المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الرابع 318/ 4/ 61 - عن عائشة رضي الله عنها: - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - جـ ٨

[ابن الملقن]

الفصل: ‌ ‌الحديث الرابع 318/ 4/ 61 - عن عائشة رضي الله عنها:

‌الحديث الرابع

318/ 4/ 61 - عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدى لها لحم فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة على النار، [فدعا بطعام، فأتي بخبزٍ وأدم من أدم البيت، فقال: "ألم أر البرمة على النار](1) فيها لحم؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك لحم تُصُدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: "هو عليها صدقة، وهو [منها لنا] (2) هدية". وقال النبي صلى الله عليه وسلم[فيها] (3):"إنما الولاء لمن أعتق"(4).

(1) في ن هـ ساقطة.

(2)

في متن العمدة (لنا منها).

(3)

في ن هـ ساقطة.

(4)

البخاري أطرافه (456)، ومسلم (1075، 1504)، والترمذي (1154)، والنسائي (6/ 162، 163، 165)، والسنن الكبرى له (5640، 5641)، ومالك (2/ 562)، والطيالسي (1417)، وا ليهفي (6/ 161)، والبغوي (1611)، وأحمد (1/ 281، 321)، (2/ 28، 100، 113، 144، 153، 156)، وأبو داود (2235)، وابن ماجه (2074)، والدارمي (2/ 169)، وابن الجارود (361). =

ص: 95

حديث بريرة هذا بمجموع طرقه [قد](1) استنبط الحفاظ منه أحكامًا كثيرة وألفوا فيه غير ما تأليف، كلما نبهنا على ذلك في باب الشروط في البيع، وقد أشرنا هناك إلى مهمات ذلك، ووعدنا بذكر طرق أخر منها إن قدَّر الله الوصول إلى هنا، وقد فعل، ولله الحمد، فنقول:

الكلام عليه من وجوه:

الأول: قولها: "كان في بريرة ثلاث سنن"، إن قلت فيها أكثر من ذلك كما أسلفته في الباب المشار إليه، فالجواب من أوجه:

أحدها: إن هذه الثلاث أظهر ما في حديثها من القضايا والسنن.

ثانيها: أنها خصت بالذكر لكونها أصولًا لما عداها مما تضمنه الحديث.

ثالثها: أنها أهم والحاجة إليها أمس.

رابعها: أن قولها هذا لا يقتضي حصرًا، وإنما معناه أنه سُنَّ وشُرع بسبب قصتها أو عند وقوع قصتها كذا.

الثاني: زوج بريرة اسمه: مُغِيث (2) -بضم الميم وكسر الغين

(1) في هـ ساقطة.

(2)

قد جاء في حديث ولفظه: "يا عباس، ألا تعجب من شدة حب مغيث بريرة، ومن شدة بغض بريرة مغيثًا؟ " الحديث. البخاري أطرافه (5280)، وابن ماجه (2075)، والنسائي (8/ 245، 246)، والبيهقي (7/ 222)، والبغوي (2299)، وأبو داود (2231).

ص: 96

المعجمة ثم مثناة تحت ثم مثلثة-.

وقيل: بالعين المهملة المفتوحة بدل المعجمة، ثم ياء مثناة مكسورة ثم باء موحدة [حكاهما](1) العسكري في "كتاب الصحابة" في ترجمته، وقال: هو مولى بني مخزوم.

قلت: والمعروف في رواية الثقات أنه كان عبدًا.

قال الحفاظ: ورواية من روى أنه كان حرًّا غلظ (2) شاذة مردودة لمخالفتها المعروف في رواية الثقات ويزيد الأول قول عائشة في "صحيح مسلم": "وكان عبدًا و [لو] (3) كان حرًّا لم يخيرها"(4) وهو معظم الروايات عنها، وأجمعوا عليه من طريق ابن

(1) في ن هـ (حكا).

(2)

انظر: البخاري أطرافه (456)، وأبو داود (2916) في الفرائض، باب: في الولاء، الترمذي (1256) في البيوع، باب: ما جاء في اشتراط الولاء والزجر عن ذلك، والنسائي (5/ 107)، (6/ 163) ، (7/ 300)، وأحمد (6/ 186، 189)، والبيهقي (7/ 223)، (10/ 338)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 82). قال الحافظ ابن حجر -رحمنا الله وإياه- في الفتح (12/ 40) على قوله:"وقول الأسود منقطع" أي لم يصله بذكر عائشة فيه، وقول ابن عباس أصح لأنه ذكر أنه رآه، وقد صح أنه حضر القصة وشاهدها فيترجح قوله على قول من لم يشهدها فإن الأسود لم يدخل المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الحكم فولد بعد ذلك بدهر طويل. اهـ. محل المقصود.

(3)

زيادة من ن هـ ومسلم.

(4)

صحيح مسلم (1504)، والترمذي (1154)، والنسائي (6/ 163)، وأبو داود (2233).

ص: 97

عباس (1)، وكان يحبها ويسألها ويستشفع فلا ترجع.

فائدة: هذا اللحم المذكور في الحديث: "كان لحم بقر"، كما جاء في رواية، وفيه رد على من كره ذبح البقر للحاجة إليها في الحرث.

وقال القرطبي (2): اضطربت ألفاظ الرواة لهذا الحديث.

فقال بعضهم: "أهدى لها لحم".

وقال بعضهم: "تُصُدِّق عليها بلحم بقر".

[وقال بعضهم: قالت عائشة: "تصدق على مولاتي بشاة من الصدقة".

وقال بعضهم] (3): قالت عائشة: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم بشاة من الصدقة إلى بريرة".

قال القرطبي (4): وهذان اللفظان أنص ما في الباب، فليعتمد عليها.

الثالث: في الحديث دلالة على أن من عتقت تحت عبد يثبت لها الخيار في فسخ النكاح وهو إجماع، واختلفوا: فيما [لو](5) عتقت تحت حر فأثبته لها أبو حنيفة أيضًا، ونفاه مالك والشافعي

(1) انظر: التعليق رقم (1)، ص 93.

(2)

المفهم (4/ 337).

(3)

في ن هـ ساقطة، ومثبتة في الأصل والمفهم (5/ 2653).

(4)

المفهم (4/ 338).

(5)

في ن هـ (إذا).

ص: 98

والجمهور لانتفاء الضرر [إذن](1)، وقد علمت منشأ الخلاف في ذلك، وهو هل كان زوجها حرًّا أو عبدًا؟

الرابع: فيه أيضًا [دلالة](2) على جواز إعطاء [الصدقات](3)[على موالي قريش، خلافًا لمن منع ذلك](4)، [لأن](5) بريرة مولاة لهم، ولم ينكر عليه الصلاة والسلام الصدقة عليها.

قال القاضي عياض (6): فإن كانت هذه الصدقة تطوعًا فقد يحتج به من يرى صدقة التطوع جائزة لموالي قريش أو جميعهم، وإن كانت واجبة فيحتج به من لا يرى تحريمها على مواليهم، واستثنى غيره بأنه كيف يكون اللحم عن زكاة واجبة.

الخامس: فيه أيضًا دلالة على جواز الأكل مما تصدق به على الفقير ومثله ما إذا أهدى إليه، سواء في ذلك أزواجه صلى الله عليه وسلم وغيرهم.

السادس [: فيه أيضًا دلالة على قبول الغني هدية الفقير بما تصدق به عليه لقبول عائشة لحمها، ولم ينكر عليها.

السابع:] (7) فيه أيضًا دلالة على الفرق بين الهدية والصدقة في الحكم، وأن من حلف لا يأكل من أحدهما لم يحنث بالآخر، فإن

(1) زيادة من ن هـ.

(2)

في ن هـ ساقطة.

(3)

في ن هـ (الصدقة).

(4)

زيادة من ن هـ.

(5)

في ن هـ (فإن).

(6)

انظر: إكمال إكمال المعلم (4/ 167).

(7)

في هـ ساقطة مع تعديل في أرقام الفوائد والأحكام.

ص: 99

الصدقة ما قصد به ثواب الآخرة والهدية ما قُصِدَ به إكرام الموهوب له مع نقله إلى مكانه.

الثامن: فيه أيضًا دلالة على من أهدى إلى أهله شيء في غيبته ينبغي إعلامهم به، لإِعلام عائشة بحال اللحم.

التاسع: فيه أيضًا دلالة على وجوب نصح أهل الرجل له، وأن يجنبوه ما يكرهه، كما أخبرت عائشة بحال اللحم لعلمها بأنه لا يأكل الصدقة.

العاشر: فيه أيضًا دلالة على أن كسب المرأة الحرة لها دون زوجها تتصرف فيه بالهدية وغيرها خلافًا لمن خالف فيه.

الحادي عشر: فيه أيضًا دلالة على أنه يجوز لمن أهدى لأهله أو لأحدٍ من إلزامه شيئًا أن يشرك نفسه معهم في الإِخبار عن ذلك لقوله "وهو لنا هدية".

(1)

[الثاني عشر]: فيه أيضًا دلالة على أنه يجوز للمرأة أن تدخل في بيت زوجها ما لا يملكه بغير علمه، وإن كان فيه شغل ملكه إذا لم تظن كراهيته لذلك لإِدخال عائشة لحم بريرة البيت.

(2)

الثالث عشر: فيه أيضًا دلالة على استحباب السؤال عما يستفاد به علم أو آداب أو بيان حكم أو رفع شبهة، وقد يجب ذلك في بعض المحال، كما سأل عليه الصلاة والسلام عما في البرمة، ليعلم حاله ويبين حله.

(1) في الأصل زيادة (الحادي).

(2)

في الأصل زيادة (الثاني).

