الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3) باب الخيار
الفصل الأول
2801 -
وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((المتبايعان كل واحد منهما بالخيار علي صاحبه مالم يتفرقا إلا بيع الخيار)) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: ((إذا تبايع المتبايعان فكل واحدٍ منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيارٍ، فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب)).
ــ
باب الخيار
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((بالخيار)) خبر لقوله: ((كل واحد)) أي محكوم بالخيار، والجملة خبر لقوله:((المتبايعان)). ((نه)): هو الاسم من الاختيار، وهو طلب خير الأمرين إما إمضاء البيع أو فسخه. ((تو)): اختلف العلماء في معنى قوله: ((ما لم يتفرقا)) فذهب جمع إلي أن معناه التفرق بالأبدان، فأثبتوا لهما خيار المجلس، وقالوا: سماهما المتبايعين وهما المتعاقدان؛ لأن البيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين، وهي لا تقع في الحقيقة إلا بعد حصول الفعل منهم، وليس بعد العقد تفريق إلا التميز بالأبدان. وذهب آخرون إلي أنهما إذا تعاقدا صح البيع، ولا خيار لهما إلا أن يشترطا، وقالوا: المراد من التفرق هو التفرق بالأقوال، ونظيره قوله تعالي:{وإن يتفرقا يغن الله كلا من سمعته} وأما تسميتهما بالمتبايعين، فيصح أن يكون بمعنى المتساومين، وهو من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه أو يقرب منه.
((قض)): المفهوم من التفرق هو التفرق بالأبدان وعليه إطباق أهل اللغة. وإنما سمي الطلاق تفرقًا في قوله تعالي: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} لأنه يوجب تفرقهما بالأبدان. ومن نفي خيار المجلس، أول التفرق بالتفرق بالأقوال، وهو الفراغ من العقد، وحمل المتبايعين علي المتساومين؛ لأنهما علي صدد البيع، فارتكب مخالفة الظاهر من وجهين بلا مانع يعوق عنه، مع أن هذا الحديث [رواي] البخاري وغيره من أئمة الحديث، وأوردوه بعبارة تأبي قبول هذا التأويل، ومن ذلك ما أورده في الحسان ((وإلا بيع الخيار)) استثناء عن مفهوم الغاية، والمعنى المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا سقط الخيار ولزم العقد إلا بيع الخيار أي بيعًا شرط فيه الخيار، فإن الخيار بعد باق إلي أن يمضي الأمد المضروب للخيار
وفي رواية للترمذي: ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا أو يختارا)) وفي المتفق عليه: ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر)) بدل ((أو يختارا)).
2802 -
وعن حكيم بن حزام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار))
ــ
المشروط. وقيل: الاستثناء من أصل الحكم؛ والمعنى أنهما بالخيار إلا في بيع إسقاط الخيار ونفيه، أي في بيع شرط فيه نفي الخيار، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ومن هذين الوجهين نشأ الخلاف في صحة شرط نفي خيار المجلس فيما بين القائلين به، والأول أظهر لقلة الإضمار وإيلاء الاستثناء بالمتعلق به. وقيل: معناه إلا بيعًا جرى التخاير فيه، وهو أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: اخترت، فإن العقد يلزم به ويسقط الخيار فيه وإن لم يتفرقا بعد. أقول: وظهر من هذا أن ((أو)) في قوله: ((أو يختارا)) مثلها في قولك: لزمتك أو تعطيني حقي إلا أن تختار.
((تو)): قوله صلى الله عليه وسلم: ((إلا بيع الخيار)) المراد منه عند من لا يرى خيار المجلس خيار الشرط، وقد أنكر الخطأبي علي هذا التأويل، وصرح القول بفساده، وقال: الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، والأول إثبات الخيار، فلا يجوز أن يكون ما استثني عنه إثباتًا مثله. وكأن هذا القول صدر منه من غير روية؛ لأن في قوله:((ما لم يتفرقا)) دليلاً ظاهراً علي نفي الخيار بعد وجوب البيع، فوقع الاستثناء عن المعنى المنفي.
أقول: أجاب القاضي عنه للخطابي، وبين المستثنى منه المثبت بقوله: ولزم العقد، وهو المعني بقوله:((إلا بيع الخيار)) استثناء عن مفهوم الغاية، وهو الحق؛ لأن الكلام إنما يتم بآخره. هذا من حيت الاجتهاد، وأما النص فلا يساعد إلا وجوب البيع، ونفي الاختيار إما بالشرط أو بلفظ اختر؛ لأن الروايات التالية بيان له، ولا يجوز العدول عن بيان الرسول لمراده من كلامه إلي الاحتمال.
((مح)): اتفق أصحابنا علي أن المراد من الحديث التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس، وتقديره: يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع، فيلزم البيع بنفس التخاير، ولا يدوم إلي المفارقة، وهو المنصوص للشافعي ونقلوه عنه، وأبطل كثير منهم ما سواه وغلطوا قائله، وممن رجحه من المحدثين البيهقي، تم بسط دلائله وبين ضعف ما يعارضها. والله أعلم.
الحديث الثاني عن حكيم: قوله: ((فإن صدقا وبينا)) ((مح)) و ((مظ)): يعني فإن صدق البائع في صفة المبيع، وبين ما فيه من عيب ونقص، وكذا المشتري فيما يعطي في عوض المبيع ((بورك)) أي كثر نفع البائع من الثمن ونفع المشتري في المبيع، ((وإن كتما)) عيب متاعهما وكذا
ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)) متفق عليه.
