المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الثالث 339/ 3/ 65 - عن أم عطية رضي الله - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - جـ ٨

[ابن الملقن]

الفصل: ‌ ‌الحديث الثالث 339/ 3/ 65 - عن أم عطية رضي الله

‌الحديث الثالث

339/ 3/ 65 - عن أم عطية رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلَّا على زوج أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلَّا ثوب عصب ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا، إلاًّ إذا طهرت نُبْذةٌ من قسط أو أظفار"(1).

"العصب": ثياب من اليمن فيها بياض وسواد.

الكلام عليه من وجوه:

الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في باب صلاة العيدين.

الثاني: في ألفاظه ومعانيه: تقدم الكلام في الحديث الذي قبله على الإِحداد، وحكمه، وحكمته، والمراد بالمصبوغ ما صبغ للزينة.

والعَصْب: بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، وقد فسره المصنف (2)، وهو كما قال: فإنه نوع من برود اليمن يعصب غزلها: ثم يصبغ معصوبًا، ثم ينسج فيأتي موشى لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ، ووقع في "روض الأنف" للسهيلي: أنه نبت، فإنه قال:

(1)(396).

(2)

انظر: المجموع المغيث (458).

ص: 400

العصب لا ينبت إلَّا باليمن ثم عزاه إلى أبي حنيفة. يعني الدينوري ولم يوجد ذلك في "كتابه"، وذكر أبو المعالي (1) في "المنتهى": أن عصب اليمن هو المفتول من برودها، قال: والعصب الخيار: قال أبو موسى المديني (2): ذكر بعض أهل اليمن: أنه من دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها الخرز وغيره، ويكون أبيض. قال صاحب "المستعذب في ألفاظ المهذب"(3)[وأن العصب](4) للسدي دون اللحمة. وإنما رخص فيه لأنه أكثر لباسهم، قاله السهروردي (5) في "شرح ألفاظ المصابيح"(6) وأغرب الداودي، فقال: ثوب [عصب](7) يعني الخضرة، وهي الحبرة، وليس قوله "الخضرة" بصواب.

(1) هو أبو المعالي محمَّد بن تميم البرمكي من أهل القرن الرابع الهجري. انظر: التعريف بكتاب الصحاح ومداري المعجمات العربية (112) لأحمد عبد الغفور عطار. والمعجم العربي "نشأته وتطوره"(2/ 511) حسين نصار.

(2)

المجموع المغيث (2/ 458).

(3)

النظم المستعذب (2/ 217)، والعبارة فيه هكذا: "يصنع ذلك بالغزل الذي يُسدي به، دون اللحمة.

(4)

في الأصل وإذا تعصب وما أثبت من هـ.

(5)

هو عبد القاهر بن عبد الله بن محمَّد البكري الصديقي أبو النجيب السهروردي، فقيه شافعي، وُلد سنة (490)، وتوفي سنة (563)، له مؤلفات، منها:"آداب المريدين"، و"شرح الأسماء الحسنى". ترجمته في الوفيات (1/ 299)، وطبقات الشافعية (4/ 256).

(6)

انظر: الأعلام للزركلي (4/ 174).

(7)

في هـ ساقط.

ص: 401

والنبذة بضم النون: القطعة والشيء اليسير فعله من نبذ أي طرح ورمى [وأدخل فيه الهاء لأرادة القطعة](1).

والقُسط: بضم القاف ويقال: بالكاف كما ورد في بعض روايات البخاري، وبتاء بدل من الطاء، فهذه ثلاث لغات (2)، وقد صرح بهذا هكذا المفضل بن سلمة في "كتاب الطيب" قال: وهو من طيب الأعراب.

والأظفار: نوع أيضًا من البخور وليس هو، والقسط من مقصود الطيب، ورخص فيهما لقطع الرائحة الكريهة. قال القاضي (3) والقرطبي (4): وأكثر ما [يستعملان](5) مع غيرهما فيما يتبخر به لا بمجردهما قالا، ووقع في كتاب البخاري "قسط [الأظفاري] (6) " وهو خطأ إذ لا يضاف أحدهما للآخر، لأنه لا نسبة بينهما، وعند بعضهم، "قسط ظفار" وهذا له وجه، فإن "ظفار": مدينة باليمن نسب إليها القسط، وعلى هذا فينبغي أن لا يصرف للتعريف والتأنيث، ويكون كحزام وقطام، أو يكون مبنيًّا على الكسرة في أحد القولين فيها.

(1) زيادة من هـ.

(2)

يقال: كسط -بالكاف-. ويقال: كست -بالتاء-. انظر: لسان العرب (7/ 279)، وعند ابن الجوزي في غريبه مثله وزيادة: كسط.

(3)

إكمال المعلم (5/ 74).

(4)

المفهم (5/ 2598).

(5)

في هـ يستعمل.

(6)

في الأصل أظفار وما أثبت من هـ.

ص: 402

وفي قوله: "أو أظفار" محتملة للشك وللتخيير.

وفي رواية للبخاري غير متصلة "قسط وأظفار".

الوجه [الثالث](1): في أحكامه.

الأول: نهي المحادة عن المصبوغ للزينة، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحادة لبس الثياب المعصفرة [والمصبغة](2) إلَّا ما صبغ بسواد فرخص فيه أعني في المصبوغ بالسواد عروة بن الزبير ومالك والشافعي وكرهه الزهري أي لكونه مصبوغًا ومن أجازه أجاب بأنه غير مراد للزينة.

