الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَذْهَبِ: حُكْمُهُمْ فِي كَوْنِهِمْ يُزَكُّونَ زَكَاةَ خُلْطَةٍ أَمِ انْفِرَادٍ؟ عَلَى مَا سَبَقَ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ. ثُمَّ إِنْ كَانُوا مُوسِرِينَ، أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْهُمْ، وَصُرِفَتِ النَّخِيلُ وَالثِّمَارُ إِلَى دَيْنِ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانُوا مُعْسِرِينَ، فَطَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ أَمْ بِالْعَيْنِ؟ إِنْ قُلْنَا بِالذِّمَّةِ وَالْمَالُ مَرْهُونٌ بِهَا خَرَجَ عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي اجْتِمَاعِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْآدَمِيِّ. فَإِنْ سَوَّيْنَا وَزَّعَنَا الْمَالَ عَلَى الزَّكَاةِ وَالْغُرَمَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْعَيْنِ أُخِذَتْ، سَوَاءٌ قُلْنَا: تَعَلُّقُ الْأَرْشِ، أَوْ تَعَلُّقُ الشَّرِكَةِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَالِ. ثُمَّ إِذَا أُخِذَتْ مِنَ الْعَيْنِ وَلَمْ يَفِ الْبَاقِي بِالدَّيْنِ غُرِّمَ الْوَرَثَةُ قَدْرَ الزَّكَاةِ لِغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ إِذَا أَيْسَرُوا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ، وَبِسَبَبِهِ خَرَجَ ذَلِكَ الْقَدْرُ عَنِ الْغُرَمَاءِ. قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: هَذَا إِذَا قُلْنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ. فَإِنْ عَلَّقْنَاهَا بِالْعَيْنِ لَمْ يُغَرَّمُوا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الرَّهْنِ. أَمَّا إِذَا كَانَ إِطْلَاعُ النَّخْلِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَالثَّمَرَةُ مَحْضُ حَقِّ الْوَرَثَةِ، لَا تُصْرَفُ إِلَى دَيْنِ الْغُرَمَاءِ، إِلَّا إِذَا قُلْنَا بِالضَّعِيفِ: إِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الْإِرْثَ، فَحُكْمُهَا كَمَا لَوْ حَدَثَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ.
فَصْلٌ
لَا تُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الثَّانِي إِلَى ثَمَرَةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ فُرِضَ إِطْلَاعُ ثَمَرَةِ الْعَامِ الثَّانِي قَبْلَ جِدَادِ ثَمَرَةِ الْأَوَّلِ. وَلَوْ كَانَتْ لَهُ نَخِيلٌ تَحْمِلُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ، لَمْ يُضَمَّ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: هَذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْمِلَانِ فِي السَّنَةِ حَمْلَيْنِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي التِّينِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا لِحُكْمِهَا لَوْ تُصُوِّرَتْ.
ثُمَّ إِنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ فَصَّلَ فَقَالَ: إِنْ أَطْلَعَتِ النَّخْلُ الْحِمْلَ الثَّانِي بَعْدَ جِدَادِ الْأَوَّلِ، فَلَا يُضَمُّ، وَإِنْ أَطْلَعَتْ قَبْلَ جِدَادِهِ وَبَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَمْلِ نَخْلَتَيْنِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يُخَالِفُ
إِطْلَاقَ الْجُمْهُورِ عَدَمَ الضَّمِّ؛ لِأَنَّ السَّابِقَ إِلَى الْفَهْمِ مِنَ الْحَمْلِ الثَّانِي هُوَ الْحَادِثُ بَعْدَ جِدَادِ الْأَوَّلِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ نَخِيلٌ أَوْ أَعْنَابٌ يَخْتَلِفُ إِدْرَاكُ ثِمَارِهَا فِي الْعَامِ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا أَوْ بِلَادِهَا، فَإِنْ أَطْلَعَ الْمُتَأَخِّرُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِ الْأَوَّلِ، ضُمَّ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَعَ بَعْدَ جِدَادِ الْأَوَّلِ فَوَجْهَانِ. قَالَ ابْنُ كَجٍّ وَأَصْحَابُ الْقَفَّالِ: لَا يُضَمُّ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: يُضَمُّ، وَفِي ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ لَهُمْ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَرَجَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ إِطْلَاعُهُ قَبْلَ جِدَادِ الْأَوَّلِ وَبَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: فِيمَا بَعْدُ الْجِدَادِ يُضَمُّ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا فِي التَّهْذِيبِ: لَا يُضَمُّ، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ، فَهَلْ يُقَامُ وَقْتُ الْجِدَادِ مَقَامَ الْجِدَادِ؟ وَجْهَانِ. أَوْفَقُهُمَا: يُقَامُ، فَإِنَّ الثِّمَارَ بَعْدَ وَقْتِ الْجِدَادِ كَالْمَجْدُودَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَطْلَعَتِ النَّخْلَةُ لِلْعَامِ الثَّانِي وَعَلَيْهَا بَعْضُ ثَمَرَةِ الْأَوَّلِ لَمْ يُضَمَّ قَطْعًا. فَعَلَى هَذَا قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لِجِدَادِ الثِّمَارِ أَوَّلُ وَقْتٍ وَنِهَايَةٌ يَكُونُ تَرْكُ الثِّمَارِ إِلَيْهَا أَوْلَى، وَتِلْكَ النِّهَايَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ.
فَرْعٌ
مِنْ مَوَاضِعِ اخْتِلَافِ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ نَجْدٌ، وَتِهَامَةٌ. فَتِهَامَةُ حَارَّةٌ يُسْرَعُ إِدْرَاكُ الثَّمَرَةِ بِهَا، بِخِلَافِ نَجْدٍ، فَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ نَخِيلٌ تِهَامِيَّةٌ، وَنَخِيلٌ نَجْدِيَّةٌ، فَأَطْلَعَتِ التِّهَامِيَّةُ ثُمَّ النَّجْدِيَّةُ لِذَلِكَ الْعَامِ، وَاقْتَضَى الْحَالُ ضَمَّ النَّجْدِيَّةِ إِلَى التَّهَامِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ، فَضَمَّهَا ثُمَّ أَطْلَعَتِ التِّهَامِيَّةُ ثَمَرَةً أُخْرَى - فَلَا يَضُمُّ ثَمَرَةَ هَذِهِ الْمَرَّةِ إِلَى النَّجْدِيَّةِ وَإِنْ أَطْلَعَتْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا؛ لِأَنَّا لَوْ ضَمَمْنَاهَا إِلَى النَّجْدِيَّةِ لَزِمَ ضَمُّهَا إِلَى التِّهَامِيَّةِ الْأُولَى، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: