الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب البيوع
(1) باب الكسب وطلب الحلال
الفصل الأول
2759 -
عن المقداد بن معدي كرب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يديه)). رواه البخاري.
2760 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب لا يقبل إلا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة علي خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
كتاب البيوع
قال الأزهري: تقول العرب: بعت بمعنى بعت ما كنت ملكته، وبعت بمعنى اشتريت، قال: وكذلك شريت بالمعنيين؛ لأن الثمن والمثمن كل منهما مبيع، ويقال: بعته أبيعه وهو مبيع ومبيوع. قال الخليل: المحذوف من ((مبيع)) واو مفعول؛ لأنها زائدة فهي أولي بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الكلمة، قال المازرى: كلاهما حسن، وقول الأخفش أقيس.
باب الكسب وطلب الحلال
الفصل الأول
الحديث الأول عن المقداد: قوله: ((ما أكل أحد)) ((مظ)): فيه تحريض علي الكسب الحلال، فإنه متضمن فوائد كثيرة، منها: إيصال النفع إلي المكتسب بأخذ الأجرة إن كان العمل لغيره، وبحصول الزيادة علي رأس المال إن كان العمل تجارة. ومنها: إيصال النفع إلي الناس بتهيئة أسبابهم، من نحو ثيابهم وخياطتهم ونحوهما مما يحصل بالسعي، كغرس الأشجار وزرع الأقوات والثمار. ومنها: أن يشتغل الكاتب به فيسلم عن البطالة واللهو. ومنها: كسر النفس به، فيقتل طغيانها ومرحها. ومنها: أن يتعفف عن ذلة السؤال والاحتياج إلي الغير. وشرط المكتسب أن لا يعتقد الرزق من الكسب، بل من الله الكريم الرزاق ذي القوة المتين. ثم قوله:((إن نبي الله داود)) إلي آخره توكيد للتحريض وتقرير له، يعني الاكتساب من سننن الأنبياء؛ فإن نبي الله داود كان يعمل السرد ويبيعه لقوته، فاستنوا به.
الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((لا يقبل إلا طيبًا)) ((قض)): الطيب ضد
طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:{يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا} ، وقال:{يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلي السماء: يارب! يارب ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغذي بالحرام، فإني يستجاب لذلك؟!. رواه مسلم.
الخبيث، فإذا وصف به الله تعالي أراد به أنه منزه عن النقائص، مقدس عن الآفات والعيوب، وإذا وصف به العبد مطلقًا أريد به أنه المتعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال والمتحلي بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال أريد به كونه حلالًا من خيار المال. ومعنى الحديث أنه تعالي منزه عن العيوب فلا يقبل ولا ينبغي أن يتقرب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى، وهو خيار أموالكم الحلال كما قال تعالي:{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} . قوله: ((ثم ذكر الرجل يطيل السفر)) ((شف)): ((يطيل)) محله نصب صفة لـ ((الرجل))؛ لأن الجنس المعروف بمنزلة النكرة، كقوله:
ولقد أمر علي اللثيم يسبني
أقول: قوله: ((ثم ذكر الرجل)) يريد الراوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب كلامه بذكر الرجل الموصوف، استبعادًا أن الله تعالي يقبل دعاء آكل الحرام لبغضه الحرام، وبعد مناسبته عن جنابه الأقدس، فأوقع فعله علي ((الرجل)) ونصبه، ولو حكى لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع ((الرجل)) بالابتداء، والخبر ((يطيل)) نحوه أنشد في الكشاف:
وجدنا في كتاب بني تميم
…
أحق الخيل بالركض المعار
فإن قوله: أحق الخيل إن رفع كان علي الحكاية، وإن نصب كان مفعولًا لـ ((وجد)).
وقوله: ((أشعث وأغبر)) حالان مترادفان من فاعل ((يطيل)) وما يتلوهما من الأحوال كلها متداخلات، فقوله:((يمد يديه)) حال من ضمير ((أشعث))، وقوله:((يارب)) حال من فاعل ((يمد)) أي يمد يديه قائلًا: يارب، وقوله:((مطعمه وملبسه وغذى)) حال من فاعل ((قائلًا))، وكل هذه الحالات دالة علي غاية الاستحقاق الداعي للإجابة، ودلت تلك الخيبة علي أن الصارف قوي والحاجز مانع شديد.
((تو)): أراد بالرجل الحاج الذي أثر فيه السفر وأخذ منه الجهد، وأصابه الشعث وعلاه
2761 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي علي الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام)). رواه البخاري.
الغبر، فطفق يدعو الله علي هذه الحالة، وعنده أنها من مظان الإجابة، فلا يستجاب له ولا يعبأ ببؤسه وشقائه؛ لأنه ملتبس بالحرام، صارف النفقة من غير حلها. أقول: فإذا كان حال الحاج الذي هو في سبيل الله هذا فما بال غيره؟ وفي معناه أمر المجاهد في سبيل الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((طوبي لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه)).
قوله: ((وغذى)) ((مح)): هو بضم الغين وكسر الذال المعجمة المخففة، وفي نسخ المصابيح وقعت مقيدة بالتشديد. ((شف)): ذكر قوله: ((وغذى بالحرام)) بعد قوله: ((ومطعمه حرام)) إما لأنه لا يلزم من كون المطعم حرامًا التغذية بها، وإما تنبيهًا به علي استواء حاليه، أعني كونه منفقًا في حال كبره، ومنفقًا عليه في حال صغره في وصول الحرام إلي باطنه، فأشار بقوله:((ومطعمه حرام)) إلي حال كبره، وبقوله:((وغذى بالحرام)) إلي حال صغره، وهذا دال علي أن لا ترتيب في الواو، وذهب المظهر إلي الوجه الثاني.
أقول: ولعل العكس أولي؛ لأن قوله: ((وغذى)) وقع حالًا، وهو فعل ماض؛ فلابد من تقدير ((قد)) ليقرب التعدية إلي قول المقدر في ((يا رب)) كما سبق. وكذا قوله:((ومطعمه وملبسه)) حالان منه، وهما جملتان اسميتان تدلان علي الثبوت والاستمرار، كأنه قيل: يقول: يارب! وقد قرب قوله ذاك بتغذيته بالحرام، وكذا حاله أنه دائم الطعم واللبس من الحرام. وخص من الأزمنة المستمرة زمان حال الدعاء، ومن المذكورين الطعم دون اللبس؛ لأن الطعم أبلغ من اللبس، وفي هذا الزمان أشنع، وإنما قلنا: إنه أبلغ؛ لأنه يصير جزء المغتذي؛ ولذلك عدل عن الطعم إلي التغذية. قوله: ((ولذلك)) يجوز أن تكون الإشارة إلي الرجل، قال الله تعالي:{فاستجبنا له} وأن يكون إلي كون مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه حرامًا. ((شف)): فيه إيذان بأن حل المطعم والمشرب مما يتوقف عليه إجابة الدعاء؛ ولهذا قيل: إن للدعاء جناحين، أكل الحلال وصدق المقال.
الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((ما أخذ منه)) ((ما)) يجوز أن تكون موصوفة أو موصولة، والضمير المجرور راجع إليها و ((من)) زائدة علي مذهب الأخفش، و ((ما)) منصوب علي نزع الخافض أي لا يبالي بما أخذ من المال. و ((أم)) متصلة. ومتعلق ((من)) محذوف، والهمزة قد سلب عنها معنى الاستفهام وجردت لمعنى الاستواء، فقوله:((أمن الحلال أخذ أم من الحرام)) في موضع الابتداء، و ((لا يبالي)) خبر مقدم، يعنى الأخذ ومن الحلال ومن
2762 -
وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحلال بين والحرام بينٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات
الحرام مستو عنده، لا يبالي بأيهما أخذ، ولا يلتفت إلي الفرق بين الحلال والحرام، كقوله تعالي:{سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} أي سواء عليهم إنذارك وعدمه.
الحديث الرابع عن النعمان: قوله: ((الحلال بين)) ((مح)): اتفق العلماء علي عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده؛ فإنه أحد الأحاديت التي عليها مدار الإسلام، قيل: هي ثلاثة: أحاديث ((الأعمال بالنية))، وحديث ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وهذا الحديث، وسبب عظم موقعه أنه صلى الله عليه وسلم نبه فيه علي صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأن يكون حلالًا، وأرشد إلي معرفة الحلال بأن أوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، وأتم ذلك ببيان منبع الصلاح والفساد ومعدنهما.
فقوله: ((الحلال بين والحرام بين)) معناه أن الأشياء ثلاثة أقسام: حلال بين واضح لا يخفي حله كالخبز والفواكه وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر والنكاح والمشي وغير ذلك من التصرفات، وحرام بين، كالخمر والخنزير والميتة والدم المسفوح، وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلي الأمرد وإلي الأجنبية وأشباه ذلك، والمتشابه هو الذي يحتمل الأمرين، فاشتبه علي الناظر بأيهما يلحق، وإليه أشار بقوله صلى الله عليه وسلم:((لا يعلمهن كثير من الناس)) وفيه أنه يعلمها قليل من العلماء الراسخين بنص أو قياس أو استصحاب وغير ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص أو إجماع، اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالًا أو حرامًا، فإذا فقد هذه الدلائل فالورع تركه؛ لأنه داخل في قوله صلى الله عليه وسلم:((فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه)).
وللعلماء في هذا ثلاثة مذاهب، والظاهر أنه مخرجٌ علي الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، والأصح أنه لا يحكم بحل ولا حرمة ولا إباحة؛ لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع. والثاني أن حكمه التحريم، والثالث الإباحة. ((نه)): جملة الشبهة العارضة في الأمور قسمان: أحدهما ما لا يعرف له أصلٌ في تحليل ولا تحريم، فالورع تركه، والثاني: أن يكون له أصل في التحليل والتحريم، فعليه التمسك بالاصل ولا يترك عنه إلا بيقين وعلم. ((قض)): إن الله تعالي بين الحلال والحرام، بأن مهد لكل منهما أصلًا، يتمكن الناظر المتأمل فيه من استخراج أحكام ما يعن له من الجزئيات، ويعرف أحوالها، لكن قد يقع في الجزئيات ما يقع فيه الاشتباه، لوقوعه بين الأصلين ومشاركته لأفراد كل منهما من وجه، فينبغي أن لا
استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول
ــ
يجتريء المكلف علي تعاطيه، بل يتوقفه ريثما يتأمل فيه، فيظهر له أنه من أي القبيلين هو، فإن اجتهد ولم يظهر له أثر الرجحان، بل رجع طرف الذهن عن إدراكه حسيرًا تركه في حيز التعارض أسيرًا، وأعرض عما يريبه إلي ما لا يريبه، استبراء لدينه أن يختل بالوقوع في المحارم، وصيانة لعرضه عن أن يتهم بعدم المبالاة بالمعاصي والبعد عن الورع، فإن من هجم علي الشبهات وتخطي خططها، ولم يتوقفه دونها وقع في الحرام؛ إذ الغالب أن ما وقع فيه من الشبهات لا يخلو عن المحارم، كما أن الراعي إذا رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
و ((ألا)) مركبة من همزة الاستفهام، وحرف النفي؛ لإعطاء معنى التنبيه علي تحقق ما بعدها و ((الحمى)) هو المرعى الذي حماه الإمام، ومنع من أن يرعى فيه، شبه المحارم من حيث أنها ممنوعة التبسط فيها والتخطي لحدودها، واجبة التجنب عن جوانبها وأطرافها بحمى السلطان، وكما يحتاط الراعي ويتحرز عن مقاربة الحمى حذرًا عن أن تتخطاه ماشيته، فيتعرض لسخط، ويستوجب تأديبه، ينبغي أن يتورع المكلف عن الشبهات، ويتجنب عن مقارنتها، كيلا يقع في المحارم ويستحق به السخط العظيم والعذاب الأليم. ولما كان التورع والتهتك مما يتبع ميلان القلب إلي الصلاح والفجور، نبه علي ذلك بقوله:((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله)) ليقبل المكلف عليه فيصلحه ويمنعه عن الانهماك في الشهوات، والإسراع إلي تحصيل المشتهيات، حتى لا يتبادر إلي الشبهات، ولا يستعمل جوارحه في اقتراف المحرمات. قوله:((استبرأ)) أي احتاط لنفسه وطلب البراءة. ((مح)): أي حصل البراءة لدينه من الذم الشرعي وصان عرضه من كلام الطاعن. ((حس)) فيه دليل علي جواز الجرح والتعديل، وأن من لم يتوق الشبه في كسبه ومعاشه فقد عرض دينه وعرضه للطعن. قوله:((ومن وقع في الشبهات)) ((مح)): يحتمل وجهين: أحدهما: أن من يكثر تعاطي الشبهات يصادف الحرام وإن لم يعمده، وقد يأثم بذلك إذا قصر في التحري. والثاني أنه يعتاد التساهل ويتمرن عليه، ويجسر علي شبهة ثم شبهة أغلظ منها ثم أخرى، وهلم جرا إلي أن يقع في الحرام عمدًا، وهذا معنى قولهم: المعاصي تسوق إلي الكفر.
((حس)): هذا الحديث أصل في الورع، وهو أن ما اشتبه علي الرجل أمره في التحليل والتحريم، ولا يعرف له أصل متقدم، فالورع أن يتركه ويجتنبه؛ فإنه إذا لم يتركه واستمر عليه واعتاده، جره ذلك إلي الوقوع في الحرام. ولو وجد في بيته شيئًا، لا يدري هل هو له أو لغيره، فالورع أن يجتنبه، ولا عليه تناوله، لأنه في يده. ويدخل في هذا الباب معاملة من في ماله شبهة أو خالطه ربًا، فالأولي أن يحترز عنها ويتركها، ولا يحكم بفسادها ما لم يتيقن أن عينه حرام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه من يهودي بشعير أخذه لقوت أهله، مع أنهم يربون في معاملاتهم ويستحلون أثمان الخمور. روى عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا تسأل السلطان،
الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل مللك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). متفق عليه
ــ
فإن أعطوك من غير مسألة فأقبل منهم؛ فإنهم يصيبون من الحلال أكثر مما يعطونك. وروي عن ابن سيرين أن ابن عمر كان يأخذ جوائز السلطان، وكان القاسم بن محمد وابن سيرين وسعيد بن المسيب لم يقبلوا جوائز السلطان، فقيل لابن المسيب في ذلك، قال: قد ردها من هو خير مني علي من هو خير منه.
قال أبو حامد الغزالي: إن السلاطين في رماننا هذا ظلمة، قلما يأخذون شيئًا علي وجهه بحقه؛ فلا تحل معاملتهم ولا معاملة من يتعلق بهم حتى القاضي، ولا التجارة في الأسواق التي بنوها بغير حق. والورع اجتناب الربط والمدارس والقناطير التي بنوها بالأموال المغصوبة التي لا يعلم مالكها. وروى ابن الأثير في كتاب المناقب عن أبي شهاب قال: كنت ليلة مع سفيان الثوري، فرأي نارًا من بعيد، فقال: ما هذا؟ فقلت: نار صاحب الشرطة، فقال: اذهب بنا في طريق آخر لا نستضىء بنارهم.
قوله: ((وقع في الحرام)) ((تو)): الوقوع في الشيء السقوط فيه، وكل سقوط شديد يعبر عنه بذلك، وإنما قال:((وقع في الحرام)) تحقيقًا لمداناته الوقوع، كما يقال: من أتبع نفسه هواها فقد هلك. ((شف)): إنما قال: ((وقع في الحرام)) ولم يقل: يوشك أن يقع تحقيقًا لمداناة الوقوع، كما يقال من أتبع نفسه هواها فقد هلك. أقول: ولعل السر فيه أن حمى الأملاك حدوده محسوسة، يدركها كل ذي بصر، فيحترز أن يقع فيه اللهم إلا أن يغفل أو تغلبه الدابة الجموح، وأما حمى ملك الأملاك وهو محارمه، فمعقول صرف، لا يدركه إلا الألباء من ذوي البصائر، كما قال صلى الله عليه وسلم:((لا يعلمهن كثير من الناس)) يحسب أحد منهم أنه يرتع حول الحمى، يعني الشبهات، إذ هو في وسط محارمه، ومن ثمة ورد النهي في التنزيل عن القربان منها في قوله:{تلك حدود الله فلا تقربوها} لأن قربانها هو الوقوع فيها. والله أعلم.
قوله: ((مضغة)) ((نه)): المضغة القطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وجمعها مضغ، وسمي القلب بها؛ لأنه قطعة من الجسد. ((مح)): قالوا: المراد تصغير القلب بالنسبة إلي باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان لها. أقول: إنما سماه مضغة؛ لأن فيها معنى التحقير، والتكبير فيها أيضًا للتحقير تعظيمًا لشأنها، نحو قولهم: المرء بأصغريه، قال الميدإني: يعني بهما القلب واللسان، وقيل لهما الأصغران ذهابًا إلي أنهما أكتر ما في الإنسان معنى وفضلًا، كما قيل: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. والجالب للباء معنى القيام، كأنه قال: المرء يقوم معإنيه بهما ويكمل بهما، وأنشد لزهير:
2763 -
وعن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث)). رواه مسلم.
2764 -
وعن أبي مسعود الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن. متفق عليه.
ــ
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
…
فلم ببن إلا صورة اللحم والدم
أقول: إعادة حرف التنبيه في قوله: ((ألا وهي القلب)) بعد الإبهام في قوله: ((ألا وإن في الجسد مضغة)) تنبيه علي فخامة شأنها وعظم موقعها، فمنزلة حرفه التنبيه في الحديث منزلة الباء في المثل، وكذا تكررها كل مرة بين الكلاميين المتصلين إشعار بفخامة مدخولها.
نبه أولا أن لكل ملك من ملوك الدنيا حمى يحميه من الأغيار، ونبه ثإنياً أن الله تعالي حمى يحميه من أن يقرب منه عباده، ونبه ثالثاً أن قلب كل ملك وأن جسده حماه، فهو يحميه من إفساد الشيطان والنفس الأمارة، وكما أن صلاح الجسد بصلاحه وفساده بفساده، كذلك العكس، وصلاح الجسد إنما هو بأن يتغذى بالحلال فيصفو ويتأثر القلب بصفائه ويتنور، فينعكس نوره إلي الجسد فيصدر منه الأعمال الصالحة، وهو المعني بصلاحهما، وإذا تغذى بالحرام يصير مرتعاً للشيطان والنفس، فيتكدر ويتكدر القلب فيظلم، وتنعكس ظلمته إلي البدن فلا يصدر منه إلا المعاصي، وهو المراد بفسادهما. ثم إذا ساس القلب الجسد وهداه رشده استحق أن يكون وارث الأنبياء وخليفة الله في حماه علي عباده، يسوسهم ويكمل الناقصين منهم، ويوصلهم إلي جناب الله الأقدس، فحينئذ ترى الحديث بحراً لا ساحل له. والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس عن رافع: قوله: ((ثمن الكلب خبيث)) ((قض)): الخبيث في الأصل ما يكره لرداءته وخسته، ويستعمل للحرام من حيث كرهه الشارع فاسترذله، كما يستعمل الطيب للحلال، قال تعالي:{ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} أي الحرام بالحلال، ولما كان مهر الزإنية - وهو ما تأخذه عوضاً للزنا-- حراماً كان الخبيث المسند إليه بمعنى الحرام. وكسب الحجام لما لم يكن حراماً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره كان المراد من المسند إليه هو الثاني. وأما نهي بيع الكلب، فمن صححه كالحنفية، فسره بالدناءة، ومن لم يصححه كأصحابنا فسره بأنه حرام. ((نه)): بغت المرأة تبغي بغاء - بالكسر- إذا زنت فهي بغي، جعلوا البغاء علي زنة العيوب كالجران والشراد؛ لأن الزنا عيب. ((فا)): بغى فعول بمعنى فاعلة.
قوله: ((وحلوان الكاهن)) ((مح)): هو ما يعطاه علي كهانته، يقال: حلوته حلوانا إذا أعطيته، قال الهروى: أصله من الحلاوة، شبه المعطى بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلاً بلا كلفة
2765 -
وعن لأبي حجيفة، أن النبي نهي صلى الله عليه وسلم [عن] ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن آكل الربا، وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور. رواه البخاري.
