الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ
.
الِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ آكَدُ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَطَلَبًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ.
وَمَنْ أَرَادَ هَذِهِ السُّنَّةَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، حَتَّى لَا يَفُوتَهُ شَيْءٌ، وَيَخْرُجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ. وَلَوْ مَكَثَ لَيْلَةَ الْعِيدِ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ، أَوْ يَخْرُجَ مِنْهُ إِلَى الْعِيدِ، كَانَ أَفْضَلَ.
فَرْعٌ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ لَيَالِي السَّنَةِ، خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَفِي أَوْتَارِهَا أَرْجَى.
وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: إِلَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا: هِيَ لَيْلَةٌ مُنْتَقِلَةٌ فِي لَيَالِي الْعَشْرِ، تَنْتَقِلُ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى لَيْلَةٍ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ.
قُلْتُ: وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَيْضًا، وَهُوَ قَوِيٌّ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَامَةُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، أَنَّهَا طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، وَأَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ، لَيْسَ لَهَا كَثِيرُ شُعَاعٍ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثَرَ فِيهَا مِنْ قَوْلِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْقَدِيمِ: أَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ فِي يَوْمِهَا، كَاجْتِهَادِهِ فِي لَيْلَتِهَا. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ قَالَهُ قَبْلَ رَمَضَانَ، أَوْ فِيهِ قَبْلَ مُضِيِّ أَوَّلِ لَيَالِي الْعَشْرِ، طُلِّقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ، وَإِنْ قَالَهُ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ لَيَالِيهَا، لَمْ تُطَلَّقْ إِلَى مُضِيِّ سَنَةٍ. هَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي «الْمُهَذَّبِ» ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا.
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ. وَنُقِلَ فِي «الْوَسِيطِ» هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ اعْتِبَارُ مُضِيِّ سَنَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا فِي كُتُبِ الْغَزَالِيِّ.
وَقَوْلُهُ: الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، مُسَلَّمٌ، لَكِنْ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الشَّافِعِيُّ رحمه الله مُتَرَدِّدٌ فِي لَيَالِي الْعَشْرِ، وَيَمِيلُ إِلَى بَعْضِهَا مَيْلًا لَطِيفًا، وَانْحِصَارُهَا فِي الْعَشْرِ ثَابِتٌ عِنْدَهُ بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِهِ، وَالطَّلَاقُ يُنَاطُ وُقُوعُهُ بِالْمَذَاهِبِ الْمَظْنُونَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَهَذَا لَا تَكَادُ تَجِدُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَ الْمُحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» : تُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَقَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ: طُلِّقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ، فِيهِ تَجَوُّزٌ