المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(11) باب الغصب والعارية - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٧

[الطيبي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب البيوع

- ‌(1) باب الكسب وطلب الحلال

- ‌(2) باب المساهلة في المعاملات

- ‌(3) باب الخيار

- ‌(4) باب الربا

- ‌(5) باب المنهي عنها من البيوع

- ‌(6) باب

- ‌(7) باب السلم والرهن

- ‌(8) باب الاحتكار

- ‌(9) باب الإفلاس والإنظار

- ‌(10) باب الشركة والوكالة

- ‌(11) باب الغصب والعارية

- ‌(12) باب الشفاعة

- ‌(13) باب المساقاة والمزارعة

- ‌(14) باب الإجارة

- ‌(15) باب إحياء الموات والشرب

- ‌(16) باب العطايا

- ‌(17) باب

- ‌(18) باب اللقطة

- ‌[كتاب الفرائض والوصايا]

- ‌باب الفرائض

- ‌(1) باب الوصايا

- ‌كتاب النكاح

- ‌(1) بابالنظر إلي المخطوبة وبيان العورات

- ‌(2) بابالولي في النكاح واستئذان المرأة

- ‌(3) باب إعلان النكاح والخطبة والشرط

- ‌(4) باب المحرمات

- ‌(5) باب المباشرة

- ‌(6) باب

- ‌(7) باب الصداق

- ‌(8) باب الوليمة

- ‌(9) باب القسم

- ‌(10) بابعشرة النساء وما لكل واحدة من الحقوق

- ‌(11) باب الخلع والطلاق

- ‌(12) باب المطلقة ثلاثا

- ‌(13) باب [في كون الرقبة في الكفارة مؤمنة]

- ‌(14) باب اللعان

- ‌(15) باب العدة

- ‌(16) باب الاستبراء

- ‌(17) باب النفقات وحق المملوك

- ‌(18) باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر

الفصل: ‌(11) باب الغصب والعارية

(11) باب الغصب والعارية

الفصل الأول

2938 -

عن سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أخذ شبراً من الأرض ظلماً؛ فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين)). متفق عليه.

2939 -

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير أذنه؛ أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه؟ وإنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم)). رواه مسلم.

ــ

باب الغصب والعارية

((مح)): هي بتشديد الياء، وقال الخطابي في الغريب: وقد يخفف. ((تو)): قيل: إنها منسوبة إلي العار؛ لأنهم رأوا طلبها عاراً وعيباً، قال الشاعر:

إنما أنفسنا عارية

والعواري قصارها أن ترد

والعارة مثل العارية، وقيل: إنها من التعاور وهو التداول ولم يبعد.

الفصل الأول

الحديث الأول عن سعيد رضي الله عنه: قوله: ((سبع أرضين)) ((مح)): قال العلماء: هذا تصريح بأن الأرض سبع طباق، وهو موافق لقوله تعالي:{سبع سموات ومن الأرض مثلهن} وقول من قال: إن المراد بالسبع الأقاليم خلاف للظاهر؛ إذ لم يطوق من غصب شبراً من الأرض شبراً من كل إقليم، بخلاف طبقات الأرض فإنها تابعة لهذا الشبر في الملك. أقول: ويعضده الحديث الثالث من الفصل الثالث: ((كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين.

((حس)): ومعنى التطويق أن يخسف الله به الأرض فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه كالطوق. وقيل: هو أن يطوق حملها يوم القيامة، أي يكلف فيكون في طوق التكليف لا من طوق التقليد؛ لما روي عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه، خسف به يوم القيامة إلي سبع أرضين))

الحديث الثاني عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((مشربته)) ((نه)): المشربة- بضم الراء

ص: 2187

2940 -

وعن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم،

ــ

وفتحها- كالغرفة يوضع فيها المتاع. أقول: بولغ في الممثل به مبالغات حيث جعل الحرز غرفة ليصعب الصعود إليها، وجعل فيها خزانة مستوثقة بالأقفال، فلا يظفر بما فيها إلا بالكسر تصويراً لحالة المشبه في الاشتياق. و ((إنما)) عطف علي مقدر وتقدير الكلام: أيحب أحدكم كذا؟ يقال: لا. ثم يجاب فإذن لا تفعلوا. وإنما يخزن لهم ضروع مواشيهم. قوله: ((فينتقل)) وفي شرح السنة والنهاية ((فينثل)) - بالياء المنقوطة تحتها نقطتان والنون والثاء المثلثة-، أي يستخرج ويؤخذ.

((حس)): العمل علي هذا عند أكثر أهل العلم أنه لا يجوز أن يحلب ماشية الغير بغير إذنه، إلا إذا اضطر في مخمصة ويضمن. وقيل: لا ضمان عليه؛ لأن الشرع أباحه له، وذهب أحمد وإسحاق وغيرهما إلي إباحته لغير المضطر، إذا لم يكن المالك حاضراً؛ فإن أبا بكر رضي الله عنه حلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبناً من غنم رجل من قريش، يرعاها عبد له وصاحبها غائب في هجرته إلي المدينة؛ ولما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إذا أتى أحدكم علي ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجابه أحد فليستأذنه، وإن لم يجب أحد فليحلب وليشرب ولا يحمل)). وقد رخص بعضهم لابن السبيل في أكل ثمار الغير؛ لما روي عن ابن عمر بإسناد غريب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من دخل حائطاً فليأكل غير متخذ خينة فلا شيء عليه)). وعند أكثرهم لا يباح إلا بإذن المالك إلا لضرورة مجاعة كما سبق.

((تو)): وحمل بعضهم هذه الأحاديث علي المجاعة والضرورة؛ لأنها لا تقاوم النصوص التي وردت في تحريم مال المسلمين. ((مح)): غير المضطر إذا كان له إدلال علي صاحب الطعام بحيث يعلم أو يظن أن نفسه تطيب بأكله منه بغير إذنه فله الأكل. والمضطر إن وجد ميتة وطعاماً لغيره فيه خلاف، والأصح عندنا أنه يأكل الميتة.

الحديث الثالث عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((بعض نسائه)) ((تو)): قد تبين لنا من غير هذا الطريق أن التي ضربت يد الخادم هي عائشة- رضي الله عنها انتهي كلامه. وقيل: صاحبة القصعة زينب بنت جحش، وقيل: أم سلمة، وقيل: صفية.

أقول: إنما أبهم في قوله: ((عند بعض نسائه)) وأراد بها عائشة رضي الله عنها تفخيماً لشأنها،

وأنه مما لا يخفي ولا يلتبس أنها هي؛ لأن الهدايا إنما تهدى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في

بيت عائشة. وإنما وصفت المرسلة بأم المؤمنين إيذاناَ بشفقتها وكسرها وغيرتها وهواها،

حيث أهدت إلي بيت ضرتها بالقصعة. والخطاب بقوله: ((غارت أمكم)) عام لكل من سمع بهذه

ص: 2188

فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول:((غارت أمكم)) ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلي التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت. رواه البخاري.

2941 -

وعن عبد الله بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهي عن النهبة والمثلة. رواه البخاري.

2942 -

وعن جابر، قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات

إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلي بالناس ست ركعات بأربع سجدات، فانصرف وقد

آضت الشمس، وقال: ((ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء

ــ

القضية من المؤمنين؛ اعتذاراً منه صلى الله عليه وسلم لئلا يحملوا صنيعها علي ما يذم بل يجري علي عادة الضرائر من الغيرة؛ فإنها مركبة في نفس البشر بحيث لا تقدر أن تدفعها عن نفسها. وقيل: هو خطاب لمن حضر من المؤمنين. ((تو)): وهذا الحديث لا تعلق له بالغصب ولا بالعارية، وإنما كان من حقه أن يورد في باب ضمان المتلفات.

((قض)) ووجه إيراد هذا الحديث في هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم غرم الضاربة ببدل الصحفة؛ لأنها انكسرت بسبب ضربها يد الخادم عدواناً. ومن أنواع الغصب إتلاف مال الغير مباشرة، أو بسبب علي وجه العدوان. ((نه)): الصحفة إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها، وجمعها صحاف. والفلق بالسكون الشق، وفلق الصحفة [كسرها].

الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((عن النهبة)) ((حس)): يؤول النهي في هذا الحديث علي الجماعة ينتهبون من الغنيمة ولا يدخلونها في القسمة، وعلي القوم يقدم إليهم الطعام وينتهبونه ونحو ذلك، وإلا فنهب أموال المسلمين حرام علي كل أحد. قوله:((والمثلة)) ((نه)): يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مثلاً إذا قطعت أطرافه وشوهت به. وقيل: المراد بها تشويه الخلق بقطع الأنوف والآذان وفقء العيون.