ــ
ومشقة. والكاهن هو الذي يتعاطى الأخبار الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعى معرفة الأسرار. وكانت في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور الكائنة، ويزعمون أن لهم تابعة من الجن تلقى إليهم الأخبار، ومنهم من يدعى انه يستدرك الأمور بفهم أعطيه، ومنهم من زعم انه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها علي مواقعها كالشيء، يسرق فيعرف المظنون به السرقة فيهم، وتتهم المرأة بالزنية فيعرف من صاحبها ونحو ذلك. ومنهم من يسمى المنجم كاهنا، وحديت النهي عن إتيان الكهان يشتمل علي النهي عن هؤلاء إتيان كلهم، وعلي النهي عن تصديقهم والرجوع إلي قولهم.
قال الماوردي من أصحابنا في الأحكام السلطإنية: يمنع المحتسب من يكتسب بالكهانة، ويؤدب الآخذ والمعطي. وأما النهي عن ثمن الكلب، فقال جماهير العلماء: إنه محمول علي تحريم ثمنه وبطلان بيعه، وأن لا قيمة علي متلفه، سواء كان معلماً أو لا، وسواء كان يجوز اقتناؤه أم لا، وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة علي متلفها. وعن مالك روايات، إحداها: أنه لا يجوز بيعه، ولكن تجب القيمة علي متلفه، وثإنيتها: كقول أبي حنيفة، وثالثتها: كقول الجماهير.
الحديث السابع عن أبي حجيفة: قوله: ((عن ثمن الدم)) ((حس)): بيع الدم لا يجوز؛ لأنه نجس، وحمل بعضهم نهيه عن تمن الدم علي أجرة الحجام، وجعله نهي تنزيه.
قوله: ((آكل الربا)) آخذه ((وموكله)) معطيه. ((حس)) الأنهما اشتركا في الفعل، وإن كان أحدهما مغتبطا والأخر مهتضما.
قوله: ((والواشمة)) ((نه)): الوشم أن يغرز الجلد بإبرة تم يحشي بكحل أو نيل، فيزرق أو يخضر، وقد وشمت تشم وشما فهي واشمة. ((والمستوشمة)) هي التي تفعل ذلك بها. ((مظ)): إنما نهي عنه؛ لأنه من فعل الفساق والجهال، ولأنه تغيير خلق الله. ((مح)): قال في الروضة: لو شق موضعاً من بدنه، وجعل فيه دماً، أو وشم يده أو غيرها، فإنه ينجس عند الغرز. وفي تعليق الفراء أنه يزال الوشم بالعلاج، فإن لم يمكن إلا بالجراح لا يجرح ولا إثم عليه بعد التوبة.
قوله: ((والمصور)) ((حس)): أراد به الذي يصور الحيوان دون من يصور صور الأشجار
2766 -
وعن جابر، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح، وهو بمكة:((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام)). فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه تطلي بها السفن، ويدهن بها الجلود، يستصبح [بها] الناس؟ فقال:((لا، هو حرام)). ثم قال عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها أجملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه)). متفق عليه.
ــ
والنبات؛ لأن الأصنام التي كانت تعبد كانت علي صور الحيوانات. ((مظ)): يدخل في النهي كل صورة مصورة في رق أو قرطاس مما يكون المقصود منه الصورة وكان الرق تبعاً له، فأما الصور المصورة في الأوإني والقصاع فإنها تبع لتلك الظروف، بمنزلة الصور المصورة علي جدر البيوت والسقوف وفي الأنماط والستور، فبيعها صحيح.
الحديث الثامن عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((وهو بمكة)). بعد قوله: ((يوم الفتح)) نحو قولهم: رأيته بعيني وأخذته بيدي، والمقصود منهما تحقيق السماع وتقريره كما مر. وذكر الله تعالي قبل ذكر رسول صلى الله عليه وسلم توطئة لذكره إيذانا بأن تحريم الرسول بيع المذكورات كتحريم الله تعالي. لأنه رسوله وخليفته. قوله:((ويستصبح بها)) المغرب: استصبح بالمصباح، واستصبح بالدهن، ومنه قوله: ويستصبح به أي ينور به المصباح. قوله: ((فقال: لا، هو حرام)) الضمير المرفوع راجع إلي مقدر بعد كلمة الاستخبار، وكلمة ((لا)) رد لذلك المقدر، وهو يحتمل أمرين: أحدهما: أخبرني، أحل انتفاع شحوم الميتة؟ وثإنيهما: أحل بيعها؟ والثاني هو المراد.
((مح)): معنى قوله: ((لا، هو حرام)) لا تبيعوها؛ فإن بيعها حرام، فالضمير في ((هو)) يعود إلي البيع لا إلي الانتفاع، هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه، وعند الجمهور لا يجوز الانتفاع به في شيء من ذلك أصلاً؛ لعموم النهي إلا ما خص، وهو الجلد المدبوغ، فالصحيح من مذهبنا جواز الانتفاع بالأدهان المتنجسة من الخارج، كالزيت والسمن وغيرهما بالاستصباح ونحوه، بأن يجعل الزيت صابونا، أو يطعم العسل المتنجس النحل، والميتة الكلاب، والطعام الدواب. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه بيع الزيت النجس، إذا بينه. قال العلماء: وفي عموم تحريم بيع الميتة أنه يحرم بيع جثة الكافر المقتول وفي الحديث أن نوفلا المخزومي قتل يوم الخندق، فبذل الكفار في جسده عشرة آلاف درهم، فلم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أصحابنا: العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة، فيتعدى إلي كل نجاسة، والعلة في منع بيع الأصنام كونها ليس فيها منفعة مباحة. فإن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها، ففي صحة بيعها خلاف مشهور لأصحابنا، منهم من منعه لظاهر النهي، ومنهم من جوزه اعتماداً علي الانتفاع برضاضها، وتأول الحديث علي مالا ينتفع برضاضه، أو علي كراهة التنزيه في الأصنام خاصة.
2767 -
وعن عمر [رضي الله عنه]، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها)). متفق عليه.
2768 -
وعن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن ثمن الكلب والسنور. رواه مسلم.
2769 -
وعن أنس [رضي الله عنه]، قال: حجم أبو طيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر له بصاعٍ من تمرٍ، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه. متفق عليه.
ــ
((حس)): في الحديث دليل علي أن من أراق خمر النصرإني، أو قتل خنزيراً له، أنه لا غرامة عليه؛ لأنه لا ثمن لها في حق الدين، وفي تحريم بيع الخمر والميتة، دليل علي تحريم بيع الأعيان النجسة، وإن كانت منتفعاً بها في الضرورة، كالسرقين، وفي تحريم بيع الأصنام، دليل علي تحريم بيع جميع الصور المتخذة من الخشب والحديد وغيرهما، وعلي تحريم بيع جميع آلات اللهو كالطنبور والمزمار والمعازف، فإذا طمست الصور وغيرت آلات اللهو عن حالتها
يجوز بيع جواهرها وأصولها.