ص: 100

الرابع عشر: فيه أيضًا دلالة على جواز سؤال الرجل عما لم يعهده في بيته، ولا يرد على هذا حديث أم زرع "ولا يسأل عما عهد" أن معناه: لا يسئل عن شيء عهده وفات فلا يسئل أين ذهب؟ وأما هنا وكانت البرمة واللحم فيها موجودين حاضرين، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عما رآه ليبين لهم حكمه، لأنه يعلم أنهم لا يتركون إحضاره له شحًّا عليه، بل لتوهم تحريمه عليه فأراد بيان ذلك لهم.

وعبارة الشيخ تقي الدين (1): في إيراد هذا الوجه فيه دلالة على تبسط الإِنسان في السؤال عن أحوال منزله وما عهده فيه لطلبه من أهله مثل ذلك، وفي ذكره نظر، بل الظاهر أنه سؤال عما لم يعهده.

الرابع عشر: فيه أيضًا دلالة على أن هدية الأدنى للأعلى لا توجب ثوابًا ولا تقتضيه شرعًا، لأنه لم ينقل أن عائشة أثابت بريرة على اللحم.

الخامس عشر: فيه أيضًا دلالة على أن الهدية تملك بوضعها في بيت المهدي له، ولا يحتاج إلى قبول، وهو الصحيح عندنا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يسأل عائشة عن قبولها، ولا أنكر قبولها له.

السادس عشر: فيه أيضًا دلالة على جواز الصدقة على من يمونه غيره: إما وجوبًا كزوجة ورقيق أو ندبًا كقريب لا تجب نفقته؛ لأن عائشة كانت تمون بريرة، ولم ينكر قبولها الصدقة.

(1) إحكام الأحكام (4/ 168).

ص: 101

السابع عشر: فيه أيضًا دلالة على أنه يجوز لمن تصدق عليه بصدقة أن يتصرف فيها بما شاء من الصدقات.

الثامن عشر: فيه أيضًا دلالة على جواز أكل اللحم وإن لم يعلم حال من ذبحه إذا لم يظن أنه ممن تحرم ذبيحته، لعدم سؤاله عليه الصلاة والسلام عنه.

التاسع عشر: فيه أيضًا دلالة على أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه بطريق مشروع إذا لم يظن تحريمه، أو تظهر شبهة فيه، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يسأل عن المتصدق ولا عن حاله، والأيدي ظاهرة في الملك.

العشرون: فيه أيضًا دلالة على أنه يستحب للكبير إذا أهدي إليه القليل أن يقبله ولا يستقله لقبول هدية اللحم من بريرة مع علو مقدارهم ونزارة مقدار اللحم.

الحادي بعد العشرين: فيه أيضًا دلالة على أن من تصدق عليه بقليل ينبغي أن يقبله ولا يستقله، لتقرير بريرة على قبول اللحم.

الثاني بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على حصر الولاء للمعتق.

الثالث بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على جواز نكاح العبد الحرة إذا رضيت هي وأولياؤها لتخيير بريرة بعد العتق، وكان زوجها عبدًا على قول الجمهور كما مرّ.

الرابع بعد العشرين: عدم اعتبار الكفاءة إذا رضي الولي والزوجة.

ص: 102

الخامس بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على اعتبارها في الأزواج، لأن تخييرها إنما كان لارتفاعها بالحرية عن نقصه بالرق. وإذا اعتبر ذلك دوامًا فابتدء أولى.

السادس بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على أن المغرور بحرية الزوج أو الزوجة له الخيار إذا علم بالحال بعد ذلك، لأن خيرت مع العلم، فما بالك مع التغرير؟!

السابع بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على تسمية الأحكام سننًا.

الثامن بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على أن المرأة إذا فوتت بضعها على زوجها بعد الدخول بفسخ بحرية لم ترجع بمهرها، لأن بريرة فوتت ذلك على زوجها بكتابتها وحريتها واختيارها ولم يقضِ له بالرجوع [عليها](1).

ومذهب الشافعي: أنه إن كان الفسخ بعتق بعد الدخول وجب المسمى، وإلَّا فمهر المثل على الأظهر، وإن كان الفسخ قبل الدخول فلا شيء.

التاسع بعد العشرين: فيه دلالة أيضًا على أن الشيء المحرم لوصف يزول تحريمه بزوال وصفه.

الثلاثون: فيه دلالة أيضًا على جواز الحيل المباحة أو المستحبة بطريقة الشرع، وفيه أيضًا حسن الجواب بالصدق.

(1) في ن هـ (عليه).

ص: 103

واستعمال الورع الذي لا يؤدي إلى مخالفة الشرع من الزوجة للزوج، ومثله كل متبوع مع تابعه، وأنه إذا رأى العالم أن بتابعه حاجة إلى تعليم علم أو معرفة حكم أن يذكره له مبتدئًا من غير سؤال، واختيار أطيب الإِدام ليتقوى به على طاعة ربه، خلاف ما ذهب إليه بعضهم، وغير ذلك.

ص: 104

باب النكاح

ص: 105