المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(9) باب الإفلاس والإنظار - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٧

[الطيبي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب البيوع

- ‌(1) باب الكسب وطلب الحلال

- ‌(2) باب المساهلة في المعاملات

- ‌(3) باب الخيار

- ‌(4) باب الربا

- ‌(5) باب المنهي عنها من البيوع

- ‌(6) باب

- ‌(7) باب السلم والرهن

- ‌(8) باب الاحتكار

- ‌(9) باب الإفلاس والإنظار

- ‌(10) باب الشركة والوكالة

- ‌(11) باب الغصب والعارية

- ‌(12) باب الشفاعة

- ‌(13) باب المساقاة والمزارعة

- ‌(14) باب الإجارة

- ‌(15) باب إحياء الموات والشرب

- ‌(16) باب العطايا

- ‌(17) باب

- ‌(18) باب اللقطة

- ‌[كتاب الفرائض والوصايا]

- ‌باب الفرائض

- ‌(1) باب الوصايا

- ‌كتاب النكاح

- ‌(1) بابالنظر إلي المخطوبة وبيان العورات

- ‌(2) بابالولي في النكاح واستئذان المرأة

- ‌(3) باب إعلان النكاح والخطبة والشرط

- ‌(4) باب المحرمات

- ‌(5) باب المباشرة

- ‌(6) باب

- ‌(7) باب الصداق

- ‌(8) باب الوليمة

- ‌(9) باب القسم

- ‌(10) بابعشرة النساء وما لكل واحدة من الحقوق

- ‌(11) باب الخلع والطلاق

- ‌(12) باب المطلقة ثلاثا

- ‌(13) باب [في كون الرقبة في الكفارة مؤمنة]

- ‌(14) باب اللعان

- ‌(15) باب العدة

- ‌(16) باب الاستبراء

- ‌(17) باب النفقات وحق المملوك

- ‌(18) باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر

الفصل: ‌(9) باب الإفلاس والإنظار

2897 -

وعن معاذ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((بئس العبد المحتكر: إن أرخص الله الأسعار حزن؛ وإن أغلاها فرح)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))، ورزين في ((كتابه)). [2897]

2898 -

وعن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من احتكر طعاماً أربعين يوما ثم تصدق به، لم يكن له كفارة)). رواه رزين. [2898]

(9) باب الإفلاس والإنظار

الفصل الأول

2899 -

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما رجل أفلس، فأدرك رجل ماله بعينه؛ فهو أحق به من غيره)). متفق عليه.

ــ

الحديث الثالث والرابع عن أبي أمامة رضي الله عنه: قوله: ((ثم تصدق به)) الضمير راجع إلي الطعام، والطعام المحتكر [به] لا يتصدق، فوجب أن تقدر الإرادة فيفيد مبالغة، وأن من نوى الاحتكار هذا شأنه، فكيف بمن فعله؟ وقوله:((لم يكن له كفارة)) اسم ((لم يكن)) ضمير التصدق، و ((كفارة)) خبر له، و ((له)) ظرف لغوه.

باب الإفلاس والإنظار

((نه)): أفلس الرجل إذا لم يبق له مال، ومعناه صارت دراهمه فلوسا، وقيل: صار إلي حال يقال: ليس معه فلس، والإنظار التأخير والإمهال.

الفصل الأول

الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((فهو أحق به من غيره)) ((حس)): العمل علي هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: إذا أفلس المشتري بالثمن ووجد البائع عين ماله، فله أن يفسخ البيع ويأخذ عين ماله، وإن كان قد أخذ بعض الثمن وأفلس بالباقي، أخذ من عين ماله بقدر ما بقى من الثمن، قضى به عثمان، وروي عن علي رضي الله عنهما، ولا نعلم لهما مخالفاً من الصحابة، وبه قال مالك والشافعي.

ص: 2171

2900 -

وعن أبي سعيد، قال: أصيب رجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((تصدقوا عليه))، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه:((خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)). رواه مسلم.

2901 -

وعن أبي هريرة [رضي الله عنه] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كان رجل يدائن الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا تجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: فلقي الله فتجاوز عنه)). متفق عليه.

2902 -

وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر أو يضع عنه)). رواه مسلم.

ــ

الحديث الثاني عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((أصيب رجل)) ((مظ)): أي أصابت جائحة ثمرة اشتراها ولم يقبض ثمن تلك الثمرة- صاحبها- فطالبه وليس له مال يؤديه. وقوله: ((وليس لكم إلا ذلك)) أي ليس لكم زجره وحبسه؛ لأنه ظهر إفلاسه، وإذا ثبت إفلاس الرجل لا يجوز حبسه بالدين، بل يخلي ويمهل إلي أن يحصل له مال فيأخذ الغرماء، وليس معناه أنه ليس لكم إلا ما وجدتم، وبطل ما بقي لكم من ديونكم، قال الله تعالي:{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلي ميسرة} .

الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((لفتاه)) ((مح)): أي غلامه، كما صرح به في الرواية الأخرى. والتجاوز والتجوز، المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير. وفي الحديث فضل إنظار المعسر، والوضع عنه إما كل الدين أو بعضه، وفضل المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء سواء عن الموسر والمعسر، ولا يحتقر شيء من أفعال الخير، فلعله سبب للسعادة، وفيه جواز توكيل العبيد والإذن لهم في التصرف، وهذا قول من يقول: شرع من قبلنا شرع لنا- انتهي كلامه-. و ((لعل)) هاهنا بمعنى عسى؛ ولذلك أتى بـ ((أن)) أي عسى الله أن يتجاوز عنا؛ لأنه لا يقال: لعل الله أن يتجاوز بل يتجاوز.

فإن قلت: كيف قال: ((أن يتجاوز عنا)) ثم قال: ((فتجاوز عنه))؟ قلت: أراد القائل نفسه، ولكن جمع الضمير إرادة أن يتجاوز عمن فعل مثل هذا الفعل؛ ليدخل فيه دخولا أوليا، وكذلك استحب للداعي أن يعم في الدعاء ولا يختص نفسه لعل الله تعالي ببركتهم يستجيب دعاءه.

الحديث الرابع عن أبي قتادة رضي الله عنه: قوله: ((فلينفس)) ((نه)): أي فليؤخر مطالبته.

ص: 2172

2903 -

وعنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أنظر معسرا أو وضع عنه؛ أنجاه الله من كرب يوم القيامة)). رواه مسلم.

2904 -

وعن أبي اليسر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أنظر معسرا أو وضع عنه؛ أظله الله في ظله)). رواه مسلم.

2905 -

وعن أبي رافع، قال: استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا، فجاءته إبل من الصدقة. قال: أبو رافع فأمرني أن أقضي الرجل بكره. فقلت: لا أجد إلا جملا خيارا رباعيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أعطه إياه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء)). رواه مسلم.

ــ

الأزهري: نفس ينفس تنفيسا ونفسا، كما يقال: فرج يفرج تفريجا وفرجا، وهو مستعار من نفس الهواء الذي يرده التنفس إلي الجوف، فيبرد من حرارته ويعدلها، أو من نفس الريح الذي ينسمه فيستروح إليه، أو من نفس الروضة وهو طيب روائحها فينفرج به عنه.

الحديث الخامس والسادس عن أبي اليسر: قوله: ((أظله الله في ظله)) أي وقاه الله من حر يوم القيامة علي سبيل الكناية، أو وقفه الله في ظل عرشه علي الحقيقة.

الحديث السابع عن أبي رافع: قوله: ((استسلف)) استقرض. ((نه)): ((البكر)) - بالفتح- الفتي من الإبل بمنزلة الغلام من الإنسان، والرباعي من الإبل هو الذي أتت عليه ست سنين، ودخل في السنة السابعة، فإذا طلعت رباعيته قيل للذكر: رباع وللأنثى: رباعية- خفيفة الياء-.

قوله: ((إلا جملا خيارا)) ((حس)): يقال: جمل خيار وناقة خيارة أي مختارة، وفيه من الفقه جواز استسلاف الإمام للفقراء، إذا رأي بهم خلة وحاجة، ثم يؤديه من مال الصدقة إن كان قد أوصل إلي المساكين. وفيه دليل علي جواز استقراض الحيوان وثبوته في الذمة، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي رضي الله عنه.

وفي الحديث دليل علي أن من استقرض شيئا يرد مثل ما استقرض، سواء كان ذلك من ذوات القيم أو من ذوات الأمثال؛ لأن الحيوان من ذوات القيم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برد المثل. وفيه دليل علي أن من استقرض شيئا فرد أحسن أو أكثر منه من غير شرط، كان محسنا ويحل ذلك للمقرض.