قوله: ((قاتل الله اليهود)) ((قض)): أي عاداهم، وقيل: قتلهم فأخرج في صورة المغالبة للمبالغة، أو عبر عنه بما هو مسبب عنه؛ فإنهم بما اخترعوا من الحيلة، انتصبوا لمحاربة الله ومقاتلته، ومن قاتله قتله. قوله:((أجملوه)) الضمير راجع إلي الشحوم علي تأويل المذكور، وأنشد ابن جنى:
كالفراخ نتفت حواصله
ويجوز أن يرجع إلي ما هو في معنى الشحوم وهو الشحم، إذ لو قيل: حرم شحمها لم يخل بالمعنى، فهو نحو قوله تعالي:((فأصدق وأكن)). ((نه)): جملت الشحم وأجملته، إذا أذبته واستخرجت دهنه، وجملت أفصح من أجملت. ((حس)): فيه دليل علي بطلان كل حيلة تحتال للتوصل إلي محرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغيير هيئته وتبديل اسمه.
الحديث التاسع والعاشر عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((والسنور)) ((حس)): هذا محمول علي مالا ينفع، أو علي أنه نهي تنزيه، لكن يعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به، كما هو الغالب، فإن كان نافعاً وباعه، صح البيع وكان ثمنه حلالاً، هذا مذهب الجمهور، إلا ما حكي عن أبي هريرة وجماعة من التابعين واحتجوا بالحديث. وأما ما ذكره الخطأبي، وابن عبد البر أن الحديث ضعيف فليس كما قالا، بل هو صحيح، رواه مسلم وغيره وقول ابن عبد البر: إنه لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة غلط؛ لأن مسلماً قد رواه في صحيحه عن معقل بن عبد الله عن أبي الزبير وهما ثقتان.
الحديث الحادي عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((أن يخففوا)) ((مح)): في الحديث جواز
الفصل الثاني
2770 -
عن عائشة، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)). رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة. وفي رواية أبي داود، والدارمي:((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه)). [2770].
2771 -
وعن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يكسب عبدٌ مال حرامٍ، فيتصدق منه فيقبل منه؛ ولا ينفق منه، فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره
ــ
مخارجة العبد برضاه، وحقيقتها أن يقول السيد لعبده: اكتسب، وأعطني من كسبك كل يوم كذا والباقي لك، فيقول العبد: رضيت به، وفيه إباحة نفس الحجامة، وأنها من أفضل الأدوية، وإباحة التداوي، وإباحة الأجرة علي المعالجة للطبيب. وفيه جواز الشفاعة بالتخفيف إلي أصحاب الحقوق والديون. وأبو طيبه - بهاء مهملة مفتوحة- عبد لبنى بياضة اسمه نافع، وقيل غيره.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عائشة رضي الله عنه: قوله: ((وإن أولادكم من كسبكم)) ((فا)): إنما جعل الولد كسباً؛ لأن الوالد طلبه وسعى في تحصيله، والكسب الطلب والسعي في طلب الرزق والمعيشة، ونفقة الوالدين علي الولد واجبة، إذا كانا محتاجين عاجزين عن السعي عند الشافعي، وغيره لا يشترط ذلك، أقول: قوله: ((من كسبكم)) خبر ((إن)) و ((من)) ابتدائية، يعنى إن أطيب أكلكم أكلكم مبتدأ مما كسبتموه بغير واسطة أو بواسطة من كسب أولادكم، وتسمية الولد بالكسب مجاز.
الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قوله: ((فيتصدق منه)) عطف علي ((يكسب)) وقوله: ((فيقبل)) مرفوع عطفًا علي ((فيتصدق)) يعنى لا يوجد الكسب الحرام المستعقب للتصدق والقبول، ويحتمل النصب جوابًا للنفي، علي تقدير ((أن)) أي فلا يكون اجتماع الكسب والتصدق سببًا للقبول، وقوله:((ولا ينفق منه)) عطف علي قوله: ((فيتصدق)) علي تقدير المعطوف لا الانسحاب، و ((فيبارك)) نصب علي الجواب، وكذا قوله:((ولا يتركه)) عطف علي ((فيتصدق)) والحديث من التقسيم الحاصر؛ لأن من اكتسب المال، إما أن يدخر للآخرة فيتصدق منه أو
إلا كان زاده إلي النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ؛ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)). رواه أحمد، وكذا في ((شرح السنة)) [2771].
2772 -
وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت. وكل لحم نبت من السحت كانت النار أولي به)). رواه أحمد، والدارمي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) [2772].
ــ
لا، والثاني إما أن ينفق علي نفسه وعياله أو لا، والثاني هو ما أدخره لدنياه وأخذه كنزًا لنفسه، فبين أن الحرام لا يجديه ولا ينفعه فيما قصده. وإنما عدل في القرينة الأخيرة علي ما هو عليه القرينتان؛ ليلوح إلي معنى قوله تعالي:((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله- إلي قوله- يوم يحمى عليها في نار جهنم)) وأخرجه مخرج الحصر لا التعليل؛ ليقرره علي سبيل التأكيد، وهو أقوى من التعليل؛ لأن من تصدق من الحرام يمدحه الناس، وإن لم يكن مقبولاً عند الله، وكذا من أنفق فينفعه ظاهرًا، وإن لم يبارك في العاقبة، لكن من مات وترك الحرام لم يكن له إلا النار، وهذا معنى قوله:((إلا كان زاده إلي النار)) أي كان ذلك الكسب الحرام زوادته منتهية إلي النار)). وقوله: ((إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ)) جملة مستأنفة لتعليل عدم القبول، وهو مقدمة وتوطئة لقوله:((إن الخبيث لا يمحو الخبيث)) أي المال الحرام لا يجدي ألبتة، عبر عن عدم النفع بالخبيث.
الحديث الثالث عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((من السحت)) ((نه)) ((السحت)) الحرام الذي لا يحل كسبه؛ لأنه يسحت البركة أي يذهبها، والسحت الرشوة في الحكم. أقول: أسند عدم دخول الجنة إلي اللحم لا إلي صاحبه، إشعارًا بالعلية، وأنه خبيث لا يصلح أن يدخل الطيب؛ ولذلك أتبعه بقوله:((النار أولي به)) لأن الخبيث للخبيث. وفيه أن من تاب في الدنيا، وبدل الخبيث بالطيب يدخل الجنة، هذا علي ظاهر الاستحقاق، أما إذا تاب الله عليه أو غفر له من غير توبة، وأرضي خصمه أو نالته شفاعة شفيع، فهو خارج من هذا الوعيد.
2773 -
وعن الحسن بن علي [رضي الله عنهما]، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دع ما يريبك إلي مالا يريبك، فإن الصدق طمإنينة، وإن الكذب ريبة)). رواه أحمد، والترمذي. والنسائي. وروى الدارمي الفصل الأول [2773].
2774 -
وعن وابصة بن معبد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((يا وابصة! جئت تسأل عن البر والإثم؟)) قلت: نعم. قال: فجمع أصابعه، فضرب صدره، وقال:((استفت نفسك. استفت قلبك)) ثلاثًا ((البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب.