2803 -
وعن ابن عمر، قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أخدع في البيوع. فقال: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة)) فكان الرجل يقوله. متفق عليه.
ــ
في صفات ذلك، ((محقت)) أي نفيت وأزيلت بركة بيعهما.
أقول: قوله: ((فإن صدقا)) هذا القيد فيه إشعار بأن علة شرعية خيار المجلس تحري المتبايعين في المبيع من الوقوف علي عيبه، أو أن له غرضًا ما فيه، أو أنه يغبن فيه ولا يعلم، وليس له في المبيع ما قصده من الغرض، فعلي كل من المتبايعين نصح صاحبه من بيان العيب، وعدم حصول الغرض منه، فإن كتم ذلك ولم يبين خانه، ومن نفي خيار المجلس أبطل هذا الغرض.
الحديث الثالث عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((إني أخدع في البيوع)) ((قض)): ذلك الرجل حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني، وقد صرح به في بعض الروايات و ((الخلابة)) الخداع، يقال: خلبت الرجل خلابة إذا خدعته، والحديث يدل علي أن الغبن لا يفسد البيع ولا يثبت الخيار؛ لأنه لو أفسد البيع أو أثبت الخيار لنبه الرسول صلى الله عليه وسلم عليه ولم يأمره بالشرط، وقال مالك: إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة فله الخيار، وقال أبو ثور: إذا كان الغبن فاحشًا لا يتغابن الناس بمثله فسد البيع، وأنه إذا ذكرت هذه الكلمة في العقد، ثم ظهرت فيه غبينة كان له الخيار، وكأنه شرط أن يكون الثمن غير زائد عن ثمن المثل، فيضاهي ما إذا شرط وصفاً مقصوداً في المبيع فبان خلافه، وهو قول أحمد. وذهب أكثر العلماء، إلي أن مجرد هذا اللفظ لا يوجب الخيار بالغبن، فمنهم من خصص الحديث بحبان، ومنهم من قال: إنه صلى الله عليه وسلم أمره بشرط الخيار وتصدير الشرط بهذه الكلمة، تحريضًا للمعامل علي حفظ الأمانة والتحرز عن الخلابة، فإنه روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: له: ((قل لا خلابة، واشترط الخيار ثلاثة أيام)) وعلي هذا لم يختص الخيار بظهور الغبن، بل للشارط فسخه في المدة المضروبة، سواء كان فيه غبن أولم يكن، وليس له الفسخ بعد مضيها وإن ظهر الغبن.
((تو)): لقنه النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول؛ ليتلفظ به عند البيع، فيطلع به صاحبه علي أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيها، فيمتنع بذلك عن مظان الغبن، ويرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان أحقاء بأن يعينوا أخاهم المسلم، وينظروا له أكثر مما ينظرون لأنفسهم. أقول: هذا هو الوجه، لما مر في الحديث السابق من قوله:((إن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما)) وتفسيرنا له: فعلي كل من المتبايعين نصح صاحبه، وكان ذلك من توارد الخواطر: و ((لا)) في ((لا خلابة)) لنفي الجنس، وخبره محذوف علي الحجازي، أي لا خداع في الدين؛ لأن الدين النصيحة.
الفصل الثاني
2804 -
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنيائي. [2804]
2805 -
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((لا يتفرقن اثنان إلا عن تراضٍ)) رواه أبو داود. [2805]
الفصل الثالث
2806 -
عن جابر [رضي الله عنه] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أعرابياً بعد البيع.
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عمرو: قوله: ((صفقة خيار)) أي بيعة خيار، والإضافة للبيان؛ لأن الصفقة يجوز أن تكون للبيع أو للعهد. ((نه)): هو أن يعطي الرجل الرجل عهده وميثاقه، ويضع أحدهما يده في يد الأخر، كما يفعل المتبايعان، وهي المرة من التصقيق باليدين، والمعنى أن المتبايعين ينقطع خيارهما بالتفرق، إلا أن يكون البيع بيعًا شرط فيه الخيار كما مر.
قوله: ((خشية أن يستقيله)) مفعول له. ((مظ)): الإقالة إبطال البيع بعد انعقاده أي الفسخ، والمستعمل في الإقالة أن يرفع العاقدان البيع بعد لزومه بتراضيهما، والفسخ يستعمل في رفع العقد في زمان الخيار، أو لا ينبغي للمتقي أن يقوم من المجلس بعد العقد، ويخرج من خوف أن يفسخ العاقد الآخر البيع بخيار المجلس؛ لأن هذا يشبه الخديعة، وروي أن ابن عمر كان إذا بايع رجلا، فأراد أن لا يقيله قام يمشي هنيهة. هذا يدل علي أن المفارقة بالأبدان هو المعتبر.
الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((عن تراض)) صفة مصدر محذوف، والاستثناء متصل، أي لا يتفرقن اثنان إلا تفرقًا صادرًا عن تراض. ((شف)): فيه دليل علي أنه لا يجوز التفريق بين العاقدين لا نقاطع خيار المجلس إلا برضاهما، وفيه دليل علي ثبوت خيار المجلس لهما، وإلا فلا معنى لهذا القول حينئذ.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((خير)) ظاهره يدل علي مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لو كان خيار المجلس ثابتًا بالعقد كان التخيير عبثاً، والجواب أن هذا مطلق يحمل علي المقيد، كما سبق في الحديث الأول من الباب.