((مح)): فيه جواز إقراض الحيوان، وهو مذهب مالك، والشافعي، وجماهير العلماء من الخلف والسلف، إلا الجارية لمن يملك وطأها، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز، والأحاديث الصحيحة ترد عليه، ولا تقبل دعواهم النسخ بغير دليل.

ص: 2173

2906 -

وعن أبي هريرة، أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له، فهم أصحابه، فقال:((دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا، واشتروا له بعيرا، فأعطوه إياه)) قالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه. قال: ((اشتروه فأعطوه إياه؛ فإن خيركم أحسنكم قضاء)). متفق عليه.

2907 -

وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم علي مليء فليتبع)). متفق عليه.

ــ

وفي الحديث أن رد الأجود في القرض، أو الدين من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة؛ لأن المنهي عنه ما كان مشروطا في عقد القرض، كذا في شرح مسلم وزاد في الروضة: لا فرق في الرد بين الربوي وغيره، ولا بين الرجل المشهور برد الزيادة أو غيره علي الصحيح، وقال في التتمة: لو قصد إقراض المشهور بالزيادة للزيادة، ففي كراهته وجهان، وقال في الشرح: يجوز للمقرض أخذ الزيادة، سواء زاد في الصفة أو العدد. ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهي عنها، وحجة أصحابنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم:((فإن خير الناس أحسنهم قضاء)).

وفي الحديث إشكال، وهو أن يقال: كيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه الغريم مع أن الناظر في الصدقات لا يجوز تبرعه منها؟ والجواب عنه أنه صلى الله عليه وسلم اقترض لنفسه، ثم اشترى في القضاء من إبل الصدقة بعيرا وأداه، ويدل عليه حديث أبي هريرة:((اشتروا له بعيرا فأعطوه إياه)). وقيل: إن المقترض كان بعض المحتاجين، اقترض لنفسه فأعطاه من الصدقة حين جاءت، وأمره بالقضاء.

الحديث الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((أغلظ له)) قال في المغرب: أي عنف به. قوله: ((فإن لصاحب الحق مقالا)) ((مح)) فيه أنه يحتمل من صاحب الدين الكلام في المطالبة، والإغلاظ المذكور محمول علي تشدد في المطالبة، ويجوز ذلك من غير كلام فيه قدح، أو غيره مما يقتضي الكفر، ويحتمل أن القائل كان كافرا من اليهود أو غيرهم.

الحديث التاسع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قول: ((مطل الغنى ظلم)) ((مح)): المطل منع قضاء ما استحق أداؤه، وهو حرام من المتمكن، ولو كان غنيا لكنه ليس متمكنا جاز له التأخير إلي الإمكان، وقد اختلفوا في أن الماطل المتمكن هل يفسق وترد شهادته بمرة واحدة أم لا؟، حتى يتكرر ذلك منه ويصير عادته، ومقتضى مذهبنا اشتراط التكرر و ((أتبع)) و ((فليتبع)) بإسكان التاء فيهما هذا هو المشهور.

ونقل عن بعض المحدثين التشديد في الثانية، ومعناه إذا أحيل بالدين له علي موسر

ص: 2174

2908 -

وعن كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك قال:((يا كعب)) قال: لبيك يا رسول الله! فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله؛ قال: ((قم فاقضه)). متفق عليه.

2909 -

وعن سلمة بن الأكوع، قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجنازة، فقالوا: صل عليها. فقال: ((هل عليه دين؟)) قالوا: لا. فصلي عليها. ثم أتي بجنازة أخرى، فقال:((هل عليه دين؟)) قالوا: نعم. فقال: ((فهل ترك شيئا؟)) قالوا: ثلاثة دنإنير. فصلي عليها: ثم أتي بالثالثة، فقال:((هل عليه دين؟)) قالوا: ثلاثة دنإنير. قال: ((هل ترك شيئا؟)) قالوا: لا. قال: ((صلوا علي صاحبكم)). قال أبو قتادة: صلي عليه يا رسول الله! وعلي دينه. فصلي عليه. رواه البخاري.