ــ
الحديث الرابع عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: قوله: ((دع مايريبك)) ((تو)): أي دع ما اعترض لك الشك فيه منقلبًا عنه إلي مالا شك فيه، يقال: دع ذلك أي استبدله به. ((نه)): الريب الشك، وقيل: هو الشك مع التهمة، يقال: رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني وأوهمني الريبة فيه، فإذا استيقنته، قلت: ربني بغير ألف، ويروى هذا الحديث بفتح الياء وضمها، والفتح أشهر ((غب)): الريب أن يتوهم في الشيء أمرٌ ما، ثم ينكشف عما يوهم فيه، والإرابة أن يتوهمه، فينكشف خلاف ما توهم، ولذلك قيل: القرآن فيه إرابة وليس فيه ريب.
قوله: ((فإن الصدق طمإنينة)) ((تو)): جاء هذا القول ممهدًا لما تقدمه من الكلام، ومعناه إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه؛ فإن نفس المؤمن تطمئن إلي الصدق وترتاب من الكذب، فارتيابك في الشيء منبئ عن كونه باطلا، أو مظنة للباطل فاحذره. واطمئنانك إلي
الشيء مشعر بكونه حقًا، فاستمسك به. والصدق والكذب يستعملان في المقال والفعال، وما يحق أو يبطل من الاعتقاد، وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب وأوساخ الآثام.
الحديث الخامس عن وابصة: قوله: ((عن البر والإثم)) ((نه)): ((البر)) بالكسر الإحسان، يقال بر يبر فهو بار وبر، وجمع البار بررة، وفي الغريبين ((البر)) اسم جامع للخير كله، ومنه قوله تعالي:((ولكن البر من اتقى)) والبر الزيادة في الإحسان والاتساع فيه، وسميت البرية برية؛ لاتساعها، ((والإثم)) هو الذنب؛ وقد أثم الرجل بالكسر إثمًا ومأثمًا إذا وقع في الذنب. قوله:((ما حاك)) ((نه)): أي أثر فيها ورسخ، يقال: ما يحيك كلامك في فلان، أي ما يؤثر، والإثم ماحاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس، أي أثر في قلبك وأوهمك أنه ذنب وخطيئة.
والإثم ماحك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس)). رواه أحمد، والدارمي [2774].
ــ
((قض)): هذا الحديث من دلائل النبوة ومعجزات الرسول؛ فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر عما في ضمير وابصة قبل أن يتكلم به، والمعنى أن الشيء إذا أشكل عليك والتبس ولم تتبين أنه من أي القبيلين هو؟ فليتأمل فيه إن كان من أهل الاجتهاد، وليسأل المجتهدين إن كان من المقلدين، فإن وجد ما تسكن إليه نفسه ويطمئن به قلبه وينشرح به صدره، فليأخذ به وليختر لنفسه، وإلا فليدعه، وليأخذ بما لا شبهة فيه ولا ريبة، هذا طريقة الورع والاحتياط، وحاصله راجع إلي حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما، ولعله إنما عطف اطمئنان القلب علي اطمئنان النفس؛ للتقرير والتأكيد؛ فإن النفس إذا ترددت في أمر وتحيرت فيه وزال عنها القرار، استتبع ذلك العلاقة التي بينها وبين القلب، الذي هو المتعلق الأول لها، فتنقل العلاقة إليه من تلك الهيئة أثرًا فيحدث فيه خفقان واضطراب، ثم ربما يسري هذا الأثر إلي سائر القوى، فيحسن بها الحلال والحرام، فإذا زال ذلك عن النفس، وحدث لها قرار وطمإنينة، انعكس الأثر، وتبدلت الحال علي مالها من الفروع والأعضاء. وقيل: المعني بهذا الأمر أرباب البصائر من أهل النظر والفكرة المستقيمة، وأصحاب الفراسات من ذوي النفوس المرتاضة والقلوب السليمة؛ فإن نفوسهم بالطبع تصبو إلي الخير وتنبو عن الشر، فإن الشيء ينجذب إلي ما يلائمه وينفر عما يخالفه؛ ويكون ملهمة للصواب في أكتر الأحوال. ((تو)): وهذا القول وإن كان غير مستبعد؛ فإن القول يحمله علي العموم فيمن تجمعهم كلمة التقوى، وتحيطهم دائرة الدين أحق وأهدى.
أقول: ولعل هذا الوجه أرجح؛ لأن المراد من النفس هو القلب علي الاستعارة؛ لأن الإنسان كما يتقوم بالنفس كذلك يتقوم بالقلب، ودل تكرير ((استفت استفت)) علي اتحادهما، ثم إذا كرر ثلاث مرات زاد التأكيد أضعافًا، فإذا حصل ذلك بعد ضرب جمع الكف علي صدر وابصة مخاطبًا له ((بنفسك)) وأنه خطاب لمثل وابصة، ومن هو علي صفته من شرف النفس وكرم الخلق، دل علي أنه لا ينبغي له أن يتجاوز نفسه إلي الغير، ولا يستفتى إلا عن نفسه؛ ولذلك جاء بقوله:((وإن أفتاك الناس)) فإنها شرط قطع عن الجزاء، تتميمًا للكلام السابق وتقريرًا له علي سبيل المبالغة. وقيل: الضمير في ((صدره)) يعود إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أوهمه قوله:((قال)) ويجوز أن يكون من كلام الراوي غير وابصة، وهو أولي بسياق المعنى كما مر.
فإن قلت: سياق الحديث الأول في الصدق والكذب، وهذا في البر والإثم، فكيف وردا في باب الكسب؟ وأي مناسبة بينهما؟ قلت: قوله: ((طمإنينة)) كالبيان والتفسير للصدق، فلا يراد به المتعارف بل أعم، فهو حينئذ من باب عموم المجاز، ويشتمل علي الصدق في المقال والفعال، ومن الفعال طلب كسب الحلال، والكذب يقابله الكذب في المعنى.
2775 -
وعن عطية السعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرًا لما به بأس)). رواه الترمذي، وابن ماجه [2775].
ــ
((غب)): الصدق والكذب أصلهما في القول، وقد يستعملان في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظنى وكذب، وفي أفعال الجوارح، فيقال: صدق في القتال إذا أوفي حقه، وكذب في القتال إذا كان بخلاف ذلك، قال تعالي:{والذي جاء بالصدق وصدق به} أي حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا، ويعبر عن كل فعل فاضل ظاهرًا وباطنًا بالصدق - انتهي كلامه- فقس علي هذا قوله:((البر ما اطمأنت إليه النفس)) فإن ((ما اطمأنت)) تعريف لـ ((البر))، فلا يراد به الإحسان المطلق، بل ما اشتمل عليه وعلي غيره كما مر في الصدق.