الثاني: استثناء [ثوب](3) العصب منها، وهو مذهب الزهري، وكرهه عروة والشافعي، وأجاز مالك غليظه، وكأنه حمل الحديث على ذلك لما كان المراد تجنب الزينة.

والأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، والحديث حجة عليهم.

وأجاب أصحابنا: بحعله على ما يجوز لبسه من المصبوغ، فإن في حديث أم سلمة في "سنن أبي داود" و"النسائي" بإسناد حسن أنه عليه الصلاة والسلام قال:"المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة" أي المصبوغة بالمشق (4).وهو المغرة، فأطلق من غير تفصيل.

(1) في الأصل الثاني وما أثبت يوافق هـ.

(2)

في هـ المصبغ.

(3)

زيادة من هـ.

(4)

الممشق: هو المصبوغ بالمشق، وهو المغرة، وهو الطين الأحمر. انظر: النظم المستعذب (2/ 216)، والحديث سبق تخريجه.

ص: 403

وأجيب أيضًا: بأنه قد جاء في رواية "ولا ثوبًا مصبوغًا ولا ثوب عصب" فتعارضا وسقطت الدلالة، وهو جواب غير مرضي، فإنها زيادة غير محفوظة، ولا تعارض الزيادة الثانية، الصحيحة، والحق أحق بالاتباع مع قاعدة الشافعي في العمل بالحديث الصحيح.

قال ابن المنذر: ورخص جميع العلماء في الثياب البيض. وقد يؤخذ من مفهوم الحديث.

ومنع بعض متأخري المالكية: جيد النبيض والسواد الذي يتزين به.

قال أصحابنا: ويجوز لها لبس ما صبغ ولا يقصد منه الزينة، وكذا الأمر يسم في الأصح واختار الغزالي وجماعة التحريم فيه، لأنه إنما حل لها للزينة، فالتحقت في حال الإِحداد بالرجال، وفي حلى الذهب والفضة تفصيل وفي الآلىء [خلاف ذكرته في كتب الفقه](1).

الثالث: تحريم الاكتحال عليها، وفي حديث أم سلمة في "الموطأ"(2) الإِذن فيه ليلًا ومسحه نهارًا، وحمله العلماء على أنها كانت محتاجة إليه، فأذن لها فيه ليلًا، ومنعه نهارًا، بيانًا لجوازه عند الحاجة ليلًا مع أن الأولى تركه. فإن فعلته مسحته نهارًا [لحديث](3) الإِذن فيه لبيان أنه غير حرام ليلًا للحاجة، وحديث النهي محمول على عدمها.

(1) في هـ ساقطة.

(2)

الموطأ (2/ 598)، والنسائي (6/ 204)، وأبو داود (2305).

(3)

في هـ فحديث.

ص: 404

وأما حديث: التي اشتكت [عينها](1) فنهاها عنه، وسيأتي على الأثر فحمل على أنه نهي تنزيه أو أنه عليه الصلاة والسلام لم يتحقق الخوف على عينها أو أنه يحصل لها البرء بدونه كالتضميد بالصبر وغيره لكن في رواية لقاسم بن أصبغ من حديث زينب بنت أبي سلمة "أفأكحلها؟ قال: لا، قالت: إني أخشى أن تنفقىء عينها. قال: لا. وإن انفقأت" (2).

وقد اختلف العلماء في اكتحال المحدة فقال سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار ومالك في رواية عنه يجوز إذا خافت على عينها تكتحل بكحل لا طيب فيه. وجوّزه بعضهم عند الحاجة وإن كان فيه طيب (3) ومذهبنا جوازه ليلًا عند الحاجة بماء لا طيب فيه، فإن دعت ضرورة إلى الاستعمال نهارًا أيضًا جاز، والكحل الأصفر عندنا كالإِثمد وأما الأبيض كالتوتياء (4) ونحوه فلا يحرم إذ لا زينة فيه. وقيل: يحرم على البيضاء حيث تتزين به.

الرابع: جواز تطييب محل الحيض لها عند انقطاع الدم بما ذكر لإِزالة الرائحة الكريهة، لا لقصد التطيب، وهو من باب الرخص. قال القاضي عياض (5): وظاهر الحديث أنها [تتبخر](6) بذلك، وقال

(1) زيادة من هـ.

(2)

ذكره في الاستذكار (18/ 232).

(3)

الاستذكار (18/ 230، 232، 233).

(4)

دواء معروف يُجعل في العين.

(5)

إكمال إكمال المعلم (4/ 134).

(6)

في الأصل: (الخامس)، وما أثبت من ن هـ، والمرجع السابق.

ص: 405

الداودي (1): تسحق القسط وتلقيه في الماء آخر غسلها، لتذهب رائحة الحيض، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث الحيض "خذي فرصة من مسك"(2) الحديث والأول أظهر، لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلَّا من بخورهما.

(1) ذكره في إكمال إكمال المعلم (4/ 134).

(2)

البخاري (314)، ومسلم (332)، وأبو داود (314)، وابن ماجه (642)، والدارمي (1/ 197)، والنسائي (1/ 135)، والبيهقي (1/ 180، 183)، وأحمد (6/ 122، 147، 188).

ص: 406