ــ

فليحتل، يقال: تبعت الرجل بحقي أتبعه تباعة إذا طالبته به، قال الله تعالي:{ثم لا تجدوا لكم به علينا تبيعا} ومذهب أصحابنا والجمهور أن هذا الأمر للندب، وقيل: للإباحة، وقيل: للوجوب. ((نه)): المليء بالهمزة الثقة الغني فهو مليء من الملأ والملاءة بالمد، وقد أولع الناس فيه بترك الهمزة وتشديد الياء.

الحديث العاشر عن كعب: قوله: ((تقاضى)) ((مح)): تقاضى أي طالبه به وأراد قضاء دينه، وفيه جواز المطالبة بالدين في المسجد، والشفاعة إلي صاحب الحق، والإصلاح بين الخصوم، وحسن التوسط بينهم، وقبول الشفاعة إلي صاحب الحق، وجواز الاعتماد علي الإشارة وإقامتها مقام القول؛ لقوله:((فأشار بيده أن ضع الشطر)) فـ ((أن)) في الحديث مفسرة؛ لأن في الإشارة معنى القول، و ((السجف)) - بكسر السين وفتحها وإسكان الجيم- لغتان، ((نه)): لعله صلى الله عليه وسلم امتنع عن الصلاة علي المديون الذي لم يدع وفاء، تحذيرا عن الدين وزجرا عن المماطلة والتقصير في الأداء؛ أو كراهة أن يقف دعاؤه ويعلق عن الإجابة، بسبب ما عليه من حقوق الناس ومظالمهم.

((حس)): في الحديث دليل علي جواز الضمان عن الميت، سواء ترك وفاء أو لم يترك، وهو

قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح الضمان عن ميت لم يخلف

ص: 2175

2910 -

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال:((من أخذ أموال الناس يريد أداءها؛ أدى الله عنه. ومن أخذ يريد إتلافها؛ أتلفه الله عليه)). رواه البخاري.

2911 -

وعن أبي قتادة، قال: قال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، يكفر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((نعم)). فلما أدبر ناداه، فقال:((نعم، إلا الدين؛ كذلك قال جبريل)). رواه مسلم.

ــ

وفاء. وبالاتفاق [لو ضمن حر عن معسر دينا]، ثم مات من عليه الدين، كان الضمان بحاله، فلما لم يناف موت المعسر دوام الضمان لا ينافي ابتداءه. أقول: والتمسك بالحديث أولي من هذا القياس. وفي قوله: ((فصلي عليها)) في الكرة الثانية- إيذان بأن الله تعالي ألهمه صلى الله عليه وسلم، بأن ما ترك الميت وهو ثلاثة دنإنير مما يفي بقرضه أو يزيد علي القرض.

الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((يريد أداءها)) ((مظ)): يعني من استقرض احتياجا وهو يقصد أداءه ويجتهد فيه، أعانه الله علي أدائه، وإن مات ولم يتيسر له أداؤه، فالمرجو من الله الكريم أن يرضي خصمه. ومن استقرض من غير احتياج، ولم يقصد أداءه، لم يعنه ولم يوسع رزقه، بل يتلف ماله؛ لأنه قصد إتلاف إتلاف مال مسلم.

الحديث الثالث عشر عن أبي قتادة: قوله: ((غير مدبر)) حال مؤكدة مقررة لما يرادفها، نحوه في الصفة قولك: أمس الدابر لا يعود. و ((إلا الدين)) مستثنى مما يقرره ((نعم)) وهو قوله: ((يكفر الله عني خطاياي)) أي نعم يكفر الله خطاياك إلا الدين، والدين ليس من جنس الخطايا، فكيف يستثنى منه؟ والجواب أنه منقطع، أي لكن الدين لا يكفر؛ لأنه من حقوق الآدميين، فإذا أدى أو أرضي الخصم خرج عن العهدة، ويحتمل أن يكون متصلا علي تقدير حذف المضاف أي خطيئة الدين، أو يجعل من باب قوله تعالي:{يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} فيذهب إلي أن أفراد جنس الخطيئة قسمان: متعارف وغير متعارف، فيخرج بالاستثناء أحد قسميه مبالغة في التحذير عن الدين، والزجر عن المماطلة والتقصير في الأداء. ((شف)): وفيه دليل علي أن حقوق الله تعالي علي المساهلة، وحقوق العباد علي المضايقة، وعلي أن جبريل عليه السلام يلقنه أشياء سوى القرآن.

ص: 2176

2912 -

وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)). رواه مسلم.