الحديث الخامس عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((آضت)) ((مح)): هو- بهمزة ممدودة- هكذا ضبطه جميع الرواة ببلادنا، أي عادت إلي حالها الأولي ورجعت، ومنه قولهم: أيضاء وهو مصدر من آض يئيض. قوله: ((من لفحها)) ((نه)): لفح النار- بالفاء والحاء- حرها ووهجها. والمحجن عصا في رأسها اعوجاج كالصولجان، والميم زائدة، ويجمع علي محاجن. والقصب المعى وجمعه أقصاب. وقيل: القصب اسم للأمعاء كلها. وقيل: هو كل ما أسفل البطن من الأمعاء. والخشاش- بالخاء المعجمة- هوامها وحشراتها. ((مح)): ست ركعات يعني كان يصلي ركعتين في كل ركعة يركع ثلاثاً ويسجد سجدتين.

ص: 2189

بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار. وكان يسرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلق بمحجتي، وإن غفل عنه ذهب به. وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً، ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرتها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل)). رواه مسلم.

2943 -

وعن قتادة، قال: سمعت أنساً يقول: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرساً من أبي طلحة يقال له: المندوب، فركب، فلما رجع قال:((ما رأينا من شيء. وإن وجدناه لبحراً)). متفق عليه.

ــ

قال العلماء: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم رأي الجنة والنار رؤية عين، كشف الله تعالي عنهما وأزال الحجب بينه وبينهما كما فرج له عن المسجد الأقصى، وأن تكون رؤية علم ووحي علي سبيل التفصيل، وتعريف لم يعرفه قبل ذلك فحصلت له من ذلك خشية لم تسبقها. والتأويل الأول أولي وأشبه بألفاظ الحديث؛ لما فيه من الأمور الدالة علي رؤية العين من تأخره؛ لئلا يصيبه لفحها وتقدمه لقطف العنقود. وصاحب المحجن هو عمرو بن لحي- بضم اللام وفتح الحاء وتشديد الياء.

وقوله: ((يسرق الحاج)) أي متاع الحاج. وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان، وأن ثمارها أعيان كثمار الدنيا. وهو مذهب أهل السنة، وأن التأخر عن مواضع الهلاك والعذاب سنة، وأن العمل القليل لا يبطل الصلاة؛ وأن بعض الناس معذب في نفس جهنم اليوم، وفي تعذيب تلك المرأة بالنار بسبب ربط الهرة، دلالة علي أ، فعلها كان كبيرة؛ لأن ربطها وإصرارها عليه، حتى ماتت إصرار علي الصغيرة، والإصرار عليها يجعلها كبيرة. قوله:((ثم بدا لي)) ((نه)): البداء استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم.

أقول: لعل الاستصواب في أن لا يظهر لهم ثمرتها لئلا ينقلب الإيمان الغيبي إلي الشهودي، أو لو أراهم ثمار الجنة لزم أن يريهم لفح النار أيضاً. وحينئذ يغلب الخوف علي الرجاء فتبطل أمور معاشهم، ومن ثمة قال:((لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً)) والله أعلم.

الحديث السادس عن قتادة رضي الله عنه: قوله: ((المندوب)) ((نه))؛ أي المطلوب وهو من الندب: الرهن الذي يجعل في السباق. وقيل: سمي به لندب كان في جسمه وهو أثر الجرح. قوله: ((وإن وجدناه لبحراً)) ((إن)) هي المخففة من الثقيلة، والضمير في ((وجدناه)) للفرس المستعار.

ص: 2190

الفصل الثاني

2944 -

عن سعيد بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:((من أحيى أرضاً ميتةً فهي له، وليس لعرق ظالم حق)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [2944]

2945 -

ورواه مالك، عن عروة مرسلاً.

وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

ــ

قوله: ((لبحرا)) أي واسع الجري تشبيهاً له بالبحر في سعته. ((مظ)): ((إن)) هاهنا بمعنى ما النافية واللام بمعنى ((إلا)) أي ما وجدناه إلا بحرا. والعرب تقول: إن زيداً لعاقل: يريد ما زيد إلا عاقل. فيه إباحة التوسيع في الكلام وتشبيه الشيء بالشيء بمعنى من معإنيه، وإن لم يستوف جميع أوصافه. وفيه إباحة تسمية الدواب وكانت تلك عادتهم. وكذا أداة الحرب ليحضر سريعاً إذا طلب. ((مح)): فيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدو ما لم يتحقق الهلاك، واستحباب تبشير الناس بعد الخوف إذا ذهب، وجواز العارية والغزو علي الفرس المستعار، وفيه إظهار شجاعته وشدة جأشه صلى الله عليه وسلم.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن سعيد: قوله: ((أرضاً ميتة)) ((قض)): الأرض الميتة: الخراب الذي لا عمارة به، وإحياؤها عمارتها، شبهت عمارة الأرض بحياة الأبدان، وتعطلها وخلوها عن العمارة بفقد الحياة وزوالها عنها، وترتيب الملك علي مجرد الإحياء كاف في التملك، ولا يشترط فيه إذن السلطان. وقال أبو حنيفة: لابد منه.

