الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وألا تغضب، ونحو ذلك، قال محمد بن نصر1: وقال بعض أهل العلم: حُسن الخلق: كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة، والبشر إلا للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزَّالين إلا تأديبًا، وإقامة الحد، وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد إلا تغيير، منكر وأخذًا بمظلمة المظلوم من غير تعد.
وقوله: "منحته" أي: أعطيته، والمعنى أن الله جل جلاله يخبرنا: أنه تعالى خلق الخلق بعلمه، لا يعزُب عن علمه شيء -في السموات ولا في الأرض- فمن أراد به خيرًا من الناس؛ منحه، وأعطاه خلقًا حسنًا، فيستعمل خلقه الحسن في معاملاته بينه وبين إخوانه المخلوقين، فلا يوصل إليهم أذى، بل يسعى لمنفعتهم أينما وُجدوا، وحيث كانوا، ومن أراد الله به سوءًا؛ منحه، وأعطاه خلقًا سيئًا، فيستعمله بينه وبين المخلوقات، فتصدر عنه المساوئ، والنقائص، والإضرار بالناس، فتجد غالب أفعاله، وأكثر عمله في غير منفعة وثمرة مفيدة. أرجو الله سبحانه وتعالى أن يهدينا لطرق السداد، ويسهل لنا مناهج الخير والفلاح.
وقوله: "رواه أبو الشيخ" هو الإمام حافظ أصبهان، ومسند زمانه أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان -بالحاء المهملة والياء التحتية- الأنصاري، صاحب المصنفات النافعة، ويُعرف بأبي الشيخ، المتوفى سنة 369هـ، وهو غير ابن حبان-بالباء الموحدة.
1 محمد بن نصر بن الحجاج المروزي الإمام، شيخ الإسلام، أبو عبد الله الحافظ، مولده في بغداد سنة "202"هـ، ومسكنه في سمرقند سمع يحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهوية. حدث عنه أبو العباس السراج، قال أبو بكر الصيرفي: لو لم يصنف إلا كتاب القسامة لكان من أفقه الناس، كيف وقد وصنف سواه؟ توفي رحمه الله سنة "294"هـ.
شرح حديث: أن الله، لا إلا أنا
…
55-
"أنَا الله، لا إله إلا أنا، خلقت الشر، وقدَّرته، فويل لمن خلقت له الشر، وأجريت الشر على يديه"1. رواه ابن النجار عن أبي أمامة.
1 ذكره المتقي الهندي في كنز العمال "ج/1/ 587"وقال: رواه ابن النجار عن أبي أمامة رضي الله عنه وذكره الغزالي في الإحياء"4/ 335"وقال: رواه ابن شاهين في شرح السنة عن أبي أمامة رضي الله عنه "وإسناده ضعيف".
ش- الشُّر: السوء، والفساد، والظلم، والجمع: شرور، ومقابله الخير. قال الراغب الأصفهاني: الشر الذي يرغب عنه الكل، كما أن الخير هوالذي يرغب فيه الكل، كالعقل مثلًا، والعدل، والفضل، والشيء النافع، وقال العلامة أبو بكر بن قيم الجوزيه: الشر يُقَال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضي إليه، وليس له مسمى سوى ذلك، فالشرور هي الآلام، وأسبابها، فالمعاصي، والكفر، والشرك، وأنواع الظلم هي شرور؛ وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض، ولذَّة، لكنها شرور؛ لأنها أسباب الآلام، ومفضية إليها، كإفضاء سائرالأسباب إلى مسبباتها، فترتب الألم عليها، كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار، والخنق بالحبل، وغير ذلك من الأسباب التي تصيبه مفضية إلى مسبباتها، ولا بد ما لم يمنع السببية مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه وأشد اقتضاء لضده كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان، وعظمة الحسنات الماضية، وكثرتها، فيزيد في كميتها، وكيفيتها على أسباب العذاب، فيدفع الأقوى للأضعف، وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة، كأسباب الصحة، والمرض، وأسباب الضعف، والقوة.
والشر يضاف إلى الله جل ذكره إيجادًا، وخلقًا لا فعلًا، وصفةً. وإلى الخلق فعلًا، وصفة، لا خلقًا وإيجادًا، والشر مسند إلى المخلوق المفعول، لا إلى خلق الرب تعالى الذي هو فعله وتكوينه، فإنه لا شر فيه بوجه ما، فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاته تبارك وتعالى، فإن ذاته لها الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق، والجلال التام، ولا عيب فيها، ولا نقص بوجه ما، وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة، لا شر فيا أصلًا، ولو فعل الشر سبحانه لاشتقَّ له منه اسمًا ولم تكن أسماؤه كلها حسنى، ولعاد إليه منه حكم، تعالى وتقدس عن ذلك. وما يفعله من العدل بعباده، وعقوبة من يستحق العقوبة منهم هوخيرمحض؛ إذ هو محض العدل، والحكمة، وإنما يكون شرًا بالنسبة إليهم، فالشروقع في تعلقه بهم، وقيامه بهم، لا في فعله القائم به تعالى.