2913 -

وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتي بالرجل المتوفي عليه الدين، فيسأل:((هل ترك لدينه قضاء؟)) فإن حدث أنه ترك وفاء صلي، وإلا قال للمسلمين:((صلوا علي صاحبكم)). فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: ((أنا أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا، فعلي قضاؤه، ومن ترك فهو لورثته)) متفق عليه.

الفصل الثاني

2914 -

عن أبي خلدة الزرقي، قال: جئنا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال: هذا الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه)). رواه الشافعي، وابن ماجه. [2914]

ــ

الحديث الرابع عشر والخامس عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((أنا أولي بالمؤمنين من أنفسهم)) أي النبي صلى الله عليه وسلم أولي بالمؤمنين في كل شيء من أمور الدين والدنيا من أنفسهم؛ ولهذا أطلق ولم يقيد، فيجب، عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وكذلك شفقته صلى الله عليه وسلم عليهم أحق وأحرى من شفقتهم علي أنفسهم، فإذا حصلت له الغنيمة يكون هو أولي بقضاء دينهم لهم. فقوله:((فمن توفي)) مسبب عما قبله، والمعنى من ترك دينا وليس له مال، فعلي قضاء دينه، ومن ترك مالا فلورثته بعد قضاء دينه.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن أبي خلدة: قوله: ((هذا الذي قضى فيه)) ((شف)): لم يرد أنه قضى فيه بعينه، إنما أراد قضى فيمن هو في مثل حاله من الإفلاس. أقول: يمكن أن يكون المشار به الأمر والشأن، ويؤيده قوله:((أيما رجل)) إلي آخره؛ لأنه بيان للأمر المبهم علي سبيل الاستئناف، ويعضده أيضا قوله:((جئنا في صاحب لنا)) أي في شأن صاحب لنا، وليس قوله:((بعينه)) ثإني مفعولي ((وجد)) أي علم، فيكون حالا أي وجده حاضرا بعينه.

ص: 2177

2915 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)). رواه الشافعي، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [2915]

2916 -

وعن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صاحب الدين مأسور بدينه، يشكو إلي ربه الوحدة يوم القيامة)). رواه في ((شرح السنة)). [2916]

2917 -

وروي أن معاذا كان يدان، فأتى غرماؤه إلي النبي صلى الله عليه وسلم، فباع النبي صلى الله عليه وسلم ماله كله في دينه، حتى قام معاذ بغير شيء. مرسل. هذا لفظ ((المصابيح)). ولم أجده في الأصول إلا في ((المنتقى)). [2917]

2918 -

وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شابا

سخيا، وكان لا يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى

ــ

الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه، قوله:((معلقة بدينه)) أي لا يظفر بمقصوده من دخول الجنة أو في زمرة عباد الله الصالحين، ويؤيد المعنى الثاني الحديث الآتي ((يشكو إلي ربه الوحدة يوم القيامة)).

الحديث الثالث عن البراء: قوله: ((مأسور)) ((تو)): المأسور من يشد بالإسار أي [القد]، وكانوا يشدونه به، فسمي كل [أخيذ] أسيرا وإن لم يشد بالقد، يقال أسرت الرجل أسرا وإسارا فهو أسير ومأسور.

الحديث الرابع عن معاذ رضي الله عنه: قوله: ((وعن عبد الرحمن بن كعب)) حكاية لفظ ما في كتاب المنتقى لابن [التيمي]، أورده ليبين أن هذا الحديث وإن لم يكن في السنن التي طالعها، لكن هو موجود في المنتقى، فلو لم يكن في بعض الأصول لم يورده صاحب المنتقى في كتابه.

قوله: ((يدان)) ((تو)): هو بتشديد الدال افتعل من دان فلان يدين دينا، إذا استقرض وصار عليه دين فهو دائن. قال الشاعر:

ندين ويقضي الله عنا وقد نرى

مصارع قوم لا يدينون ضيعا

ص: 2178

النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه ليكلم غرماءه فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله حتى قام معاذ بغير شيء. رواه سعيد في سننه مرسلا. [2918]

2919 -

وعن الشريد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) قال ابن المبارك: يحل عرضه: يغلظ له. وعقوبته: يحبس له. رواه أبو داود، والنسائي. [2919]

2920 -

وعن أبي سعيد الخدري قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة ليصلي عليها

فقال: ((هل علي صاحبكم دين؟)) قالوا: نعم. قال: ((هل ترك له من وفاء؟)) قالوا: لا.