الحديث السادس عن عطية: قوله: ((أن يكون من المتقين)) ظرف ((يبلغ)) علي تقدير مضاف أي بلغ درجة المتقين، يقال: بلغت المكان وصلت إليه، والتركيب من باب قوله تعالي:{إني لعملكم من القالين} يعنى ممن له مساهمة مع المتقين في هذه الصفة، وأن الوصف كاللقب المشهود له، وإنما جعل المتقى من يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس؛ لآن المتقى في اللغة اسم فاعل من قولهم: وقاه فاتقى، والوقاية فرط الصيانة، ومنه فرس واق، وهذه الدابة تقي من وجاها، إذا أصابها ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهي تقي حافرها أن يصيبها أدنى شيء يؤلمه، وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك.
وقيل: التقوى علي ثلاث مراتب: الأولي: التوقي عن عذاب الخلد بالتبرؤ عن الشرك، كقوله تعالي:{وألزمهم كلمة التقوى} . والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك، حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع، والمعني بقوله:{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا} والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل بشراشره إلي الله، وهو التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله:{اتقوا الله حق تقاته} والحديث وإن استشهد به للمرتبة الثانية، فإنه يجوز أن ينزل علي المرتبة الثالثة. والله أعلم. واللام في ((لما به بأس)) بيان لـ ((حذرًا)) لا صلة؛ لأن صلته ((من)) ونحوه قوله تعالي:{هيت لك} وقوله: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} كأنه قيل: حذرًا لماذا؟ فقيل: لما به بأس. وهذا الحديث أبلغ وأجمع من الحديثين السابقين عليه.
2776 -
وعن أنسٍ، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرةً: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشترى له. رواه الترمذي، وابن ماجه [2776].
2777 -
وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [2777]
2778 -
وعن محيصة، أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أجرة الحجام، فنهاه، فلم يزل يستأذنه، حتى قال:((اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك)). رواه مالك، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [2778]
2779 -
وعن أبي هريرة، قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، وكسب الزمارة. رواه في ((شرح السنة)). [2779]
ــ
الحديث السابع والثامن عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((ومعتصرها)) الجوهري: عصرت العنب واعتصرته وانعصر، وقد اعتصرت عصيرًا أي اتخذته. ((شف)): العاصر قد يكون عصره لغيره، والمعتصر الذي يعصر الخمر لنفسه، كقولك: كال واكتال وقصد واقتصد.
أقول: قوله: ((لعن في الخمر)) معناه في شأنها وبسببها، لعن من سعى فيها سعيًا ما علي ما عدد من العاصر والمعتصر وما أردفهما، وإنما أطنب فيه ليستوعب من زاولها مزاولة بأي وجه كان، ومن باع العنب من العاصر وأخذ ثمنه، فهو أحق باللعن، وهؤلاء لما حرمت عليهم الخمر، وباعوا ما هو أصل لها ممن علموا أنه يتخذها خمرًا، لا يبعد أن يكونوا ممن قيل فيه:((قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها)).
الحديث التاسع عن محيصة: قوله: ((ناضحك)) الناضح الجمل الذي يستقى به الماء قوله: ((فنهاه)) ((مح)): هذا نهي تنزيه للارتفاع عن دني الاكتساب، وللحث علي مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا لم يفرق بين الحر والعبد؛ فإنه لا يجوز للسيد أن يطعم عبده ما لا يحل.
الحديث العاشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((الزمارة)) قال أبو عبيد: تفسيره في الحديث أنها الزإنية ولم أسمع هذا الحرف إلا فيه، ولا أدري من أي شيء أخذ، وقد نقل
2780 -
وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، وثمنهن حرام، وفي مثل هذا نزلت: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث})). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي:
هذا حديث غريب، وعلي بن يزيد الراوي يضعف في الحديث. [2780]
وسنذكر حديث جابر: نهي عن أكل الهر في باب ((ما يحل أكله)) إن شاء الله تعالي.
ــ
الهروي عن الأزهري أنه قال: يحتمل أن يكون نهي عن كسب المرأة المغنية، يقال: غناء زمير أي حسن، ويقال: زمر إذا غنى، وزمر الرجل إذا ضرب المزمار فهو زمار، ويقال للمرأة: زامرة قيل: ويحتمل أن يكون تسمية الزامرة زمارة؛ لأن الغالب علي الزوإني اللاتي اشتهرن بذلك العمل الفاحش واتخذنه حرفة، كونهن مغنيات، وذهب بعضهم إلي أن الصواب فيه تقديم الراء علي الزاي، وهي التي تومئ بشفتيها وعينيها، والزاوني يفعلن ذلك، قال الشاعر:
رمزت إلي مخافة من بعلها من غير أن يبدو هناك كلام
الحديث الحادي عشر عن أبي أمامة: قوله: ((القينات)) الجوهري: القينة الأمة مغنية كانت أو غيرها من التقيين وهو التزيين، وسميت بذلك لأنها تصلح البيت وتزينه.
((تو)): وفي الحديث يراد بها المغنية؛ لأنها إذا لم تكن مغنية، فلا وجه للنهي عن بيعها وشرائها. ((قض)): النهي مقصور علي البيع والشرى لأجل التغني، وحرمة ثمنها دليل علي فساد بيعها، والجمهور صححوا بيعها، والحديث مع ما فيه من الضعف للطعن في رواية مؤول بأن أخذ الثمن عليهن حرام، كأخذ ثمن العنب من النباذ؛ لأنه إعانة وتوسل إلي حصول محرم، لا لأن البيع غير صحيح.
قوله: ((لهو الحديث)) الإضافة فيه بمعنى ((من)) للبيان، نحو جبة خز، وباب ساج، أي يشتري اللهو من الحديث؛ لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، والمراد بـ ((لحديث)) الحديث المنكر، فيدخل فيه نحو التسمر بالأساطير، والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات والمضاحيك والغناء وتعلم الموسيقى وما أشبه ذلك، نزلت في النضر بن الحارث كان يشترى المغنيات ليضل عن سبيل الله.
الفصل الثالث
2781 -
عن عبد الله [بن مسعود]، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طلب كسب الحلال فريضة بعد الفريضة)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [2781].
2782 -
وعن ابن عباس [رضي الله عنهما]، أنه سئل عن أجرة كتابة المصحف. فقال: لا بأس، إنما هم مصورون، وإنهم إنما يأكلون من عمل أيديهم.
رواه رزين.
2783 -
وعن رافع بن خديجٍ، قال: قيل: يا رسول الله! أي الكسب أطيب؟ قال: ((عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرورٍ)) رواه أحمد. [2787]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((فريضة بعد الفريضة)) يحتمل معنيين: أحدهما: بعد الفريضة المعلومة عند أهل الشرع، وثإنيهما: فريضة متعاقبة بعضها يتلو البعض، أي لا غاية لها؛ لأن طلب كسب الحلال أصل الورع وأساس التقوى.