ونحن لا ننكر أن الشر يكون في مفعولاته المنفصلة، فإنه خالق الخير، والشر، ولكن هنا أمران ينبغي أن يكونا منك على بال؛ أحدهما: أن ما هو شر، أو متضمن
للشر، فإنه لا يكون إلا مفعولًا منفصلًا لا يكون وصفًا له، ولا فعلًا من أفعاله. والثاني: أن كونه شرًا هو أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تعلق فعل الرب، وتكوينه به، وشرمن جهة نسبته إلى من هو شر في حقه، فله وجهان، وهو من أحدهما خير، وهوالوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى خلقًا وتكوينًا ومشيئة لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادئ معرفتها، فضلاً عن حقيقتها، فيكفيهم الإيمان المجمل بأن الله سبحانه الغني الحميد. وفاعل الشرلا يفعله لحاجته المنافية لغناه، أو لنقصه وعيبه المنافي لحمده، فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلًا، وإن كان هو الخالق للخير والشر، فقد عرفت أن كونه شرًا هو أمر إضافي، وهو في نفسه خير من جهة نسبته إلى خالقه، ومبدعه، فلا تغفل عن هذا الموضوع؛ فإنه يفتح لك بابًا عظيمًا من معرفة الرب، ومحبته، ويزيل عنك شبهات حارت فيها عقول أكثر الفضلاء. انتهى.
وانظر إلى كلام صاحب الشريعة الغراء صلوات الله وسلامه عليه، كيف نزه ربه ومولاه عن ذلك! بقوله:"لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك" 1 قال العلامة أبو السعادات الحافظ مجد الدين بن الأثير2 في هذا الحديث: وهذا الكلام إرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على الله تعالى، وأن تُضاف إليه محاسن الأشياء دون مساويها، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته وإثباته لها، فإن هذا في الدعاء مندوب إليه، يقال: يا رب السماء والأرض، ولا يقال يا رب الكلاب والخنازير وإن كان هو ربها. ومنه قوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] اهـ.
وقوله: "وقدرته" من التقدير، وهو الحكم من الله سبحانه وتعالى بأن يكون كذا، أو لا يكون كذا، والقدر بفتح الدال وإسكانها لغتان مشهورتان، حكاهما ابن قتيبة عن
1 رواه مسلم رقم "771"، والترمذي رقم "3417و 3418"، من حديث علي رضي الله عنه.
2 أبو السعادات - هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، ثم الموصلي الشافعي، ولد سنة"544" هـ نشأ بالجزيرة، ولقن بها دروسه الأولى. من مصنفاته "جامع الأصول في أحاديث الرسول" صلى الله عليه وسلم. و"النهاية في غريب الحديث والأثر" تُوفي رحمه الله سنة"606"هـ رحمه الله.
الكسائي، وقالهما غيره، وهو اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر، يُقال: قدرت الشيء، وقدرته-بالتخفيف والتثقيل- بمعنى واحد.
قال الإمام العلامة محيي الدين النووي -رحمه الله تعالى- في شرح مسلم: واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه: أن الله تبارك وتعالى قدَّرالأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى. وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها، ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها، وأنها مستأنفة العلم -إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها- وكذبوا على الله سبحانه وتعالى وجل عن أقوالهم الباطلة علوًا كبيرًا، وسُمِّيت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر. قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله والسر من غيره، تعالى الله عن قولهم. والله أعلم.
واعلم: أن العبد وإن كان في الواقع مقدرًا عليه فعل المعصية، ولا بدَّ من وقوعه البتة إلا أنه لم يفعله ولم يقدم على فعله إنجازًا لذلك، وامتثالًا لما قدر عليه، بل فعل ذلك مختارًا، ظاهرًا، ميالًا لما تهواه نفسه وشهواته، لذلك كان مسؤولًا عنه، معاقبًا عليه. قال العلامة أبو بكر بن قيم في "فوائده": رُبَّ ذو إرادة أمر عبدًا ذا إرادة، فإن وفقه، وأراد من نفسه أن يعينه، ويلهمه؛ فعل ما أمر به، وإن خذله، وخلاه وإرادته ونفسه من هذه الحيثية لا يختار إلا ما تهواه نفسه وطبعه، فهو من حيث هو إنسان لا يريد إلا ذلك، ولذلك ذمة الله تعالى في كتابه من هذه الحيثية، ولم يمدحه إلا بأمر زائد على تلك الحيثية، وهو كونه مسلمًا، ومؤمنًا، وصابرًا، ومحسنًا، وشكورًا، وتقيًا، وبرًا، ونحو ذلك وهذا أمر زائد على مجرد كونه إنسانًا، وإرداته صالحة، ولكن لا يكفي مجرد صلاحيتها إن لم تؤيد بقدرٍ زائدٍ على ذلك، وهو التوفيق، كما أنه لا يكفي في الرؤية مجرد صلاحية العين للإدراك إن لم يحصل سبب آخر من النور المنفصل عليها.
وقوله: "فويل" قال الأصمعي1: ويل: قبح، وقد يستعمل عن التحسر، ومن
1 الأصمعي: وهو الإمام العلامة الحافظ حجة الأدب لسان العرب أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الأصمعي البصري اللغوي الأخباري، قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما عبر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي توفي سنة "225"هـ.