قال: ((صلوا علي صاحبكم)). قال علي بن أبي طالب: علي دينه يا رسول الله فتقدم فصلي عليه.

وفي رواية معناه وقال: ((فك الله رهانك من النار كما فككت

ــ

وهذا الحديث مع ما فيه من الإرسال غير مستقيم المعنى؛ لم فيه من ذكر بيع النبي صلى الله عليه وسلم مال معاذ، من غير أن حبسه أو كلفه ذلك أو طالبه بالأداء فامتنع، وكان حقه أن يحبس بها حتى يبيع ماله فيها. وليس للحاكم أن يبيع شيئاً من ماله بغير إذنه، وأجاب القاضي عنه: أن الحديث وإن كان مرسلاً لا احتجاج به عندنا، لكنه ملزم به، لأنه يقبل المراسيل. وفيه دليل علي أن للقاضي أن يبيع مال المفلس بعد الحجر عليه بطلب الغرماء.

قوله: ((فلو تركوا لأحد)) الفاء فيه مرتب علي محذوف، أي كلم النبي صلى الله عليه وسلم غرماءه لأن يتركوا له فلم يتركوا، ولو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ؛ لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أن طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب شفاعة لا طلب إيجاب، إذ لو كان طلب إيجاب لم يسعهم إلا الترك.

الحديث الخامس عن الشريد: قوله ((ليُّ الواجد)) ((تو)): اللي المطل من قولك: لويت حقه إذا دفعته، و ((الواجد)) الغني من قولهم: وجد المال وجداً، - بفتح الواو وكسرها وضمها وسكون الجيم- وجدة أي استغنى. قوله:((يغلظ له)) أي القول. ((تو)): أي يلام وينسب إلي الظلم، ويعير بأكل أموال الناس بالباطل. قوله:((يحبس له)) الضمير المرفوع لـ ((الواجد)) والمجرور ((للي))، يعني عقوبة الواجد حبسه لمطله.

الحديث السادس عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((ليصلي عليها)) الضمير للجنازة إذا أريد بها الميت. ((نه)): هي – بالفتح والكسر- الميت بسريره، وقيل: بالكسر السرير، وبالفتح الميت، و ((هل ترك له من وفاء)) ((من)) زائدة؛ لأنها في سياق الاستفهام، أي هل ترك ما يوفي به دينه ..

ص: 2179

رهان أخيك المسلم. ليس من عبد مسلم يقضي عن أخيه دينه إلا فك الله رهانه يوم القيامة)). رواه في شرح السنة)). [2920]

2921 -

وعن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة)). رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [2921]

2922 -

وعن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهي الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء)). رواه أحمد، وأبو داود. [2922]

ــ

قوله: ((فك الله رهانك)) ((تو)): فك الرهن تخليصه، وفك الإنسان نفسه أن يسعى فيما يعتقها من عذاب الله، والرهان جمع رهن، يريد أن نفس المديون مرهونة بعد الموت بدينه، كما هي في الدنيا محبوسة، والإنسان مرهونة بعمله، قال الله تعالي:{كل نفس بما كسبت رهينة} أي مقيم في جزاء ما قدم من عمله، فلما سعى في تخليص أخيه المؤمن عما كان مأسوراً به من الدين، دعا له بتخليص الله نفسه عما تكون مرهونة به من الأعمال، ولعله ذكر الرهان بلفظ الجمع، تنبيهاً علي أن كل جزء من الإنسان رهين بما كسب، أو لأنه اجترح الآثام شيئاً بعد شيء، فرهن بها نفسه رهناً بعد رهن.

الحديث السابع عن ثوبان: قوله ((والغلول)) ((تو)): هي الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وسميت غلولاً؛ لأن الأيدي فيها مغلولة، أي ممنوعة مجعول فيها غل، ضم الدين مع أقبح الجنايات وأشنع الأخلاق؛ دلالة علي أنه منهما، وهو دين لزمه باختياره ولم ينو أداءه. والله أعلم.