قوله: ((وليس لعرق ظالم)) روي بالإضافة والوصف، والمعنى أن من غرس أرض غيره أو زرعه بغير إذنه، فليس لغرسه وزرعه حق إبقاء، بل لمالك الأرض أن يقلعه مجاناً. وقيل: معناه أن من غرس أرضاً أحياها غيره أو زرعها لم يستحق به الأرض، وهو أوفق للحكم السابق. و ((ظالم)) إن أضيف إليه فالمراد به الغارس سماه ظالما؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإن وصف به فالمغروس سمي به؛ لأنه الظالم أو لأن الظلم حصل به علي الإسناد المجازي.

قوله: ((رواه مالك عن عروة مرسلاً)) يدل علي أن الحديث متصل من وجه ومرسل من

وجه. ((قض)): والعجب أن الحديث في المصابيح مسند إلي سعيد بن زيد وهو من العشرة،

وجعله مرسلاً ولعله وقع من الناسخ. وأن الشيخ أثبت إحدى الروايتين من المتصل والإرسال

ص: 2191

2946 -

وعن أبي حرة الرقاشي، عن عمه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا تظلموا، ألا لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))، والدارقطني في ((المجتبى)). [2946]

2947 -

وعن عمران ابن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:((لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب نهبة فليس منا)). رواه الترمذي. [2947]

2948 -

وعن السائب بن يزيد، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعباً جاداً، فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه)). رواه الترمذي، وأبو داود وروايته إلي قوله:((جادا)). [2948]

ــ

في المتن، وأثبت غيره الأخرى في الحاشية فالتبس علي الناسخ، وظن أنهما من المتن فأثبتهما فيه. أقول: يجوز أن يروي الصحابي الحديث مرسلاً بأن يكون قد سمع من صحابي آخر، ولم يسند إليه لكن هذا الحديث ليس منه؛ لقول الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

الحديث الثاني والثالث عن عمران: قوله: ((لا جلب)) ((قض)): ((الجلب)) في السباق أن يتبع فرسه رجلاً يجلب عليه ويزجره، و ((الجنب)) أن يجنب إلي فرسه فرساً عرياناً، فإذا فتر المركوب تحول إليه. والجلب والجنب في الصدقة قد مر تفسيرهما في كتاب الزكاة. و ((الشغار)) أن يشاغر الرجل، وهو أن تزوجه أختك علي أن يزوجك أخته، ولا مهر إلا هذا، من شغر البلد إذا خلا من الناس؛ لأنه عقد خال من المهر، أو من شغرت بني فلان من البلد إذا أخرجتهم وفرقتهم. وقولهم: تفرقوا شغر بغر؛ لأنهما إذا تبادلا بأختيهما، فقد أخرج كل منهما أخته إلي صاحبه وفارق بها إليه. والحديث يدل علي فساد هذا العقد؛ لأنه لو صح لكان في الإسلام، وهو قول أكثر أهل العلم، والمقتضى لفساده الاشتراك في البضع بجعله صداقاً. وقال أبو حنيفة والثوري: يصح العقد ولكل منهما مهر المثل.

الحديث الرابع عن السائب: قوله: ((لاعبا وجاداً)) حالان من فاعل ((يأخذ)) وإن ذهب إلي أنهما

مترادفان تناقضتا، وإن ذهب إلي التداخل صح. ((خط)): معناه أن يأخذ علي وجه الهزل

وسبيل المزاح ثم يحبسها عنه، ولا يردها فيصير ذلك جداً. أقول: دل ((ثم)) في قوله أن الحال الثانية

من المتداخلة المقدرة. ((حس)): عن أبي عبيد: هو أن بأخذ متاعه لا يريد سرقته إنما يريد

ص: 2192

2949 -

وعن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه)). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. [2949]

2950 -

وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((علي اليد ما أخذت حتى تؤدي)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [2950]

2951 -

وعن حرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطاً، فأفسدت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن علي أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن علي أهلها. رواه مالك، وأبو داود، وابن ماجه. [2951]

ــ

إدخال الغيظ [عليه فهو لاعب في السرقة، جاد في إدخال الغيظ] والروع والأذى عليه. ((تو)): وإنما ضرب المثل بالعصا؛ لأنه من الأشياء التافهة التي لا يكون لها كثير خطر عند صاحبها؛ ليعلم أن ما كان فوقه فهو بهذا المعنى أحق وأجدر.