الحديث الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((مصورون)) الصورة الهيئة والنقش، والمراد هاهنا النقش، وفي ((إنما)) إشعار بالمجموع، لأنه أثبت النقش ونفي المنقوش، والقرآن لما كان عبارة عن المجموع من القراءة والمقروء، والكتابة، والمكتوب، فالمقروء، والمكتوب هو القديم، والكتابة والقراءة ليستا من القديم؛ لأنهما من أفعال القارئ والكاتب، فلما نظر السائل إلي معنى المقروء والمكتوب، وأنهما من صفات القديم، عظم شأنه بأن يأخذ الأجرة، وحبث نظر ابن عباس رضي الله عنهما إلي الكتابة والقراءة، وأنهما من صفات الإنسان جوزها.
((حس)): قال الله تعالي: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} يريد ذكر القرآن لهم وتلاوته عليهم، وعلمهم به كل ذلك محدث، والمذكور المتلو المعلوم غير محدث، كما أن ذكر العبد لله محدث، والمذكور غير محدث. وروى عن ابن عباس في قوله عز وجل: {قرآنًا
عربيًا غير ذي عوج} قال: غير مخلوق.
الحديث الثالث عن رافع: قوله: ((مبرور)) أي مقبول في الشرع بأن لا يكون فاسدًا، أو عند الله بأن يكون مثابًا به.
2784 -
وعن أبي بكر بن أبي مريم، قال: كانت لمقدام [بن] معدي كرب جاريةٌ تبيع اللبن. ويقبض المقدام ثمنه، فقيل له: سبحان الله! أتبيع اللبن؟ وتقبض الثمن؟ فقال: نعم! وما بأسٌ بذلك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((ليأتين علي الناس زمانٌ لاينفع فيه إلا الدينار والدرهم)) رواه أحمد. [2784]
2785 -
وعن نافعٍ، قال: كنت أجهز إلي الشام، وإلي مصر، فجهزت إلي العراق، فأتيت إلي أم المؤمنين عائشة، فقلت لها: يا أم المؤمنين! كنت أجهز إلي الشام فجهزت إلي العراق. فقالت: لاتفعل! مالك ولمتجرك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سبب الله لأحدكم رزقًا من وجهٍ فلا يدعه حتى يتغير له، أو يتنكر له)) رواه أحمد، وابن ماجه.
ــ
الحديث الرابع عن أبي بكر رضي الله عنه: قوله: ((أتبيع اللبن)) يجوز أن يكون ((تبيع)) مسندًا إلي الجارية علي الحقيقة، أنكر بيع الجارية اللبن وقبض المقدام ثمنه، فالإنكار متوجه إلي معنى الدناءة، أي أترضي بفعل الجارية الدنيئة شيئًا دنيئًا فتقبضه؟ وأن يكون مسندًا إلي المقدام علي المجاز، فالإنكار متوجه إلي البيع والقبض معًا، وقوله:((نعم)) جواب عن معنى الإنكار، أي أترضي بهذا الفعل الدنىء؟ فقال:((نعم))، وتنزيل الجواب علي الوجه الأول أولي، ويؤيده تأكيده بقوله:((وما بأس بذلك)) و ((ما)) في قوله: ((ما بأس)) بمعنى ((ليس)) وهو يقتضى أن يكون ((بأس)) مرفوعًا به، ولم تجىء ((ما)) بمعنى ((لا)) التي لنفي الجنس، اللهم إلا علي الاستعارة؛ فإنها غير متوقفة علي السماع.
قوله: ((لا ينفع فيه إلا الدينار والدرهم)) معناه لا ينفع الناس شيء، إلا الكسب، إذ لو تركوه لوقعوا في الحرام، كما روي عن بعضهم، وقيل له: إن التكسب يدنيك من الدنيا، قال: لئن أدنانى من الدنيا لقد صانني عنها، وكان السلف يقولون: اتجروا واكتسبوا؛ فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وروى عن سفيان وكانت له بضاعة يقلبها: لولاها لتمندل بى بنو العباس، أي لجعلوني كالمنديل يمسحون بى أوساخهم.
الحديث الخامس عن نافع: قوله: ((أجهز)) ((نه)): في الحديث ((من لم يغز ولم يجهز غازيًا)) تجهيز الغازى تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في الغزو - انتهي كلامه- وفي هذا الحديث مفعوله محذوف، أي كنت أجهز وكلائي ببضاعتي ومتاعي إلي الشام. قوله:((ولمتجرك)) عطف تفسيري لقوله: ((لك)) علي طريقة قوله: أعجبنى زيد وكرمه، والمعنى ما تصنع بمتجرك الذي تركته وكانت البركة فيه. و ((أو)) في قوله:((أو يتنكر)) يجوز أن يكون من شك الراوى أو
2786 -
وعن عائشة، قالت: كان لأبي بكر [رضي الله عنه] غلامٌ يخرج له الخراج، فكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيٍء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ماهذا؟ فقال أبو بكر: وماهو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أنى خدعته، فلقينى فأعطإني بذلك، فهذا الذي أكلت منه. قالت: فأدخل أبو بكرٍ يده، فقاء كل شيء في بطنه. رواه البخاري.
2787 -
وعن أبي بكر [رضي الله عنه]، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [2787]
2788 -
[وعن زيد بن أسلم، أنه قال: شرب عمر بن الخطاب لبنًا، وأعجبه، وقال للذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد علي ماءٍ قد سماه، فإذا
نعم من نعمِ الصدقة وهم يسقون، فحلبوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي، وهو هذا. فأدخل عمر يده فاستقاءه. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [2788]
2789 -
وعن ابن عمر، قال: من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهمٌ حرامٌ، لم يقبل الله له صلاةً مادام عليه، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: صمتا إن
ــ
للتنويع، والمراد بالتغيير حينئذ عدم الربح، وبالتنكير خسران رأس المال بسبب الحوادث، وفيه أن من أصاب من أمر مباح خيرًا، وجب عليه ملازمته، ولا يعدل منه إلي غيره إلا لصارف قوى، لأن كلا ميسر لما خلق له.
الحديث السادس عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((الخراج)) علي تقدير مضاف، أي يكسب له مال الخراج، والخراج هو الضريبة علي العبد بما يكسبه، فيجعل لسيده شطرًا من ذلك، والاستثناء في قوله:((إلا إني خدعته)) منقطع، يعنى لم أكن أجيد الكهانة، لكني خدعته، وإنما قاء أبو بكر رضي الله عنه؛ لكونه حلوانا للكاهن لا للخادع.
الحديث السابع والثامن عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((لم يقبل الله تعالي له صلاة)) كان الظاهر أن يقال: منه، لكن المعنى لم يكتب الله له صلاة مقبولة، مع كونها مجزئة مسقطة للقضاء كالصلاة في الدار المغصوبة. قوله:((صمتا)) الأظهر أن تكون مفتوحة الصاد، وإذا صح ضمها، فعلي معنى سد تا من قولهم: صممت القارورة أي سددتها، وهو دعاء علي أذنيه تأكيدًا وتقريرًا لإثبات السماع علي منوال قولهم: سمعته بأذني، واسم ((كان)) النبي صلي الله وخبره