الفترة 974-932ق. م "فضلو حوراني: المرجع السابق ص34"، ومن يرى الفترة 973-936ق. م "حسن ظاظا: الساميون ولغاتهم ص84" ومن يرى الفترة "970-933ق. م"، ومن يرى الفترة 963-923ق. م "فيليب حتى: المرجع السابق ص205، عبد الحميد زايد: الشرق الخالد ص387"، ومن يرى الفترة 961-922ق. م "موسكاتي: المرجع السابق ص143، وكذا ""E.W. Heaton، Op. Cit.، P.172." ومن يرى الفترة 960-922ق. م
"W.F. Aibright، Op. Cit.، P.120-122"
3 ملوك أول 10: 1-13، أخبار أيام أول 9: 1-12.
4 متى 12: 14.
5 سورة النمل: آية 20-44، وانظر: تفسير البيضاوي "2/ 173-178، تفسير الطبري 19/ 143-170، تفسير ابن كثير 3/ 360-366 "دار إيحاء التراث العربي" تفسير الجلالين "نسخة على هامش البيضاوي" 2/ 173-178، تفسير روح المعاني 19/ 182-210، تفسير الطبرسي 19/ 208-230، تفسير الكشاف 3/ 142-151، تيسير العلي القدير 3/ 233-240، في ظلال القرآن 19/ 2631-2643، تفسير القرطبي 13/ 176-213، تفسير أبي السعود 4/ 127-134.
أمرًا يخرج عن قدرة البشر العاديين، ويدخل في عداد معجزات تلك الصفوة المختارة، من رسل الله وأنبيائه الكرام، فيأتي بعرشها إلى قصره، حتى إذا ما وصلت:{قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} 1 ثم مفاجأة أخرى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} 2.
وهنا كانت الملكة قد رأت كل ما يبعد عنها أية ريبة في أنها أمام نبي الله الكريم، سليمان عليه السلام، وليس، كما كانت تظن -بادئ ذى بدء- أنها أمام ملك يطمع في دولتها، أو يبغي الاستيلاء عليها، ثم يجعل من أعزة قومها أذلة، وكذلك يفعل الطامعون والمستعمرون، وهنا أراد الله لها الهداية والإرشاد، ومن ثم:{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 3.
وليس في كل هذا ما يفيد من قريب أو بعيد، أن اليمن قد أصبحت مستعمرة لإسرائيل على أيام سليمان، أو أن بلاد العرب قد أصبحت ضمن دولة اليهود، وكذا ليس في قصة التوراة ما يفيد ذلك، ومن ثم فإذا كان ذلك قد حدث، فهو من خيال الأخباريين، طبقًا لإسرائيليات أوحى إليهم بها مسلمة أهل الكتاب، وليس من حقائق التاريخ وأخباره الصحيحة4.
وعلى أية حال، فإن الروايات العربية تنسب إلى "ياسر يهنعم" الفتوحات العظيمة، فتزعم أنه خرج إلى ما حوى آباؤه من التبابعة العظام، فوطئ من الأرض موطئًا عظيمًا، ودوخ الشام ومصر وقبض أقواتهما، ثم توجه إلى المغرب لرؤيا رآها، يريد أن يبلغ وادي الرمل الذي يسيل، وهكذا أخذ يسير حتى إذا ما بلغ البحر المحيط "ولعله هنا البحر الأبيض المتوسط"، أمر ولده "شمر يرعش" أن يركب هذا البحر حتى يعبره، ثم يرجع إليه بما رأى في وادي الرمل، ويصدع "شمر يرعش" بأمر أبيه، فينزل على صنم ذي القرنين، ثم يبعث بعساكره إلى الإفرنج والسكس والصقالبة، حيث يكتب لها النجح فيما أرادت، فتعود وقد
1 سورة النمل: آية 38-42.
2 سورة النمل: آية 44.
3 سورة النمل: آية 44.
4 قدمنا دراسة مفصلة عن علاقة سليمان بملكة سبأ في دراستنا حول "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة" مجلة كلية اللغة العربية -العدد السادس، الرياض 1976 ص287-437.
غنمت الأموال وسبت الذراري من كل أمة من جزر البحر، على رواية، وأن هذه الجيوش، والتي كانت في عشرة آلاف مركب، كانت بقيادة واحد من أهل بيت "ياسر يهنعم" -يقال له عمرو بن زيد بن أبي يعفر- وأنها ذهبت إلى وادي الرمل فلم تجد مخرجًا ولا مجازًا؛ لأن الوادي لا يسكن إلا يوم السبت فلا يجري، وهكذا ضاعت هذه الجيوش، وهنا أمر الملك بصنع تمثال من نحاس كتب عليه بالمسند "أنا الملك الحميري ياسر ينعم اليعفري، ليس وراء ما بلغته مذهب، فلا يجاوزه أحد فيعطب"، على رواية أخرى1.
ولم تقتصر فتوحات "ياسر ينعم" -فيما تزعم المصادر العربية- على ذلك، وإنما امتدت إلى الحبشة وإلى بلاد الروم والترك، فضلا عن التبت والصين والهند، وأخيرًا مات في "دينور" حيث دفنه ابنه هناك، ثم جلس على عرشه من بعده2، وإن قفزت بعض هذه المراجع، فجعلت من "تبان أب كرب أسعد" خليفة له3، كما أبت مراجع أخرى إلا أن تنسب للرجل شعرًا فيه فخر وفيه حماسة، كما نسبت لوالده "شمر يرعش" شعرًا كذلك، يرثي فيه أباه، ولم تنس هذه القرائح أن تقدم لنا نماذج من كلامه العربي الفصيح، لترينا أنه كان -كسائر ملوك اليمن- يتكلم بلسان عربي مبين4.