الحديث الخامس عن سمرة رضي الله عنه: قوله: ((من وجد عين ماله)) ((تو)): المراد منه ما غصب أو سرق أو ضاع من الأموال، والبيع بالتشديد مشتري الغصب أو المسروق أو المال الضائع.

الحديث السادس عن سمرة رضي الله عنه قوله: ((علي اليد ما أخذت)) ما موصولة مبتدأ و ((علي اليد)) خبره، والراجع محذوف، أي ما أخذته اليد ضمان علي صاحبها، والإسناد إلي اليد علي المبالغة؛ لأنها هي المتصرفة. ((مظ)): يعني من أخذ مال أحد بغصب أو عارية أو وديعة لزمه رده.

الحديث السابع عن حرام: قوله: ((ضامن علي أهلها)) ((حس)): ذهب أهل العلم إلي أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان علي أهلها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها؛ لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي بالليل، فمن خالف هذه العادة كان خارجاً عن رسوم الحفظ، هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها، فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفه، سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها، أو كانت واقفة، سواء أتلفت بيدها أو رجلها أو بفمها، وإلي هذا ذهب مالك والشافعي، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلي أن المالك إن لم يكن معها، فلا ضمان عليه ليلاً كان أو نهاراً.

ص: 2193

2952 -

وعن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((الرجل جبار، والنار جبار)). رواه أبو داود. [2952]

2953 -

وعن الحسن، عن سمرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أتى أحدكم علي ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجابه أحد فليستأذنه، وإن لم يجبه أحد

فليحتلب وليشرب ولا يحمل)). رواه أبو داود. [2953]

2954 -

وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((من دخل حائطاً فليأكل ولا يتخذ خبنة)). رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [2954]

2955 -

وعن أمية بن صفوان، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعه يوم حنين. فقال: أغصباً يا محمد؟! قال: ((بل عارية مضمونة)). رواه أبو داود. [2955]

ــ

الحديث الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((الرجل جبار)) الجبار الهدر، يقال: ذهب دمه جباراً أي هدراً، وهو من تسمية المسبب باسم سببه، أي ما تطؤه الدابة وتضربه برجلها في الطريق، وما أحرقه النار فهو هدر لا ضمان. ((حس)): النار التي يوقدها الرجل في ملكه فيطير بها الريح إلي مال غيره، من حيث لا يمكنه ردها فهو هدر، هذا إذا أوقدها في وقت سكون الريح ثم هبت الريح.

الحديث التاسع عن الحسن: قوله: ((إذا أتى أحدكم علي ماشية)) ((أتى)) متعد بنفسه وعداه بعلي لتضمينه معنى نزل، وجعل الماشية بمنزلة المضيف. وفيه معنى حسن التعليل، هذا إذا كان النازل والضيف مضطراً كما سبق.

الحديث العاشر عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((غير متخذ خبنة)) ((نه)): الخبنة معطف الإزار وطرف الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه، يقال: أخبن الرجل إذا خبأ شيئاً في خبنة ثوبه أو سراويله، وسبق تفسيره في الحديث الثاني من الفصل الأول.

الحديث الحادي عشر عن أمية: قوله: ((أغصباً يا محمد؟!)) قيل: هذا النداء لا يصدر عن

ص: 2194

2956 -

وعن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم)). رواه الترمذي، وأبو داود. [2956]

ــ

مؤمن، قال الله تعالي:{ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} ((تو)): إنه كان يومئذ مشركاً، وقد أخذ بمجامع قلبه الحمية الجاهلية. أقول: قوله: ((غصباً)) معمول مدخول الهمزة، أي أتأخذها غصباً لا تردها علي، فأجاب صلى الله عليه وسلم بل أستعيرها وأردها، [فوضع الرد: الضمان مبالغة في الرد أي كيف لا أرضها] وإنها مضمونة علي، فمن قال: إنها غير مضمونة نظر إلي ظاهر الكلام. ومن قال: إنها مضمونة نظر إلي هذه الدقيقة.