الحديث الثامن والتاسع عن أبي موسى رضي الله عنه: قوله: ((أن يلقاه)) خبر ((إن)) و ((أن يموت)) بدل منه؛ لأنك إذا قلت: إن أعظم الذنوب عند الله موت الرجل وعليه دين استقام؛ ولأن لقاء العبد ربه إنما هو بعد الموت، و ((رجل)) مظهر أقيم مقام ضمير العبد، وفائدة ذكر العبد أولاً استبعاد ملاقاته مالكه وربه بهذا الشين، ثم إعادته بلفظ ((رجل))، وتنككيره تحقيراً لشأنه وتوهيناً لأمره. فإن قلت: قد سبق أن حقوق الله مبناها علي المساهلة، وليس كذلك

ص: 2180

2923 -

وعن عمرو بن عوف المزني، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً، والمسلمون علي شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)) رواه الترمذي،

وابن ماجه، وأبو داود. وانتهت روايته عند قوله:((شروطهم)). [2923]

الفصل الثالث

2924 -

عن سويد بن قيس، قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزاً من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، فساومنا بسراويل، فبعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له رسول الله:((زن وأرجح)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [2924]

ــ

حقوق الآدميين في قوله صلى الله عليه وسلم: ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)) وهاهنا جعله دون الكبائر، فما وجه التوفيق؟ قلت: قد وجهناه أنه علي سبيل المبالغة، تحذيراً وتوقياً عن الدين، وهذا مجرى علي ظاهره.

((مظ)): فعل الكبائر عصيان الله تعالي، وأخذ الدين ليس بعصيان، بل الاقتراض والتزام الديون جائز، وإنما شدد صلى الله عليه وسلم علي من مات وعليه دين، ولم يترك ما يقضي دينه؛ كيلا تضيع حقوق الناس- انتهي كلامه. يريد أن نفس الدين ليس بمنهي عنه، بل هو مندوب إليه، كما ورد في بعض الأحاديث، وإنما هو سبب عارض من تضييع حقوق الناس، بخلاف الكبائر فإنها منهية لذاتها.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن سويد: قوله: ((بزا)) الجوهري: البز من الثياب أمتعة البزاز. وقوله: ((يمشي)) حال أي جاءنا ماشياً، وفيه بيان تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث جاء إليهم ماشياً لا راكباً، وساومهم في مثل السراويل، وبيان خلقه وكرمه، حيث زاد علي القيمة، وفيه جواز أجرة الوزان علي وزنه.

ص: 2181

2925 -

وعن جابر، قال: كان لي علي النبي صلى الله عليه وسلم دين، فقضإني، وزادني. رواه أبو داود. [2925]

2926 -

وعن عبد الله بن أبي ربيعة، قال: استقرض مني النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ألفا، فجاء مال، فدفعه إلي، وقال:((بارك الله تعالي في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء)). رواه النسائي. [2926]

2927 -

وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان له علي رجل حق، فمن أخره كان له بكل يوم صدقة)). رواه أحمد. [2927]

2928 -

وعن سعد بن الأطول قال: مات أخي وترك ثلاثمائة دينار، وترك ولداً صغاراً، فأردت أن أنفق عليهم. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن أخلك محبوس بدينه، فاقض عنه)). قال: فذهبت فقضيت عنه، ولم تبق إلا امرأة تدعي دينارين، وليست لها بينة. قال:((أعطها فإنها صدقة)). رواه أحمد. [2928]

2929 -

وعن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: كنا جلوساً بفناء المسجد حيث يوضع الجنائز، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهرينا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره

ــ

الحديث الثاني والثالث عن عبد الله: قوله: ((إنما جزاء السلف)) فإن قلت: هذا يوهم أن الزيادة علي الدين غير جائزة؛ لأن ((إنما)) تثبت الحكم للمذكور وتنفيه عما سواه قلت: هو علي سبيل الوجوب؛ لأن شكر المنعم وأداء حقه واجبان، والزيادة فضل.

الحديث الرابع والخامس عن سعد رضي الله عنه: قوله: ((ولداً صغاراً)): الولد قد يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الولد بالضم. قوله:((أعطها)) هذا إما أن يكون معلوماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير وحي، فأمره بالإعطاء؛ لأنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه، وأن يكون بوحي فهو من خواصه. وقوله:((ولم تبق)) عطف من حيث المعنى علي قوله: ((قضيت)) أي قضيت ديون من كانت له بينة، ولم أقض لهذه المرأة، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل ((قضيت)).

ص: 2182