وليس من شك في أن كل ما جاء في هذه الروايات عن "ياسر يهنعم"، إنما هو من أساطير "ابن منبه" وغيره من الأخباريين الذين سودوا صفحات كتبهم عن هذه المرحلة من التاريخ العربي القديم بكل غث وسمين، وإن كانت هناك روايات تاريخية عن حملات عسكرية قام بها الحميريون في وادي النيل الأوسط وشمال إفريقيا5، وقد أشار "ده برسيفال" إلى حملة قادها أبو مالك بن شمر يرعش إلى معادن الزمرد
1 تاريخ الطبري 1/ 566، ابن الأثير 1/ 276، تاريخ ابن خلدون 2/ 52، وهب بن منبه: المرجع السابق ص220، صبح الأعشى 5/ 22، ملوك حمير وأقيال اليمن ص89-90.
2 وهب بن منبه: المرجع السابق ص220-221، الإكليل 2/ 207-208 ملوك حير وأقيال اليمن ص89-90.
3 تاريخ الطبري 1/ 566، ابن الأثير 1/ 276.
4 انظر: وهب بن منبه، المرجع السابق ص220، حمزة الأصفهاني: المرجع السابق ص83، جواد علي 2/ 534، ملوك حمير وأقيال اليمن ص89-93، أخبار عبيد بن شريه ص426.
5 مصطفى مسعد: الإسلام والنوبة في العصور الوسطى، القاهرة 1960 ص108.
في أرض البجة، ومن المحتمل أن يكون قد لقي حتفه هو ومعظم جيشه، حوالي منتصف القرن الأول الميلادي1.
وعلى أي حال، فهناك الكثير من النصوص التي تحدثت عن "ياسر يهنعم" هذا، منها نص "Cih 46"، والذي عثر عليه في "يكاران" -ويرجع تاريخه إلى عام 276م- وقد جاء فيه اسم الإله "عثتر"، واسم قبيلتي، "مهانف" و"شهر"2، كما جاء اسمه واسم ولده "شمهريهرعش" في نص مؤرخ بعام 276م كذلك، ولعل في هذا إشارة إلى اشتراكه معه في الحكم، حيث لُقِّبَا بملكي سبأ وذي ريدان3. هذا ويجب الإشارة هنا إلى أن القوم وقت ذاك، إنما كانوا يؤرخون وفق تقويمين مختلفين، وأن الفرق بينهما خمسون سنة، أو خمس وسبعون سنة، ثم أهمل أحد التقويمين وبقي الآخر، وهو تقويم "مبحض بن أبحض"، وتقع بدايته فيما بين عامي 118، 110ق. م، وإن لم يستعملوه في الكتابة إلا في القرن الثالث الميلادي4، ويرى "ريكمانز" أن نصوص "ياسر يهنعم" وولده "شمر يهرعش"، تختلف في تأريخها عن التأريخ السبئي المعروف، والذي يبدأ في رأيه في عام 109ق. م، ومن ثم يمكن إثابتها وفق هذا التقويم5.
ونقرأ في نقش "Cih 353" عن ثورة حمل لواءها الحميريون ضد "ياسر يهنعم" وولده حوالي عام 300م، في منطقة "ضهر" -والتي لا تبعد كثيرًا عن صنعاء6- هذا فضلا عن اشتباكات جديدة بين "ياسر يهنعم" والهمدانيين، والذين تعانوا مع بني ريدان لمهاجمة مأرب، إلا أن الملك الحميري سرعان ما هاجم الهمدانيين
1 مصطفى مسعد، المرجع السابق ص108، وكذا:
Caussin De Perceval، Essai Sur L'histoire Des Arabes Avant L'islamisme، I، Paris، 1847، P.82
2 جواد علي 2/ 535، وكذا D.H. Muller، Zdmg، 37، 1883، P.365-370
وكذا J.B. Philby، Op Cit،. P.109
3 J.B. Philby، Op. Cit.، P.110 وكذا Rep، Epig، Vii، P.138
وكذا Le Museon، 1964، 3-4، P.475
4 A.F.L. Beeston، Epigraphic South Arabian Calendars And Dating، London، 1956، P.26-37
5 جواد علي 2/ 536-537، وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner Op. Cit.، P.116
6 Ibid.، P.20
غربي صنعاء وانتصر عليهم1.
ولعل مما تجدر ملاحظته أن عهد ملوك سبأ وذي ريدان من أصعب العهود في تاريخ سبأ، ورغم أن النصوص التي عثر عليها ليست بالقليلة، إلا أنها لا تفيدنا كثيرًا، ثم إن بعضها قد أصابه التلف، ومن هنا كان الاختلاف البين بين العلماء في تأريخ هذه الفترة، هذا إلى جانب فترات مظلمة تمامًا في كتابة هذا الفصل، نتيجة اضطراب المؤرحين فيه، وعدم اتفاقهم على رأي بشأنه، وليس هناك من حل إلا من مزيد من الحفائر، ثم مزيد من الحفائر، حتى يستطيع العلماء تقديم التاريخ العربي القديم في صورة متكاملة.
1 A. Grohmann، Op. Cit.، P.29