((قض)): هذا الحديث دليل علي أن العارية مضمونة علي المستعير، فلو تلفت في يده لزمه الضمان، وبه قال ابن عباس وأبو هريرة، وإليه ذهب عطاء والشافعي وأحمد. وذهب شريح والحسن والنخعي وأبو حنيفة والثوري إلي أنها أمانة في يده لا تضمن إلا بالتعدي. وروي ذلك عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما. وأول قوله:((مضمونة)) بضمان الرد وهو ضعيف؛ لأنها لا تستعمل فيه، ألا ترى أنه يقال: الوديعة مردودة علي ولا يقال: إنها مضمونة وإن صح استعماله فيه، فحمل اللفظ هاهنا عليه عدول عن الظاهر بلا دليل. وقال مالك: إن خفي تلفه أي لم تقم له بينة علي تلفه ضمن وإلا فلا.

الحديث الثاني عشر عن أبي أمامة رضي الله عنه: قوله: ((مؤداة)) ((تو)): أي تؤدى إلي أصحابها، واختلفوا في تأويله علي حسب اختلافهم في الضمان، فالقائل بالضمان يقول: يؤدي عيناً حال القيام، وقيمة عند التلف. وفائدة التأدية عند من يرى خلافه إلزام المستعير مؤنة ردها إلي مالكها، و ((المنحة)) ما يمنحه الرجل صاحبه من ذات در؛ ليشرب درها، أو شجرة ليأكل ثمرها، أو أرض ليزرعها، وقد سبق تفسيرها. وفي قوله:((مردودة)) إعلام بأنها تتضمن تمليك المنفعة لا تمليك الرقبة. و ((الزعيم غارم)) أي الكفيل ملزم نفسه ما ضمنه، و ((الغرم)) أداء شيء يلزمه.

أقول: وجه هذا التقسيم أن يقال: من يجب عليه حق لغيره شرعا غالبا، إما أن يكون علي سبيل الأداء بأن يؤديه العين مع ما يتصل به فهو العارية، أو علي سبيل الرد من غير ما يتصل به فهو المنحة، أو علي سبيل القضاء بأن يؤديه من غير عينه فهو الدين. وإما أن يكون علي سبيل الغرامة، وهو التزام الإنسان ما لم يأخذه فهو الكفالة، فظهر من هذا أن الواجب في الاستعارة الرد بعينه أو بدله.

ص: 2195

2957 -

وعن رافع بن عمرو الغفاري، قال: كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار، فأتي بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:((يا غلام! لم ترمي النخل؟)) قلت: آكل. قال: ((فلا ترم، وكل مما سقط في أسفلها)) ثم مسح رأسه فقال: ((اللهم أشبع بطنه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [2957]

وسنذكر حديث عمرو بن شعيب في ((باب اللقطة)) إن شاء الله تعالي.

الفصل الثالث

2958 -

عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه، خسف به يوم القيامة إلي سبع أرضين)). رواه البخاري.

2959 -

وعن يعلي بن مرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أخذ أرضاً بغير حقها كلف أن يحمل ترابها المحشر)). رواه أحمد. [2959]

2960 -

وعنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله عز وجل أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوقه إلي يوم القيامة حتى يقضى بين الناس)). رواه أحمد. [2960]

ــ

الحديث الثالث عشر عن نافع: قوله: ((كل مما سقط)) ((مظ)): إنما أجاز له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل مما سقط للاضطرار، وإلا لم يجز له أن يأكل السقط أيضاً؛ لأنه مال الغير كالرطب علي رأس النخل. أقول: لو كان مضطرا لجاز له أن يأكل ما رماه، وإن لم يكن علي الأرض شيء. وقوله:((اللهم أشبع بطنه)) يدل علي أنه لم يكن مضطرا.

الفصل الثالث

الحديث الأول والثاني والثالث عن يعلي بن مرة: قوله: ((ظلم شبرا)) المفعول به محذوف و ((شبرا)) يجوز أن يكون مفعولا مطلقا أو مفعولا فيه، أي مقدار شبر أو ظلم شبر. فإن قلت: كيف التوفيق بين قوله: ((ثم يطوقه إلي يوم القيامة)) وقوله: ((حتى يقضى بين الناس)) فإن ((إلي)) دل علي أن انتهاء التطويق يوم القيامة، و ((حتى)) علي القضاء بين الناس فيه.

قلت: ((إلي)) تفيد معنى الغاية مطلقاً، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل،

ص: 2196